الرئيسية بلوق الصفحة 94

مهندس الفشل الإستراتيجي لجمهورية الموز.. غضب سياسي صهيوني يطالب بإسقاط نتنياهو

خيمت أجواء من الصدمة والغضب العارم على الأوساط السياسية والإعلامية وسط الاحتلال الإسرائيلي منذ ساعات الصباح الأولى، إثر الإعلان عن تفاصيل الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة وإيران.

وتفجرت موجة من الانتقادات الحادة التي استهدفت رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث رأت قيادات المعارضة والنخب الصحفية أن هذا الاتفاق يعد نكسة استراتيجية خطيرة تؤدي إلى تبديد كل الإنجازات العسكرية، وسط دعوات صريحة تطالب برحيل الحكومة الحالية التي وصفت بالفاشلة.

رفض اليمين المتطرف

وعلى المستوى حكومة الإحتلال، سارع اليمين المتطرف إلى إعلان رفضه القاطع للاتفاق، وصرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بأن اتفاق ترامب لا يلزم الاحتلال بأي شكل، مع التأكيد على أن الاحتلال دولة مستقلة وليست جمهورية موز.

end of list

وأضاف بن غفير أنه أبلغ نتنياهو بضرورة اتخاذ قرارات تاريخية، وحذر من التنازل عن هدف تفكيك حزب الله اللباني أو الانسحاب من الأراضي التي طهرها الجيش، مع التشديد على وجوب الرد المباشر على أي إطلاق للنار من لبنان عبر توجيه ضربات لقلب الضاحية.

من جهته، وصف وزير مالية الاحتلال يسرائيل سموتريتش الاتفاق بأنه تطور سيء لإسرائيل و”للعالم الحر”، ودعا إلى مواصلة العمل بهدف إسقاط النظام الإيراني بطرق إبداعية لضمان عدم امتلاك طهران أي سلاح نووي.

ورغم موقفه المعارض للاتفاق، دافع سموتريتش عن نتنياهو حيث أشار إلى أن أي مرشح آخر لرئاسة الوزراء لم يكن ليصمد أمام 10 بالمئة من حجم الضغوط التي تمارس على حكومة الاحتلال الحالية.

المعارضة تُصعّد

وفي صفوف المعارضة، وجه زعيم المعارضة يائير لابيد نقدا لاذعا لنتنياهو، وصرح بأن الاحتلال ربح المعركة لكن نتنياهو خسر الحرب وانهار في لحظة الحقيقة.

وأوضح لابيد أن الاحتلال أدرك في السابع من أكتوبر عدم قدرة نتنياهو على حماية المواطنين، وتأكد في 15 يونيو/حزيران عام 2026 الجاري من عجزه التام عن إدارة معركة سياسية، وطالب بضرورة تشكيل حكومة جديدة وخروج نتنياهو من المشهد.

وتوافقت هذه الرؤية مع تصريحات الوزير السابق غادي آيزنكوت، الذي وصف صباح توقيع الاتفاق بالكئيب، وذكر أن الاحتلال استيقظ على اتفاق يتعارض مع مصالحه نتيجة حكومة فاشلة عملت دون إستراتيجية، مما أحدث فجوة عميقة بين وعود النصر المطلق والواقع الحالي المليء بالخيبات.

وبدوره، اعتبر النائب السابق لرئيس أركان الاحتلال يائير غولان أن إنجازات الطيارين والجنود محيت بجرة قلم بينما وقف نتنياهو في حالة ضعف ومرض وعزلة تامة، واتهمه بأنه مهندس الفشل الإستراتيجي الأكبر في تاريخ الاحتلال وبأنه “شخص يعمل لصالح حماس وإيران وحزب الله” ويضر بمصالح الاحتلال.

هجوم إعلامي واسع

هذا وسيطرت مشاعر الإحباط والسخرية على كتابات المحللين والنخب، واستعان الصحفي عاميت سيغال بمقولة هنري كيسنجر ليصف المشهد، حيث نقل مقولة تشير إلى أنه قد يكون من الخطير أن تكون عدوا لأمريكا، لكن أن تكون صديقا لها فهو أمر مهلك ومميت.

ووصف الصحفي بن كاسبيت ما جرى بأنه يمثل هزيمة تاريخية مروعة ستكون نتائجها مدمرة، وسخر من عدم قدرة آلة نتنياهو الإعلامية على إلقاء اللوم على المستشارة القضائية هذه المرة، لأن المسؤول هو دونالد ترمب نفسه.

فيما رأى الصحفي بار شيم أور أن تجرؤ إيران على إطلاق النار نحو الاحتلال كرد على هجمات الجيش ضد حزب الله يعد من أكبر الهزائم الإستراتيجية، ووصف نتنياهو بالبطل في مجال تبديد الإنجازات.

وفي تحليل أعمق لمسار الحدث، أوضح الكاتب عاموس هاريل أن محاولة نتنياهو المكشوفة لإظهار استقلاله عن ترامب أسهمت في ترسيخ معادلة طهران الجديدة التي تساوي بين الهجوم في بيروت والهجوم الإيراني على الاحتلال.

حرب غير ضرورية

وتطرق الصحفي يوسي ميلمان إلى جذور الأزمة، وذكر أن الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط إثر اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي مثلت خطوة غير ضرورية، وأن جنون العظمة لدى ترمب ونتنياهو أدى إلى وضع أهداف غير واقعية مثل إسقاط النظام الإيراني ووقف البرنامج النووي.

وأضاف ميلمان أن الاتفاق سيسمح لإيران بإعادة بناء قدراتها وقدرات وكلائها بفضل مليارات الدولارات المفرج عنها، ودعا إلى استغلال وقف إطلاق النار لإسقاط حكومة نتنياهو اليمينية.

من جانبه، عبر الكاتب إيال عوفر عن قلقه العميق من الوضع الخطير الذي وصل إليه الاحتلال تحت قيادة نتنياهو وشركائه بن غفير وسموتريتش، وأكد أنه في أي دولة أخرى كان الزعيم ليقدم استقالته بصورة مباشرة بعد هذا الفشل الذريع.

وأعلن وزير دفاع الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم الاثنين، أن قواته ستبقى في لبنان وسوريا وقطاع غزة إلى أجل غير مسمى، ويرى كاتس أن الاحتفاظ بالأراضي والمناطق الأمنية من أبرز “إنجازات الجيش الإسرائيلي” ولهذا السبب يعارض انسحاب الجيش من لبنان رغم الضغوط الحالية، التي قد تُمارس في المستقبل، وفق تعبيره.

إساءَات الغرب الكافر وغفلة المسلمين

تتكرّر الإساءَات للقرآن الكريم والمقدسات الإسلامية وللرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أمام ناظري أبناء العالم الإسلامي، ولم يحركوا ساكنًا.

فهذا السكوت من قبل مليارَي مسلم شجّع أعداء الأُمَّــة الإسلامية على تكرار الإساءَات للمقدسات الإسلامية، من اقتحام للمسجد الأقصى من قبل اليهود، وقتلٍ للمؤمنين، وتدميرٍ للبنى التحتية في البلاد الإسلامية.

وأخيرًا أعلنها صراحةً الكافر اللعين ترامب بالإساءة للكعبة قِبلة المسلمين، 

وشبّهها بالقمامة، فماذا بعد ذلك يا أيها المسلمون؟

أين علماء الأُمَّــة الإسلامية؟ ولماذا هذا الانبطاح المخزي والمذل؟

هذا اللعين الكافر ترامب قد أعلن العداء للمقدسات بكل وقاحة.

متى ستغضبون لدينكم ومقدساتكم؟

ألم يحن الوقت بعد للدفاع عن قبلتكم التي تصلون إليها كُـلّ يوم خمس مرات؟

أفيقوا يا أُمَّـة الإسلام من سباتكم قبل فوات الأوان.

لا تركنوا إلى الذين ظلموا فيمسكم عذاب الله، أخرجوا وانتصروا لدينكم ومقدساتكم.

وقولوا للمطبّعين من الحكام وعلماء السوء: هذا كتابُنا ورسولُنا وقِبلتُنا، ولن نتخلى عن مقدساتنا.

حان وقت رحيلكم أيها العملاء، أنتم وفرعونكم اللعين الكافر ترامب.

أما نحن فسوف ننتصر لمقدساتنا ولن نتخلى عنها، فليس هناك أغلى من ديننا ومقدساتنا.

نحن على يقين بأن العدوّ الصهيوأمريكي إلى زوال حتمي، فهذه نهايته المحتومة.

ألم يقل فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأعلى﴾؟ وبعد أن حشر جنوده، ألم يُغرِقْه اللهُ في البحر عظةً وعبرةً لمن خلفه؟

وهذا اليومَ فرعون العصر الكافر ترامب حشد جنودَه وبارجاته وطائراته، وقتل ودمّـر وأهلك الحرث والنسل، حتى وصل به الغرور إلى نهايته المحتومة بالإساءة للكعبة المشرفة.

متى كانت هذه الإساءة؟ في أَيَّـام احتفالكم بذكرى الهجرة النبوية.

اللهَ اللهَ يا أُمَّـة المليار، للخروج المشرف انتصارًا للقرآن وللمقدسات، وأعلنوها صرخة مدوية في وجه الطغاة والمستكبرين: أمريكا وكيان الاحتلال والحكام المطبعين الذين خانوا الله ورسولِه وباعوا المقدسات.

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خالد المنصوب

تفاهُــمٌ بشروط إيران.. انكسار الغطرسة الأمريكية

فيما يبدو أنها نهاية هذه الجولة من جولات الصراع التاريخي بين محور المقاومة وقوى الاستكبار العالمي، تأتي مذكرة التفاهم الأخيرة بين الجمهورية الإسلامية في إيران وأمريكا لتضع نقطة آخر السطر في مرحلة راهن فيها العدوّ الصهيوني والأمريكي طويلًا على كسر إرادَة الأُمَّــة وتفكيك جبهاتها المترابطة.

ورغم أن هذه المذكرة قد لا تمثل السقف الأقصى الطموح الذي حدّدته طهران في استراتيجيتها المعلنة، إلا أن القراءة الواعية لعمق المشهد وطبيعة الموازنات السياسية والعسكرية تؤكّـد أن ما جرى يمثل تحولًا استراتيجيًّا وصفعة مدوية لصلف الإدارة الأمريكية وعجرفتها المعهودة.

وبناءً على المعطيات الميدانية، فقد بدأت قوى الهيمنة الدولية حروبها وعدوانها بوضع شروط استسلام بالغة الغرور؛ سعيًا لتدمير خصومها وتغيير خارطة المنطقة بالكامل، لتنتهي بها الغطرسة اليوم صاغرةً بالقبول بالواقعية السياسية، والتوقيع على صفقة مباشرة مع نفس الخصم الذي أرادت إباداته وإلغاء وجوده، والعودة على الأقل إلى قواعد ما قبل الحرب؛ ما يعد انتصارًا دبلوماسيًّا وسياسيًّا استثنائيًّا لمحور المقاومة وثباته الأُسطوري.

تكمن الأهميّة الاستراتيجية لهذه المذكرة في معادلات جوهرية صاغها الصمود الأُسطوري لشعوب وجبهات المنطقة،

وفي مقدمتها تثبيت معادلة “وحدة الساحات” كواقع مفروض لا يمكن تجاوزه.

فكما ترسخت هذه القاعدة العظيمة بالدماء والبارود في ميادين المواجهة، ها هي اليوم تفرض حضورها بقوة في أروقة السياسة وصياغة الاتّفاقات الدولية، حَيثُ أثبتت الجمهورية الإسلامية أنها الرقم الصعب الذي فرض وقف إطلاق النار في لبنان على العدوّ الصهيوني، واضعةً الانسحاب الشامل والكامل شرطًا أَسَاسيًّا لا تنازل عنه لإكمال أي عملية تفاوضية مستقبلية.

من جانب آخر، تمثل هذه المذكرة اعترافًا أمريكيًّا رسميًّا بعدم واقعية السقوف والأهداف التي وضعها كيان العدوّ الإسرائيلي في بداية عدوانه الهمجي، وتخليًا علنيًّا من واشنطن عن حليفها الصهيوني بعد أن عجزت الآلة العسكرية المشتركة عن تحقيق أي حسم عسكري أَو إنجاز استراتيجي يمكن تسويقه في بورصة انتخابات الكونجرس.

ويؤسس توقيع هذا التفاهم لمرحلة جديدة تنقلب فيها الضغوط والأزمات بأكملها إلى الداخل الأمريكي والإسرائيلي على حَــدٍّ سواء.

فبعد أن فشل المجرم “نتنياهو” في تمديد الحرب والهروب الأمامي إلى موعد الانتخابات، نجحت إيران والمحور في صياغة معادلة تضمن القدرة على الاحتفاظ بمرونة التفسير والتحَرّك في أية مواجهة قادمة.

وبناءً على هذا التحول الإقليمي المتسارع، يقف المحور اليوم أمام تحديَّين رئيسيَّين يتطلبان أعلى درجات الوعي وبذل الجهود السياسية والميدانية: –

ويتمثل أولهما في معركة تحقيق الانسحاب الصهيوني الكامل من الجنوب اللبناني، وهي معركة سياسية مُستمرّة ولن تنتهي في هذه الجولة السريعة، حَيثُ من المرجح أن تطول المفاوضات وتتعقد مساراتها، لكن التقديرات الاستراتيجية تشير إلى أن حكومة نتنياهو الحالية المأزومة لن تكون قادرة على تحمل ثمن هذا الانسحاب عسكريًّا وشعبيًّا، وأن هذه المهمة الثقيلة ستُلقى على كاهل الحكومة الصهيونية القادمة التي سيفرزها السقوط الحتمي للائتلاف المتطرف الحالي.

أما التحدي الثاني والأكبر فيبرز بوضوح في قطاع غزة المظلوم وصعوبة الانتقال إلى المرحلة الثانية، خَاصَّة في ظل تكالب قوى ما يسمى “الوسطاء” الذين يركزون جل جهودهم لتحقيق أهداف العدوّ عبر بوابة الدبلوماسية والسياسة بعد أن عجز كيان الاحتلال عن انتزاعها في الميدان.

ويسعى الأعداء عبر أدواتهم الإقليمية والدولية إلى إدامة الوضع المأساوي الحالي من تجويع ممنهج وقتل يومي وقضم مُستمرّ للأرض، متوهمين أن هذا الحصار الإجرامي الخانق سيفلح في حشر المقاومة في الزاوية، وتحقيق حلمهم الخائب في تفكيك البنية العسكرية ونزع أظافر غزة الباسلة.

إذن..

أمام هذا المخطّط الخبيث، فإن تغيُّرَ الموقف الإقليمي وتوقف جبهة الحرب الإيرانية الصهيونية المباشرة دون كسر أَو تراجع للمحور، سيشكل جدار حماية حقيقي يخفف من مستوى الضغوط المسلطة على قطاع غزة.

ويظل الرهان الأكبر اليوم معقودًا على صمود غزة ومقاومتها الباسلة وثباتها الأُسطوري حتى شهر نوفمبر القادم، تزامنًا مع التغيرات العاصفة المرتقبة في انتخابات كيان العدوّ في أُكتوبر، وذلك دون تقديم أية تنازلات إضافية تمس بجوهر القضية، مستفيدين من ثبات المحور إقليميًّا ورسوخ جبهاته، لتؤكّـد الأيّام مجدّدًا أن زمن فرض الإملاءات الأمريكية وحلفائها قد ولَّى إلى غير رجعة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مبارك حزام العسالي

مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة

أبطال وقادة مشروع المسيرة القرآنية، حملوا على عواتقهم مسؤولية الدين وبناء الإنسان اليمني فكريًّا، والنهوض بالبلد اقتصاديًّا وعسكريًّا.

ونحن نرى اليوم بكل جلاء تقدم ونجاح هذا المشروع الإيماني الذي تطلب نَفَسًا طويلًا ووصفة زمنية قُدّرت بعشرين عامًا من البناء المُستمرّ، للوصول إلى القوة العسكرية الضاربة والتصنيع الحربي المتطور، الكفيل بمواجهة قوى الاستكبار العالمي، وعلى رأسها أقطاب الشر والفوضى الدولية: أمريكا، وبريطانيا، وكيان العدوّ الصهيوني وحلفاؤهم في المنطقة.

وبقوة الله سبحانه وتعالى، استطاع الجيش اليمني مواجهةَ هذه القوى الطاغية؛ فالجبهة التي انطلقت من شُح الإمْكَانيات وقلة العتاد والمجاهدين، نراها اليوم وبفعل التمكين الإلهي قد قفزت من سلاح “الكلاشنكوف” التقليدي إلى تكنولوجيا الصواريخ الفرط صوتية والمسيرات الاستراتيجية.

شعار “الصرخة” الذي طُبع بالأمس على خزانة ذخيرة البندقية الآلية للمجاهد، تحمله اليوم الصواريخ والمسيرات ليدك أراضي فلسطين المحتلّة؛

صونًا للمقدسات ونصرة للمستضعفين، في دليل ساطع على صدق الإيمان والإخلاص الخالص لله وفي سبيل الله.

خديعةُ المجتمعِ الدوليِّ.. وعارُ الانبطاح في الجنوبِ المحتلّ

إن خطوات مشوار الألف ميل تتعدد وتطوي معها الشعاب والوديان والجبال، لنرى بوضوح ما ترمي إليه القيادة الثورية والسياسية عبر التحَرّك الجاد والفعال في أهم المجالات الحيوية: بناء القوة، والصناعة، والزراعة؛ انطلاقًا من حقيقة أن المجتمع الدولي الحالي لا يضمن حقوقًا، ولا يحترم حريةَ أَو سيادة واستقلال قرار الشعوب العربية والإسلامية.

لقد عاش اليمن حصارًا خانقًا طوال سنوات، ولم نجد أية مسؤولية إنسانية أَو أخلاقية من المجتمع الدولي تجاه شعب يصل تعداده إلى قرابة أربعين مليون مواطن في الشمال والجنوب؛ فقد واجهنا تجاهلًا متعمدًا وصمتًا مطبقًا يغض الطرف عن معاناة ملايين البشر، ويحرمهم من أبسط حقوق العيش الكريم والمقومات المعيشية اليومية.

ويبرز هذا الخِذلان جليًّا في المناطق الخاضعة لسيطرة حلفاء الصهيونية العالمية في جنوب اليمن؛ فبالرغم من أن الإمارات والسعوديّة تعدان من أكبر الدول التي تمتلك قوة مالية ونفطية لا يستهان بها، إلا أن حال المواطن في الجنوب المحتلّ يندى له الجبين:

فلا أمن مستقر، ولا حقوق معيشية متوفرة، حتى باتوا عاجزين عن توفير وقود محطات توليد الكهرباء لإنارة منازل المواطنين!

عن أية “ثورة” وأي “تحرير” يتبجحون به في ظل اقتصاد متدهور، وانعدام للرواتب، وغياب للمصالح العامة والأمن؟ حتى باتوا يغبطون المواطن في شمال اليمن على استقراره رغم الحصار.

وبفضل التمكين الإلهي لقيادة صنعاء، استطاع الشمال التغلب على الكثير من مخطّطات العدوان، وعلى رأسها المخطّط الأمريكي القذر الذي ركز كُـلّ جهده على تدمير الريال اليمني أمام العملات الأجنبية.

حَيثُ استطاعت اللجنة الاقتصادية في صنعاء -بقوة الله وحكمتها- الحفاظ على العملة الوطنية وحمايتها من السقوط المدوي، ومقاومة كافة الدسائس والمكائد الماسونية.

معركةُ البناءِ.. الاكتفاء الذاتي والنهضة الزراعية

إن سياسة حكومة صنعاء سياسة ناجحة ومثمرة؛ لأنها تأسست على القاعدة الذهبية لبناء اقتصاد الأوطان وهي: “الزراعة والصناعة”.

وانطلاقًا من موجهات ومحاضرات قائد الثورة -الذي يولي الجانب الزراعي والصناعي أهميّة قصوى ويحث دومًا على الاكتفاء الذاتي- بدأت التقارير الدولية تشير باهتمام إلى أن اليمن يهرول بخطى ثابتة نحو تحقيق اكتفائه الذاتي.

إن ما نشهده اليوم من التوسع في زراعة الحبوب، وإنتاج البذور محليًّا، والتوجّـه الجاد لتحقيق الاكتفاء في قطاع اللحوم، وافتتاح مصانع خطوط الإنتاج الوطنية كمصنع لب المانجو -والذي يترجمه اليوم في السوق المحلية عصير “ليدر” كمنتج يمني خالص دون الحاجة للاستيراد- يعد منجزًا اقتصاديًّا عظيمًا يحاكي التطلعات السيادية.

وبقوة الله سبحانه وتعالى، ومع كسر الحصار المفروض على الموانئ والمطارات اليمنية، سينطلق هذا الإنتاج نحو التصدير الخارجي بجودة عالمية مطابقة لمواصفات ومقاييس التجارة الدولية.

إن بناء اقتصاد الأوطان الحرة يرتكز أَسَاسًا على الأرض والزراعة، وما يضمن استمرار هذه النهضة ويحميها هي القوة العسكرية الجبارة؛ قال الله تعالى: ((بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرض ۖ وَإذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)) [البقرة: 117].. صدق الله العظيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحيى صالح الحَمامي

رصاصة في سوق الأعداء.. كيف نصنع ثقافةَ المقاطعة؟

المقاطعة الاقتصادية للأعداء لا يمكن أن تكون هبات موسمية وتنتهي بانتهاء الحملات، هي معركة وعي طويلة الأمد، واستراتيجية مواجهة مُستمرّة تتطلب جبهة موحدة وتكاملًا حقيقيًّا بين كُـلّ مكونات المجتمع.

وفي هذه المعركة يبرز دور الإعلام والإعلاميين كقادة للرأي وموجهين للبُوصلة، تقع على عاتقهم مسؤوليةُ تحويل المقاطعة من سلوك فردي وحيد إلى ثقافة مجتمعية منظمة وسياسة عامة لا تقبل التراجع.

تبدأ هذه الدائرة المتكاملة من الناشطين وصناع المحتوى، حَيثُ يتولى الإعلام مسؤولية تسليحهم بالحقائق والأرقام الموثوقة والبدائل المتاحة، ليتجاوز الخطاب الحماسي الآني إلى ثقافة ووعي مجتمعي يمتلك القدرة على التعبئة والتأثير.

ومن خلال الإعلام والناشطين ينتقل الخطاب مباشرة إلى المواطن كمستهلك، ليعيد الإعلامُ صياغةَ عقيدته الشرائية، ويرسخ في ذهنه أن كُـلّ ريال يدفعه لمنتج يدعم أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني يتحول فورًا إلى رصاصة موجهة نحو صدور الأبرياء في هذا العالم، لتصبح المقاطعة هنا التزاما دينيًّا وأخلاقيًّا وكرامة مقدسة قبل أن تكون سلاحًا اقتصاديًّا بيد الأعداء يدمّـر الاقتصاد الوطني.

ولا يجوز ولا ينبغي أن يتوقف المد التوعوي عند حدود المستهلك، فليمتَدْ ليصل إلى التاجر والمستورد في كُـلّ خطابات المجتمع سواءٌ أكانوا أفرادًا أَو مؤسّسات أَو جهات، وعلى رأسها الاقتصاد الوطني، مبينًا أن رأس المال الذي يتغذى على دماء الشعوب هو خسارة دينية واقتصادية وإنسانية وأخلاقية فادحة، ليكون حافزًا على وقف استيراد بضائع الأعداء وغيابها بشكل كلي في السوق المحلي ليتم استبدالُها بالمنتج الوطني والذي سيكون داعمًا أَسَاسيًّا في صمود المجتمع واقتصاده أمام بضائع الأعداء.

ولكي تكتملَ هذه الحلقة يجبُ أن نضعَ المسؤول وصاحب القرار أمام مسؤولياته الدينية والأخلاقية والوطنية والقانونية، عبر التوعية والضغط الإعلامي لمنع تراخيص الاستيراد، ودعم التسويق للمنتج المحلي والتوعية المُستمرّة بشكل مكثّـف.

فالمقاطعة هي سلاح قوي لا يمكن أن يكتمل بناؤه إلا بتناغم أدوار هؤلاء جميعًا.

والإعلام هو الرابط الأَسَاسي الذي يجمع وعي الناشط وإصرار المواطن المستهلك، ووطنية التاجر المستورد ورجل الأعمال المستثمر في الوطن وحزم المسؤول صاحب القرار ليثبت للجميع أن المقاطعة لمنتجات الأعداء هي خط الدفاع الأول في معركة التحرّر واستعادة الأُمَّــة مقدرتها وسيادتها الاقتصادية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالخالق دعبوش

وانتصرت إيران.. انتصار الإسلام على الكفر

بين وعد الله وصخب المعركة

حين تضجُّ الأرض بأصوات المدافع، وترتفع أعمدة الدخان فوق خرائط المواجهة، يبقى المؤمنون يستحضرون الحقيقة الكبرى التي لا تتغير بتغير الأزمنة والميادين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.

فالنصر في المنظور القرآني ليس نتاجَ قوةٍ مُجَـرّدة، ولا ثمرةَ تفوقٍ ماديٍ فحسب، هو وعدٌ إلهي يرتبط بالإيمان والثبات والصبر والتوكل على الله.

وعندما تتكالب القوى، وتشتد المحن، ويظن الناس أن أبوابَ الفرج قد أُغلقت، يصدح القرآن بحقيقةٍ أُخرى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

هناك تبدأ الحكاية، من مقدار اليقين، لا من عدد الجيوش، من حجم الثبات، لا من حجم التهديد.

 يوم تبدّدت الأوهام وسقطت السهام

في زمنٍ اختلط فيه الضجيج بالحقيقة، وتزاحمت فيه المؤامرات على أبواب الجغرافيا والعقيدة، ظنّ كثيرون أن الحصار سيُسقط الإرادَة، وأن كثرة الأعداء ستُطفئ جذوة الصمود.

لكن الأيّام جاءت بما لم تشتهِ غرف القرار، فإذا بالمحاصَر يثبت، وَإذَا بالمستهدَف يصمد، وَإذَا بالمشهد ينقلب من مشروع هزيمةٍ إلى مشهد مقاومة، ومن رهانٍ على السقوط إلى عنوانٍ للثبات والنهوض

لقد رسم قوى الشر أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني أهداف لكنها فشلت في تحقيقها وتحقّق لإيران أهداف في ظل المواجه فانتصرت في تحقيقها.

أولًا: حرب الحشود.. حين اجتمع الخصوم وتفرّق الوهم

كانت حربًا تشابكت فيها المصالح، وتقاطعت فيها المشاريع، واجتمعت فيها قوى الضغط والإخضاع.

حشودٌ سياسية، وعقوباتٌ اقتصادية، وحملاتٌ إعلامية، وتهديداتٌ عسكرية وفتاوى دينية؛ لكنها جميعًا اصطدمت بإرادَة رفضت الانكسار، وعقيدةٍ لم تعرف الفرار.

وفي خضم هذا المشهد تتجلى سنةٌ قرآنية خالدة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾؛ فليست الغلبة دائمًا للأكثر عددًا، بل للأكثر ثباتًا وصبرًا وإرادَة.

ثانيًا: من ساحات النار إلى ميادين القرار

في قلب الدخان كانت تُصنع المعادلات، وفي عمق المواجهة كانت تتغيّر الحسابات.

فكل ضربةٍ كانت تُولد معها معادلة، وكل تهديدٍ كان يفتح بابًا للتحدي، حتى تحوّل الميدان من ساحة استنزاف مرسومة إلى ساحة اشتباك أعادت رسم المرسوم، وبدّلت كَثيرًا من المفاهيم والرسوم.

ثالثًا: وحدة الساحات.. إذَا نادى الميدان لبّى الإخوان

الجبهات أصبحت قضيةً واحدة، وصوتًا واحدًا، ومصيرًا واحدًا.

فإذا ارتفع النداء في فلسطين، تجاوبت معه الساحات إيران واليمن وحزب الله والحشد الشعبي، وَإذَا اشتعلت جبهةٌ في لبنان تحَرّكت معها جبهات جمهورية إيران الإسلامية واليمن، في صورةٍ جسدت تلاحم القضية والفكره قبل تلاحم البندقية، ووحدة الهدف قبل وحدة الطريق.

رابعًا: معركة الوعي.. حين انكشفت الوجوه وسقطت الأقنعة

أخطر ما في الحروب أنها تستهدف العقول قبل الأراضي.

غير أن سنوات الصراع مع قوى الاستكبار وعلى رأسها أمريكا كيان الاحتلال الصهيوني الطويلة كشفت كَثيرًا من الحقائق، وأسقطت كَثيرًا من الأقنعة، وأعادت ترتيب الأسئلة الكبرى في وجدان الشعوب الغربية والإسلامية وأحرار العالم.

فمن هو العدو؟ ومن هو الحليف؟ ومن يقف مع قضايا الأُمَّــة، ومن يتاجر بآلامها؟ أسئلة فرضها واقع الصراع والمواجه، وأجابت عنها وقائع الحروب العسكرية المباشرة.

خامسًا: من الصمود إلى الصعود.. حين تحوّل التحدي إلى فرصة

ظنّ خصوم إيران أن الضغوط ستقودها إلى التراجع، فإذا بالتحديات تتحول إلى فرص، وَإذَا بالحصار يتحول إلى دافع، وَإذَا بالمواجهة تنتج واقعًا جديدًا أكثر تعقيدًا وتأثيرًا.

وهكذا خرجت إيران، في نظر مؤيديها، محافظةً على مكانتها، ومتمسكةً بخياراتها، وقادرةً على مواصلة دورها في معادلات المنطقة، وفرضت شروطها وأخضعت خصومها وتوحد شعبها.

سادسًا: الولاية والغلبة.. بين الإيمان والميدان

وفي الوعي الإيماني الذي يستند إليه محور الجهاد والمقاومة، فإن الغلبة أكثر من مُجَـرّد تفوقٍ مادي، هي ثمرة ارتباط بالله وتمسكٍ بمنهجه رسمها الله مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.

ومن هنا يُنظر إلى الصمود والثبات بوصفهما تجسيدًا لمعنى الولاية والاعتصام بالله، لا مُجَـرّد موقفٍ سياسي أَو عسكري عابر.

يوم يفرح المؤمنون بنصر الله

هكذا تُكتب صفحات التاريخ الكبرى؛ بالإرادات الصُّلبة والعقائد الراسخة.

وهكذا تتشكل التحولات العظيمة؛ حين يلتقي الإيمان بالصبر، والثبات بالفعل، والتضحية بالهدف.

وبين ضجيج المعارك وصمت الشهداء، وبين رهانات السقوط ومشاهد الصمود، يستحضر المؤمنون قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.

فالنصر منحةٌ من الله، والصبر طريقه، والثبات مفتاحه، والتوكل زاده، وما بين الوعد الإلهي وصنع الرجال تُولد التحولات الكبرى، وتُكتب الملاحم التي تبقى شاهدةً في ذاكرة الأمم والأجيال.

وانتصرت إيران.. وما النصر إلَّا من عند الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد فاضل العزي

فصائل فلسطينية تبارك انتصار إيران.. معادلة ردع جديدة تلجم العدوان الأمريكي الصهيوني وتفتح أفقاً لفلسطين والمنطقة

فصائل المقاومة الفلسطينية

باركت فصائل المقاومة الفلسطينية ما وصفته بـ الإنجاز الاستراتيجي والتاريخي الذي حققته الجمهورية الإسلامية في إيران، بعد فرض اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب العدوانية، معتبرة أن ما جرى مثّل تحولاً كبيراً في موازين الردع، ولجم الاعتداءات الأمريكية والصهيونية في المنطقة.

وأكدت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين أن هذا الانتصار فرض على الأعداء الاستجابة والرضوخ لحقوق الشعب الإيراني المشروعة، مشددة على أن الإنجاز الإيراني لا يخص طهران وحدها، بل يؤسس لمستقبل جديد لشعوب الأمة، وسيكون له أثر مباشر وإيجابي على شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

وأشارت الحركة إلى أن الجمهورية الإسلامية وقفت، على مدى عقود، إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني، وقدمت الدعم والمساندة لمقاومته، مؤكدة أن العدوان الأخير كشف مجدداً أن المشروع الصهيوني لا يهدد فلسطين وحدها، بل يمثل خطراً مباشراً على أمن واستقرار شعوب المنطقة والعالم.

واعتبرت الجهاد الإسلامي أن مواجهة هذا المشروع تتطلب وحدة الموقف وتكامل الجبهات، بعدما أثبتت التطورات أن العدوان الأمريكي الصهيوني لا يرتدع إلا أمام معادلة قوة واضحة، تفرض عليه التراجع وتمنعه من تحويل المنطقة إلى ساحة استباحة مفتوحة.

وفي السياق ذاته، باركت اللجنة المركزية لحركة فتح الانتفاضة، في بيان من بيروت، ما وصفته بـ الانتصار العظيم للجمهورية الإسلامية، مؤكدة أن هذا النصر تحقق بحكمة وشجاعة القيادة الإيرانية، وصمود الشعب الإيراني، ومقاومة قواته المسلحة وحرسه الثوري، ودماء الشهداء، وفي مقدمتهم القادة الكبار الذين ارتقوا خلال المواجهة.

وشددت الحركة على أن إيران تمكنت من إنجاز النصر عبر فرض شروطها في اتفاق وقف وإنهاء الحرب العدوانية الأمريكية، بما يحفظ سيادة وحقوق الدولة والشعب في إيران، وبما ينعكس أيضاً على حقوق الشعوب المستضعفة في فلسطين ولبنان.

كما ربطت فتح الانتفاضة هذا الإنجاز بإسناد جبهات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، معتبرة أن وحدة الساحات كانت عاملاً مركزياً في إسقاط أهداف العدوان، وإثبات أن معركة المنطقة لم تعد قابلة للتجزئة أو الفصل بين جبهة وأخرى.

وأكدت الحركة أن ما جرى يمثل انتصاراً للإرادة السياسية لمحور المقاومة بقيادة إيران، وفي المقابل انكساراً لإرادة العدوان الأمريكي الصهيوني، وفشلاً ذريعاً في تحقيق أهداف الحرب، وهزيمة لمشاريع التصفية والاستسلام التي طُرحت تحت عناوين “الشرق الأوسط الجديد” و**“إسرائيل الكبرى”**.

وتكشف مواقف الفصائل الفلسطينية أن نتائج المواجهة الأخيرة لا تُقرأ فقط من زاوية وقف الحرب، بل من زاوية أوسع تتصل بمستقبل القضية الفلسطينية، وموقع المقاومة في معادلات المنطقة، وحدود القدرة الأمريكية والصهيونية على فرض الوقائع بالقوة.

نيويورك تايمز: حرب إيران تكشف تصدع المظلة الأمريكية وتدفع الخليج لإعادة حساباته

قالت صحيفة نيويورك تايمز إن المواجهة الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران كشفت حدود القوة الأمريكية في الخليج، وعرّت هشاشة المظلة الأمنية التي اعتمدت عليها دول المنطقة لعقود، وسط تصاعد التساؤلات بشأن قدرة واشنطن على البقاء ضامناً موثوقاً لأمن حلفائها.

وأوضحت الصحيفة، في تقرير لها، أن الحرب الأخيرة مع إيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل شكلت صدمة استراتيجية لدول الخليج، التي وجدت نفسها أمام واقع جديد بعد تعرض البحرين وقطر والإمارات لهجمات مباشرة طالت قواعد عسكرية ومنشآت حيوية وفنادق، إضافة إلى التداعيات الواسعة لإغلاق مضيق هرمز على أسواق الطاقة وحركة الملاحة.

وبحسب التقرير، فإن دول الخليج تنفست الصعداء بعد التوصل إلى اتفاق أولي بين واشنطن وطهران، لكنها في الوقت ذاته خرجت من الحرب بأسئلة عميقة حول جدوى الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، خاصة بعدما عجزت واشنطن عن منع إغلاق هرمز أو توفير حماية كاملة لشركائها من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.

ونقلت الصحيفة عن سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، قولها إن الضمان الأمني الأمريكي لم يعد يتمتع بالموثوقية ذاتها التي كان يُنظر إليه بها سابقاً، في ظل إخفاق بعض منظومات الدفاع الأمريكية في اعتراض الطائرات المسيّرة الإيرانية، وعجز واشنطن عن التحكم بمسار التصعيد.

وأشار التقرير إلى أن الحرب، التي استمرت قرابة أربعة أشهر، عمّقت شعوراً متزايداً لدى عواصم الخليج بأن الولايات المتحدة باتت أقل رغبة في الانخراط العميق في صراعات الشرق الأوسط، وأكثر انشغالاً بأزماتها الداخلية وأولوياتها العالمية الأخرى.

وتبعاً لذلك، بدأت دول مثل السعودية والإمارات والكويت توسيع شراكاتها الأمنية والعسكرية مع أطراف أخرى في أوروبا وآسيا، ضمن توجه متصاعد نحو تنويع التحالفات وتقليل الارتهان الكامل لواشنطن، حتى وإن ظل الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في المنطقة عاملاً يقيّد أي تحول جذري وسريع.

وكشفت الصحيفة أن نقاشات داخلية بدأت بالفعل في بعض العواصم الخليجية حول تقليص الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة، بعد أن أظهرت الحرب أن القواعد الأمريكية نفسها قد تتحول إلى أهداف، وأن وجود القوات الأمريكية لا يعني بالضرورة حماية مطلقة للدول المضيفة.

من جهته، رأى بدر السيف، الأستاذ المساعد في التاريخ بجامعة الكويت، أن المرحلة الراهنة تفرض على دول الخليج تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، من خلال تطوير الجيوش الوطنية وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، بدلاً من الاتكال الدائم على الحماية الأمريكية.

وأشار السيف إلى أن إيران، رغم العقوبات والضغوط، نجحت في بناء منظومة دفاعية فعالة، معتبراً أن دول الخليج تمتلك الإمكانات المالية والمعرفية التي تؤهلها لبناء نموذج دفاعي متقدم، إذا توفرت الإرادة السياسية والتنسيق الإقليمي.

وتخلص قراءة نيويورك تايمز إلى أن مستقبل الأمن الخليجي قد يتجه نحو نموذج جديد يقوم على تنويع الشراكات وتعزيز التعاون الإقليمي، بعيداً عن الارتهان الكامل للمظلة الأمريكية التي كشفت الحرب الأخيرة حدود قدرتها على الردع والحماية.

مشهد التسول الأمريكي في طهران: كيف قلب الاتّفاق الإيراني موازين القوى؟

في مشهد كان حتى وقت قريب محض خيال لا يستطيع المحللون الاستراتيجيون تخيله، ها هو الرئيس الأمريكي ترامب يظهر بمظهر يثير الأسى، وكأنه تاجر بازارات يلهث خلف توقيع إيراني على مذكرة تفاهم لا تخفي حجم اليأس الأمريكي.

التفاصيل التي تسرّبت عن الاتّفاق تصفُ استسلامًا أمريكيًّا تكتيكيًّا كاملًا أمام إيران وقبولًا بشروطها، واعترافا ضمنيًّا بأن مشروع «سيدة العالم» الذي تروّج له أمريكا قد واجه جدارًا إيرانيًّا صُلبًا كسر طموحاته قبل أن تبدأ، وأظهرت الدراسات أنه أكبر رئيس مهرج وكذاب في التاريخ.

البنود التي ترسم صورة الهزيمة الأمريكية

ما تم تداوله حول مذكرة التفاهم التي تم الإعلان عنها مؤخّرًا بين واشنطن وطهران يضعنا أمام حقائق صادمة لمنظومة «أمريكا أولًا».

البنود تقول إن ترامب لم يكتفِ بالتعهُّد بوقف إطلاق النار و«التوسُّل» إلى إيران بعدم الرد على كيان الاحتلال.

إن الإدارة الأمريكية تنازلت عن أوراق ضغط كانت تعتبرها جوهرية، ومنها:

  • الإفراج عن 24 مليار دولار من الأرصدة الإيرانية المجمدة خلال 60 يومًا، مع تخصيص نصف هذا المبلغ قبل أن تبدأ المفاوضات أصلًا.
  • الاعتراف بأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ودعم إيران ووقوفها مع محور الجهاد والمقاومة في المنطقة «ليسا على طاولة المفاوضات»، ولن يكونا جزءًا من أي اتّفاق مستقبلي، وهذا هو المطلب الأمريكي السابق رقم واحد الذي أسقطته طهران ببساطة.
  • تقديم خطة لإعادة إعمار إيران تصل قيمتها إلى 300 مليار دولار، تتحمل الولايات المتحدة وحلفاؤها الخليجيون تكاليفها.
  • التزام أمريكي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران وسحب القوات من محيطها.

المشهد الأكثر إيلامًا في التاريخ الدبلوماسي الأمريكي

لا يمكن لعين أن تصفَ مشهدًا أكثرَ إحراجًا من الذي تظهره هذه البنود؛ فترامب، الذي أطلق حربًا على إيران؛ بهَدفِ الإطاحة بالنظام، يجد نفسه بعد أشهر قليلة أمام واقع مرير.

فقد فشل الهدفُ العسكري تمامًا في مواجهة الدفاعات الإيرانية والحرس الثوري الإيراني وتماسك الشعب والنظام الإيراني وتوحّد محور المقاومة، ولم يعد أمامه سوى الذهاب إلى طاولة المفاوضات، كطرف فاشل غير منتصر يطلب الهُدنة ويدفع الثمن مقدمًا.

المشهد الأكثر إثارة للاشمئزاز في نظر كُـلّ من يعرف تاريخ القوة الأمريكية هو أن إيران لم تتنازل عن أيٍّ من مطالبها الأَسَاسية.

برنامجها الصاروخي بخير، ودعمها للمقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن مُستمرّ، ولا يمكن فصل وحدة الساحات، وحتى ملفها النووي تم تأجيله إلى مفاوضات لاحقة بعد أن تثبت أمريكا «حسن نيتها» بتنفيذ التزاماتها أولًا.

هذا ليس اتّفاقا، هذا تسليم بشروط الخصم.

هل هذا مُجَـرّد «كيلة ماش» أم إعادة رسم للخريطة؟

المثال الخليجي «كيلة الماش» لا يصف بدقة ما حدث هنا؛ لأن «كيلة الماش» تعني أن تأخذ شيئًا دون مقابل، أما هنا فقد أخذ الإيرانيون كُـلّ شيء، وقدموا في المقابل «وعدًا» بأن يكونوا «أقلَّ عدوانية».

إيران استعادت أموالها، وفتحت المضيقَ بشروطها، وحصلت على تعهُّدٍ بإعادة إعمارها، وأبقت على كُـلّ أوراق قوتها.

في المقابل، ماذا حصلت أمريكا؟ حصلت على وعد بأن إيران لن تصنع قنبلة نووية – وهو وعد كانت إيران قد التزمت به أصلًا بموجب معاهدة حظر الانتشار، ومعزّزًا بفتوى السيد علي خامنئي التي اعتبرت ذلك محرّمًا – ووعدًا بفتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران أصلًا كورقة ضغط.

التحليلات الاستراتيجية تشير إلى أن هذه الصفقة ستترك أمريكا في موقع أضعف بكثير في المنطقة.

فالدول الخليجية ستعيد حساباتها بعد أن رأت أن أمريكا لم تنجح في كسر إيران، فقد دفعت ثمنًا باهظًا للخروج من المستنقع.

أما كيان الاحتلال الصهيوني فقد وجد نفسَه أَيْـضًا في «ورطة»، حَيثُ هرع ترامب وأبلغ نتنياهو أنه «أنقذ كيان الاحتلال من المحو النووي» وأن عليه أن يكون شاكرًا، بينما الحقيقة أنه أخرجه من مستنقع أحلامه وغروره التي أصبحت في الحضيض.

في هذه الحرب فقدت أمريكا كَثيرًا من قواعدها في المنطقة، وانكسرت هيبتها، وفقدت ثقةَ دول الخليج التي كانت تعوّل عليها في توفير الحماية لها، بل ظهر العكس؛ إذ عرضت أمنها القومي وبنيتها التحتية للخطر والتدمير.

كذلك تعرَّضَ كيان الاحتلال لضربات فتاكة من إيران ومحور الجهاد والمقاومة أفقدته أمنه، وعرّضت بنيته التحتية للتدمير، وجنوده للقتل، وموانئه للحصار.

أما وَحدة الساحات، التي كانوا يراهنون على تفكيكِها، فقد ظهرت بموقفِ القوة من العراق إلى لبنانَ إلى فلسطين واليمن، وظهر أنصار الله كقوة إقليمية فاعلة، وأبقوا باب المندب ورقة في أيديهم لم يستخدموها بعد، كما برز حزب الله كقوة ردع أصابت العدوّ في مقتل، بعد أن أوهم كيان الاحتلال نفسه أن حزب الله قد تلاشى.

ويُعد إصرار إيران على إدخَال لبنان ضمن أحد البنود الأَسَاسية من التفاهم ضربة للكيان الصهيوني الغاصب، وبدّد أحلامه بتثبيت معادلة الاستباحة.

انهيار هيبة

في النهاية، ما يراه المراقبُ المحايد هو أن أمريكا لم تعد «سيدةَ العالم» التي ترسم خرائط النفوذ بقوة سلاحها، لقد أصبحت لاعبًا يدفعُ فديةً لإنهاء حرب لم يستطع الفوز بها.

المشهد الذي ظهر به ترامب هو انهيار لهيبة القوة العظمى التي اعتاد العالم رؤيتَها تملي شروطها.

«فوق ركل المؤخرة، أخذوا منه كيلة الماش»؛ هذا التعبير يصف البُعد المالي، لكن الأبعاد الاستراتيجية أكبر.

فالإيرانيون لم يأخذوا مالًا فقط، كذلك أخذوا اعترافًا أمريكيًّا بأنهم قوة لا يمكن كسرُها، وأن معادلة القوى في الشرق الأوسط قد تغيّرت إلى الأبد.

خرج ترامب من الحرب خاسرًا، ومن المفاوضات منهزمًا، لكنه على الأقل يمكنه الآن أن يقول إنه «أوقف الحرب»، ولو أن ثمن وقفها كان أغلى من استمرارها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

علي هراش

الزراعة في اليمن.. خيار استراتيجي لتحقيق الاكتفاء الذاتي

في ظل استمرار الحصار والتحديات الاقتصادية التي تواجه اليمن، تبرز الزراعة بوصفها أحد أهم الخيارات الاستراتيجية القادرة على تعزيز الصمود الوطني وتحقيق الأمن الغذائي، باعتبارها القطاع الأكثر ارتباطاً بحياة المواطنين واحتياجاتهم الأساسية، وقد أثبتت السنوات الماضية أن الاعتماد على الخارج في توفير الغذاء يجعل الدول عرضة للضغوط والأزمات، الأمر الذي يفرض ضرورة التوجه الجاد نحو استثمار الإمكانات الزراعية الهائلة التي يمتلكها اليمن.

ويعد التوجه الرسمي نحو دعم القطاع الزراعي خطوة بالغة الأهمية في مسار بناء اقتصاد وطني منتج، قائم على استغلال الموارد المحلية وتعزيز القدرات الذاتية، فاليمن يمتلك مقومات زراعية كبيرة تشمل الأراضي الخصبة والتنوع المناخي والموارد البشرية القادرة على إحداث نهضة زراعية شاملة متى ما توفرت الرؤية والإرادة والإمكانات اللازمة.

إن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي الغذائي أصبح ضرورة وطنية تفرضها الظروف الراهنة والمتغيرات الإقليمية والدولية. فكل زيادة في الإنتاج المحلي تعني تقليص فاتورة الاستيراد، وتعزيز استقرار الأسواق، وتوفير فرص العمل، وتحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي والسيادي.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية حشد جميع الإمكانات والموارد الحكومية لإنجاح التوجه الزراعي، سواء من خلال توفير الدعم للمزارعين، أو تطوير مشاريع الري والحصاد المائي، أو تأهيل الأراضي الزراعية، أو تعزيز الإرشاد الزراعي والبحث العلمي، إضافة إلى تسهيل حصول المزارعين على المدخلات الزراعية بأسعار مناسبة وتشجيع التوسع في زراعة المحاصيل الأساسية التي تمثل ركيزة الأمن الغذائي.

كما أن نجاح أي نهضة زراعية يتطلب تكاتفاً واسعاً بين مختلف الجهات الرسمية، بحيث تتحول الزراعة إلى مسؤولية وطنية مشتركة تتكامل فيها أدوار الوزارات والمؤسسات والسلطات المحلية والهيئات المعنية. فالتنمية الزراعية عملية شاملة لا تقتصر على وزارة بعينها، وإنما تحتاج إلى جهود متضافرة وخطط متكاملة تستهدف زيادة الإنتاج وتحسين الجودة وتطوير التسويق والتصنيع الزراعي.

ويبرز الدور المحوري للقطاع الخاص ممثلاً برجال المال والأعمال والمستثمرين والتجار العاملين في مجال المدخلات الزراعية، فالمسؤولية الوطنية تقتضي من هذه الشريحة المهمة توجيه جزء أكبر من استثماراتها نحو المشاريع الزراعية والإنتاجية التي تسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتحقيق التنمية المستدامة، بدلاً من التركيز على الأنشطة التجارية والاستهلاكية ذات العائد السريع.

كما أن تجار المدخلات الزراعية يتحملون مسؤولية كبيرة في دعم المزارعين وتوفير احتياجاتهم بأسعار عادلة، بعيداً عن الاحتكار والمضاربة، بما يسهم في تشجيع التوسع الزراعي ورفع مستويات الإنتاج، ويشكل التعاون بين الدولة والقطاع الخاص أساساً مهماً لبناء شراكة اقتصادية قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية المنشودة في هذا المجال.

ومن المهم أيضاً تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الزراعة باعتبارها معركة إنتاج وصمود لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى. فكل شجرة تُغرس، وكل أرض تُستصلح، وكل محصول يُنتج محلياً يمثل خطوة إضافية على طريق التحرر من التبعية وتقوية الجبهة الاقتصادية الداخلية.

إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة العمل الميداني المنظم، ومن المبادرات المحدودة إلى المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تستثمر الموارد المتاحة وتوظف الطاقات الوطنية بصورة فعالة، فاليمن يمتلك من المقومات ما يؤهله لتحقيق قفزات نوعية في المجال الزراعي إذا ما توفرت الجهود المخلصة والتخطيط السليم والدعم المستمر.

إن الزراعة تمثل اليوم ركيزة أساسية من ركائز الصمود الوطني، وخياراً استراتيجياً لمواجهة الحصار والتحديات الاقتصادية، وطريقاً عملياً نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، وكلما اتسعت دائرة الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، ازدادت فرص نجاح هذا المشروع الوطني الكبير الذي يعول عليه اليمنيون في بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخبير الزراعي عبدالملك الضبيبي