أعلن البيت الأبيض عن تشكيل ما أسماه زورًا بـ“مجلس السلام في غزة”، في إطار ما يُعرف بخطة إنهاء الحرب، وهي في حقيقتها خطة استعمارية متعددة المراحل تهدف لتكريس الاحتلال وتفريغ الانتصار الفلسطيني من مضمونه السياسي والميداني.
وبحسب البيان الأمريكي، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارًا يقضي بإنشاء مجلس تنفيذي تأسيسي يتولى الإشراف على تنفيذ بنود ما تُسمى الخطة الأمريكية لـ”ما بعد الحرب”، والتي يُراد لها أن تُدار بالتنسيق الكامل مع الاحتلال الإسرائيلي وشبكة من الحلفاء الإقليميين المطبّعين. وقد ضمّ المجلس شخصيات سياسية وعسكرية بارزة عُرفت بولائها المطلق للمشروع الصهيوني، من بينها ماركو روبيو، ستيف ويتكوف، جاريد كوشنر، وتوني بلير، في محاولة مكشوفة لمنح المشروع صبغة دولية، بينما جوهره أميركي-إسرائيلي خالص.
وتم تعيين نيكولاي ملادينوف في منصب ما سُمي بـ“الممثل السامي لغزة”، في دور وظيفي يراد له أن يشكل قناة بين “مجلس السلام” و”المجلس الوطني لإدارة غزة”، وهو كيان شكلي يُراد له أن يضفي غطاءً إداريًا على عملية مصادرة القرار الفلسطيني ومصير القطاع. كما أُعلن عن تعيين الجنرال جاسبر جيفرز قائدًا لما تسمى “قوة الاستقرار الدولية”، وهي في حقيقتها قوة احتلال ناعمة مكلفة بإدارة الملف الأمني خلال المرحلة الانتقالية، تمهيدًا لتفكيك البنية المقاومة في غزة وإعادة إنتاج سلطة وظيفية خاضعة لإملاءات واشنطن وتل أبيب.
البيان تحدث عن إنشاء “مجلس تنفيذي خاص بغزة” لإدارة ما وصفه بـ”الحكم والإدارة المدنية”، وهي محاولة صريحة لإزاحة القوى الفلسطينية الحقيقية التي قادت المقاومة والصمود، واستبدالها بهياكل هجينة مفروضة خارجيًا تُدار من غرف استخباراتية مشتركة بين الاحتلال وأجهزته الإقليمية التابعة.
وأكد البيت الأبيض أن ما يُسمى بـ“اللجنة الوطنية لإدارة غزة” تمثل مرحلة متقدمة من خطة استعمارية شاملة تقوم على خارطة طريق من عشرين بندًا، تتحدث عن الاستقرار وإعادة الإعمار، لكنها تخفي نوايا إعادة تطويع القطاع سياسيًا، وتجريده من سلاحه وثقافته الوطنية، وربطه باقتصاد السوق التابع، تمهيدًا لتصفية القضية الفلسطينية من بوابة غزة.
وأوضح البيان أن هذه الخطة تستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025، والذي تم تمريره بضغط أميركي – أوروبي، وبتواطؤ عربي رسمي، ليكون غطاءً قانونيًا لما هو في حقيقته إعادة انتشار احتلالي بقفازات دبلوماسية، لا تختلف في أهدافها عن المشروع الصهيوني ذاته، بل تسير بالتوازي معه.
وشدد البيت الأبيض على التزامه التام بتنفيذ هذا المسار بالشراكة مع الكيان الصهيوني وعدد من الأنظمة العربية المتورطة في التطبيع والمشاركة الفعلية في العدوان، ما يؤكد أن ما يجري ليس مبادرة سلام، بل “هندسة سياسية وأمنية” هدفها ضرب بنية المقاومة، وتأمين الحماية للكيان الصهيوني من خاصرته الجنوبية.
ودعا ترامب جميع الأطراف إلى التعاون مع هذه الهياكل المفروضة، في نغمة تُظهر منطق الإملاء والإذلال الذي لطالما مثّل جوهر السياسة الأميركية في المنطقة، متوعدًا بالكشف عن المزيد من الأسماء التي ستشارك في ما وصفه بـ”مرحلة البناء” خلال الأسابيع المقبلة، في تجاهل تام لإرادة شعب غزة، وصموده الأسطوري في وجه آلة الحرب الصهيونية المدعومة أميركيًا.
يتزامن هذا التطور مع انطلاق المرحلة الثانية من الترتيبات السياسية لما بعد الحرب، في وقت لا تزال المقاومة في غزة صامدة، وشعبها ثابت على أرضه، رافضًا لكل أشكال الوصاية والتدخل الدولي المشبوه. وبينما تُعقد المشاورات في القاهرة، وتُرسم المشاريع في الغرف المغلقة، تبقى الكلمة للشعب الفلسطيني ومقاومته، التي أثبتت أن غزة لا تُحكم إلا بأبنائها، ولا تُدار إلا بدماء شهدائها، ولا تُبنى إلا على أنقاض الاحتلال.
