كشفت برقيات سعودية سرية عن أن العدوان على اليمن لم يبدأ بقرار الحرب المعلنة في مارس 2015، بل سبقته لسنوات سياسة منظمة لإدارة الصراعات الداخلية، وتمويل الجماعات والقبائل، وشراء الولاءات، وفتح جبهات متعددة ضد أنصار الله، بإشراف مباشر من القيادة السعودية ومن خلال لجنة حكومية سرية تتولى إدارة الملف اليمني.
وبحسب تقرير نشره موقع “دروب سايت نيوز”، تضمنت الوثائق برقية مصنفة “سرية للغاية وعاجلة للغاية” صادرة في يناير 2012، وموقعة من وزير الدفاع السعودي آنذاك سلمان بن عبدالعزيز، تدعو ما يسمى “اللجنة الخاصة لمجلس الوزراء” إلى دراسة دعم القبائل اليمنية المعادية لأنصار الله، وفتح جبهات متعددة ضد الحركة، والعمل على “تعزيز الخلاف” بينها وبين المحيط الزيدي في شمال اليمن.
وتكشف الوثائق أن الرياض لم تكن تراقب الأزمة اليمنية من الخارج، بل كانت تعمل على هندسة صراع داخلي متعدد المستويات، يقوم على تسليح أطراف محلية وتمويلها، وإثارة حساسيات مذهبية واجتماعية، مع الحرص على إخفاء البصمة السعودية وتقديم القتال باعتباره نزاعاً يمنياً داخلياً.
ووفق البرقيات، كان الهدف السعودي يتمثل في استخدام الجماعات والقبائل السلفية المدعومة من الرياض لفتح جبهات عسكرية ضد أنصار الله، بالتوازي مع محاولة عزل الحركة عن بقية المجتمع الزيدي، حتى لا تظهر باعتبارها مدافعاً عن أبناء مناطقها في مواجهة عدوان مذهبي مدعوم من الخارج.
وتثبت هذه المعطيات أن الخطاب السعودي الذي حاول لاحقاً تقديم الحرب على اليمن باعتبارها استجابة طارئة لأحداث عام 2014 كان يخفي مشروعاً أقدم لإضعاف أنصار الله وتفكيك البيئة الاجتماعية في شمال اليمن، قبل الانتقال إلى التدخل العسكري المباشر.
لجنة سرية تدير اليمن منذ عقود
تكشف الوثائق عن دور ما يسمى “اللجنة الخاصة لمجلس الوزراء السعودي”، وهي جهة سرية أنشأتها الرياض منذ ستينيات القرن الماضي لتولي كل ما يتعلق بالشأن اليمني، وترفع تقاريرها مباشرة إلى مكتب رئيس الوزراء السعودي، بينما يشارك السفير السعودي في صنعاء في أعمالها.
وبحسب التقرير، احتفظت اللجنة بملفات مفصلة عن شيوخ القبائل والزعامات الدينية والقادة العسكريين والسياسيين اليمنيين في الحكومة والمعارضة، وأدارت نظاماً واسعاً من المرتبات الشهرية والمخصصات المالية لضمان ولاء الشخصيات النافذة للرياض.
وتكشف هذه الآلية أن النظام السعودي لم يتعامل مع اليمن باعتباره دولة مستقلة ذات سيادة، بل بوصفه ساحة نفوذ تُدار عبر المال والاختراق السياسي والقبلي، بهدف إبقاء القرار اليمني خاضعاً للمصالح السعودية.
كما تُظهر البرقيات أن شراء الولاءات لم يكن نشاطاً عرضياً، بل كان جزءاً من مؤسسة رسمية وسرية تدير العلاقات مع اليمن، وتحدد شروط استمرار الدعم المالي للمشايخ والقادة والشخصيات المدرجة في كشوفاتها.
تمويل وتسليح جبهات القتال
أظهرت الوثائق أن الرياض قدمت دعماً مالياً وعسكرياً مباشراً للجبهات المناهضة لأنصار الله، إذ تشير إحدى البرقيات المؤرخة في مايو 2012 إلى تحويل خمسة ملايين ريال سعودي إلى جبهتي دماج وأهيم، مع طلب دفعة مالية أخرى، إضافة إلى ترتيبات لفتح جبهة ثالثة.
كما كشفت برقية أقدم، مؤرخة في مارس 2010 وموقعة من الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز، عن الموافقة على الإفراج الفوري عن 50 مليون ريال سعودي لتسليح القبائل التي تقاتل أنصار الله على الحدود وتزويدها بالاحتياجات والدعم المالي.
وتشير هذه الأموال إلى أن السعودية لم تكن مجرد وسيط أو طرف سياسي في الصراعات اليمنية، بل ممولاً مباشراً للحرب الداخلية، بما فيها شراء الأسلحة وتحريك المقاتلين وإنشاء جبهات جديدة.
كما تضمنت البرقيات مزاعم عن تجهيز مئات المسلحين ونقل الذخائر إلى المقاتلين، في سياق خطة تهدف إلى تشتيت أنصار الله وإشغالهم بجبهات متعددة، إلا أن بعض التفاصيل الميدانية الواردة في الوثائق لم يتمكن التقرير من التحقق منها بصورة مستقلة.
هندسة صراع طائفي مع إخفاء الدور السعودي
تظهر الوثائق أن الرياض أرادت استخدام الانقسام المذهبي أداةً للحرب، لكنها كانت تخشى أن يؤدي ظهور الصراع باعتباره حرباً سعودية–وهابية ضد الزيديين إلى دفع المجتمع الزيدي بأكمله نحو الالتفاف حول أنصار الله.
ولهذا سعت السعودية إلى رسم خط طائفي داخل شمال اليمن من دون الظهور علناً بوصفها الطرف الذي يرسمه، عبر تمويل الجماعات السلفية والقبائل المحاربة لأنصار الله، وتقديم المواجهات باعتبارها نزاعات محلية.
ويكشف ذلك أن إثارة الفتنة الطائفية لم تكن نتيجة تلقائية للخلافات الداخلية، بل أداةً سياسية وعسكرية مدروسة استُخدمت لإضعاف المجتمع اليمني وتمزيق نسيجه الاجتماعي.
غير أن هذه السياسة جاءت بنتائج عكسية؛ إذ دفعت الاعتداءات المدعومة من السعودية قطاعات واسعة من المجتمع إلى النظر إلى أنصار الله باعتبارهم القوة التي تدافع عن مناطقهم وهويتهم في مواجهة مشروع خارجي.
دماج.. نموذج للحرب السعودية بالوكالة
برزت منطقة دماج في محافظة صعدة بوصفها إحدى ساحات تنفيذ المخطط، حيث دعمت السعودية الجماعات السلفية التي خاضت مواجهات طويلة مع أنصار الله بين عامي 2011 و2014.
وأسفرت المواجهات عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح الآلاف، قبل إجلاء نحو 10 آلاف شخص عند تنفيذ وقف إطلاق النار مطلع عام 2014.
وتشير هذه النتائج إلى أن السياسة السعودية لم تؤد إلى إضعاف أنصار الله، بل ساهمت في توسيع دائرة الصراع وتعميق المأساة الإنسانية، في حين استمرت الحركة في التقدم حتى سيطرت على صنعاء في سبتمبر 2014.
وبذلك انتهت الحرب السرية التي مولتها الرياض إلى نتيجة مناقضة لأهدافها، إذ ازداد حضور أنصار الله السياسي والعسكري بدلاً من انهياره، وفشلت الجبهات المدعومة سعودياً في وقف تمدده.
من المؤامرة السرية إلى العدوان المعلن
مع فشل سياسة التمويل غير المباشر وفتح الجبهات الداخلية، انتقل النظام السعودي في مارس 2015 إلى العدوان العسكري الشامل، مدعوماً من الولايات المتحدة عسكرياً واستخباراتياً ولوجستياً.
وشنت السعودية وحلفاؤها حملة قصف استمرت سنوات، رافقها حصار بحري وجوي أدى إلى تدمير البنية التحتية وانتشار الجوع والمرض وحرمان ملايين اليمنيين من الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
وبحسب ما أورده التقرير، نُفذت خلال الحرب أكثر من 25 ألف ضربة جوية، أصابت نسبة كبيرة منها أهدافاً مدنية، بينما قدرت الأمم المتحدة بنهاية عام 2021 عدد ضحايا الحرب بنحو 377 ألف شخص، توفي معظمهم نتيجة الجوع والمرض والتداعيات غير المباشرة للعدوان والحصار.
وتكشف البرقيات أن الحرب المعلنة عام 2015 لم تكن قراراً منفصلاً عن السياسات السابقة، بل كانت المرحلة العلنية من مشروع بدأ بالتدخل السري، وتمويل الفتن، وتسليح الوكلاء، وشراء الولاءات.
فشل سعودي متراكم
رغم الأموال والأسلحة والتحالفات والقصف والحصار، فشلت الرياض في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في إسقاط أنصار الله وإخضاع اليمن.
فالحركة التي أرادت السعودية عزلها والقضاء عليها أصبحت القوة المسيطرة على معظم المناطق اليمنية المكتظة بالسكان، وطورت قدرات عسكرية مكّنتها من نقل المواجهة إلى العمق السعودي والبحر الأحمر.
كما تحول اليمن من ساحة حاولت الرياض التحكم بها عبر المرتبات واللجان السرية إلى قوة إقليمية تفرض معادلات بحرية وعسكرية، كان آخرها إعلان الحصار على الملاحة المرتبطة بالسعودية في باب المندب رداً على استمرار الحصار المفروض على الشعب اليمني.
وتؤكد هذه النتيجة أن السياسة السعودية لم تحقق الأمن للرياض ولا الاستقرار لليمن، بل صنعت عداءً تاريخياً ودفعت الشعب اليمني إلى تطوير أدوات المقاومة والردع.
جذور معادلة “الحصار بالحصار”
تمنح البرقيات السعودية المسربة خلفية سياسية مهمة لفهم المعادلة اليمنية الحالية؛ فالحصار البحري المفروض على المصالح السعودية لا يأتي من فراغ، وإنما يمثل رداً على عقود من التدخل السعودي، و12 عاماً من العدوان والحصار، وحرمان اليمن من سيادته وثرواته وقراره الوطني.
وتكشف الوثائق أن الرياض استخدمت الاقتصاد والمال والسلاح لإبقاء اليمن ضعيفاً ومنقسماً، ثم لجأت إلى القصف والحصار عندما فشلت أدواتها الداخلية.
ومن هذا المنطلق، فإن معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” تمثل انتقال اليمن من موقع الدفاع داخل أراضيه إلى فرض كلفة مباشرة على الدولة التي أدارت الحرب والفتنة والحصار ضده.
الخلاصة
تكشف البرقيات أن السعودية لم تكن جاراً قلقاً من تطورات اليمن، بل طرفاً عمل بصورة منهجية على إدارة الانقسامات، وتمويل المقاتلين، وتسليح القبائل، وشراء الشخصيات النافذة، وهندسة الفتنة المذهبية والسياسية.
كما تثبت أن العدوان الذي بدأ عام 2015 لم يكن حرباً اضطرارية كما حاولت الرياض تصويره، بل امتداداً لمشروع طويل هدفه إخضاع اليمن ومنعه من امتلاك قرار مستقل.
لكن النتيجة كانت فشلاً سعودياً متكاملاً: لم تُهزم أنصار الله، ولم يخضع اليمن، ولم تحقق الحرب أهدافها، بينما تحولت صنعاء إلى قوة قادرة على تهديد المصالح السعودية وفرض معادلات جديدة في البحر الأحمر.
وبذلك، تفضح الوثائق حقيقة الدور السعودي في اليمن، وتؤكد أن الرياض صنعت بيدها الصراع الذي تواجه نتائجه اليوم، وأن الطريق الوحيد لإنهاء المواجهة يمر عبر وقف العدوان، ورفع الحصار، وإنهاء التدخل في الشأن اليمني، واحترام سيادة اليمن واستقلاله وحقوق شعبه كاملة.












