لم تكن أعينهم بين جموع الأنصار قبل أربعة عشر قرناً، ولم تعانق أبصارهم محيّاه الشريف وترنو إلى طلوع ذلك البدر من ثنيات الوداع، لكن الشوق اختصر الزمن، حتى خُيّل للقلوب أن يثرب ليست هناك.. بل هنا.
أربعة عشر قرناً مضت منذ طلع البدر على أجدادهم.. لم يكونوا يومها هناك، لكن ذلك الفجر ما يزال يطلع فيهم.. وكأن ثنيات الوداع قد امتدت حتى لامست ثنايا جبال صنعاء.. وكأن الأجداد تركوا في الطريق جذوةً من شوقهم، فتلقفها الأحفاد يداً بعد يد، حتى أضاءت هذه الوجوه، واستقرت في هذه الصدور، وهذه المدينة..
وهنا، بين ثنايا جبال صنعاء ترى الحنين ذاته، وتزدحم صنعاء بمحبيه، وتضيق ساحاتها بأرواحهم، وترى التاريخ يطوف في كل وجه في الجموع يفتّش في أعماقه عن ذلك الأنصاري الأول الذي خرج من بيته لا يملك للحب إلا دمعة ونداء..
“طلع البدر علينا”.. فاتهم قولها في يثرب يوم اللقاء.. فقالوها في صنعاء ومدن اليمن شوقاً ولوعةً.. هناك امتلأت يثرب بطلعته، وهنا تمتلئ صنعاء بذكره، وتضجّ بالصلاة عليه، وترتجّ بين ثنايا جبالها أصداء اسمه، وبين الطلعة والذكرى نهرٌ من العشق لم تجفّه أربعة عشر قرن.
هناك أنصارٌ استقبلوا الجد، وهنا حفيد يقف بين أنصار الشوق، السيد القائد عبدالملك، وبين يديه مدينةٌ كأنها تستعير ليومها قلب يثرب، وكأن ثنيات الوداع صافحت ثنايا الجبال، وما بين الثنيات والثنايا إلا زمن هزمه الحنين.. وما بين الأنصار والأنصار إلا أجيال تبدلت وجوهها ولم يتبدل هواها، فالبدر إذا سكن القلب بات نبضه جاهلياً بمعاني الغروب..
فاتهم طلوعه من ثنيات الوداع.. ولم يفتهم طلوعه في ثنايا القلوب.. رآه الأنصار عيناً وعياناً، ويراه أحفادهم قلبا وإيمانا.. هناك كان فرح اللقاء.. وهنا جلال الاشتياق.. غيّبت القرون المشهد عن الأبصار، وما غيبت نوره عن القلوب..
ثمة سر وأسرار بين سيد الخلق والأنصار.. فوالذي نفس محمد بيده.. لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحرر السياسي
12 ربيع الأول 1448هـ
25 أغسطس 2026م
