في غضون يومين، ارتكب العدو السعودي مجزرتين بحق المدنيين في اليمن، استهدفت الأولى سوقاً شعبياً مكتظاً بالباعة والمتسوقين في مديرية الوازعية بمحافظة تعز، فيما طالت الثانية منازل سكنية مأهولة في قرية الشرية بمديرية بني حشيش شرقي العاصمة صنعاء، مخلفة عشرات الشهداء والجرحى، بينهم نساء وأطفال. ومع فداحة الجريمتين، ظل الحضور الإعلامي الدولي دون مستوى حجم المأساة، في مشهد يعيد طرح تساؤلات جدية حول ازدواجية المعايير في تغطية الجرائم والانتهاكات بحق المدنيين اليمنيين.
ففي مديرية الوازعية، استهدف الطيران الحربي السعودي سوق الحضارة الشعبي بثلاث غارات جوية صباح الجمعة، أثناء اكتظاظه بالباعة والمتسوقين، ما أسفر عن استشهاد وإصابة أكثر من 30 مواطناً، وفق الحصيلة الأولية لوزارة الصحة. وفي اليوم التالي، عاود العدو السعودي استهداف المدنيين في قرية الشرية بمديرية بني حشيش، بقصف جوي طال خمسة منازل سكنية على الأقل ودمرها فوق ساكنيها، مخلفاً عشرات الشهداء والجرحى، جلهم من النساء والأطفال.
ولم تتوقف الجريمة السعودية عند قصف المنازل، إذ تحدثت الجهات الصحية عن معاودة الطيران السعودي استهداف المسعفين وفرق الإنقاذ والطرق المؤدية إلى موقع المجزرة، في وقت كانت فيه عمليات انتشال الضحايا لا تزال مستمرة، مع استمرار التحليق المكثف للطيران في أجواء المنطقة. وأعلنت وزارة الصحة ارتفاع الحصيلة الأولية إلى 22 شهيداً و30 جريحاً، مع وجود إصابات حرجة، فيما أكدت الجهات المحلية استمرار عمليات البحث عن الضحايا تحت الأنقاض.
ورغم حجم المجازر التي ارتكبها العدو السعودي في سوق الحضارة بالوازعية ومنازل قرية الشرية ببني حشيش، فإن التغطية الإعلامية الدولية لم تعكس مستوى الكارثة الإنسانية، ولم تحظَ الجريمتان بالاهتمام الذي يتناسب مع أعداد الضحايا وطبيعة الأهداف المدنية المستهدفة.
وهنا تتجلى أزمة التغطية الإعلامية للحرب على اليمن؛ إذ تخضع جرائم النظام السعودي في كثير من الأحيان لانتقائية واضحة في إبراز الأحداث وتحديد أولويات التغطية، وسط تشابك المصالح السياسية والإقليمية والدولية، بما يثير تساؤلات حول المعايير التي تحكم تعامل وسائل الإعلام الكبرى مع دماء المدنيين اليمنيين.
إن استهداف العدو السعودي سوقاً شعبياً في الوازعية، ثم منازل المدنيين في بني حشيش، وملاحقة المسعفين وفرق الإنقاذ، ليست أحداثاً هامشية يمكن تجاوزها في التغطية الإخبارية، بل جرائم تستوجب التوثيق والتحقيق والمساءلة، خصوصاً أن الضحايا مدنيون لم يكونوا في ميادين المواجهة.
ولا يقتصر أثر الصمت الإعلامي على تغييب معاناة الضحايا، بل يمتد إلى إضعاف فرص المساءلة الدولية، ومنح مرتكبي الانتهاكات مساحة للإفلات من المحاسبة، في ظل غياب الضغط الإعلامي والحقوقي الكافي.
إن مسؤولية الإعلام الحر تقتضي تسمية الجهة التي نفذت الهجوم، وتوثيق الجريمة، وإظهار وجوه الضحايا، ومتابعة نتائج التحقيقات، لا الاكتفاء بنقل أرقام عابرة أو التعامل مع المجازر باعتبارها أخباراً ثانوية.
فالعدو السعودي الذي قصف سوق الحضارة في الوازعية ومنازل المدنيين في بني حشيش هو المسؤول عن هذه الجرائم وتداعياتها، ولا يجوز أن يؤدي تغييبها إعلامياً إلى تغييب مرتكبيها من ذاكرة الرأي العام والمساءلة الدولية.
إن دماء أطفال ونساء بني حشيش والوازعية ليست أقل قيمة من دماء أي ضحية في العالم، وجرائم القصف السعودي لا تفقد فداحتها لأن ضحاياها يمنيون أو لأن مواقع استهدافهم بعيدة عن اهتمامات المؤسسات الإعلامية الكبرى.
فالضحايا يُقتلون بالقنابل السعودية، ثم يواجهون خطر الموت مرة أخرى في صمت الشاشات وتجاهل المؤسسات الإعلامية الدولية.
