في تطور يعكس ثبات الموقف الإيراني واتساع هوامش المبادرة السياسية والميدانية، دفعت طهران، اليوم، بجملة رسائل متزامنة إلى واشنطن والكيان الصهيوني ودوائر القرار الدولي، أكدت فيها أن إيران لا تتحرك من موقع الدفاع السلبي، بل من موقع إدارة المواجهة وفرض قواعد الاشتباك، سواء على مستوى الردع العسكري أو الملاحة في مضيق هرمز أو الاشتباك السياسي داخل مجلس الأمن.
وفي هذا السياق، شددت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة على أن الولايات المتحدة تواصل انتهاك القانون الدولي عبر فرض حصارات بحرية غير قانونية ودعم جرائم الكيان الصهيوني في أنحاء المنطقة، مؤكدة أن واشنطن تستخدم منصة مجلس الأمن لنشر الأكاذيب والاتهامات الزائفة والمعلومات المضللة ضد إيران وبرنامجها النووي السلمي. وذهبت البعثة أبعد من ذلك حين وصفت المشهد الدولي بأنه بات مقلوباً، إذ إن “الجاني واللص، أي أمريكا والكيان الصهيوني، يؤديان الآن دور المدعي العام والقاضي”، في محاولة لتبييض جرائمهما وتحوير الحقائق.
وتزامناً مع هذا الموقف السياسي الحاد، جاءت المؤشرات الميدانية من مضيق هرمز لتنسف عملياً الرواية الأمريكية التي حاولت تصوير إيران كطرف معطل للملاحة. فقد أعلن وزير الخارجية الكوري الجنوبي عبور ناقلة نفط كورية المضيق بالتعاون مع السلطات الإيرانية، قبل أن يؤكد التلفزيون الإيراني لاحقاً أن 5 ناقلات نفط عملاقة عبرت هرمز بعد التنسيق مع حرس الثورة الإسلامية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ أعلنت بحرية حرس الثورة الإسلامية أن 26 سفينة عبرت المضيق خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية بتنسيق وتأمين من قواتها البحرية، ومن بينها ناقلات نفط وسفن حاويات وسفن تجارية، ما يؤكد أن حركة الملاحة لم تعد تمر وفق الإملاءات الأمريكية، بل عبر تصاريح وتنسيق مع القوات الإيرانية.
وهذه المعطيات لا تحمل بعداً إجرائياً فقط، بل تكشف أن إيران تمضي في ترسيخ إدارة فعلية للممر البحري الأهم في العالم، وتحوّل هرمز من ساحة ابتزاز أمريكي إلى منصة سيادة وضبط ميداني. فحين تعلن طهران أن الملاحة تتم بتنسيق مع قواتها، وتؤكد الوقائع عبور السفن تباعاً، فإن ذلك يعني أن المعادلة الجديدة في المضيق تُكتب بإرادة إيرانية لا ببيانات الأساطيل الغربية.
وعلى المستوى العسكري، رفعت طهران سقف الرسائل بشكل أوضح، إذ أكد حرس الثورة الإسلامية أن العدو الأمريكي الصهيوني، الذي لم يتعلم من هزائمه المتكررة، يجب أن يدرك أن إيران لم تستخدم بعد جميع قدرات الثورة الإسلامية ضده. وشدد الحرس على أنه رغم تعرض إيران لهجوم بقدرات جيشين من الأعلى كلفة في العالم، فإن خياراتها الرادعة لم تُستنزف بعد. وحذر من أن أي عدوان جديد سيُواجَه بضربات ساحقة في أماكن لا يتوقعها العدو، وأن الحرب الإقليمية الموعودة، إذا فُرضت، ستتجاوز هذه المرة حدود المنطقة. وختم رسالته بعبارة شديدة الوضوح: “نحن أهل حرب، والعدو سيشاهد قوتنا الحقيقية في ميدان المعركة لا في البيانات وصفحات الإنترنت”.
وتكشف هذه اللغة أن طهران لم تعد تكتفي بتثبيت الردع على قاعدة الدفاع، بل تريد القول إن الاحتياط الاستراتيجي الإيراني ما يزال كبيراً، وإن ما ظهر في الجولات السابقة ليس سوى جزء من القدرة، لا كاملها. وهذه الرسالة تستهدف مباشرة أي نزعة أمريكية أو إسرائيلية للعودة إلى خيار العدوان، عبر التأكيد أن كلفة الجولة المقبلة ستكون أعلى، واتساعها أخطر، ومسرحها أوسع من حسابات واشنطن وتل أبيب.
في السياق نفسه، حملت زيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران دلالة سياسية مهمة، خصوصاً مع وصوله الرسمي ولقائه نظيره الإيراني في مقر وزارة الداخلية. فهذه الزيارة، في توقيتها ومضمونها، تعكس استمرار الحراك الإقليمي الدبلوماسي حول الأزمة، وتؤكد أن طهران ما تزال تستقبل الوسطاء وتدير قنوات التواصل من موقع الثقة والثبات، لا من موقع التراجع أو الارتهان. كما توحي بأن باكستان تحتفظ بدور متقدم في الجهد السياسي المحيط بالملف الإيراني، سواء على مستوى تخفيف التوتر أو إعادة ضبط مسارات التفاوض.
ومن جهة أخرى، حملت كلمة السيد مجتبى الخامنئي في ذكرى استشهاد السيد رئيسي رسالة داخلية وإقليمية عميقة، إذ أكد أن الشعب الإيراني يقف اليوم أمام ملاحم تاريخية فريدة سطرها في مواجهة جيشين إرهابيين عالميين، وأن هذه الملاحم لا تمثل محطة معنوية فقط، بل تضاعف من مسؤولية مسؤولي الجمهورية الإسلامية وتدفعهم إلى مضاعفة الخدمة والجهاد. كما أشار إلى أن الشهيد رئيسي كان يمثل عنصر طمأنينة لأصدقاء إيران، وفي مقدمتهم مجاهدو جبهة المقاومة، بما يعكس استمرار الربط بين تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية وبين تماسك محور المقاومة في الإقليم.
وفي المحصلة، فإن مشهد اليوم يكشف بوضوح أن إيران تتحرك في ثلاثة مسارات متوازية ومتناسقة:
أولاً: مسار سياسي قانوني يفضح الولايات المتحدة والكيان الصهيوني داخل المؤسسات الدولية.
ثانياً: مسار ميداني سيادي يكرس التحكم بحركة الملاحة في مضيق هرمز ويؤكد أن المرور يتم ضمن قواعد إيرانية واضحة.
ثالثاً: مسار عسكري ردعي يرفع سقف الإنذار ويؤكد أن ما لدى طهران من أدوات لم يُستعمل كله بعد.
وبذلك، تبدو طهران اليوم أبعد ما تكون عن صورة الطرف المحاصر أو المنكفئ؛ فهي تقدم نفسها كدولة تمسك بالممر، وتخاطب العالم من منصة الأمم المتحدة، وتلوّح بقدرات لم تدخل بعد كامل ساحة الاستخدام. أما واشنطن وتل أبيب، فكلما واصلتا خطاب التهديد، ازداد وضوح المأزق الذي تواجهانه: إيران لا تزال تمسك بأوراق القوة، وتعيد ترتيب الإقليم من بوابة الردع والسيادة لا من هامش الضغط والخضوع.
