كشفت قراءات صحفية غربية متزامنة أن الحرب الأخيرة على إيران لم تمر على الولايات المتحدة بوصفها جولة عسكرية عابرة، بل تركت أثماناً استراتيجية مباشرة على صورة الردع الأمريكي وقدرته على إدارة صراعات متعددة في آن واحد، في وقت تتواصل فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران تحت سقف هدنة هشة قابلة للاهتزاز عند أي لحظة تصعيد جديدة.
وفي هذا السياق، نقلت نيويورك تايمز عن محللين صينيين أن الحرب مع إيران أظهرت الولايات المتحدة كقوة مستنزفة عسكرياً، بعدما أدى استهلاك الذخائر والأسلحة المتطورة إلى إضعاف القدرة الأمريكية على الحفاظ على مستوى الردع نفسه في ساحات أخرى، وعلى رأسها ملف تايوان. وبحسب هذه القراءة، فإن بكين تنظر إلى ما جرى باعتباره مؤشراً على خلل متزايد في قدرة واشنطن على تجديد ترسانتها خلال الحروب الطويلة، بما يمنح الصين فرصة إضافية لتعزيز أوراقها السياسية والاستراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة.
وترى الصحيفة أن هذا الاستنزاف لا يقتصر على الخسارة العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى تآكل صورة الهيمنة الأمريكية، إذ لم تعد واشنطن تبدو قادرة على خوض مواجهة كبيرة في الشرق الأوسط من دون أن تدفع ثمناً في حسابات الردع الآسيوية. وهذا التحول يفتح الباب أمام خصومها، وفي مقدمتهم الصين، لإعادة اختبار حدود القوة الأمريكية واستغلال لحظات الإنهاك لإعادة ترتيب موازين النفوذ.
وفي موازاة ذلك، تناولت التايمز البريطانية التفاهمات الجارية بين واشنطن وطهران، معتبرة أن أي اتفاق محتمل قد يحقق مكاسب سريعة ومباشرة عبر إعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً وتخفيف الضغوط الاقتصادية، لكنه لن يحسم جوهر الأزمة، لأن التحدي الحقيقي يبدأ خلال مهلة الثلاثين يوماً المخصصة للتفاوض على الملفات الخلافية الكبرى. ووفق هذا التصور، فإن الاتفاق المرتقب قد لا يتجاوز كونه تفاهمات عامة مؤقتة تنهي الاشتباك العسكري المباشر من دون معالجة الجذور العميقة للصراع.
أما واشنطن بوست، فرأت أن الضربات الأمريكية الأخيرة على إيران، والتي جاءت رداً على هجمات استهدفت سفناً حربية، أعادت الشكوك بقوة حول فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية مستقرة، رغم استمرار وقف إطلاق النار حتى الآن. وأشارت الصحيفة إلى أن بقاء الهدنة قائماً يظل مرهوناً بقرار سياسي أمريكي، في ظل مخاوف متزايدة من أن أي ضربة جديدة قد تنسف المسار الدبلوماسي الهش وتعيد المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة.
وفي ملف غزة، سلطت الغارديان الضوء على استمرار العمليات الإسرائيلية رغم تفاهمات التهدئة، معتبرة أن الولايات المتحدة لا تبدو مستعدة لممارسة ضغط فعلي على بنيامين نتنياهو لإلزامه بوقف الحرب. ودعت الصحيفة الدول الأوروبية إلى استخدام نفوذها السياسي والاقتصادي لوقف العدوان، مؤكدة أن استمرار العلاقات الطبيعية مع الاحتلال رغم خروقاته يفرغ المواقف الأوروبية من مضمونها، ويجعلها شريكاً في إدامة الحرب لا في إنهائها.
وفي مشهد موازٍ يعكس التداعيات الأعمق للحروب المتواصلة، تحدثت جروزالم بوست عن تصاعد الهجرة العكسية للعلماء والباحثين الإسرائيليين إلى الخارج، محذرة من خسائر استراتيجية تمس قطاعات التكنولوجيا والأمن والدفاع داخل الكيان، في وقت تتراجع فيه قدرة “إسرائيل” على استعادة كفاءاتها أو الحفاظ على تفوقها العلمي كما كان في السابق.
وبذلك، تكشف هذه القراءة المتعددة للصحف الغربية أن حرب إيران لم تستنزف الساحة الإقليمية وحدها، بل أصابت القوة الأمريكية نفسها في عمق صورتها الاستراتيجية، وفتحت أسئلة حادة حول قدرتها على مواصلة سياسة الردع الشامل من الشرق الأوسط إلى آسيا. وبين هدنة غير مستقرة مع طهران، وعجز عن كبح العدوان الإسرائيلي في غزة، وقلق متصاعد من تمدد الصين، تبدو واشنطن أمام مأزق مركب يتجاوز حدود معركة واحدة إلى أزمة أوسع في إدارة النفوذ والقوة والهيبة.
