دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد المفتوح، مع تنفيذ القوات المسلحة اليمنية عملية عسكرية نوعية استهدفت أهدافاً حساسة للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة، بالتزامن مع ضربات صاروخية إيرانية طالت عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، في مشهد عسكري يؤكد أن مفهوم “وحدة الساحات” لم يعد شعاراً سياسياً، بل تحوّل إلى فعل ميداني مباشر يهز حسابات العدو الإسرائيلي وداعمه الأمريكي.
وأعلنت القوات المسلحة اليمنية أن العملية الصاروخية التي استهدفت يافا المحتلة جاءت في إطار الرد على العدوان الأمريكي والصهيوني على محور الجهاد والمقاومة في فلسطين ولبنان وإيران والعراق واليمن، مؤكدة أن الصواريخ حققت أهدافها بدقة، وأن صنعاء ماضية في مواجهة التصعيد بالتصعيد، بما يواكب تطورات المعركة الإقليمية.
وفي خطوة استراتيجية بالغة الدلالة، أعلنت صنعاء بدء الحظر البحري الكامل والتام على الملاحة الصهيونية في البحر الأحمر، معتبرة أن كل تحركات العدو الإسرائيلي أصبحت هدفاً عسكرياً مشروعاً للقوات المسلحة اليمنية من لحظة صدور البيان. وهذا الإعلان لا يمثل مجرد موقف تضامني، بل يكشف انتقال اليمن إلى مرحلة استخدام أوراق الضغط الجيوسياسية الكبرى، وفي مقدمتها البحر الأحمر وباب المندب.
وبالتوازي مع الضربة اليمنية، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ موجات صاروخية استهدفت مواقع داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، رداً على العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت، مؤكداً استمرار عملياته العسكرية ضد أهداف الكيان بوتيرة متصاعدة حتى وقف العدوان على لبنان.
هذا التزامن بين الضربات اليمنية والإيرانية أعاد تثبيت معادلة ميدانية واضحة: العدوان على أي ساحة من ساحات المقاومة لن يبقى محصوراً في نطاقها الجغرافي، وأن الاعتداء على لبنان أو غزة أو إيران أو اليمن قد يفتح على العدو أبواباً متعددة من الرد، من عمق فلسطين المحتلة إلى الممرات البحرية الحيوية.
ويرى الخبير في الشؤون العسكرية اللواء خالد غراب أن اليمن يعود اليوم إلى واجهة المواجهة بصورة أقوى مما كان عليه، مؤكداً أن صنعاء تواصل الوقوف إلى جانب فلسطين وإيران ولبنان، وأن الردود اليمنية تعكس امتلاك القوات المسلحة أوراق قوة مؤثرة وقدرة متزايدة على التأثير في مسار الأحداث الإقليمية.
وأكد غراب أن الولايات المتحدة فشلت في عدوانها على الشعب اليمني، سواء في البحر الأحمر أو في استهداف المدن اليمنية، مشيراً إلى أن هذا الفشل لم يحدّ من قدرات صنعاء، بل عزز حضورها ودورها في دعم حلفائها ومساندة قضايا الأمة.
وأشار إلى أن اليمن كان وما يزال حاضراً بقوة في مساندة غزة وفلسطين منذ انطلاق طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الشعبي، لافتاً إلى أن ما يجري اليوم يؤكد أن الموقف اليمني لم يكن مجرد خطاب، بل مسار متصاعد من العمليات المؤثرة.
وبحسب غراب، فإن الساعات الماضية جسدت عملياً مفهوم “وحدة الساحات” الذي تتبناه إيران وحلفاؤها، إذ جاءت الردود اليمنية والإيرانية لتؤكد أن محور المقاومة انتقل من التهديدات المعلنة إلى التنفيذ الميداني المباشر، وأن استمرار العدوان على شعوب المنطقة سيقابله رد عملي وقاسٍ.
ولفت إلى أن حديث مستشار قائد الثورة الإسلامية في إيران الدكتور علي أكبر ولايتي بشأن امتلاك محور المقاومة أوراق قوة مؤثرة، يتضمن في جوهره ورقة الممرات البحرية، وفي مقدمتها باب المندب، موضحاً أن تفعيل هذه الأوراق يضع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام مأزق حقيقي يتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية.
وفي السياق ذاته، يرى الخبير في الشؤون الإيرانية سعيد شاوردي أن التصعيد الأمريكي والإسرائيلي ضد محور المقاومة سيدفع المنطقة نحو خيارات أكثر حساسية، من بينها إغلاق مضيق هرمز وباب المندب، بما يضع واشنطن وحلفاءها أمام معادلة اقتصادية وعسكرية شديدة التعقيد.
وأكد شاوردي أن حديث ولايتي عن أوراق القوة لا ينفصل عن الأدوات الاستراتيجية التي يمتلكها محور المقاومة، وعلى رأسها الممرات المائية الحيوية، مشيراً إلى أن إيران واليمن يواصلان ترجمة التهديدات إلى إجراءات فعلية على الأرض، وأن الردود الأخيرة تؤكد أن محور المقاومة لا يتعامل مع العدوان بوصفه حدثاً منفصلاً، بل ضمن مواجهة شاملة ومترابطة.
وأضاف أن إيران واليمن نفذتا تهديداتهما عملياً، وأن الردود لم تعد مجرد شعارات أو مواقف إعلامية، بل تحركات ميدانية تعيد رسم قواعد الاشتباك، وتوجه رسائل قاسية للعدو الإسرائيلي والولايات المتحدة بأن استمرار العدوان لن يمر بلا ثمن.
من جانبه، اعتبر الخبير في الشؤون العسكرية العميد نضال زهوي أن عودة البحر الأحمر إلى صدارة المعادلة تمثل التطور الأخطر والأهم في المشهد الإقليمي الراهن، مؤكداً أن استخدام الملاحة كورقة ضغط استراتيجية يمنح محور المقاومة قدرة نوعية على التأثير في التوازنات الاقتصادية والسياسية للمنظومة الغربية.
وأوضح زهوي أن أي تحرك مرتبط بالملاحة في باب المندب، بما في ذلك خيار الإغلاق أو الحظر على الملاحة الصهيونية، من شأنه أن يغيّر بصورة جذرية في التوازنات الاقتصادية الغربية، ويحدث تأثيراً مباشراً على استقرارها، باعتبار هذا الممر واحداً من أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.
وأشار إلى أن اليمن يدخل مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة للولايات المتحدة والمنظومة الغربية، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالبحر الأحمر ومحيطه الاستراتيجي، مبيناً أن أي تصعيد إضافي في المنطقة، بالتزامن مع التوترات في مضيق هرمز، سيضاعف الكلفة الاستراتيجية على الأمريكيين والإسرائيليين وحلفائهم.
وشدد زهوي على أن القوات المسلحة اليمنية تمتلك تأثيراً استراتيجياً مهماً من خلال قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، غير أن العامل الأكثر حساسية يتمثل في الموقع الجغرافي اليمني المطل على البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يمنح صنعاء قوة فارقة في الصراع الجيوسياسي القائم.
ويرى مراقبون أن العمليات اليمنية والإيرانية الأخيرة تؤكد أن محور المقاومة بدأ يفعّل أوراق الردع المركبة، حيث تتحرك الصواريخ باتجاه عمق الكيان، وتتحول الممرات البحرية إلى عامل ضغط استراتيجي، فيما تبدو الولايات المتحدة أمام مأزق متزايد بين مواصلة دعمها للعدو الإسرائيلي وبين تحمل التداعيات الاقتصادية والعسكرية لتوسّع المواجهة.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، واستمرار الدعم الأمريكي المفتوح للكيان، ما يجعل الرد اليمني والإيراني جزءاً من معادلة أوسع عنوانها: كسر التفرد الأمريكي الإسرائيلي بالقرار العسكري في المنطقة، وإثبات أن أي عدوان على محور المقاومة سيفتح جبهات متعددة لا يستطيع العدو التحكم بإيقاعها.









