تدخل الضفة الغربية مرحلة شديدة الخطورة مع تصاعد تهديدات الاحتلال الإسرائيلي بشن عملية عسكرية واسعة، بالتوازي مع تكثيف الاقتحامات والاعتقالات ونشر التعزيزات العسكرية وإطلاق يد الجماعات الاستيطانية المسلحة، في مشهد يكشف عن مخطط متكامل يستهدف إخضاع الفلسطينيين بالقوة، والاستيلاء على أراضيهم، ودفعهم إلى الرحيل تمهيدًا لضم الضفة وتصفية وجودها السياسي والجغرافي.
وتصاعدت المخاوف الفلسطينية بعدما أعلن وزير دفاع الاحتلال يسرائيل كاتس توجيه جيشه لمهاجمة مخيم فلسطيني جديد، دون الإفصاح عن اسمه، على غرار العملية المستمرة في مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم. وجاء التهديد بالتزامن مع توسيع جيش الاحتلال اقتحاماته للمدن والبلدات والقرى واعتقال 170 فلسطينيًا خلال ثلاثة أيام فقط.
ودفع الاحتلال بثلاثة ألوية عسكرية إلى مختلف محافظات الضفة، بينما أصدر قائد المنطقة الوسطى تعليمات بتكثيف النشاط العسكري، وزيادة الاعتقالات، وإقامة المزيد من الحواجز، وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين، إلى جانب توسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي.
ولا تقتصر العملية المرتقبة على تحرك أمني محدود، بل تندرج ضمن هجوم استراتيجي متعدد الأبعاد يربط بين الضفة والقدس وغزة، ويستهدف خصوصًا مخيمات اللاجئين والتجمعات البدوية والمناطق المصنفة “ج“، بما يخدم عقيدة “حسم الصراع” التي تتبناها حكومة بنيامين نتنياهو.
ويعمل الاحتلال على تحويل المخيمات إلى بيئات غير قابلة للحياة عبر تدمير شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق، بالتزامن مع تقليص خدمات وكالة “الأونروا” واستغلال الأزمة المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية، بهدف ضرب الرمزية السياسية والتاريخية لقضية اللاجئين وإجبار السكان على النزوح.
ويرى وكيل دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية أن توسيع العمليات لن يكون مرتبطًا بوجود تشكيلات مسلحة أو بدوافع أمنية كما يزعم الاحتلال، بل يمثل جزءًا من خطة جاهزة لتفكيك المخيمات وإعادة تشكيل الضفة ديمغرافيًا وجغرافيًا.
وتترافق التحركات العسكرية مع تسارع عمليات الهدم ومصادرة الأراضي. ففي قرية عنزا جنوب جنين، هدمت جرافات الاحتلال مغسلة سيارات كانت تمثل مصدر الدخل الوحيد للفلسطيني مصعب أبو الوفا وأسرته، ملحقة به خسارة بلغت نحو 700 ألف شيكل، بما يعادل 230 ألف دولار، بذريعة وقوع المشروع في منطقة مصنفة “ج“.
ويؤكد الفلسطينيون أن عمليات الهدم لا تستهدف المباني المخالفة كما يدعي الاحتلال، بل تمثل وسيلة لانتزاع الأراضي وتحطيم مصادر رزق السكان ودفعهم إلى الهجرة. وتزداد المخاوف في القرى التي تقع غالبية أراضيها ضمن المنطقة “ج“، حيث يهدد توسيع العملية العسكرية بمصادرة مساحات إضافية وطرد أصحابها.
وإلى جانب الجيش، تعتمد حكومة الاحتلال على ميليشيات استيطانية عقائدية مسلحة لتنفيذ الهجمات وحرق الممتلكات وقتل الفلسطينيين والاستيلاء على الأراضي، بينما يوفر الجنود الحماية للمعتدين ويتدخلون ضد الأهالي عند محاولتهم الدفاع عن أنفسهم.
وكشفت المواجهة الأخيرة في قرية تل قرب نابلس، التي أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين ومقتل مستوطنين اثنين، تحول اعتداءات المستوطنين إلى معركة وجودية مفتوحة، في ظل اتساع استعداد الفلسطينيين للتصدي للهجمات المسلحة التي تستهدف قراهم ومنازلهم وأراضيهم.
وتبرز جماعة “فتية التلال” بوصفها واحدة من أخطر الشبكات الاستيطانية المتطرفة في الضفة، وهي جماعة غير مركزية تضم غالبًا شبانًا تتراوح أعمارهم بين 15 و20 عامًا، يقيمون في البؤر والمزارع الرعوية المقامة على قمم التلال الفلسطينية.
وترتبط نشأة الجماعة بخطاب أطلقه أرييل شارون عام 1998، دعا فيه المستوطنين إلى “انتزاع المزيد من التلال” وفرض السيطرة عليها قبل وصول أي تسوية سياسية، لتتحول هذه الدعوة إلى استراتيجية تقوم على احتلال الأراضي ونصب الكرفانات فيها، ثم توسيع البؤر تدريجيًا والضغط على سلطات الاحتلال لشرعنتها.
ويتركز نشاط “فتية التلال” على اقتلاع الأشجار والاستيلاء على الأراضي الزراعية ورعي الأغنام فيها، ومنع أصحابها من الوصول إليها تحت التهديد، إلى جانب إحراق المنازل والمركبات وتخريب المساجد والمدارس وسرقة المحاصيل والمواشي وكتابة شعارات عنصرية من قبيل “الموت للعرب” و”إما الطرد أو الموت”.
وتمكنت هذه الجماعات حتى نهاية عام 2020 من إقامة 170 بؤرة استيطانية، بدعم من مجالس المستوطنات ومؤسسات استيطانية، أبرزها “أمانا“، التي توفر مواد البناء والإسناد اللوجستي، بينما يتولى جيش الاحتلال حمايتها قبل أن تتحرك الحكومة لاحقًا لتسوية أوضاعها ومنحها الصفة القانونية.
كما تنشط مجموعات “تدفيع الثمن”، وهي شبكة سرية ظهرت عام 2008، وتتخذ من المدرسة الدينية في مستوطنة يتسهار جنوب نابلس أحد أبرز معاقلها. وتقوم عقيدتها على تنفيذ هجمات انتقامية ضد الفلسطينيين عند اتخاذ أي إجراء ضد البؤر الاستيطانية أو عقب وقوع عمليات للمقاومة.
وترتبط هذه الجماعة بمئات الهجمات التي شملت إحراق المنازل والمركبات والمساجد والكنائس، وتخريب المدارس واقتلاع أشجار الزيتون والاعتداء على المزارعين، وسط خطاب ديني وقومي متطرف يدعو صراحة إلى قتل الفلسطينيين أو طردهم.
وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسّع وزير أمن الاحتلال إيتمار بن غفير تشكيل “فرق الحراسة”، وزود آلاف المستوطنين بالأسلحة العسكرية تحت ذريعة حماية المستوطنات، لتصبح هذه الفرق جزءًا من منظومة أمنية تجمع بين المستوطن المدني والجندي وعنصر الاحتياط.
وأسهم هذا التداخل في تصاعد الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون يرتدون الزي العسكري، وتشمل إطلاق النار والضرب والاستيلاء على الأراضي وتخريب الممتلكات وإتلاف المزروعات وسرقة المواشي. كما أدى الغموض المتعمد في الصفة القانونية للمنفذين إلى تعطيل التحقيقات وتبادل المسؤولية بين الشرطة والنيابة العسكرية، بما يوفر للمعتدين حماية عملية من المحاسبة.
ولم تعد جرائم المستوطنين أعمالًا فردية متفرقة، بل تحولت إلى هجمات جماعية منظمة تخدم سياسة رسمية لتوسيع الاستيطان وتهجير الفلسطينيين. ومن أبرزها إحراق الطفل محمد أبو خضير عام 2014، وإحراق منزل عائلة دوابشة عام 2015 واستشهاد الرضيع علي ووالديه سعد وريهام، وقتل عائشة الرابي عام 2018، واستشهاد علي حسن حرب طعنًا عام 2022 أثناء تصديه لمحاولة الاستيلاء على أرض فلسطينية.
وبين عامي 2023 و2026، نُفذ أكثر من 12 ألف اعتداء استيطاني في الضفة، أسفرت عن استشهاد 82 فلسطينيًا، بالتزامن مع إقامة نحو 200 بؤرة استيطانية جديدة.
وخلال النصف الأول من عام 2026 وحده، أقام المستوطنون 42 بؤرة جديدة، بينها أربع بؤر في مناطق مصنفة “ب”، في مؤشر على انتقال التوسع الاستيطاني إلى مناطق يفترض أنها خاضعة للإدارة الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو.
كما درست سلطات الاحتلال 113 مخططًا استيطانيًا، بينها 71 مخططًا في الضفة و42 في القدس، بهدف السيطرة على أكثر من 14 ألف دونم وتمرير آلاف الوحدات الاستيطانية، فيما أقرت حكومة نتنياهو إنشاء 34 مستوطنة جديدة خلال الفترة نفسها، ليرتفع إجمالي المستوطنات التي وافقت عليها منذ تشكيلها إلى 104 مستوطنات.
ووثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان خلال النصف الأول من العام 3,488 اعتداءً نفذها المستوطنون، أدت إلى تهجير 18 تجمعًا بدويًا بالكامل وثمانية تجمعات جزئيًا، بما يكشف الارتباط المباشر بين العنف المنظم والتوسع الاستيطاني وإفراغ الأراضي من أصحابها.
وتوفر منظومة الاحتلال غطاءً واسعًا للإفلات من العقاب، إذ تشير بيانات منظمة “ييش دين” الصهيونية إلى إغلاق الشرطة نحو 91% من ملفات شكاوى الفلسطينيين ضد المستوطنين دون إدانة، بينما لا تتجاوز القضايا التي تنتهي إلى لوائح اتهام 7.4%، وتنخفض نسبة التحقيقات التي تقود إلى إدانة فعلية إلى نحو 1.8% فقط.
وبالتوازي مع الإرهاب الاستيطاني، قطع الاحتلال خطوات واسعة نحو القضاء على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية، عبر فرض الضم الفعلي، وتهجير التجمعات في الأغوار، وإعادة الاستيطان إلى شمال الضفة، وبناء عشرات آلاف الوحدات، وشرعنة البؤر والمزارع الاستيطانية.
وتكشف هذه المعطيات أن التهديد بعملية عسكرية واسعة ليس تطورًا منفصلًا، بل يمثل الذراع العسكرية لبرنامج الضم والتهجير، فيما تؤدي الجماعات الاستيطانية دور الذراع الميدانية التي تهاجم الفلسطينيين وتنتزع أراضيهم تحت حماية الجيش.
وتسعى حكومة الاحتلال إلى فرض معادلة “الخضوع أو الرحيل” عبر صدمة عسكرية واسعة، وتعميم النموذج الذي فرضته في مخيمات شمال الضفة، وحماية المستوطنين المسلحين خلال توسعهم داخل الأراضي الفلسطينية. غير أن تصاعد المواجهة الشعبية يؤكد أن الضفة تقف أمام مرحلة مقاومة مفتوحة، في مواجهة مشروع يستهدف الأرض والإنسان والهوية الفلسطينية بأكملها.









