استهدف العدو الإسرائيلي، اليوم الأحد، منزل سكني في الضاحية الجنوبية لبيروت، في تطور عسكري بالغ الحساسية جاء بعد أيام فقط من حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تفاهم مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يقضي بمنع استهداف بيروت والضاحية، ما يضع هذه التفاهمات أمام اختبار قاسٍ، ويكشف هشاشة الضمانات الأمريكية حين يتعلق الأمر بقرار الحرب الإسرائيلي.
وشن سلاح جو العدو غارة على منطقة تحويطة الغدير في الضاحية الجنوبية، زاعماً أن الاستهداف طال “هدفاً ثميناً” وبنية تحتية تابعة لحزب الله، وأكدت تقارير دولية عن سقوط قتلى وجرحى جراء غارات العدو الإسرائيلي على الضاحية، وسط تصاعد خطير يهدد بإعادة إشعال الجبهة اللبنانية على نطاق أوسع، فيما قالت وسائل إعلام عبرية إن العملية ارتبطت بالموقع لا بطبيعة الهدف، في إشارة إلى أن تل أبيب أرادت توجيه رسالة سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الضربة المباشرة.
وجاء القصف بعد تصاعد ميداني على الجبهة اللبنانية ـ الفلسطينية المحتلة، حيث أعلن حزب الله تنفيذ خمس عمليات ضد قوات الاحتلال ومواقعه، في سياق الرد على الخروقات الإسرائيلية المتكررة، بينما تحدث العدو عن اعتراض مقذوفين أُطلقا من الأراضي اللبنانية، قبل أن يعلن مكتب نتنياهو أن الغارة نُفذت بتوجيه مباشر منه ومن وزير حربه يسرائيل كاتس.
وتزامن القصف مع تصاعد ميداني على الجبهة اللبنانية ـ الفلسطينية المحتلة، حيث أعلن حزب الله تنفيذ خمس عمليات ضد قوات الاحتلال ومواقعه، رداً على الخروقات الإسرائيلية المتكررة، بينما حاول العدو تبرير عدوانه بالحديث عن اعتراض مقذوفين أُطلقا من لبنان، قبل أن يعلن مكتب نتنياهو أن الغارة نُفذت بتوجيه مباشر منه ومن وزير حربه يسرائيل كاتس.
هذا التطور يؤكد أن تل أبيب لا تبحث عن تهدئة، بل تسعى إلى تثبيت معادلة ابتزاز ناري تقوم على توسيع دائرة الاستهداف داخل العمق اللبناني كلما عجزت عن ضبط ضربات المقاومة في الشمال الفلسطيني المحتل. فالضاحية الجنوبية، بما تمثله من رمزية سياسية وشعبية ومقاومة، كانت ولا تزال عنواناً حساساً في ميزان الردع، واستهدافها يعني محاولة إسرائيلية لرفع سقف المواجهة واختبار رد حزب الله وحلفائه.
وتكشف الغارة أن العدو الإسرائيلي يعمل على نقل الضغط من الجبهة العسكرية المباشرة مع المقاومة إلى الدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني، عبر ضرب منطقة قريبة من مرافق حيوية ومناطق مكتظة، بما يجعل العدوان رسالة مزدوجة: عسكرية للمقاومة، وسياسية للبنان الرسمي، وابتزازية للبيئة الشعبية الحاضنة لخيار المقاومة.
أما واشنطن، فتظهر مجدداً في موقع الشريك لا الوسيط؛ فهي تتحدث عن التهدئة حين تخدم مصالحها، ثم تصمت أمام الخرق حين ينفذه العدو الإسرائيلي. وبذلك تتحول التفاهمات الأمريكية إلى أداة لتقييد المقاومة، لا لضبط الاحتلال، في مشهد يؤكد أن الرهان على الضمانات الأمريكية لا يصنع أمناً ولا يحمي سيادة.
وفي أولى ردود الفعل الإيرانية، رفعت طهران سقف خطابها السياسي والعسكري، معتبرة أن استهداف الضاحية لا يندرج في إطار خرق عابر، بل يمثل تصعيداً خطيراً يمسّ معادلة الردع الإقليمية ويفتح الباب أمام رد مؤلم في الميدان.
وأكد المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، أن الاعتداء الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية “لن يمرّ دون عقاب”، محذراً من رد “حاسم ومؤلم”، وموجهاً رسالة مباشرة إلى الاحتلال بأن يترقب ما سيحدث في سماء الأراضي المحتلة. ونقلت تقارير دولية أن مسؤولين إيرانيين حذروا من ردود قد تطال إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة عقب الضربات على الضاحية.
وتعكس تصريحات رضائي انتقال الموقف الإيراني من الإدانة السياسية إلى التهديد المباشر، خصوصاً مع توصيفه الكيان الصهيوني بأنه “كلب مسعور يجب تأديبه وإعادته إلى مكانه”، في إشارة واضحة إلى أن طهران تنظر إلى استهداف الضاحية باعتباره تجاوزاً لخط أحمر يربط لبنان بمعادلة المواجهة الإقليمية الأوسع.
وفي السياق نفسه، شدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على أن العدو لا يلتزم بوقف إطلاق النار ولا يؤمن بالحوار، مؤكداً أن ما يفعله من حصار بحري وانتهاكات في لبنان يثبت أنه “لا يفهم إلا لغة القوة”. كما أكد أن “الحصار البحري ضد شعبنا، والضوء الأخضر الأمريكي اليوم للكيان، يجعلان القواعد والأصول الأمريكية والصهيونية في المنطقة أهدافاً مشروعة”، مضيفاً أن “أيدي القوات المسلحة الإيرانية طليقة كما كانت دائماً”.
هذه اللغة الإيرانية الحاسمة تعني أن العدوان على الضاحية لم يعد شأناً لبنانياً محصوراً، بل صار جزءاً من معركة الردع الإقليمي بين محور المقاومة من جهة، والعدوين الإسرائيلي والأمريكي من جهة أخرى. فطهران تربط بين استهداف لبنان، والحصار البحري، والدعم الأمريكي المفتوح للكيان، وتتعامل معها كساحات مترابطة في مواجهة واحدة.
ومن جهته، قال مستشار قائد الثورة الإسلامية في إيران محمد مخبر إن العدو “أشعل النار في طاولة المفاوضات للمرة الثالثة” عبر قصفه لبنان في وقت كان فيه الوسيط موجوداً في إيران، مؤكداً أن طهران تخاطب “ناقضي العهود بلغة القوة”، وأن “محور المقاومة جسد واحد”، وأن العدو سيدفع في الميدان “ثمناً باهظاً ومؤلماً” عن هذا الاعتداء.
وتحاول حكومة نتنياهو استثمار هذا العدوان داخلياً أيضاً، في ظل أزماتها السياسية والعسكرية، عبر الإيحاء بأنها لا تزال قادرة على تجاوز الضغوط الأمريكية وفرض قرارها العسكري. غير أن هذه الحسابات قد تنقلب على العدو، لأن استهداف الضاحية يضعه أمام احتمال رد نوعي يعيد تثبيت خطوط الردع ويمنع تحويل بيروت إلى ساحة ابتزاز مفتوحة.
في المقابل، يجد حزب الله نفسه أمام معادلة دقيقة، عنوانها الحفاظ على قدرة الردع ومنع العدو من تكريس قاعدة جديدة تسمح باستهداف الضاحية متى شاء، مع إدارة الرد بطريقة لا تمنح نتنياهو فرصة مجانية لتوسيع الحرب وفق توقيته وحساباته. وهذه المعادلة لا تعني التراجع، بل تعني أن الرد، حين يُقرَّر، سيكون محكوماً بحسابات الميدان والهدف والرسالة.
وتؤكد التطورات أن قواعد الاشتباك دخلت مرحلة شديدة الحساسية؛ فالعدو الإسرائيلي يحاول توسيع بنك أهدافه ورفع سقف النار، بينما يعلن محور المقاومة، من بيروت إلى طهران، أن زمن الضربات المجانية قد انتهى، وأن المساس بالضاحية لن يمر كحدث أمني عابر.
وبينما تحاول واشنطن تسويق نفسها كوسيط، تكشف صواريخ العدو على الضاحية حقيقة الدور الأمريكي: غطاء سياسي للعدوان، وضمانة كاذبة لا تلزم الاحتلال بشيء. أما الضمانة الفعلية للبنان والمنطقة، فتبقى في معادلة القوة والردع التي راكمها حزب الله ومحور المقاومة، وفي الرسالة الإيرانية الواضحة بأن زمن الإفلات من العقاب يقترب من نهايته.
