أبدت طهران، الأحد، رهانًا واضحًا على الدور اليمني في إعادة ضبط الإيقاع الأمريكي في المنطقة، بالتزامن مع مؤشرات على محاولة واشنطن استعادة التصعيد البحري والعسكري، في مشهد يعكس تصاعد مكانة اليمن داخل معادلة الردع الإقليمي ومحور المواجهة مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، قال مستشار المرشد الأعلى الإيراني علي أكبر ولايتي إن باب المندب بات بيد “الأشقاء” في اليمن، في إشارة مباشرة إلى حركة أنصار الله، وهو موقف يكشف حجم التعويل الإيراني على الورقة اليمنية في مواجهة أي تحركات أمريكية جديدة، خصوصًا في الممرات البحرية الحساسة التي تحولت خلال الأشهر الماضية إلى ساحة تأثير مباشر في الصراع الدائر بالمنطقة.
وجاء تصريح ولايتي بالتوازي مع إعادة تداول تحذير يمني بارز أطلقه عضو مجلس الشورى ونائب وزير الخارجية السابق في حكومة صنعاء حسين العزي، الذي خاطب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محذرًا من مغبة دفع اليمن نحو إغلاق مضيق باب المندب، مؤكدًا أن “لا الإنس ولا الجن” قادرون على فتحه إذا اتُّخذ قرار إغلاقه. وتحمل هذه الصيغة اليمنية الحادة رسالة ردع واضحة، مفادها أن باب المندب لم يعد مجرد ممر مائي دولي، بل بات جزءًا من ميزان اشتباك سياسي وعسكري يمكن لليمن أن يفعّله في اللحظة التي يراها مناسبة.
وتعززت هذه الرسائل بعد تصريحات وزير الدفاع اليمني اللواء الركن محمد العاطفي، التي أكد فيها أن القوات المسلحة اليمنية استكملت جاهزيتها للجولات القادمة، في إشارة إلى أن صنعاء لا تتعامل مع المرحلة الراهنة كفترة تهدئة، بل كمرحلة تحضير واستعداد لاحتمالات تصعيد جديد، سواء في البحر الأحمر أو باب المندب أو غيرهما من المسارح المرتبطة بالمواجهة مع العدوين الأمريكي والإسرائيلي.
ويأتي هذا التصعيد في الخطاب السياسي والعسكري اليمني والإيراني مع تحركات أمريكية تشير إلى نية واضحة لإعادة ترتيب مشهد الانتشار في المنطقة، من خلال إعادة نشر مزيد من حاملات الطائرات والقطع البحرية، ولا سيما باتجاه البحر الأحمر. غير أن الرسائل الصادرة من صنعاء وطهران توحي بأن باب المندب مرشح لأن يكون ساحة مركزية في أي جولة قادمة، وأن أي محاولة أمريكية للعودة إلى فرض الهيمنة العسكرية على هذا الممر ستواجه معادلات ردع مختلفة عمّا كان قائمًا في السابق.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت اليمن إلى فاعل مباشر ومؤثر في المشهد الإقليمي، خصوصًا بعد نجاح عمليات الإسناد المرتبطة بغزة، والتي استمرت لفترة طويلة، وأفضت إلى إرباك واسع في حركة الملاحة المرتبطة بالعدو الإسرائيلي في البحر الأحمر وخليج عدن، وصولًا إلى المحيط الهندي وبحر العرب وحتى المتوسط، رغم كل التحالفات والتحركات الغربية التي سعت إلى كسر هذا الواقع.
وبناءً على ذلك، فإن التعويل الإيراني على اليمن لم يعد مجرد موقف تضامني أو خطاب سياسي عابر، بل بات يعكس قناعة متنامية داخل محور المقاومة بأن صنعاء أصبحت تملك ورقة ضغط استراتيجية ثقيلة، قادرة على التأثير في حسابات واشنطن، وإعادة صياغة قواعد الاشتباك البحري في المنطقة. ومن هنا، تبدو رسائل باب المندب اليوم أوسع من مجرد تحذيرات، إذ تشير إلى أن أي تصعيد أمريكي جديد قد يواجه ردًا يمنيًا يتجاوز الدعم الرمزي إلى التأثير المباشر في واحد من أهم شرايين الملاحة العالمية.
وفي المحصلة، تكشف هذه التطورات أن اليمن بات جزءًا أساسيًا من هندسة الردع الإقليمي، وأن باب المندب لم يعد مجرد جغرافيا بحرية، بل موقعًا متقدمًا في معركة كسر الإرادة الأمريكية والإسرائيلية. وبين التعويل الإيراني، والتحذير اليمني، والتحركات الأمريكية، يبرز الممر البحري الأهم في المنطقة بوصفه مرآةً لتوازنات جديدة عنوانها أن زمن العبور الآمن تحت المظلة الأمريكية لم يعد كما كان.
