فجّرت وثيقة رسمية مسرّبة موجة غضب واسعة بعد كشفها عن مطالبة مالية تتجاوز مليونين ونصف المليون دولار مقابل تنفيذ أعمال تنظيف في مطار عدن الدولي، في واحدة من أكثر صور العبث بالمال العام فجاجة، بما يفضح مجدداً طبيعة الأداء داخل ما تُعرف بـ حكومة الفنادق، التي لم تعد فضائحها محصورة بسوء الإدارة، بل باتت ترتقي إلى مستوى الاستنزاف المنظّم لمقدرات الشعب اليمني.
وأعادت هذه الوثيقة إلى الواجهة ملف الفساد المزمن في المناطق الواقعة تحت سيطرة أدوات العدوان، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي الحاد، وتردي الخدمات الأساسية، وعجز المستشفيات، وتفاقم أزمة الكهرباء، في وقت تُطرح فيه ملايين الدولارات لأعمال تنظيف كان يفترض أن تكون ضمن نفقات تشغيلية عادية لا مشروعاً مالياً ضخماً يلتهم الأموال العامة. وتكشف هذه الواقعة حجم الهوة بين معاناة المواطنين في عدن وبقية المحافظات، وبين نمط الإنفاق المريب الذي يُدار به المال العام تحت غطاء التعاقدات والإجراءات الإدارية الشكلية.
وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، جرى توجيه نيابة الأموال العامة بفتح ملف تحقيق عاجل، بالتزامن مع إعلان وزارة النقل التابعة لحكومة الفنادق تشكيل لجنة تحقيق تضم مختصين من الوزارة وهيئة الطيران المدني، للنظر في تفاصيل هذه المطالبة التي قيل إنها مُررت بالأمر المباشر قبل أشهر. غير أن هذا التحرك لم يبدد الشكوك، بل زاد من قناعة كثيرين بأن ما يجري ليس سوى محاولة متأخرة لامتصاص الغضب العام واحتواء الفضيحة، لا مساراً جدياً للمحاسبة وكشف المسؤولين الحقيقيين عنها.
وقد تفاعلت منصات التواصل الاجتماعي بقوة مع هذه الواقعة، حيث اعتبر ناشطون وإعلاميون أن المبلغ المطلوب يكفي لبناء منشآت خدمية كاملة أو تشغيل مرافق صحية متعثرة أو الإسهام في التخفيف من معاناة السكان، لا أن يُهدر تحت بند تنظيف في مطار. وذهبت كثير من التعليقات إلى اعتبار الوثيقة إدانة مكتملة لسلطة الفساد، ودليلاً على حالة الاستخفاف الفاضح بأموال اليمنيين، في وقت يعاني فيه المواطن من الغلاء وانهيار العملة وغياب أبسط الخدمات.
وفي المحصلة، لا تبدو هذه القضية مجرد مخالفة مالية أو تجاوز إداري، بل فضيحة فساد ثقيلة تكشف أن عدن، التي تُغرق في الأزمات يوماً بعد آخر، تُدار بعقلية الاستنزاف لا الخدمة، وبمنطق تقاسم الكعكة لا إنقاذ المدينة. فحين يصبح تنظيف مطار بملايين الدولارات أمراً ممكناً داخل مؤسسات حكومة الفنادق، فإن ما يسقط ليس مجرد إجراء أو عقد، بل القناع كله عن منظومة باتت تُتهم، شعبياً وسياسياً، بأنها تدير ما تبقى من المال العام بعقلية النهب المفتوح.
