تتسع دائرة الغضب داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” ضد رئيسه جياني إنفانتينو، بعد انكشاف مخطط سري لبيع 20% من الحقوق التجارية لكأس العالم وبطولات أخرى إلى مستثمرين من القطاع الخاص، في صفقة أثارت اتهامات بتحويل الرياضة الأكثر شعبية في العالم إلى أصل استثماري يخضع لنفوذ رؤوس الأموال والعلاقات السياسية.
وكان المخطط يقضي بإنشاء شركة تجارية جديدة تحمل اسم “FIFA Forward Enterprise”، تتولى إدارة الأصول المدرة للإيرادات، بما فيها حقوق البث والتذاكر والرعاية والترخيص، وتُقدّر قيمتها بنحو 20 مليار دولار، مقابل بيع حصة تقارب 20% لمجموعة استثمارية تقودها شركة مرتبطة بالملياردير جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأظهرت التقارير أن المقترح عُرض على اتحادات “فيفا” الأعضاء مصحوباً بإغراء مالي يصل إلى 20 مليون دولار لكل اتحاد من الاتحادات الـ211 مقابل الموافقة عليه قبل منتصف سبتمبر، وليس 40 مليون دولار كما ورد في بعض المواد المتداولة. وقد اعتُبر العرض محاولة لاستخدام أموال المؤسسة في استمالة الاتحادات وتمرير مشروع يفتح ملكية العوائد التجارية لكأس العالم أمام رأس المال الخاص.
وكشفت صحيفة “الغارديان” أن فكرة المشروع نشأت خلال مباحثات خاصة بين إنفانتينو وجوشوا كوشنر، قبل تكليف بنك “جي بي مورغان” بإعداد آلية لتحويل الحقوق التجارية لـ”فيفا” إلى أصول قابلة للبيع للمستثمرين. وتصدرت شركة “Thrive Eternal”، التي أسسها كوشنر، قائمة الجهات المرشحة لقيادة التحالف الاستثماري.
وفجّرت الخطة موجة اعتراض واسعة داخل المنظومة الكروية، بعدما اتهمت اتحادات قارية إنفانتينو بالعمل بعيداً عن الهيئات المختصة وطرح مشروع يمس مستقبل كأس العالم من دون تشاور شفاف مع مجلس “فيفا“. وأكد مسؤولون أن المجلس نفسه لم يكن على علم كامل بتفاصيل الصفقة، ما عمّق الشكوك بشأن الإدارة الفردية للمؤسسة.
وقاد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا“، برئاسة ألكسندر تشيفرين، مواجهة مباشرة للمشروع، وحصل على موقف موحد من اتحادات أوروبا الوطنية الـ55 بالتهديد بمقاطعة مسابقات “فيفا” ما دام مخطط البيع قائماً. وأعلن الاتحاد الأوروبي أن “كأس العالم ملك لكرة القدم وليس للبيع”، وهاجم ما وصفه بالمخططات السرية والصفقات الخلفية التي تفتقر إلى الشفافية.
وامتدت المعارضة إلى اتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي “كونكاكاف” والاتحاد الآسيوي، فيما تراجعت قيادة “فيفا” عن المشروع تحت وطأة الضغوط. غير أن إلغاء الخطة لم يُنهِ الأزمة، بل فتح باب المطالبة بمراجعة شاملة لنظام الحوكمة ومحاسبة المسؤولين عن طرح الصفقة بعيداً عن المؤسسات الرسمية.
وتلقى إنفانتينو ضربة إضافية باستقالة مستشاره البارز كارلوس كورديرو، الذي وصف المشروع بأنه “صفقة سيئة” للاتحادات الأعضاء ومستقبل كرة القدم. كما نُقل عن المدير التشغيلي لـ”فيفا” كيفن لامور وصفه الخطة بأنها “مشروع شخص واحد”، في إشارة واضحة إلى تركّز القرار بيد إنفانتينو.
ودعا رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنام إلى إزاحة إنفانتينو، معتبراً أنه أصبح “الرجل الخطأ لقيادة فيفا”، بينما بدأت تحركات داخل مجلس الاتحاد الدولي للدعوة إلى اجتماع استثنائي وإجراء مراجعة مستقلة لقراراته. ويتطلب فرض اجتماع استثنائي للمجلس تأييد 19 عضواً من أصل 37، فيما يمكن لـ43 اتحاداً وطنياً الدفع نحو عقد مؤتمر طارئ والتصويت على حجب الثقة.
وتزامنت الفضيحة مع تجدد الانتقادات بشأن قرب إنفانتينو من إدارة ترامب، خصوصاً بعد الجدل المتعلق برفع إيقاف اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون خلال كأس العالم، وسط مطالبات بإجراء تحقيق مستقل في ملابسات القرار. إلا أن الربط المباشر بين ترامب وصفقة كوشنر يبقى محل اتهامات سياسية وتحقيقات إعلامية، وليس حقيقة قضائية مثبتة حتى الآن.
وتكشف الأزمة عن صراع يتجاوز شخص إنفانتينو إلى مستقبل ملكية كرة القدم نفسها، بعدما حاولت قيادة “فيفا” وضع أهم بطولات العالم وعوائدها تحت تصرف شركات استثمارية خاصة. وبينما يبرر المدافعون عن المشروع الخطوة بالحصول على تمويل ضخم، يرى المعارضون أنها كانت ستمنح المستثمرين نفوذاً دائماً في الحقوق التجارية للبطولات، وتدفع نحو المزيد من المباريات والتوسع الربحي على حساب اللاعبين والجماهير والاتحادات المحلية.
وهكذا تحولت صفقة كوشنر من مشروع لتعظيم أرباح “فيفا” إلى أكبر تهديد سياسي يواجهه إنفانتينو داخل المؤسسة، بعدما وحّدت ضده اتحادات كبرى وأطلقت مطالبات بإقالته، في فضيحة أعادت كشف تغلغل رأس المال الخاص وشبكات النفوذ السياسي في إدارة الرياضة العالمية.