ذات صلة

الأكثر مشاهدة

معركة وحدة الساحات.. قصف الضاحية يفجّر المعادلة ويضع تل أبيب وواشنطن أمام مأزق إقليمي

لم يكن العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت مجرد ضربة عسكرية محدودة، بل كان اختباراً مباشراً لمعادلة وحدة الساحات، ومحاولة صهيونية لقياس مدى جدية إيران ومحور المقاومة في ربط وقف العدوان على لبنان بأي تهدئة إقليمية أو مسار تفاوضي مع واشنطن.

لكن الرد جاء سريعاً وحاسماً. فبعد نحو سبع ساعات فقط من استهداف الضاحية وسقوط ضحايا مدنيين، تحركت الصواريخ الإيرانية نحو شمال وعمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، لتؤكد طهران عملياً أن أي عدوان على بيروت أو الضاحية لن يبقى شأناً لبنانياً معزولاً، بل سيُفتح على مواجهة إقليمية أوسع.

كانت إيران قد أعلنت بوضوح أنها ستقصف كيان العدو رداً على أي اعتداء يستهدف بيروت أو الضاحية الجنوبية، ثم ترجمت هذا التهديد ميدانياً بلا تردد. وبذلك، سقطت محاولة العدو الإسرائيلي في اختبار الخطوط الحمراء، وثبت أن معادلة الردع التي تربط لبنان بإيران واليمن وغزة لم تعد خطاباً سياسياً، بل أصبحت قاعدة اشتباك عملية.

بالنسبة لكيان العدو، مثّل الرد الإيراني صفعة استراتيجية واضحة. فتل أبيب كانت تحاول منذ أشهر خلق هامش مناورة يفصل الساحة اللبنانية عن أي اتفاق أمريكي ـ إيراني، وتقديم عملياتها في جنوب لبنان ومفاوضاتها مع السلطة اللبنانية كنجاح في تثبيت ما تسميه “حرية العمل”. لكن الضربة الإيرانية نسفت هذه الصورة بالكامل، وأثبتت أن العدو لا يمتلك حرية حركة مفتوحة، وأن استهداف لبنان بات قضية إقليمية قد تشعل المنطقة كلها.

لقد أظهرت الضربات الإيرانية أن إسرائيل لم تنجح في فصل الساحات، بل وجدت نفسها أمام حقيقة معاكسة: أي تصعيد ضد لبنان يمكن أن يستدعي رداً من خارج لبنان، وأي محاولة لفرض قواعد جديدة في الضاحية أو الجنوب ستقابلها معادلة مضادة تمتد إلى عمق فلسطين المحتلة.

هذا التحول أقر به خبراء ومحللون صهاينة بوضوح. فقد اعتبر المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية داني سيترينوفيتش أن الرد الإيراني على استهداف الضاحية يجسد فشلاً استراتيجياً ذريعاً للحملة الأخيرة ضد إيران، لأن تل أبيب باتت أمام خيارين كلاهما صعب: إما الرد والمخاطرة بصدام مباشر مع واشنطن، أو الامتناع والسماح لطهران بفرض معادلة جديدة تقيد حرية إسرائيل ضد حزب الله.

أما الكاتب الإسرائيلي أميخاي أتالي فرأى أن المعادلة التي تحاول إيران رسمها تمثل تراجعاً جذرياً عن قواعد ما قبل الحرب، ومفادها أن أي مساس بمركز العصب القريب لإيران، أي حزب الله والضاحية، سيقابله صواريخ باليستية من مسافة آلاف الكيلومترات. وهذه، بحسب توصيفه، واحدة من أخطر الاختبارات الاستراتيجية أمام نتنياهو.

ولم ينكر جيش الاحتلال خطورة المعادلة، إذ تحدث صراحة عن محاولة طهران خلق قاعدة جديدة تقوم على إطلاق النار مباشرة على إسرائيل رداً على هجمات الجيش الإسرائيلي في الضاحية. غير أن العدو، رغم تهديداته بمواصلة العمليات في لبنان، بدا متردداً في الذهاب إلى ضربات مباشرة واسعة ضد إيران دون ضوء أخضر أمريكي.

وهنا يتضح مأزق واشنطن. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول احتواء التصعيد، وأعلن أنه سيطلب من نتنياهو عدم مهاجمة إيران، زاعماً أن واشنطن وطهران قريبتان من اتفاق. غير أن هذا المسار يصطدم بحقيقة أن الدعم الأمريكي للعدوان الإسرائيلي هو أصل الانفجار، وأن أي محاولة أمريكية للتهدئة ستبقى هشة ما دامت واشنطن تمنح تل أبيب الغطاء السياسي والعسكري.

لقد كشفت جولة الاشتباك الأخيرة أن الولايات المتحدة لا تريد حرباً إقليمية مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد كبح الكيان الإسرائيلي بجدية. وهذا التناقض جعل واشنطن شريكة في المأزق، لا وسيطاً قادراً على ضبطه. فإيران فرضت كلفة عالية لأي تصعيد، والكيان بات عاجزاً عن التحرك منفرداً دون حساب موقف واشنطن، وترامب بات أسيراً بين رغبته في اتفاق مع طهران وحرصه على إرضاء تل أبيب.

ومع تبادل الضربات المحدودة بين إيران والكيان، بدا أن ترامب نجح مؤقتاً في احتواء الانفجار، خصوصاً مع توقف العمليات وانخفاض أسعار النفط لاحقاً. لكن الحقيقة الاستراتيجية الأهم أن الأمور لم تعد كما كانت. فالمعادلة التي ثبتها الرد الإيراني لا تزال قائمة: لا تصعيد إسرائيلياً ضد لبنان بلا كلفة إقليمية.

وفي هذا السياق، جاء التدخل اليمني ليمنح معادلة وحدة الساحات زخماً مضاعفاً. فقد أعلنت القوات المسلحة اليمنية إطلاق دفعة صاروخية على أهداف حساسة في يافا المحتلة، بالتزامن مع إعلان الحظر البحري الكامل على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، في خطوة نقلت المواجهة من حدود الرد الصاروخي إلى مستوى الضغط الجيوسياسي على الممرات البحرية.

كان التحرك اليمني سريعاً ولافتاً، وعكس مستوى عالياً من التنسيق داخل محور المقاومة. فبينما كانت تل أبيب تتحدث عن خلافات محتملة بين نتنياهو وترامب، أظهر المحور التحاماً واضحاً واستعداداً مسبقاً لامتلاك زمام المبادرة. إيران ردت من جبهة الصواريخ الباليستية، واليمن دخل من جبهة الصواريخ والملاحة، وحزب الله ثبت معادلة الصمود في لبنان، وغزة بقيت قلب المعركة الأخلاقي والسياسي.

إعلان صنعاء إعادة حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر أعاد باب المندب إلى قلب الاشتباك. وهذه الورقة تأتي هذه المرة في لحظة أكثر حساسية، مع توتر قائم في مضيق هرمز، ما يضع أسواق الطاقة والشحن أمام معادلة غير مسبوقة: ضغط من الشرق عبر هرمز، وضغط من الجنوب عبر باب المندب والبحر الأحمر.

وتكمن خطورة الدور اليمني في أنه لا يقتصر على الإسناد الناري، بل يضرب العدو في شريانه الاقتصادي والبحري. فتل أبيب التي تحاول التهرب من كلفة الحرب في لبنان وغزة، وجدت نفسها أمام جبهة يمنية قادرة على تهديد عمقها بالصواريخ، وتعطيل ملاحتها في البحر الأحمر، وفرض كلفة على الشركات والسفن المرتبطة بها.

وقد انعكس ذلك بوضوح في الإعلام العبري، حيث تحدث محللون صهاينة عن تآكل الردع الإسرائيلي وتراجع قدرة تل أبيب على فرض المعادلات. وأقر المحلل العسكري في القناة 13 ألون بن ديفيد بأن إيران هي التي فرضت المعادلة، وأن كل قرار إسرائيلي مستقبلي سيحتاج إلى حساب احتمال تلقي صواريخ من جبهات متعددة. أما محلل صحيفة معاريف بن كاسبيت فاعتبر أن تفرد إسرائيل بصياغة المعادلات الإقليمية قد انتهى.

وعلى المستوى الداخلي، عاش الكيان حالة استنزاف واضحة. عادت صفارات الإنذار والملاجئ، وتعطلت الرحلات الجوية، وتراجعت ثقة المستوطنين، وظهر الجيش الإسرائيلي كقوة مشدودة إلى الحد الأقصى بعد سنوات من القتال على أكثر من جبهة. ومع استمرار الخسائر في لبنان وغزة والتوتر مع إيران واليمن، باتت المؤسسة العسكرية الصهيونية أمام حرب بلا أفق حسم.

سياسياً، انفجرت الخلافات داخل الكيان. فقد هاجم زعيم المعارضة يائير لبيد حكومة نتنياهو، متهماً إياها بالفشل والرضوخ وإرسال المستوطنين إلى الملاجئ دون هدف استراتيجي واضح. كما تحدث محللون صهاينة عن تهور نتنياهو وحاجته إلى حالة طوارئ دائمة للهروب من أزماته الداخلية وتأجيل استحقاقاته السياسية.

أما أمريكياً، فقد ظهر الانقسام بوضوح بين تيار يريد الخروج من المأزق وتجنب حرب واسعة، وتيار آخر يضغط لمواصلة دعم الكيان بلا قيود. لكن ما أثبته الاشتباك الأخير هو أن إيران ومحور المقاومة نجحوا في فرض ردع إقليمي حقيقي يجعل أي تصعيد ضدهم عالي الكلفة، ليس على إسرائيل وحدها، بل على الولايات المتحدة والمنظومة الغربية كلها.

إن قصف الضاحية الجنوبية كان الشرارة التي كشفت عمق التحول. فقد أراد العدو اختبار المعادلة، فإذا به يفتح الباب أمام رد إيراني مباشر، وتدخل يمني صاروخي وبحري، واعترافات صهيونية بتآكل الردع، وارتباك أمريكي بين التهدئة والدعم المطلق لتل أبيب.

وبذلك، انتقلت وحدة الساحات من مفردة خطابية إلى حقيقة عسكرية ثابتة. لم تعد الساحات منفصلة، ولم تعد الجبهة اللبنانية وحيدة، ولم تعد غزة معزولة، ولم تعد إيران خارج المواجهة المباشرة، ولم يعد اليمن يكتفي بالإسناد الرمزي. كل ساحة باتت تضيف كلفة جديدة على العدو، وكل عدوان يفتح احتمال اشتعال جبهة أخرى.

spot_imgspot_img