بدأت أصوات القلق تتصاعد من داخل المؤسسة السياسية الأمريكية نفسها إزاء الكلفة الاستراتيجية المتنامية للحرب مع إيران، بعدما حذر السيناتور الديمقراطي مارك كيلي من أن استمرار هذا الصراع لا يهدد فقط المخزونات العسكرية الأمريكية، بل قد يتحول إلى استنزاف طويل الأمد يضعف قدرة الولايات المتحدة على خوض أي مواجهة كبرى مستقبلاً، ويمنح الصين مكاسب جيوسياسية مباشرة نتيجة تراجع الجاهزية الأمريكية.
وبحسب ما نقلته واشنطن بوست، وصف كيلي، وهو عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، حجم الاستنزاف الذي أصاب مخزونات الذخائر الأمريكية خلال الحرب بأنه صادم، مؤكداً أن الولايات المتحدة استهلكت كميات كبيرة من الذخائر على نحو بات ينعكس سلباً على مستوى الأمان القومي الأمريكي نفسه.
وقال السيناتور الأمريكي إن هذا الاستنزاف يجعل الشعب الأمريكي أقل أماناً، سواء في حال اندلاع صراع مستقبلي في غرب المحيط الهادئ مع الصين، أو في أي ساحة أخرى قد تجد فيها واشنطن نفسها مطالبة باستخدام القوة. وبهذا التحذير، يربط كيلي بصورة مباشرة بين الحرب على إيران وبين إضعاف الردع الأمريكي عالمياً، لا في الشرق الأوسط فقط.
وفي واحدة من أكثر النقاط دلالة، كشف كيلي أنه استجوب وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث خلال جلسة استماع في مطلع الشهر الجاري بشأن المدة المطلوبة لإعادة بناء مخزون الذخائر الأمريكي، فجاءه الرد بأن الأمر قد يستغرق سنوات. وهذه الإجابة، وفق القراءة التي يطرحها التحذير، تعني أن المشكلة لم تعد مسألة إنفاق أو تعويض سريع، بل أزمة زمن وقدرة إنتاجية واستنزاف متراكم قد تترك آثاراً بعيدة المدى على بنية القوة الأمريكية.
ويحذر كيلي من أن أخطر ما في المشهد هو احتمال أن يطول الصراع مع إيران لعدة أشهر أو حتى سنوات، لأن ذلك سيعني بقاء الولايات المتحدة في حالة نزيف عسكري مستمر، في وقت لا تملك فيه القدرة السريعة على تعويض ما يُستهلك من الذخائر والمنظومات. ووفق هذا المنطق، فإن واشنطن قد تجد نفسها في نهاية المطاف أضعف مما كانت عليه قبل دخول الحرب، لا أقوى، وهو ما يحول الصراع من مغامرة عسكرية إلى استنزاف استراتيجي مفتوح.
ويكتسب هذا التحذير ثقله من كونه يصدر من داخل الكونغرس الأمريكي، ومن عضو في لجنة القوات المسلحة، ما يعني أن المخاوف لم تعد مجرد تحليلات إعلامية أو تقديرات خارجية، بل تحولت إلى هواجس مؤسساتية داخل النظام الأمريكي نفسه. كما أن الإشارة المتكررة إلى الصين تكشف أن واشنطن باتت تنظر إلى الحرب مع إيران ليس فقط من زاوية الشرق الأوسط، بل من زاوية التنافس الكوني على موازين القوة، حيث يمكن لأي استنزاف في جبهة أن يتحول إلى ثغرة في جبهة أخرى أكثر خطورة.
وبذلك، فإن تحذير مارك كيلي يلخص مأزقاً أمريكياً متنامياً: حرب مكلفة في الشرق الأوسط تستهلك الذخائر والجاهزية، بينما تراقب الصين المشهد وتستفيد من تآكل القدرة الأمريكية على الردع والحسم. وفي ضوء هذا المشهد، يبدو أن الحرب مع إيران لم تعد تُقرأ فقط كصراع إقليمي، بل كعامل قد يعيد تشكيل أولويات القوة الأمريكية نفسها، ويفرض على واشنطن حسابات أكثر تعقيداً مما كانت تتوقع.
