الرئيسية بلوق الصفحة 153

اتفاق “الأنفاس الأخيرة” يكرّس انتصار إيران السياسي.. مقترح طهران من 10 نقاط فرض التهدئة وكشف عجز واشنطن وتل أبيب عن فرض شروطهما

في المشهد الذي تلا أسابيع العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، لم يظهر وقف إطلاق النار المؤقت كمنحة أمريكية ولا كتنازل إيراني، بل بدا أقرب إلى تراجع اضطراري فرضه صمود طهران وثباتها السياسي والعسكري. فالمعطيات المتداولة تؤكد أن دونالد ترامب وافق على وقف قصف إيران لمدة أسبوعين بعد تلقيه المقترح الإيراني المكوّن من 10 نقاط، واصفاً إياه بأنه “أساس صالح للتفاوض”، فيما خرج الإيرانيون إلى الشوارع احتفالاً بما اعتبرته مؤسسات الدولة الإيرانية نصراً عظيماً أجبر واشنطن على التعاطي مع الرؤية الإيرانية لا مع الإملاءات الأمريكية.

والأهمية الحقيقية لهذا التطور لا تكمن فقط في إعلان التهدئة، بل في مضمون المقترح الإيراني نفسه، لأنه يكشف بوضوح أن طهران لم تدخل إلى التفاوض من موقع من يبحث عن وقف نار بأي ثمن، بل من موقع من يضع خريطة طريق شاملة لإنهاء الحرب بشروط تحفظ السيادة الإيرانية وتكرّس فشل العدوان. فبحسب المضامين المتداولة، شملت النقاط العشر التي طرحتها إيران: تعهد الولايات المتحدة من حيث المبدأ بضمان عدم الاعتداء مستقبلاً، واستمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، والقبول بحق إيران في التخصيب، ورفع جميع العقوبات الأولية، ورفع جميع العقوبات الثانوية، وإنهاء جميع قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالملف الإيراني، وإنهاء قرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودفع تعويضات لإيران، وخروج القوات القتالية الأمريكية من المنطقة، ووقف الحرب على جميع الجبهات بما في ذلك ضد المقاومة الإسلامية في لبنان.

هذه البنود وحدها كافية لفهم طبيعة التحول الذي فرضته إيران على مسار الحرب. فالعدوان الذي بدأ تحت شعارات كسر إيران وتجريدها من أوراق قوتها انتهى إلى مقترح يعترف عملياً بـ حقها في التخصيب، ودورها في هرمز، وضرورة وقف الحرب على حلفائها، ووجوب التعويض عن الأضرار التي لحقت بها. وهنا تحديداً تتجلى حقيقة المشهد: واشنطن لم تفرض صيغة استسلام، بل اضطرت إلى مناقشة صيغة إيرانية شاملة تنطلق من إعادة تعريف الأمن الإقليمي وفق المصالح الإيرانية لا وفق الرغبة الأمريكية الإسرائيلية.

وفي صلب هذه الخطة برز مضيق هرمز بوصفه مركز الثقل الأخطر في الاتفاق. فالمقترح الإيراني لم يتعامل مع المضيق كممر يجب فتحه إرضاءً لترامب أو الأسواق الغربية، بل كمساحة سيادة إيرانية مباشرة تخضع لإدارة طهران وبروتوكول مرور آمن يتم تحت إشرافها. كما تحدثت الصيغ المتداولة عن فرض تعرفة على السفن العابرة تُستخدم في إعادة بناء ما دمره العدوان الأمريكي الإسرائيلي، بما يعني أن إيران لم تكتفِ بتحويل هرمز إلى ورقة ردع، بل سعت إلى تحويله أيضاً إلى أداة سيادية وقانونية ومالية ضمن التسوية المقترحة. وهذا بحد ذاته انتصار سياسي بالغ الدلالة، لأن واشنطن التي طالما تعاملت مع المضيق باعتباره شرياناً دولياً مفتوحاً على إرادتها، وجدت نفسها مضطرة للتعاطي مع إيران بوصفها المرجعية الفعلية للمرور فيه.

أما على مستوى ردود الفعل الدولية، فقد جاء الترحيب الواسع بوقف إطلاق النار ليؤكد أن العالم لم ينظر إلى ما حدث باعتباره انتصاراً أمريكياً، بل باعتباره فرصة لإنقاذ المنطقة من كارثة انفجرت بفعل العدوان ثم عجز أصحابه عن ضبطها. فقد رحبت الأمم المتحدة، ومصر، والعراق، وإندونيسيا، وأستراليا، واليابان، وماليزيا، وعُمان، ودول أخرى بالاتفاق، مع تركيز واضح على ضرورة تحويل التهدئة المؤقتة إلى سلام دائم. كما شددت عواصم كثيرة على أهمية إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما يعكس إقراراً ضمنياً بأن هذا المضيق بات في صلب ميزان القوة الجديد الذي فرضته إيران على الجميع.

وفي المقابل، بدت إسرائيل الأكثر قلقاً من الاتفاق، لا الأكثر اطمئناناً إليه. فالمواقف الإسرائيلية التي ظهرت بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار جاءت أقرب إلى الاعتراف بالفشل. شخصيات معارضة بارزة تحدثت عن كارثة سياسية وواحد من أسوأ الإخفاقات الإستراتيجية، وأكدت أن ما جرى لم يحقق أياً من الأهداف المعلنة: لا تدمير البرنامج النووي، ولا إنهاء التهديد الباليستي، ولا تفكيك محور المقاومة. حتى الأصوات التي حاولت الدفاع عن الموقف الإسرائيلي لم تستطع إخفاء حقيقة أن تل أبيب دخلت وقف النار وهي قلقة من الاتفاق المتوقع بين واشنطن وطهران، لأن هذا المسار ينقل مركز القرار من الميدان الإسرائيلي إلى التفاوض المباشر على أساس المقترح الإيراني.

وإذا كان ترامب قد حاول تصوير الأمر بوصفه “انتصاراً كاملاً وشاملاً”، فإن الوقائع نفسها تضعف هذه الرواية. فالمادة المتداولة تشير إلى أن القوات الأمريكية تلقت أوامر بالانسحاب سريعاً بعد الإعلان، وأن الوسطاء الباكستانيين تداولوا مسودات جديدة حتى اللحظة الأخيرة، وأن الوضع كان متقلباً إلى حد أن بعض المسؤولين الأمريكيين لم يكونوا يتوقعون ما سيحدث قبل إعلان التهدئة. بمعنى آخر، فإن ما جرى لا يشبه لحظة نصر أمريكي محسوم، بل لحظة خروج متعجل من مسار تصعيد فشل في إخضاع إيران وكاد يفتح المنطقة على حرب أوسع وأشد تدميراً.

ومن الزاوية الإيرانية، تبدو الرسالة أكثر اكتمالاً: الهدنة لم تُنتزع من إيران، بل انتُزعت لأجل وقف تدهور الموقف الأمريكي الإسرائيلي. فطهران لم تتخلَّ عن مطالبها المتعلقة بالعقوبات، ولا عن دورها في هرمز، ولا عن حقها في التخصيب، ولا عن ضرورة وقف الحرب على محور المقاومة، بل وضعت هذه العناصر كلها في صلب المقترح. كما أن الصيغة الفارسية للمبادرة، بحسب ما جرى تداوله، تضمنت قبول التخصيب، حتى وإن غاب هذا التعبير عن النسخة الإنجليزية، وهو ما يعكس أن إيران تعاملت مع النص بوصفه وثيقة سيادة وحقوق لا مجرد مسودة تهدئة ظرفية.

وفي المحصلة، فإن اتفاق “الأنفاس الأخيرة” لا يبدو مجرد وقف إطلاق نار مؤقت، بل إقرار سياسي بأن إيران نجحت في الصمود، وفرضت الانتقال من منطق الإملاء إلى منطق التفاوض على أساس شروطها الأساسية. فحين يصبح حق التخصيب، والسيطرة على هرمز، ورفع العقوبات، ووقف الحرب على حلفاء إيران، والتعويض عن الأضرار جزءاً من النقاش الرسمي بعد أسابيع من العدوان، فإن ذلك يعني أن الحرب لم تنتهِ عند ما أرادته واشنطن وتل أبيب، بل عند النقطة التي أرادت طهران أن تبدأ منها الدبلوماسية. وهنا بالضبط يتكرس المعنى السياسي الأوضح: إيران لم تخرج من الحرب باحثة عن النجاة، بل خرجت منها وهي تفرض على خصومها أن يعترفوا بوزنها، ودورها، وشروط دخولهم إلى أي تسوية مقبلة.

اتفاق إيراني امريكي وإنهاء الحرب بشروط إيرانية

أعلنت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيرانيفي بيان لها تمسك طهران بمواصلة العمليات العسكرية، رافضةً كافة الدعوات والمهل المطروحة لوقف إطلاق النار، ومؤكدة أن قرار استمرار الحرب اتُّخذ منذ بدايتها حتى تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وعلى رأسها إزالة التهديدات طويلة الأمد وإرغام الخصم على القبول بشروطها.

وأشار البيان إلى أن الحرب دخلت يومها الأربعين، في ظل ما وصفه بعجز الطرف المقابل عن تحقيق أهدافه، مقابل اقتراب إيران ومحور المقاومة من استكمال أهدافهما، مؤكداً أن ما تحقق ميدانياً يمثل تحولاً كبيراً في ميزان القوى، وأن “العدو” بات يسعى لوقف القتال بعد فشله في فرض معادلاته.

وفي تطور لافت، أعلن البيان بدء مسار تفاوضي في العاصمة الباكستانية إسلام آباد اعتباراً من 10 أبريل، ولمدة أسبوعين قابلة للتمديد، بهدف نقل ما وصفه بـ”الانتصار العسكري” إلى مكاسب سياسية ملزمة على المستوى الدولي. وأوضح أن هذه المفاوضات ستجري دون ثقة بالجانب الأمريكي، وعلى أساس مبادئ محددة وضعتها طهران مسبقاً.

وكشف عن تقديم إيران خطة تفاوضية من عشرة بنود عبر الوسيط الباكستاني، تتضمن مجموعة مطالب استراتيجية، أبرزها: إنهاء الحرب على كافة أطراف محور المقاومة، انسحاب القوات الأمريكية من قواعدها في المنطقة، رفع جميع العقوبات الاقتصادية، الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، إضافة إلى إقرار ترتيبات جديدة في مضيق هرمز تضمن دوراً محورياً لإيران في تنظيم وتأمين الملاحة، بما يمنحها موقعاً اقتصادياً وجيوسياسياً متقدماً.

كما تضمنت الخطة إلزام المجتمع الدولي، عبر قرار صادر عن مجلس الأمن، باعتماد هذه التفاهمات كإطار قانوني ملزم، بما يحول النتائج العسكرية إلى مكتسبات دبلوماسية طويلة الأمد.

ووفق البيان، فإن مؤشرات أولية تفيد بقبول الجانب الأمريكي بهذه المبادئ كأساس للتفاوض، رغم استمرار الخطاب التصعيدي، وهو ما اعتبرته طهران دليلاً على تراجع الموقف المقابل وخضوعه للواقع الميداني.

وشددت الأمانة العامة على أن الانخراط في المفاوضات لا يعني وقف العمليات العسكرية، بل سيستمر العمل العسكري بالتوازي مع المسار السياسي حتى استكمال كافة الشروط، مؤكدة الجاهزية للرد الحاسم على أي تصعيد.

وفي السياق الداخلي، دعا البيان إلى الحفاظ على وحدة الصف الوطني، واعتبار المفاوضات امتداداً للمعركة في الميدان، مع ضرورة دعم هذا المسار وتجنب أي مواقف قد تؤثر على تماسك الجبهة الداخلية، مشيراً إلى أن نتائج المفاوضات ستحدد إما تثبيت “نصر تاريخي” سياسياً أو استمرار المواجهة حتى تحقيق كامل الأهداف.

سيناريو التصعيد بعد المهلة.. ترامب يهدد بمحو “حضارة إيران” الليلة والأخيرة ترد بتدمير “طاقة المنطقة” وتلوّح بتفعيل حلفائها لإغلاق “باب المندب”

في لحظة تكشف حجم الارتباك الأمريكي وتعاظم المأزق العسكري والسياسي الذي وصلت إليه واشنطن وتل أبيب، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابه إلى مستوى غير مسبوق، مهدداً بأن “حضارة كاملة ستموت الليلة ولن تعود أبداً” إذا لم تستجب إيران للشروط الأمريكية قبل انتهاء المهلة المحددة. هذا التهديد، الذي اقترن مجدداً بالوعيد بقصف الجسور ومحطات الكهرباء والبنى التحتية المدنية وإعادة إيران إلى “العصر الحجري”، لم يُقرأ في طهران بوصفه موقفاً تفاوضياً، بل باعتباره إعلاناً مكشوفاً عن نية عدوانية شاملة تستهدف كيان الدولة الإيرانية وحضارتها وشعبها، لا مجرد برنامج نووي أو ملفاً أمنياً محدوداً.

لكن ما يقابل هذا التصعيد الأمريكي ليس تراجعاً إيرانياً ولا انكساراً سياسياً، بل تهديداً مضاداً أشد وضوحاً وأخطر أثراً. فالموقف الإيراني، كما تعكسه التصريحات الواردة، حسم أولوياته: لا هدنة مؤقتة، لا خضوع للمهل النهائية، ولا تفاوض تحت النار. وقد أكدت طهران أنها ترفض أي وقف مؤقت لإطلاق النار مع الولايات المتحدة، وأن أي حديث عن سلام دائم لا يمكن أن يبدأ إلا بعد وقف فوري للضربات، وضمانات بعدم تكرارها، وتعويضات عن الأضرار. بهذا المعنى، لم تعد إيران تتعامل مع الضغوط الأمريكية باعتبارها باباً لتسوية، بل كـ محاولة إنقاذ متأخرة لترامب بعد فشل العدوان في فرض شروطه بالقوة.

والأخطر في الرد الإيراني أنه لم يقتصر على المستوى السياسي، بل انتقل إلى رسم معادلة ردع إقليمية مباشرة. فقد أعلن إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بمجلس الشورى، أن إيران لن تسمح لأي سفينة معادية بعبور مضيق هرمز، وأن لجنة الأمن القومي تناقش حالياً مشروع قانون استراتيجي للحفاظ على أمن هرمز والخليج، مضيفاً أن تاريخ المضيق سينقسم إلى ما قبل العدوان على إيران وما بعده. هذه اللغة لا تعني فقط تشديد القيود على الممر البحري الأهم في العالم، بل تعني أن طهران تمضي نحو إعادة تعريف قواعد الملاحة والسيادة في الخليج وفق شروطها هي، لا وفق الإملاءات الأمريكية.

وفي مستوى أكثر حدة، حملت الرسائل الإيرانية تهديداً مباشراً بتوسيع الرد إلى ما وراء حدود الاشتباك الحالية. فقد شددت التصريحات المنقولة على أن القادة الأمريكيين لا يمتلكون القدرة على حساب الأصول المهمة التي ستكون بمرمى المقاتلين الإيرانيين إذا هوجمت البنية التحتية الإيرانية، وأنه إذا تجاوز الجيش الأمريكي الخطوط الحمراء فإن الرد الإيراني سيتجاوز حدود المنطقة. كما أوضحت طهران أنها لم تكن البادئة في استهداف الأهداف المدنية، لكنها لن تتردد في الرد بالمثل إذا استمرت الاعتداءات على المنشآت المدنية، متوعدة بأنها ستفعل بالبنية التحتية لأمريكا وشركائها ما يحرمهم من نفط وغاز المنطقة لسنوات عديدة. وهنا ينتقل الخطاب الإيراني من التهديد الدفاعي إلى معادلة شلل استراتيجي تستهدف الطاقة والاقتصاد والإمداد، لا الجبهات العسكرية فقط.

وتكتسب هذه المعادلة خطورتها القصوى مع ما ورد من تهديدات مرتبطة بملف الكهرباء والطاقة والممرات البحرية. فبحسب المصدر الأمني الرفيع الذي نقلت عنه برس تي في، فإن أي هجوم أمريكي على محطات الكهرباء الإيرانية سيُغرق المنطقة بأكملها، والسعودية معها، في ظلام دامس، وأن قطر نقلت إلى واشنطن رسالة طهران بهذا المضمون. وهذه ليست مجرد عبارة دعائية، بل رسالة عسكرية سياسية تقول بوضوح إن استهداف البنية المدنية الإيرانية سيقابله ضرب مماثل يطال البنية الطاقية والإمدادية في الإقليم، بما يحول الحرب من مواجهة مع إيران إلى زلزال إقليمي شامل يضرب كل من فتح أرضه أو أجواءه أو موانئه لخدمة العدوان.

وفي السياق نفسه، يبرز التلويح الإيراني بـ تفعيل حلفائها لاغلاق باب المندب بوصفه الامتداد الطبيعي لمعركة هرمز. فحين تتحدث طهران عن حرمان أمريكا وشركائها من نفط وغاز المنطقة، وعن انتهاء الاعتبارات السابقة المرتبطة بـ ضبط النفس وحسن الجوار، فإنها ترسم عملياً نطاقاً أوسع للرد يشمل شرايين الطاقة والملاحة من الخليج إلى البحر الأحمر. ومع وجود محور مقاومة متماسك يمتد من إيران إلى اليمن ولبنان والعراق، يصبح أي تصعيد على هرمز قابلاً للتمدد نحو باب المندب، بما يعني ضرب المعابر البحرية الكبرى التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، وإفهام واشنطن أن حربها لن تبقى محصورة في ساحة واحدة أو عند حدود إيران فقط.

وفي مقابل هذا التصعيد الأمريكي المتفلت، تتكاثر حتى داخل الولايات المتحدة نفسها علامات الانقسام والذعر من سلوك ترامب. فقد هاجمه أعضاء في الكونغرس الأمريكي بوصفه فاقداً للبوصلة وغير مؤهل للقيادة، وقالوا إنه لا يعرف كيف ينهي حربه الكارثية فلجأ إلى تهديدات متزايدة الجنون، فيما اتهمه الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون بإهانة الإسلام والمسيحية، واعتبر أن لا أحد يمكنه تأييد شروره وجرائمه الحربية. كما طرحت واشنطن بوست سؤالاً معبّراً: هل يستطيع ترامب إنهاء الحرب مع إيران وإنقاذ ماء وجهه؟، بينما رأت بلومبرغ أن إسقاط طائرة مقاتلة أمريكية قوّض مزاعم ترامب بالنصر، واعتبرت أتلانتيك أن حربه مع إيران كشفت نقاط الضعف الاستراتيجية والعسكرية لأمريكا أمام خصومها الدوليين. كل ذلك يعني أن تهديدات ترامب، بدلاً من أن تعكس ثقة المنتصر، باتت تبدو كخطاب رجل يخوض حرباً تتسع عليه سياسياً وعسكرياً وأخلاقياً.

وفي الداخل الإيراني، تبدو الصورة معاكسة تماماً لما أراده العدوان. فقد أعلن المجتمع اليهودي الإيراني في بيان واضح إدانته للهجمات الأمريكية الإسرائيلية على وطنه، مؤكداً أنه سيبقى إلى جانب الشعب والنظام حتى آخر نفس دفاعاً عن البلاد. كما كشفت التقارير عن أن ما جرى في عملية أصفهان لم يكن مجرد مهمة إنقاذ، بل يرتبط، وفق الأدلة التي تحدثت عنها برس تي في، بخطة للتسلل إلى إحدى المنشآت النووية في أصفهان والاعتداء عليها، في ظل حسابات أمريكية خاطئة افترضت أن الدفاع الجوي الإيراني لن يتمكن من التصدي للطائرات المشاركة. وإذا صحّ ذلك، فإن العدوان لم يكن فقط حرب قصف وتدمير، بل محاولة اعتداء خاص على العمق النووي الإيراني، وهو ما يفسر تصاعد الخطاب الإيراني من الدفاع إلى الردع الشامل.

الخلاصة أن المشهد لم يعد يُختصر بتهديد أمريكي ورد إيراني، بل بمعادلة أشمل: ترامب يهدد بمحو حضارة إيران، وطهران ترد بقدرتها على خنق طاقة المنطقة، وإغلاق شرايين الملاحة، وتوسيع دائرة النار من هرمز إلى باب المندب. في المقابل، لا تبدو إيران في موقع من يبحث عن مخرج مذل، بل في موقع من يقول إن الحرب إن فُرضت على الحضارة الإيرانية فلن تبقى حرباً على إيران وحدها، بل ستتحول إلى حرب على استقرار الإقليم كله ومصالح أمريكا وشركائها فيه. وهكذا، فإن عنوان المرحلة بات واضحاً: واشنطن ترفع سقف التهديد لأنها عجزت عن فرض الاستسلام، وإيران ترفع سقف الرد لأنها قررت أن كلفة العدوان يجب أن تعود على المعتدين أضعافاً مضاعفة.

ضربة إيرانية تُذل ترامب

في ظل الغطرسة الأمريكية المُستمرّة، تتجلى حقيقة القوة الإيرانية كصخرة تتحطم عليها كُـلّ المؤامرات، حَيثُ أثبتت الوقائع الميدانية أن صمود إيران وتضحياتها ليست مُجَـرّد شعارات، إنها انتصارات ملموسة تهز أركان العدوّ الصهيوني والأمريكي وأذيالهم في المنطقة.

إن الهزيمة النكراء والمذلة التي تجرعتها أمريكا مؤخّرًا، بعد محاولاتها اليائسة لإنقاذ طيارها الذي أُسقطت طائرته، تعيد إلى الأذهان مشهد الفشل الذريع في “طبس”؛ فدخول الطائرات المعادية إلى مركز البلاد قوبل برد حاسم ومدمّـر من قبل القوات المسلحة الإيرانية بكافة تشكيلاتها، في ملحمة بطولية مشتركة جمعت بين القوة الجوفضائية، والقوة البرية، ووحدات التعبئة، والقوات الشعبيّة، والجيش، وقوى الأمن الداخلي.

هذا الانكسار الميداني حاول “ترامب” التغطيةَ عليه بمنشورات تدّعي إجراء عمليات خَاصَّة، لكن الحقيقة التي يدركها العالم هي أن خطابه المليء بالشتائم والتهديدات ليس إلا فوضى متنكرة في زي الحزم، وهو سلوك يعكس فقدان السيطرة وعدم القدرة على مواجهة الثبات الإيراني.

إن تضحياتِ حرس الثورة الإسلامية والقيادة الحكيمة وضعت حدًّا للعربدة الدولية، حَيثُ أعلنت قيادة القوة البحرية للحرس بوضوح أن “مضيق هرمز” لن يعود أبدًا إلى سابق عهده، خَاصَّة بالنسبة لأمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني، معلنةً عن نظام جديد في الخليج يجري استكمال مقدماته العملياتية لفرض السيادة الكاملة وإنهاء زمن التبعية.

التحليل السياسي لهذا المشهد يؤكّـد أن إيران اليوم، بقواتها وشعبها، تفرض واقعًا جديدًا يذل المحتلّين؛ فبينما يغرق ترامب في خطابات بذيئة تثير القلق وتكشف ضعفه كقائد، تستمر إيران في تحقيق الانتصارات المتتالية التي تبرهن على أن زمن “الضرب والهروب” قد ولى دون رجعة.

إن ما يحدث اليوم هو استكمال لمسيرة العزة التي بدأت منذ عقود، حَيثُ تظل إيران الدولة التاريخية التي تنتصر لإرادتها، وتجعل من كُـلّ محاولة اعتداء درسًا قاسيًا ومخزيًّا للقوى الاستعمارية التي لم تعد تملك سوى التهديدات الجوفاء أمام ضربات المجاهدين الصادقة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

نبيل الجمل

صراع الوجود: ما وراء العدوان على إيران

مرَّ أكثر من شهر على بدء العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، وما زالت إيران تقاوم وتهاجم وترد القصف بالقصف والضربة بضربات، لتكسر غطرسة الصهاينة والأمريكيين وتُحبط أهدافهم.

بدأ العدوان بسلسلة من الهجمات الغادرة، استهدفت مؤسّسات مدنية وقادة بارزين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنهم المرشد الأعلى، السيد علي خامنئي.

كان الهدف واضحًا، وهو: إحداث فراغ قيادي، وإسقاط النظام، ودفع إيران إلى الاستسلام غير المشروط، وسلب قدرتها وثرواتها، وتنصيب من تريد أمريكا تنصيبه لقيادة الدولة، على غرار ما حدث في فنزويلا.

كل هذه العداوة للنظام الإيراني وشعب إيران إنما هي لأنه بلد مسلم متمسك بعقيدته وقضية الإسلام الأولى، فلسطين، وهو ما أكّـده نتنياهو في عدد من الخطابات.

هذه التصريحات، التي يردّدها نتنياهو ووزراء حربه وترمب باستمرار، تؤكّـد أن حربهم على إيران هي لتأمين وجود ما تُسمّى “إسرائيل الكبرى” في المستقبل، وهذا يشمل مواجهة محور المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن.

لكن ما لم يكن في حسابات العدوّ وأعوانه هو الفارق الجوهري بين فنزويلا وإيران؛ وهو الإيمان الراسخ بالله، والعقيدة التي تسكن قلوب هؤلاء القادة وشعبهم المؤمن.

فبينما ارتقى بعض القادة شهداء، برز آخرون أكثر قوة وشراسة، ليحملوا راية المعركة.

فكان الرد الإيراني مباشرًا وقويًّا وموجعًا، استهدف الأراضي المحتلّة في فلسطين والقواعد الأمريكية في المنطقة، وتضاعفت الضربات واشتدت الهجمات يومًا بعد يوم، لتثبت أن إرادَة المقاومة قوية ولن تضعف أَو تنهار، وأن العدوّ الذي راهن على الانهيار السريع يواجه فشلًا ذريعًا ومتواصلًا، وسينكسر بإذن الله قريبًا أمام بسالة المجاهدين في إيران ولبنان والعراق واليمن وفلسطين.

في بداية العدوان، خرج قادة العدوّ، ترمب ونتنياهو، بتصريحات متغطرسة، معلنين القضاء على النظام والقدرات الإيرانية، ومطالبين بالاستسلام غير المشروط.

لكن الرد الإيراني جاء قاسمًا، بضربات موجعة على قواعد العدوّ في كَيان الاحتلال والمنطقة، وشملت إغلاق مضيق هرمز وإغراق عدد من سفنهم وإسقاط طائراتهم.

أمام هذه الضربات، اختفى نتنياهو، المعروف بغطرسته وعنجهيته الإعلامية، ليظل حبيس الملاجئ، في مشهد يجسّد الوعد الإلهي في قوله تعالى: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جميعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَو مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ).

أما ترمب، فقد أُصيب بهستيريا وجنون العظمة، ليُلقي خطابات متناقضة، يتحول فيها من إعلان نهاية إيران وقوتها إلى دعوتها للحوار والتهديد في آنٍ واحد، ليصبح مسخرة للمتابعين.

هذا التحول الدراماتيكي في الأهداف الصهيوأمريكية، من إسقاط النظام الإيراني وفرض الاستسلام إلى مُجَـرّد الدعوة للحوار والتنازلات، إلى فتح مضيق هرمز، لم يكن ليتحقّق لولا فضل الله، ثم بفضل الإيمان والثبات والصبر الأُسطوري للمجاهدين في إيران من قادة وشعب.

إن هذه الحرب هي حرب الإيمان كله على قوى الشرك والكفر كله، فانقسم العالم كفّتَين: مع أمريكا وكَيان الاحتلال، ومع إيران وحلفائها.

فإيران هي درع الأُمَّــة الحصين في مواجهة الصهاينة المحتلّين وأعوانهم، وأن استهدافها هو استهداف لكل الأُمَّــة، وهي اليوم تقود معركة تطهير الأُمَّــة من الأعداء، وبرغم كُـلّ الهجمات التي تواجهها والقنابل الفتّاكة التي أُلقيت عليها، فهي اليوم تُشرّف الأُمَّــة في هذه المعركة بشراستها واستبسالها.

هنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال: ماذا لو كانت كُـلّ الدول الإسلامية، أَو حتى الدول العربية، تمتلك ذات الإرادَة والعزيمة التي أظهرتها إيران في صد العدوان الأمريكي الصهيوني وطرد الوجود الأمريكي بقواته وقواعده ومؤسّساته من منطقتنا؟ وتأتي الإجَابَة: لما كان هناك وجود لكَيان الاحتلال الغاصب، أَو لأي محتلّ غربي في منطقتنا.

إننا اليوم نخسر ونتألم في هذه المعركة بحجم تخاذلنا منذ البداية، وكل من يتخاذل اليوم سيأتي دوره ليخسر أعظم وأكبر.

فإيران، الدولة المحاصرة منذ عقود، تواجه اليوم، ولأربعين يومًا متواصلة، أعظم قوة عالمية بأفتك الأسلحة والقنابل، وتخوض حربًا شاملة تستهدف كُـلّ شيء على أرضها، من حرب عسكرية جبانة وهمجية، إلى حرب إعلامية تضليلية، وُصُـولًا إلى حرب المنافقين من العرب والمسلمين الذين يطعنون في خاصرة الأُمَّــة لصالح العدوّ الصهيوني الأمريكي، فضلًا عن مواجهة مجلس الأمن والأمم المتحدة.

ولولا جهادها وصمودها، لاستعمر الصهاينة كُـلّ المنطقة العربية والإسلامية، ولفرضوا علينا دينَهم أَو قتلونا.

وما نراه اليوم من إهانة للدول الإسلامية المطبّعة والمطيعة لهم، حَيثُ يأمرونها بالولاء لكَيان الاحتلال وطاعتها في كُـلّ أمر، رغم أنها دول كبيرة وغنية وتستطيع الاستغناء عن أمريكا والغرب، لهو دليل قاطع على أن حب الدنيا يولّد الذل، والذل يولّد الإهانة، ومن ثم النهاية الحتمية المخزية، لأنهم لم يطيعوا الله ورسوله في جهاد هؤلاء الكافرين.

إن هؤلاء المنافقين من الأعراب، الذين ينتظرون هزيمة إيران ومحور المقاومة، لا يدركون أن كَيان الاحتلال الصهيوني لن يتركهم وشأنهم، وسيندمون أشد الندم.

ولقد كان في مصير أنطوان لحد وجيشه في جنوب لبنان عام ألفين أعظم درس في كيفية معاملة كَيان الاحتلال لعملائه، وحتى لمن يقاتلون معها ويسلمون لها كُـلّ ما يملكون.

وعليه، فإن الدخول في المعركة ضد كَيان الاحتلال يصبح ضرورة حتمية لحماية بلداننا وأمننا الوطني والقومي، ثم لمنع عدوانها على أي بلد عربي أَو مسلم، وهي فرصتنا اليوم لنوجّه لها الضربات التي تُنكّس رايتها وتكسر غطرستها بإذن الله، وقد قال تعالى: (… وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).

ولهذا، يصبح لزامًا على كُـلّ عربي ومسلم أن يقف اليوم مع المقاومة في إيران، حتى نستأصل هذا السرطان الذي انتشر في جسد الأُمَّــة وأصابها بالموت البطيء المتعب.

لقد تكرّرت حالات الذل والإهانة للأُمَّـة الصامتة والمتخاذلة على لسان نتنياهو وترمب ومسؤوليهما، من حديثهم عن الشرق الأوسط الجديد الذي يحكمه كَيان الاحتلال، مُرورًا بتصريحات ترمب المهينة لدول الخليج.

وعلى النقيض تمامًا، يصفون الرجال الأبطال المجاهدين بأنهم الخطر الحقيقي على الصهاينة، كما في أحاديثهم عن قاسم سليماني وحسن نصر الله وخامنئي ولاريجاني، وعدد من القادة الذين أحدثوا ضررًا بكَيان الاحتلال ما لم تستطع معظم الدول الإسلامية الخاضعة أن تفعله على مدى ثمانين عامًا.

فهؤلاء الأبطال هم من يجسّدون الوصف الإلهي في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئة يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ).

وهذا ما يتجلّى اليوم بوضوح في الحرب الدائرة بين إيران وكَيان الاحتلال وأمريكا، وكذلك في صمود حزب الله والمقاومة العراقية واليمنية.

إن آيات الله تتجلّى لنا في كُـلّ حدث وموقف وأمر، لتؤكّـد أن النصر حليف المؤمنين الصابرين.

في الختام، إن ما يجري اليوم من عدوان صهيوأمريكي على إيران ولبنان والعراق وفلسطين هو حجر الأَسَاس لمشروع أخطر، يستهدف الأُمَّــة العربية والإسلامية برمّتها لمحوها وتنصيب كَيان الاحتلال المسؤول الرئيسي في المنطقة كلها.

ولقد أثبتت إيران، بصمودها الأُسطوري وإيمان شعبها وقادتها، أن المقاومةَ هي السبيلُ الوحيد لكسر شوكة العدوّ وإفشال مخطّطاته.

إن قراءة المشهد بوعي، وتجاوز الرؤى الضيّقة، وإدراكَ الأبعاد الحقيقية لهذا الصراع، هو الخطوة الأولى نحو بناء استراتيجية دفاعية شاملة.

لا يمكن لأية دولة أن تقف بمعزل عن هذا التحدي الوجودي، فالمصير مشترك، والتهديد واحد، والمستقبل مرهون بمدى قدرتنا على توحيد صفوفنا، وتعزيز تضامننا، والتحَرّك بمسؤولية وفاعلية، لكسر حلقة الاستهداف الممنهج، وحماية أمننا القومي، وصون كرامة أمتنا ومستقبل أجيالها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أسماء الجرادي

العدوان يرتد على أصحابه: إيران توسّع الضربات إلى تل أبيب وديمونا والخليج.. وحزب الله يستنزف الشمال والقيادة الإسرائيلية تعترف بالفشل

تشير آخر المستجدات الميدانية إلى أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران دخل طوراً أكثر اتساعاً وخطورة، لكن على نحوٍ يفضح تعثر أهدافه الأصلية. فبدلاً من فرض كسر سريع لإيران أو تفكيك جبهات الإسناد، تكشف الوقائع عن تصاعد الضربات الإيرانية على العمق الإسرائيلي، واتساع الاستهداف إلى القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج، وتزايد الإرباك داخل القيادة العسكرية الإسرائيلية نفسها. وفي الساعات الأخيرة، أقرت وسائل إعلام العدو بإصابة أكثر من 50 موقعاً في مناطق مختلفة خلال 24 ساعة فقط، فيما أعلنت طهران تدمير 168 طائرة مسيّرة للعدو منذ بدء العدوان، بما يعكس حجم الاستنزاف الذي يضرب البنية العملياتية للمعسكر الأمريكي الإسرائيلي.

وفي قلب المشهد العسكري، واصل الجانب الإيراني توسيع بنك الأهداف داخل فلسطين المحتلة، حيث أعلن مقر خاتم الأنبياء استهداف يافا وحيفا ومراكز استراتيجية في حيفا، ومصانع كيميائية في بئر السبع، ومواقع عسكرية في “بتاح تكفا” ضمن الموجة 98 من عملية “الوعد الصادق 4”، فيما أكدت قيادة القوة الجوفضائية في الحرس الثوري أن الصواريخ الإيرانية “حرثت” مصفاة خليج حيفا ومحطات توليد الطاقة والموانئ والسكك الحديدية خلال الساعات الماضية، مع تأكيد أن العدو لم ينجح في اعتراض أي صاروخ وفق هذه الرواية. وفي الميدان ذاته، تحدث إعلام العدو عن سقوط صواريخ وشظايا وذخائر عنقودية في بني براك ورمات هشارون ووسط إسرائيل، وعن انهيار مبنى في بتاح تكفا، ما يؤكد أن الضربات لم تعد رمزية أو متقطعة، بل تحولت إلى ضغط ناري مباشر على العمقين السكاني والصناعي للكيان.

وفي الجبهة الشمالية، يتكشف مزيد من مظاهر الإنهاك الإسرائيلي. فالتسريبات المنقولة عن قائد المنطقة الشمالية تؤكد أن حزب الله أقوى مما قُدّر له سابقاً، ولا يمكن تفكيكه بالوسائل العسكرية، فيما تحدثت القناة 12 عن توتر وغضب بين رئيس الوزراء ورئيس الأركان على خلفية الجدل بشأن نزع سلاح حزب الله كهدف للحرب. ميدانياً، واصل الحزب هجماته الكثيفة على شلومي، المالكية، مارون الراس، عيناتا، هونين، المرج، مركبا، الطيبة، كريات شمونة، المطلة، نهاريا، شوميرا، كرميئيل، وإيفن مناحيم، عبر الصواريخ والمسيّرات الانقضاضية وحتى صواريخ أرض–جو التي أجبرت مروحيات وطائرات معادية على التراجع، بينما أقر العدو بإطلاق 40 صاروخاً من لبنان منذ الصباح وبوقوع إصابات وأضرار وحرائق في نهاريا وغيرها. هذا المشهد دفع حتى بعض الأصوات الإسرائيلية إلى الإقرار بأن “المدينة ماتت” في كريات شمونة، وأن الحديث عن هزيمة حزب الله لم يكن سوى كذبة ميدانية وسياسية.

أما على مستوى القواعد الأمريكية والمصالح الإقليمية، فتظهر التطورات أن إيران لم تعد تحصر ردها داخل الجغرافيا الإيرانية أو داخل فلسطين المحتلة، بل تنقل المعركة إلى ممرات الإمداد والدعم والارتكاز الأمريكي. فقد تحدثت المعطيات عن استهداف العديري، علي السالم، أحمد الجابر، جبل علي، ومركز إنتاج المسيّرات المشترك في الإمارات، إلى جانب استهداف مجمعات البتروكيماويات الأمريكية في الجبيل والجعيمة، ومركز صيانة البحرية الأمريكية في ميناء جبل علي، وأنظمة الرادار ومباني إقامة القوات الأمريكية في قاعدة أحمد الجابر بالكويت. كما أشارت CBS إلى إصابة 15 أمريكياً في ضربة بطائرة مسيّرة على قاعدة علي السالم، فيما أكدت المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ 11 عملية بعشرات المسيّرات على قواعد الاحتلال الأمريكي في العراق والمنطقة. وبالتوازي مع ذلك، تتجه إيران إلى تشديد معادلة السيطرة على مضيق هرمز، مع حديث رسمي عن عدم السماح للسفن المعادية بالمرور، وفرض إدارة إيرانية للملاحة بالتنسيق مع سلطنة عمان، بما يعني أن الحرب لم تعد فقط صراع صواريخ، بل صراع سيادة على البحر والطاقة والممرات الاستراتيجية.

وفي مقابل هذا التصاعد العسكري، يزداد الثمن السياسي والاقتصادي على معسكر العدوان. فمديرة صندوق النقد الدولي حذرت من أن حرب الشرق الأوسط سترفع التضخم وتبطئ النمو العالمي، بينما تحدثت رويترز عن ارتفاع أسعار الذهب وتداعيات الحرب على تكاليف الطيران والنقل، وأشارت “أتلانتيك” إلى أن حرب ترامب على إيران كشفت نقاط الضعف الاستراتيجية والعسكرية لأمريكا أمام خصومها، لا سيما الصين. كما تتصاعد داخل الولايات المتحدة نفسها موجة انتقاد علنية لترامب، إذ وصفه أعضاء في الكونغرس بأنه غير مؤهل، مختل، ويقود حرباً مدمرة وغير شرعية، بينما اعتبر ممثل إيران في الأمم المتحدة أن تهديدات ترامب تمثل تحريضاً مباشراً على الإرهاب وتهديداً لأسس القانون الدولي. وفي الداخل الإيراني، يقابل هذا العدوان تماسك شعبي وأمني متزايد، مع إعلان أكثر من 14 مليون متطوع الانضمام إلى حملة الفداء عن الوطن، واستمرار تفكيك الشبكات المرتبطة بالعدو في عشرات المحافظات، ما يوحي بأن رهانات الاختراق الداخلي تتكسر بدورها على صخرة التعبئة الإيرانية.

خلاصة المستجدات أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي لم ينجح في فرض معادلة الحسم، بل دفع المنطقة إلى مسرح استنزاف مفتوح تتحكم فيه إيران ومحور المقاومة بوتيرة النار ومسار الرد. تل أبيب وحيفا وبئر السبع تحت الصواريخ، الشمال الإسرائيلي تحت ضغط حزب الله، القواعد الأمريكية في الخليج لم تعد بمنأى عن الضربات، وهرمز يتحول من ممر دولي إلى ساحة سيادة واشتباك. وفي المقابل، تتزايد الخلافات داخل الكيان، وتتسع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، فيما تتبدد رواية التفوق الأمريكي الإسرائيلي تحت وطأة الميدان. ما يجري الآن ليس مجرد جولة تصعيد، بل إعادة رسم موازين القوة في المنطقة بالنار والوقت والاستنزاف المتراكم.

عملية مشتركة تضرب أمّ الرشراش.. القوات اليمنية تعلن تنفيذ عملية مشتركة مع إيران وحزب الله

أعلنت القوات المسلحة اليمنية، اليوم الأحد، تنفيذ عملية عسكرية مشتركة بالتنسيق مع الحرس الثوري والقوات المسلحة للجمهورية الإسلامية في إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان، استهدفت عدة أهداف حيوية وعسكرية تابعة للعدو الإسرائيلي في أمّ الرشراش جنوبي فلسطين المحتلة، وذلك بدفعة من الصواريخ المجنحة والطائرات المسيّرة.

وأكد البيان أن العملية جاءت دعماً وإسناداً لمحور الجهاد والمقاومة في إيران ولبنان والعراق وفلسطين، وفي إطار مواجهة ما وصفه بـ المخطط الصهيوني الساعي إلى استهداف أبناء الأمة وفرض ما يسمى “إسرائيل الكبرى” تحت عنوان تغيير الشرق الأوسط.

وأوضح البيان أن الضربة حققت أهدافها بنجاح بفضل الله، في مؤشر جديد على اتساع مستوى التنسيق بين قوى المقاومة في أكثر من ساحة، وانتقال الإسناد من المواقف السياسية إلى عمليات مشتركة مباشرة تستهدف مواقع العدو الحيوية والعسكرية في عمق فلسطين المحتلة.

وفي لهجة تعبّر عن وحدة الموقف الميداني والسياسي، أشادت القوات المسلحة اليمنية بما وصفته بصمود الشعب الإيراني المسلم وتماسكه ووحدته وتضحياته، معتبرة أن هذا الثبات أسهم في إفشال مخططات العدو وإفشال رهاناته على كسر إرادة شعوب المنطقة وقوى المقاومة فيها.

كما وجه البيان تحية مباشرة للقوات المسلحة الإيرانية وللحرس الثوري، إلى جانب المقاومة الإسلامية في لبنان وأبطال المقاومة الإسلامية في عراق المجد، في تأكيد واضح على أن المعركة الجارية تُدار ضمن جبهة مترابطة متعددة الساحات، ترى في أي عدوان على طرف من أطرافها عدواناً على الجميع.

وشددت القوات المسلحة اليمنية في ختام بيانها على أنها مستمرة في عملياتها العسكرية ضمن معركة الجهاد المقدس حتى تحقيق النصر، بما يعكس أن الضربة الأخيرة على أمّ الرشراش لا تُقدَّم كعملية منفصلة أو ظرفية، بل كحلقة ضمن مسار تصعيدي مفتوح مرتبط بتطورات المواجهة الإقليمية واتساع نطاق الاشتباك مع العدو الإسرائيلي وحلفائه.

وبهذا الإعلان، تكون صنعاء قد ثبّتت مجدداً حضورها العسكري المباشر في معركة الإسناد، مؤكدة أن الجبهة اليمنية لم تعد تقف عند حدود التهديد أو التحذير، بل باتت شريكاً عملياً في الضربات المنسقة التي تستهدف العدو الإسرائيلي في أكثر من محور.

إيران تكشف فضيحة أصفهان: هدف العملية الأمريكية كان “سرقة اليورانيوم” الإيراني لا إنقاذ الطيار

في تطور بالغ الخطورة، دفعت طهران برواية مضادة تنسف السردية الأمريكية بشأن ما سُمّي “عملية إنقاذ طيار” داخل إيران، مؤكدة أن الهدف الحقيقي للعملية كان أقرب إلى محاولة اختراق استراتيجي لسرقة اليورانيوم الإيراني لا إلى مهمة إنقاذ محدودة كما ادعت واشنطن. وبهذا المعنى، لم تعد عملية أصفهان تُقرأ في الخطاب الإيراني على أنها مناورة عسكرية فاشلة فحسب، بل باعتبارها فضيحة استخبارية وعسكرية مدوية كشفت عن نيات أمريكية أعمق وأخطر من مجرد استعادة طيار، وأظهرت أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي تجاوز استهداف البنية التحتية والمنشآت المدنية إلى محاولة المساس مباشرةً بأحد أكثر الملفات حساسية في الأمن القومي الإيراني.

وبحسب ما صدر عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بقائي، فإن الشكوك والتساؤلات ما تزال قائمة حول العملية الأمريكية التي انتهكت المياه الإقليمية الإيرانية، لا سيما أن الرواية الأمريكية تحدثت عن موقع يُعتقد أنه مخبأ لطياري كهكيلويه وبوير أحمد، بينما كان تمركز الطائرات الأمريكية في جنوب أصفهان بعيداً جداً عن الموقع المُعلن. هذه الفجوة الجغرافية الكبيرة، وفق الطرح الإيراني، لا يمكن تفسيرها بمنطق “مهمة إنقاذ”، بل تفتح الباب أمام فرضية تنفيذ عملية تمويه هدفها الحقيقي سرقة اليورانيوم الإيراني أو استهداف أصول استراتيجية مرتبطة به. ومن هنا، تصف طهران ما جرى بأنه “كارثة وفضيحة للولايات المتحدة”، مؤكدة أن الإيرانيين أفشلوا المخطط وكشفوا حقيقته قبل أن يتمكن من تحقيق أهدافه.

هذا التحول في توصيف العملية يمنح الحرب بُعداً جديداً. فحين تتحدث إيران عن أن العملية لم تكن لإنقاذ طيار بل لمحاولة سرقة اليورانيوم، فهي عملياً تنقل المعركة من إطار الاشتباك العسكري التقليدي إلى مستوى الحرب على السيادة الاستراتيجية. أي إن واشنطن، بحسب هذا الفهم، لم تكن تسعى فقط إلى تسجيل اختراق دعائي أو استعادة أحد طياريها، بل إلى تنفيذ ضربة نوعية ضد البنية النووية الإيرانية تحت غطاء عملية إنقاذ، بما يسمح لها بتغيير قواعد الصراع من دون إعلان مباشر. وهذا ما يفسر اللهجة الإيرانية الحادة التي اعتبرت أن عملية أصفهان لم تكن مجرد عدوان جوي، بل محاولة خبيثة ومموهة للمساس بأحد أعمدة القوة الإيرانية.

وفي السياق نفسه، شددت الخارجية الإيرانية على أن أمريكا دمّرت مسار الدبلوماسية خلال أشهر بأسوأ طريقة، وأن العالم يشهد أن ادعاءاتها شيء وأفعالها شيء آخر. كما أكدت أن الأعمال الإرهابية الأمريكية في إيران تثبت أن واشنطن أخرجت الدبلوماسية من جدول أعمالها، وأنها لا تعطي أي قيمة لأمن دول المنطقة، بل يتركز هاجسها الوحيد في الحفاظ على وجود الكيان الصهيوني وتوفير الغطاء الكامل لعدوانه. ولهذا ترى طهران أن الأولوية في هذه المرحلة لم تعد نقاشات التهدئة أو رسائل الوسطاء، بل تركيز كل الجهود على الدفاع عن كيان إيران وسيادتها ومصالحها العليا.

المستجدات الميدانية المرافقة لهذا الخطاب الإيراني عززت هذه الصورة أكثر. فقد ورد في المعطيات أن الحضور الفوري للقوات المسلحة الإيرانية أفشل عملية الإنقاذ الأمريكية المزعومة، وأن محاولات التسلل واجهت نيراناً مباشرة أوقفتها قبل تحقيق أهدافها. كما تحدثت الرواية الإيرانية عن تدمير طائرتين للنقل من طراز C-130 وطائرتين مروحيتين من طراز بلاك هوك خلال العملية أو أثناء تداعياتها، إضافة إلى حديث عن العثور على بقايا عسكريين أمريكيين بين حطام الطائرات جنوب أصفهان. وفي الخطاب الإيراني، لم تعد هذه التفاصيل مجرد أخبار حرب، بل أدلة على أن واشنطن تورطت في عملية أعمق مما اعترفت به، وأنها مُنيت فيها بإخفاق كبير تحاول التستر عليه بالدعاية والتهويل.

ويكتسب هذا التوصيف وزناً إضافياً عندما يُربط ببقية مسار العدوان. فطهران تؤكد أن الولايات المتحدة لم تكتفِ باستهداف المنشآت النووية السلمية والمشافي والمراكز التعليمية والمدنية، بل ذهبت إلى محاولة تنفيذ عمليات خاصة داخل العمق الإيراني، في وقت كانت فيه تواصل التهديد بقصف محطات الطاقة والجسور والبنى التحتية. لذلك، تصر إيران على أن ما يجري ليس رداً على برنامج نووي أو معركةً عسكريةً محدودة، بل مشروع أمريكي إسرائيلي متكامل يستهدف تدمير إيران واستنزافها وسرقة عناصر قوتها الاستراتيجية. ومن هنا جاء القول الإيراني إن “أمريكا متورطة في كل أعمال سفك الدماء” وإن نيتها في مختلف المحطات، من أحداث يناير إلى الحرب الأخيرة، كانت تدمير إيران لا أكثر.

في المقابل، يظهر من الخطاب الإيراني أن العدو فشل في تحقيق أهدافه الجوية والبرية والبحرية والأمنية، ولذلك عاد إلى العدوان على الأهداف المدنية ليغطي على هزائمه العسكرية. كما تؤكد التصريحات الإيرانية أن مزاعم السيطرة على الأجواء الإيرانية سقطت، وأن العدو اضطر إلى تغيير استراتيجيته من محاولة تقسيم إيران وكسرها إلى السعي لانسحاب مشرّف من الحرب. وفي هذا الإطار، تصبح فرضية “سرقة اليورانيوم” عنواناً أكثر إيلاماً للولايات المتحدة، لأنها تكشف أن العدو لم يكن قادراً على فرض معادلته بالقصف، فحاول تحقيق بعض أهدافه بعملية خاصة مموهة، ثم فشل حتى في ذلك.

الخلاصة أن عملية أصفهان لم تعد، في السردية الإيرانية، قصة طيار ضلّ طريقه أو مروحية إنقاذ تعثرت في الميدان، بل عنواناً لفضيحة استراتيجية كبرى: واشنطن حاولت التسلل إلى العمق الإيراني تحت ستار الإنقاذ، بينما كان الهدف الحقيقي أقرب إلى سرقة اليورانيوم أو ضرب بنيته الحساسة. وهذه الرواية، سواء في بعدها السياسي أو العسكري، تمنح طهران فرصة لتصوير العدوان الأمريكي الإسرائيلي بوصفه عدواناً يتجاوز كل الخطوط الحمراء، من قصف المدنيين إلى محاولة نهب المقدرات الاستراتيجية للدولة. وفي هذا الإطار، فإن الرسالة الإيرانية تبدو حاسمة: ما فشل فيه القصف لن ينجح فيه التمويه، وما عجز عنه العدوان المكشوف لن تحققه عمليات التسلل المقنّعة.

واشنطن تطرق باب التهدئة بعد العجز عن كسر إيران.. طهران ترفض الابتزاز وتتمسك بوقف دائم للعدوان لا هدنة إنقاذ لترامب ونتنياهو

تكشف المعطيات المتداولة عن تحول لافت في موقف واشنطن من منطق التصعيد والتهديد إلى البحث المحموم عن مخرج سياسي مؤقت يوقف الانحدار المتسارع في مسار الحرب، بعد أن فشلت الضغوط العسكرية الأمريكية الإسرائيلية في انتزاع تنازل إيراني أو فرض معادلة استسلام على طهران. فبحسب ما ورد في التسريبات المنقولة عن مصادر أمريكية وإسرائيلية، لم تعد الإدارة الأمريكية تتحدث بثقة المنتصر، بل باتت تبحث، عبر وسطاء إقليميين، عن وقف إطلاق نار محتمل لمدة 45 يوماً يكون بمثابة جسر نجاة سياسي وعسكري قبل اتساع المواجهة إلى مستويات أشد كلفة على واشنطن وحلفائها.

ووفق هذه المعطيات، فإن الفرصة المطروحة الآن توصف بأنها الأخيرة لمنع تصعيد خطير في الحرب، وهو توصيف يكشف بوضوح حجم القلق داخل المعسكر الأمريكي الإسرائيلي من استمرار المواجهة من دون سقف زمني أو مخرج تفاوضي. فالإدارة الأمريكية، التي قدمت عدة مقترحات لطهران، لم تنجح حتى الآن في انتزاع موافقة إيرانية، بينما يعمل الوسطاء على بحث اتفاق من مرحلتين يبدأ أولاً بوقف إطلاق نار مؤقت، ثم ينتقل لاحقاً إلى تفاوض على إنهاء دائم للحرب. لكن جوهر الأزمة لا يكمن في شكل الهدنة، بل في فقدان الثقة الكامل بين طهران وواشنطن، بعدما بات واضحاً أن إيران تنظر إلى أي وقف مؤقت للنار على أنه قد يتحول إلى استراحة تكتيكية تمنح ترامب ونتنياهو فرصة لإعادة تنظيم العدوان لا أكثر.

وتؤكد الصياغات المنقولة عن مسؤولين إيرانيين أن طهران لن تقبل مواعيد نهائية، ولن تخضع لأي ضغوط، وأنها ترفض بشكل واضح فكرة إعادة فتح مضيق هرمز مقابل وقف مؤقت لإطلاق النار. وهذه النقطة بالذات تبدو مركزية في الموقف الإيراني، لأنها تعني أن الجمهورية الإسلامية لا تنظر إلى هرمز بوصفه ورقة مساومة مجانية، بل باعتباره جزءاً من معادلة الردع والسيادة التي فرضتها الحرب، ولا يمكن التنازل عنها ضمن هدنة هشة لا تقدم ضمانة حقيقية بوقف العدوان نهائياً.

وفي هذا السياق، يظهر أن الوسطاء، وبينهم باكستان ومصر وتركيا، يسعون إلى تدوير الزوايا بين الطرفين، عبر مسودة ترتكز على وقف فوري لإطلاق النار ثم تفاوض مكثف خلال فترة تتراوح بين 15 و20 يوماً للوصول إلى اتفاق نهائي. كما جرى الحديث عن اتصالات منفصلة أجراها قائد الجيش الباكستاني مع شخصيات أمريكية وإيرانية بارزة، وعن إعداد مذكرة تفاهم تتولاها باكستان باعتبارها قناة اتصال رئيسية. غير أن المعطيات نفسها تكشف أن إيران ما تزال تنظر إلى هذه المبادرة من زاوية الحذر الشديد، انطلاقاً من قناعة واضحة بأن أمريكا لم تُظهر حتى الآن استعداداً حقيقياً لوقف دائم لإطلاق النار، بل تواصل التفكير بمنطق الهدنة المرحلية التي تمنع الضربة الإيرانية التالية وتحمي المصالح الغربية في الطاقة والمياه والممرات الحيوية.

ومن هنا، تبدو الصورة أكثر وضوحاً: واشنطن لا تطلب الهدنة من موقع القوة، بل من موقع القلق من انفجار أوسع. فالمقترح الحالي، كما ورد، يهدف عملياً إلى منع الضربات الأمريكية الإسرائيلية المقبلة من جهة، ومنع الرد الإيراني الذي قد يطاول الطاقة والمياه والمصالح الحيوية في المنطقة من جهة أخرى. وهذا وحده يكفي لفهم أن ما تسعى إليه الإدارة الأمريكية ليس “السلام”، بل تجميد موقت لمسرح النار ريثما تعيد ترتيب أوراقها، في ظل إدراكها المتزايد أن أي توسع إضافي للحرب ستكون كلفته باهظة على الجميع، لكن على واشنطن وحلفائها أولاً.

ولذلك، فإن الموقف الإيراني الرافض للضغوط يبدو منسجماً مع قراءة أعمق لطبيعة اللحظة. فطهران، التي صمدت في وجه العدوان ولم تنكسر تحت القصف والتهديد، لا تبدو مستعدة لمنح خصومها هدنة مجانية يخرجون عبرها من مأزقهم ثم يعودون لاستئناف الحرب بشروط أفضل. بل إن الرسالة الإيرانية، كما تعكسها هذه التسريبات، واضحة ومباشرة: أي اتفاق يجب أن يكون نهائياً وشاملاً وحقيقياً، لا هدنة إنقاذ لترامب ونتنياهو، ولا فخاً تفاوضياً لانتزاع ما عجز عنه العدوان في الميدان.

وفي جوهر المشهد، فإن الحديث الأمريكي الإسرائيلي المتزايد عن وقف إطلاق نار مؤقت لا يعكس قوة المبادرة بقدر ما يعكس فشل مشروع الإخضاع العسكري. فبعد كل التهديدات والحشود والضربات، انتهى الأمر بواشنطن إلى البحث عبر الوسطاء عن ترتيبات توقف النزيف وتمنع الانفجار الكبير. أما إيران، فتتعامل مع هذا التحول بوصفه دليلاً إضافياً على أن الثبات والصمود ورفض الابتزاز هي التي فرضت المعادلة الجديدة، وأن الطريق إلى أي تسوية لن يمر عبر الإملاءات الأمريكية، بل عبر وقف دائم للعدوان، وضمانات حقيقية، واحترام كامل لسيادة الجمهورية الإسلامية وحقوقها.

العدوان يتعثر والميدان ينقلب: إيران توسّع الضربات إلى حيفا وتل أبيب وهرمز، والقواعد الأمريكية تدخل دائرة الاستنزاف

تكشف آخر المستجدات الواردة في المستند أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران دخل مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً، لكن من دون أن يحقق الأهداف التي بدأ بها. فبدلاً من فرض الهيمنة الجوية وكسر البنية الدفاعية الإيرانية، تظهر التطورات الميدانية اتساع دائرة الرد الإيراني، وتحوّل الحرب إلى معركة استنزاف مفتوحة تضرب العمق الإسرائيلي، وتربك القواعد الأمريكية في الخليج، وتدفع المعركة نحو الممرات البحرية وقطاع الطاقة والبنية الصناعية في المنطقة.

في الساعات الأحدث، برز التصعيد الإيراني على نحو واضح في شمال ووسط فلسطين المحتلة، حيث تحدثت المعطيات عن إطلاق موجات صاروخية متتالية برؤوس انشطارية باتجاه حيفا ويافا المحتلة ومحيط تل أبيب، مع سقوط رؤوس متفجرة وشظايا في عشرات المواقع، ووقوع إصابات مباشرة في المباني والمركبات، واستمرار البحث عن مفقودين تحت أنقاض مبنى أصيب في حيفا. كما وردت تقارير عن إصابات خطرة، وحرائق في مواقع مختلفة، وتضرر عدد من المباني، بما يعكس فشل المنظومات الإسرائيلية في منع الصواريخ الإيرانية من بلوغ أهداف حساسة داخل العمق المحتل.

وتشير المستجدات نفسها إلى أن حيفا تحولت إلى واحدة من أبرز ساحات الضغط الناري، مع استهدافات متكررة طالت مناطق مأهولة ومحيط منشآت حيوية، فيما تحدثت تقارير أخرى عن استهداف مجمع نئوت حوفاف الصناعي في النقب، إلى جانب ضربات طالت محيط ديمونا وقطاعات البتروكيماويات والطاقة في الجنوب المحتل. ووفق هذا المسار، يبدو أن إيران لم تعد تحصر ردها في الأهداف العسكرية الصرفة، بل تسعى إلى ضرب ما يغذي المجهود الحربي الإسرائيلي من وقود وصناعة وطاقة واتصالات، في مقابل العدوان على البنية التحتية المدنية والصناعية داخل إيران.

وعلى الضفة المقابلة، تبرز موجات “الوعد الصادق 4” بوصفها الإطار العملياتي الأوسع للرد الإيراني. فالمعطيات الواردة تتحدث عن الموجة 96 ثم الموجة 97، مع استهداف منشآت طاقة وبتروكيماويات ومواقع أمريكية وإسرائيلية في الخليج والدول المطلة عليه، بما في ذلك منشآت غاز أمريكية في حبشان بالإمارات، ومجمعات بتروكيماوية في الرويس والبحرين والكويت، إضافة إلى استهدافات قرب قواعد عسكرية أمريكية، ومواقع مرتبطة بالقوات الأمريكية في بوبيان والبحرين. ويعني ذلك أن إيران نقلت المعركة من مجرد رد صاروخي على الداخل الإسرائيلي إلى استراتيجية ضرب الدعامات الإقليمية للعدوان، عسكرياً واقتصادياً ولوجستياً.

ومن أكثر محاور التطور حساسية ما يتعلق بمضيق هرمز، إذ تُظهر المستجدات أن طهران تمضي في تكريس معادلة سيادة جديدة على المضيق، لا بوصفه مجرد ممر مائي بل كورقة ردع استراتيجية. فقد جرت لقاءات ومشاورات إيرانية عمانية للبحث في العبور الآمن، مع تأكيد إيراني رسمي على الدور الحصري لطهران ومسقط باعتبارهما الدولتين الساحليتين على المضيق. كما وردت معطيات عن عبور سفن بعد الحصول على إذن من إيران، إلى جانب بحث مشاريع قوانين داخل مجلس الشورى الإيراني لفرض السيادة القانونية والإدارية على المضيق، بالتوازي مع رفض إيراني لاقتراح فتح هرمز مقابل وقف مؤقت لإطلاق النار. وبهذا، لم يعد المضيق مجرد ورقة ضغط مؤقتة، بل بات عنواناً لمعادلة جديدة تريد إيران تثبيتها بالقوة والقانون معاً.

في الميدان الجوي، تعكس الوثيقة اتساعاً في الخطاب الإيراني حول فشل محاولات الإنقاذ الأمريكية جنوب أصفهان، حيث جرى الحديث عن إسقاط أو إصابة طائرات ومروحيات أمريكية من طراز C-130 وبلاك هوك خلال محاولة لإنقاذ طيار أمريكي، مع تأكيد إيراني على أن القوات المسلحة أحبطت العملية وحاصرت القوة المتوغلة، قبل أن يلجأ العدو إلى قصف معداته وضباطه وجنوده لمنع الفضيحة. وبغض النظر عن الطابع الدعائي لهذا الخطاب، فإن حضوره الكثيف في المستند يعكس ثقة إيرانية متزايدة بأن الحرب لم تعد حرب تفوق جوي أمريكي، بل ساحة يمكن فيها كسر هيبة القوة الجوية والإنزال والإنقاذ.

أما على الجبهة اللبنانية، فتُظهر المستجدات أن حزب الله ما يزال لاعباً أساسياً في المعركة، لا مجرد جبهة إسناد ثانوية. فخلال الساعات نفسها، أعلن الحزب استهداف ميرون ونهاريا والمطلة وكتسرين وصفد ومعالوت ترشيحا ومواقع وتجمعات إسرائيلية في عيناتا والمالكية ومركبا، بالصواريخ والمسيّرات الانقضاضية، بينما وردت تسريبات من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن القيادة الشمالية فوجئت بسرعة تعافي حزب الله، وبوجود فجوة استخباراتية في تقدير قدراته، وبأن الحديث لم يعد يدور حول تفكيكه بل عن مجرد السيطرة والتموضع وإزالة التهديد. كما جاءت غارات الاحتلال على الضاحية الجنوبية والجناح وكفررمان في سياق محاولة التعويض بالقصف على المدنيين بعد تعثر الأهداف العسكرية.

ويتكامل هذا المسار مع دخول فصائل المقاومة الأخرى على الخط السياسي والعسكري. فقد أكدت سرايا القدس وأبو عبيدة أن الضربات الإيرانية واللبنانية واليمنية والعراقية تمثل امتداداً لجبهة واحدة، وأن العدوان الأمريكي الإسرائيلي لن يحقق أهدافه، فيما جرى توجيه تحية واضحة إلى أنصار الله على تجديد نصرتهم لفلسطين ومواصلة الإسناد في سياق الحرب الإقليمية المفتوحة. وهذا يرسخ في المستند صورة وحدة ساحات تتجاوز الجبهات التقليدية، وتجعل أي هجوم على إيران جزءاً من اشتباك أوسع مع محور كامل، لا مع دولة منفردة.

في الداخل الإيراني، تعكس الأرقام المرفقة اتساع الأذى المدني الناتج عن العدوان، مع الحديث عن استهداف جامعة شريف للتكنولوجيا، وسقوط 13 شهيداً في بهارستان، وإخلاء 8 مستشفيات في طهران، وتضرر عشرات المراكز الصحية وسيارات الإسعاف، فضلاً عن إعلان وزارة التربية الإيرانية استشهاد 245 تلميذاً و58 معلماً منذ بداية العدوان. وقد استخدم الإيرانيون هذه الوقائع لتوصيف الهجمات بأنها جرائم حرب، وربطوا بينها وبين تهديدات ترامب باستهداف محطات الكهرباء والجسور والطاقة، وهي التهديدات التي وصفتها جهات حقوقية دولية، وفق المستند، بأنها مقززة وترقى إلى موجة محتملة من جرائم الحرب.

اقتصادياً، يقدم المستند صورة موازية عن اتساع كلفة الحرب خارج الميدان المباشر. فالحرب، بحسب ما نُقل عن CBS، ضربت جيوب الأمريكيين عبر ارتفاع البنزين وتكاليف السفر وفوائد الرهن العقاري. كما تشير المعطيات إلى قفز أسعار النفط، وإلى أن المشترين الفعليين في آسيا وأوروبا يدفعون أكثر بكثير من الأسعار المعلنة في الشاشات، فيما تتحدث مسودة “أوبك+” عن أن استعادة أصول الطاقة المتضررة ستستغرق وقتاً طويلاً، وتقول بلومبرغ إن الحرب قوّضت الثقة في دور الولايات المتحدة كحامية للممرات البحرية. وهذا يعني أن العدوان لم يعد محصوراً في الخسائر العسكرية، بل بات يضغط على أسواق الطاقة والتجارة والنقل والائتمان، ويحوّل الحرب إلى عبء طويل الأمد على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأمريكي نفسه.

وفي الخلاصة العسكرية، فإن المستند يرسم مشهداً واضحاً: العدوان الأمريكي الإسرائيلي لم ينجح في إخضاع إيران، بل فتح على نفسه حرباً متعددة المستويات. إيران تضرب العمق الإسرائيلي وتدير هرمز وتهاجم المصالح الأمريكية في الخليج، حزب الله يواصل استنزاف الشمال المحتل، والقواعد الأمريكية لم تعد تتصرف كأنها في مأمن، فيما تتحول منشآت الطاقة والصناعة والموانئ إلى أهداف ضمن بنك الرد. وبدلاً من صورة الحسم الخاطف، يتشكل أمامنا مشهد حرب طويلة، تتآكل فيها هيبة الردع الأمريكية والإسرائيلية تحت ضغط الصواريخ، وتتعاظم فيها كلفة الميدان والاقتصاد والوقت.