ذات صلة

الأكثر مشاهدة

في أقل من 12 ساعة.. الدفاعات الجوية اليمنية تسقط طائرتي استطلاع مسلح للعدو السعودي في تعز والجوف

أعلنت القوات المسلحة اليمنية إسقاط طائرتين استطلاع مسلح تابعتين...

فورين بوليسي: إنهاء حرب إيران يتطلب من ترامب تقبّل الهزيمة والتخلي عن وهم الانتصار

رأت مجلة “فورين بوليسي” أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بات عالقًا في حرب متعثرة مع إيران يصعب إنهاؤها دون الاعتراف بفشل المسار العسكري وتقديم تنازلات حقيقية لطهران، مؤكدة أن محاولات الحفاظ على صورة الانتصار والمصداقية الأمريكية قد تدفع المواجهة إلى مزيد من الاستنزاف بدل الوصول إلى تسوية دائمة.

وجاء ذلك في مقال للكاتب وأستاذ العلوم السياسية في جامعة ويك فورست، ويل والدورف، بعنوان “على ترامب أن يتحدى التاريخ لإنهاء الحرب مع إيران”، نشرته المجلة في 21 يوليو/تموز 2026.

وأوضح الكاتب أن ترامب، عندما وافق على مذكرة التفاهم مع إيران منتصف يونيو، تعهد بإبرام اتفاق نهائي من شأنه “جلب السلام والأمن إلى المنطقة بأكملها”، لكن التطورات اللاحقة سارت في الاتجاه المعاكس، بعدما تعثرت المفاوضات واستؤنف القتال وأعادت واشنطن فرض العقوبات، بالتزامن مع عودة السفن الحربية الأمريكية إلى حصار إيران.

وبحسب المقال، أعادت هذه التطورات الولايات المتحدة وإيران إلى حالة الحرب المتعثرة التي اعتقد الطرفان أنهما تجاوزاها، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية بشأن قدرة ترامب على تحقيق السلام الذي وعد به.

ويرى والدورف أن التاريخ الأمريكي لا يقدم مؤشرات مشجعة، إذ إن الرؤساء الذين يبدؤون الحروب المتعثرة نادرًا ما يتمكنون من إنهائها خلال ولايتهم، لأنهم يصبحون مرتبطين بها سياسيًا ونفسيًا وشخصيًا، ويخشون أن يؤدي التراجع إلى الإضرار بصورتهم وسمعة الولايات المتحدة.

ويشرح الكاتب أن الرؤساء يقعون عادة تحت تأثير ما يُعرف بـ“مغالطة التكاليف الغارقة”؛ فبعد استثمار موارد عسكرية واقتصادية ضخمة وسقوط قتلى، تتحول الخسائر السابقة إلى ذريعة لمواصلة الحرب، على أمل تحقيق مكاسب تسمح بتسويق نهايتها بوصفها انتصارًا.

كما تؤدي المخاوف المتعلقة بـ”المصداقية الأمريكية” دورًا في تعطيل التفكير الواقعي بحسابات الربح والخسارة، إذ يصبح الحفاظ على الهيبة هدفًا قائمًا بذاته، حتى عندما تتجاوز تكاليف الحرب الفوائد الأمنية المتوقعة منها.

وأكد المقال أن هذه المعضلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تواجه واشنطن خصمًا شديد التصميم مثل إيران، يمتلك القدرة والإرادة لمواصلة المواجهة، ما يجعل الحرب تستمر حتى تنتهي ولاية الرئيس الذي بدأها، وتنتقل مهمة إغلاقها إلى خليفته.

واستعرض والدورف عددًا من الحروب الأمريكية لإثبات أن الرئيس الذي يبدأ المواجهة غالبًا ما يعجز عن إنهائها. فبعد وصول الحرب الكورية إلى طريق مسدود في صيف عام 1951، دفعت مخاوف الرئيس هاري ترومان المتعلقة بمواجهة الشيوعية والحفاظ على مصداقية الولايات المتحدة واسترداد التكاليف المدفوعة إلى تبني شروط تفاوضية متشددة، قبل أن تُنجز الهدنة خلال ولاية خلفه دوايت أيزنهاور.

وتكرر النمط نفسه في فيتنام، عندما واصل الرئيس ليندون جونسون التصعيد العسكري رغم تراجع فرص تحقيق نصر حاسم، خشية تحمّل مسؤولية الهزيمة، ولم يبدأ مسار إنهاء التدخل الأمريكي المباشر إلا بعد وصول ريتشارد نيكسون إلى البيت الأبيض.

أما في أفغانستان، فقد تراجع الرئيس باراك أوباما عن خطط الانسحاب الكامل، لتنتقل مهمة التفاوض مع حركة طالبان إلى إدارة ترامب، التي أبدت، وفق الكاتب، قدرًا أكبر من البراغماتية في التوصل إلى اتفاق يمهد لخروج القوات الأمريكية.

ويرى المقال أن ترامب يستطيع كسر هذا النمط التاريخي، لكن ذلك يتطلب منه تغليب البراغماتية على حسابات الهيبة والسمعة، أو أن يتدخل الكونغرس للضغط باتجاه وقف الحرب، غير أن الكاتب يعدّ كلا الاحتمالين ضعيفًا.

وأشار إلى أن فرص السلام النهائي قد تكون أكبر في عهد الرئيس الأمريكي المقبل، الذي سيكون أكثر قدرة على الاعتراف بأن الحرب فشلت، لأنه لن يتحمل المسؤولية المباشرة عن إطلاقها، ولن يكون مضطرًا إلى الدفاع عن أهدافها الأصلية.

وبحسب والدورف، يجب على ترامب أن يفعل عكس ما فعله رؤساء الحروب المتعثرة، أي الاعتراف بالإخفاق وتخفيف الشروط الأمريكية لإبرام اتفاق دائم، بدل مواصلة القتال بحثًا عن انتصار شكلي.

واستشهد الكاتب ببراغماتية نيكسون في إنهاء المشاركة الأمريكية المباشرة في حرب فيتنام، وبالاتفاق الذي أبرمته إدارة ترامب مع طالبان، باعتبارهما نموذجين لقبول تسويات لم تحقق كامل الأهداف العسكرية المعلنة، لكنها فتحت الطريق أمام إنهاء التدخل.

وأكد المقال أن تطبيق هذا النهج على إيران سيفرض على واشنطن قبول عدد من الخطوط الحمراء التي تتمسك بها طهران، وفي مقدمتها استمرار تخصيب اليورانيوم ضمن ترتيبات تفاوضية، وضمان شكل من أشكال السلطة أو النفوذ الإيراني في مضيق هرمز.

ويرى الكاتب أن قضية المضيق تمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء تجدد المواجهة، ما يجعل تجاهل موقع إيران ونفوذها فيه وصفة لاستمرار الحرب، لا أساسًا لاتفاق قابل للحياة.

وتعني هذه المقاربة عمليًا تخلي الإدارة الأمريكية عن مطالب الاستسلام الكامل، والانتقال من سياسة الإملاءات إلى تسوية تعترف بأن إيران لم تُهزم، وأن استمرار استخدام القوة لن يدفعها بالضرورة إلى قبول الشروط الأمريكية.

وخلص والدورف إلى أن تكاليف الحرب مع إيران أصبحت أعلى بكثير من فوائدها المحدودة للأمن القومي الأمريكي، خصوصًا في ظل تراجع أهمية المصالح الأمريكية المباشرة في الشرق الأوسط، وصعود تحديات أكثر أولوية بالنسبة لواشنطن، وعلى رأسها المنافسة الاستراتيجية في آسيا.

وبناءً على ذلك، يرى المقال أن الاستمرار في الحرب من أجل حماية المصداقية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، عبر استنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية الأمريكية وإطالة مواجهة لا تملك واشنطن مسارًا واضحًا لحسمها.

ويضع المقال ترامب أمام معادلة حاسمة: إما القبول بتسوية واقعية تعترف بصمود إيران وتقدم تنازلات متبادلة، وإما ترك حرب مفتوحة لخليفته بعد استنزاف المزيد من القوة والذخائر والموارد الأمريكية.

spot_imgspot_img