تتجه المحافظات الواقعة تحت سيطرة حكومة المرتزقة نحو مرحلة انفجار شعبي مفتوح، بعد سلسلة قرارات اقتصادية صادمة عمّقت معاناة المواطنين، وفي مقدمتها رفع سعر الديزل في حضرموت والقفزة الكارثية في الدولار الجمركي، في مشهد يعكس أن ما يجري لم يعد مجرد فشل إداري أو ارتباك اقتصادي، بل سياسة تجويع ممنهجة تستهدف ما تبقى من قدرة الناس على الصمود.
ففي حضرموت، فجّرت حكومة المرتزقة موجة غضب عارمة بعد فرض جرعة سعرية جديدة على مادة الديزل، حيث رُفع سعر اللتر إلى 1800 ريال بزيادة بلغت 280 ريالاً للتر الواحد، ما يعني أن قيمة الزيادة في الجالون سعة 20 لتراً وصلت إلى 5600 ريال دفعة واحدة، ليباع الجالون في المكلا وسيئون بسعر 36 ألف ريال. وهذه القفزة المفاجئة لم تُربك المواطنين فحسب، بل ضربت كذلك حسابات التجار وأصحاب المهن وقطاعات النقل والخدمات، وأطلقت دعوات متصاعدة إلى انتفاضة شعبية شاملة في حضرموت، مع توقعات بامتداد موجة الغضب إلى عدن التي تعيش أصلاً أوضاعاً معيشية وخدمية خانقة.
وتتضح فجاجة هذا القرار أكثر عند مقارنته بسعر الديزل في مأرب، حيث يباع الجالون ذاته بـ 8 آلاف ريال فقط وبسعر ثابت منذ عام 2023، وهو ما اعتبره أبناء حضرموت دليلاً على استهداف ممنهج للمحافظات الجنوبية والشرقية، وسياسة متعمدة تقوم على استنزاف ثروات المحافظة النفطية بالتوازي مع تحميل المواطن الحضرمي كلفة باهظة في المواصلات والنقل وأسعار السلع الأساسية. وبهذا، لا تبدو حضرموت في نظر السلطة القائمة سوى خزان للثروة ومجالاً للجباية، بينما يُدفع سكانها إلى مزيد من الاختناق المعيشي.
لكن المشهد لا يتوقف عند جرعة الديزل. فحكومة المرتزقة ذاتها فجّرت قنبلة اقتصادية أشد خطورة عبر رفع الدولار الجمركي من نحو 700 ريال إلى قرابة 1700 ريال للدولار الواحد، بنسبة زيادة تتجاوز 140% دفعة واحدة، في قرار وصفته الأوساط الشعبية والتجارية بأنه إعلان حرب معيشية على المواطن. ويعني هذا القرار عملياً أن الرسوم الجمركية على الواردات ستقفز بصورة هائلة، ما سينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية، ويفجر موجة تضخم كارثية تضرب الأسواق المنهارة أصلاً.
ويحذر اقتصاديون من أن هذه الخطوة تعني تحريراً كاملاً لسعر الدولار الجمركي، وهو ما سيدفع بسلسلة متلاحقة من الزيادات في تكاليف الاستيراد، والشحن، والنقل، والتوزيع، والتغليف، لتصل في النهاية إلى المستهلك النهائي على هيئة غلاء شامل ومدمّر. وفي بلد يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد لتغطية احتياجاته من الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية، فإن هذه السياسة لا تعني سوى دفع شرائح واسعة من السكان نحو العجز الكامل عن تأمين قوت يومهم وعلاج أطفالهم.
وتكشف القراءة الاقتصادية للقرار أن حكومة المرتزقة قد تحقق من خلاله زيادة مؤقتة في الإيرادات، لكنها ستكون إيرادات قائمة على سحق المواطنين، لا على أي إصلاح حقيقي أو معالجة اقتصادية جادة. فبدلاً من وضع حلول لوقف الانهيار، تتجه السلطة إلى تحميل المجتمع كلفة فسادها وصفقاتها ورواتب قياداتها المترفة، بينما يبقى المواطن وحيداً في مواجهة الغلاء والفقر وانهيار الدخل والخدمات. وحتى الإعلان عن دعم بعض الواردات مثل الدقيق بنسبة 20% لم يُقنع أحداً، إذ رأى فيه كثيرون مجرد ذر للرماد في العيون، لأن موجة الغلاء المرتقبة ستبتلع هذا الدعم خلال أيام معدودة.
وفي ظل هذا التدهور، تتعاظم الأسئلة في الشارع: من المستفيد الحقيقي من هذه القرارات؟ ولماذا تصر حكومة المرتزقة على ضرب ما تبقى من قدرة الناس على الحياة؟ وهل ما يجري قرار محلي فاشل، أم جزء من إملاءات سعودية مدروسة تهدف إلى استنزاف ما تبقى من الثروة وترك الشارع في حالة إنهاك دائم تمنعه من التقاط أنفاسه؟ هذه الأسئلة لم تعد مجرد نقاش سياسي، بل أصبحت جزءاً من وعي شعبي متنامٍ يرى أن المسألة تتجاوز سوء الإدارة إلى مشروع إفقار وإذلال منظم.
وفي المحصلة، فإن جرعة الديزل في حضرموت ورفع الدولار الجمركي ليسا قرارين منفصلين، بل وجهان لسياسة واحدة عنوانها: زيادة الجباية، توسيع الإفقار، ودفع المحافظات المحتلة نحو مزيد من الانفجار الاجتماعي. ولهذا، تبدو حضرموت اليوم أقرب إلى شرارة انتفاضة واسعة قد تمتد إلى عدن وسائر المناطق المنهكة، في وقت تتآكل فيه قدرة حكومة المرتزقة على تبرير سياساتها أو احتواء الغضب المتصاعد في الشارع.
