الرئيسية بلوق الصفحة 121

زيارة سرية لنتنياهو إلى أبوظبي خلال الحرب على إيران تكشف عمق التورط الإماراتي في المشروع الصهيوني

زيارة سرية لنتنياهو إلى أبوظبي خلال الحرب على إيران تكشف عمق التورط الإماراتي في المشروع الصهيوني

كشفت شبكة “سي بي إن نيوز” الأمريكية عن زيارة سرية أجراها رئيس وزراء كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى دولة الإمارات خلال فترة الحرب على إيران، في تطور يسلط الضوء على مستوى التنسيق السياسي والأمني بين أبوظبي والكيان الصهيوني، ويعزز المؤشرات المتزايدة على انخراط الإمارات في ترتيبات إقليمية تخدم العدوان الإسرائيلي الأمريكي في المنطقة.

وبحسب ما نقلته الشبكة عن مكتب نتنياهو، فقد التقى رئيس حكومة الاحتلال بالرئيس الإماراتي محمد بن زايد خلال هذه الزيارة، التي وصفها المكتب بأنها “اختراق تاريخي” في العلاقات بين الجانبين، في تعبير يكشف حجم الرهان الإسرائيلي على هذا المسار التطبيعي، وما يوفره من غطاء سياسي وتحالف ميداني يتجاوز حدود العلاقات الدبلوماسية المعلنة.

وأشارت الشبكة إلى أن هذه الزيارة لم تكن الأولى، بل تُعد الثانية على الأقل لنتنياهو إلى الإمارات للقاء محمد بن زايد، بعد زيارة سابقة تعود إلى عام 2018، ما يعني أن مسار التنسيق بين الطرفين لم يكن طارئاً أو ظرفياً، بل يجري ضمن بناء متدرج لعلاقة استراتيجية أخذت تتكشف أكثر مع كل جولة تصعيد تشهدها المنطقة.

وتكتسب هذه الزيارة حساسية أكبر لأنها جاءت خلال الحرب على إيران، وفي توقيت كانت فيه تقارير أمريكية قد تحدثت عن إرسال الكيان الصهيوني منظومات أسلحة وبطاريات دفاعية إلى الإمارات، إلى جانب قوات عسكرية واستخباراتية، وهو ما أكده أيضاً السفير الأمريكي لدى الاحتلال مايك هاكابي في تصريح حديث. وهذا الربط بين الزيارة السرية والدعم العسكري يكشف أن أبوظبي لم تكن في موقع المتفرج، بل في موقع الشريك الذي يوفر الأرضية السياسية والأمنية لتوسيع الدور الصهيوني في الخليج.

ويأتي استقبال نتنياهو في أبوظبي في وقت يواصل فيه الاحتلال حرب الإبادة على غزة، وتصعيده في لبنان، واعتداءاته على أكثر من ساحة في المنطقة، في سياق مشروع توسعي يتجاوز فلسطين إلى محيطها الإقليمي. ومن هنا، فإن هذه الزيارة لا تبدو مجرد محطة سياسية، بل رسالة صريحة عن طبيعة التموضع الإماراتي في قلب المحور الأمريكي الإسرائيلي، حتى في ذروة المواجهات المفتوحة التي تهدد أمن المنطقة بأسرها.

وفي المحصلة، فإن الكشف عن هذه الزيارة السرية يضيف دليلاً جديداً على أن التطبيع الإماراتي مع الاحتلال لم يعد يقتصر على العلاقات العلنية أو المصالح الاقتصادية، بل تحول إلى مستوى أعمق من التداخل السياسي والعسكري، بما يجعل أبوظبي أقرب إلى القاعدة الخلفية للمشروع الصهيوني في المنطقة، في وقت تتصاعد فيه الكلفة الإنسانية والسياسية لهذا المشروع على شعوب المنطقة وقضاياها المصيرية.

الشيخ نعيم قاسم: الاحتلال إلى يأس وانسحاب مذل.. والمقاومة ماضية في منع العدو من فرض أهدافه

الشيخ نعيم قاسم: الاحتلال إلى يأس وانسحاب مذل.. والمقاومة ماضية في منع العدو من فرض أهدافه

أكد الأمين العام لحزب الله اللبناني الشيخ نعيم قاسم أن المقاومة والشعب في لبنان أثبتا أنهما عصيان على الاحتلال، ولن يسمحا للعدو الإسرائيلي بفرض أهدافه أو تحقيق استقرار عبر العدوان والجرائم المتواصلة على الأراضي اللبنانية، مشدداً على أن مآل هذا المسار لن يكون سوى اليأس، ووقف العدوان، والانسحاب من الأرض المحتلة، وتحرير الأسرى.

وجاءت تصريحات الشيخ قاسم في رسالة وجهها إلى مدير الحوزات العلمية الإيرانية الشيخ علي رضا الأعرافي، استعرض فيها مسار المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، مشيراً إلى أن المقاومة سبق أن أجبرت العدو على الخروج من جنوب لبنان في عام 2000، ثم واجهته مجدداً خلال حرب تموز 2006 التي استمرت 33 يوماً وانتهت، إلى هزيمته.

وأضاف أن العدو عاد لاحقاً إلى شن عدوان واسع في أيلول 2024 أدى إلى استشهاد الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصر الله وعدد من القادة والمقاتلين، قبل أن تتواصل المواجهة لاحقاً ضمن معركتي “أولي البأس” و“العصف المأكول”.

وقال قاسم إن لبنان يواجه عدواً إسرائيلياً يسعى إلى التوسع والاحتلال ومصادرة قرار شعوب المنطقة، معتبراً أن هذا المسار لا ينفصل عن ما يجري في فلسطين والقدس، وأنه يحظى بدعم أمريكي واسع، في ظل صمت دولي وتواطؤ من بعض القوى الغربية.

وفي ما يتعلق بالتطورات الإقليمية، رأى الشيخ نعيم قاسم أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية يستهدف، بحسب وصفه، ضرب خيار التحرر والاستقلال ومساندة فلسطين، معتبراً أن صمود إيران ومواجهتها، إلى جانب إدارتها السياسية والعسكرية، سيكون له أثر كبير في رسم مرحلة جديدة في المنطقة.

ويعكس هذا الموقف استمرار حزب الله في ربط الجبهة اللبنانية بالتطورات الإقليمية الأوسع، والتأكيد على أن أي تصعيد إسرائيلي لن يحقق مكاسب استراتيجية دائمة، بل سيبقي المنطقة مفتوحة على مزيد من المواجهة والضغط المتبادل.

معملاً لتزوير المنظفات.. وزارة الاقتصاد تضبط منتجات مغشوشة بعلامات عالمية

ضبطت الفرق الرقابية التابعة لوزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار في صنعاء، معملاً غير قانوني مخصصاً لصناعة منتجات منظفات مغشوشة، تحمل علامات تجارية عالمية مزوّرة، في عملية رقابية نُفذت بالتعاون مع الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة، ونيابة الصناعة والتجارة في أمانة العاصمة.

وأكد مديرا عام العمليات المركزية وحماية المستهلك في الوزارة أن الفرق الرقابية رصدت في الأسواق منتجات منظفات مشبوهة، قبل أن تبدأ عملية تتبع دقيقة لمصدرها، وصولاً إلى تحديد المعمل الذي يقف خلف تصنيعها وترويجها.

وأوضحا أن الوزارة، وبتوجيه ومتابعة من قيادتها، نسّقت مع الجهات المختصة وأبلغت النيابة المعنية، التي أصدرت أوامرها بـضبط المعمل وإغلاقه والتحريز على الكميات المضبوطة، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين.

وخلال عملية الضبط، جرى التحريز على كميات كبيرة من منظفات الجسم والشعر والملابس، إضافة إلى ملصقات تحمل أسماء وعلامات تجارية مزوّرة كانت تُستخدم لخداع المستهلكين وتسويق المنتجات على أنها أصلية.

وتؤكد هذه العملية استمرار التحرك الرقابي في صنعاء لحماية السوق المحلية والمستهلك من الغش التجاري، وملاحقة شبكات التزوير التي تستهدف صحة المواطنين وثقتهم بالمنتجات المتداولة، فيما بات ملف القضية بيد النيابة لاستكمال الإجراءات القانونية.

قمة بكين بين هرمز والحرب.. هل يملك ترامب ما يكفي لانتزاع تنازل من الصين وإيران؟

تأتي زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في لحظة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع فيها أزمة مضيق هرمز مع تعثر مفاوضات إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وسط قلق عالمي متصاعد من استمرار الإغلاق البحري وتداعياته على الأمن والاقتصاد الدوليين. ووفق المعلومات فإن هذه القمة لا تبدو مجرد محطة بروتوكولية، بل اختباراً حقيقياً لقدرة واشنطن وبكين على إدارة صراع الضغوط المتبادلة، في واحدة من أخطر أزمات المرحلة.

وتسعى الولايات المتحدة، إلى استثمار الزيارة في دفع الصين للضغط على طهران بهدف إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز، مستندة إلى ما تعتبره أوراق قوة تتعلق بالحصار البحري، والتعريفات الجمركية، والقيود التكنولوجية، والعقوبات. غير أن الرؤية المقابلة تشير إلى أن الصين لا تتحرك من موقع الطرف الضعيف، بل من موقع يمتلك هو الآخر أدوات تأثير واسعة، تشمل الهيمنة التصنيعية، والمعادن الأرضية النادرة، وانكشاف الأسواق العالمية على الاقتصاد الصيني، والصبر الاستراتيجي.

ويظهر أن جوهر القمة سيتحدد وفق معادلة “الضغط مقابل الضغط”، لا وفق تفوق أمريكي محسوم. فبينما يرى بعض المقربين من الخط الأمريكي أن ترامب يصل بكين وفي يده أوراق قوية بعد التصعيد على إيران وتعطيل هرمز، يذهب محللون آخرون إلى أن ترامب يتحرك من موقع مأزوم، لأن الحرب لم تحقق أهدافها، ولأن تداعياتها على الاقتصاد العالمي جعلت واشنطن نفسها في موقف خاسر يقلص هامش نفوذها الحقيقي.

وفي قلب هذا المشهد يقف مضيق هرمز بوصفه العقدة الأكثر حساسية. فالمستجدات تشير إلى أن الصين تتأثر مباشرة بإغلاقه، لأن أكثر من نصف وارداتها من النفط الخام المنقول بحراً يأتي من الشرق الأوسط ويعبر في معظمه من هذا الممر. ولهذا، فإن بكين معنية بصورة مباشرة بإعادة فتحه، لكنها تختلف مع واشنطن في الوسيلة: الأمريكيون يريدون الفتح عبر الحصار والضغط والقوة والتهديد بعودة القصف، بينما تميل الصين إلى مقاربة أقرب إلى الإشراف الدولي وخفض التصعيد وإنهاء الحرب أولاً.

ويمكن أن تلعب الصين دور الوسيط أو الضامن في أزمة هرمز، ليس فقط بحكم مصالحها النفطية، بل أيضاً بسبب الثقة المتبادلة مع إيران، وموقعها كقوة كبرى تحاول تقديم نفسها بوصفها فاعلاً متعدد الأطراف في مقابل النهج الأمريكي القائم على الإكراه. كما يلفت إلى أن بكين لن تفرط بسهولة بشراكتها مع طهران، ولن تسمح بانهيار النظام الإيراني، ما يجعل أي ضغط صيني ـ إن حصل ـ محدوداً ومحسوباً لا يصل إلى مستوى فرض تنازلات أمريكية كاملة على إيران.

وفي المقابل، توضح القراءة أن واشنطن تراهن على إمكانية إغراء الصين أو الضغط عليها عبر ملفات مثل الذكاء الاصطناعي، والرسوم الجمركية، والتجارة، وصادرات المعادن النادرة، والاستثمارات، وطائرات الركاب، والمنتجات الزراعية. لكن التحليلات تشكك في قدرة ترامب على تحويل هذه الأوراق إلى نفوذ حاسم، خاصة أن بكين تدير علاقتها مع واشنطن بمنطق التدرج والصبر، وتملك بدورها أدوات رد قد تؤذي الاقتصاد الأمريكي وسوق الأسهم، وهو ما ينعكس مباشرة على الحسابات السياسية الداخلية لترامب.

وفي حال فشل القمة في إنتاج اختراق، يحذر الخبراء من أن المنطقة قد تتجه إلى عودة الحرب، في ظل الحشود العسكرية الأمريكية، والاستعدادات الإسرائيلية، والتحذيرات الإقليمية والدولية من تداعيات أي انفجار جديد. أما الصين، فتبدو معنية أولاً بمنع هذا السيناريو، لأنها تدرك أن استمرار الحرب أو عودتها سيزيد الضغط على اقتصادها وأمنها الطاقوي، وربما يخفض معدلات نموها، وهو ما يدفعها إلى تفضيل حل سياسي شامل يقوم على الحفاظ على الهدنة، وفتح المضيق، والانتقال إلى تفاهم أوسع بشأن البرنامج النووي الإيراني.

ومن هذه الزاوية، تبدو القمة فرصة اختبار مزدوجة: هل يستطيع ترامب إقناع الصين بالضغط على إيران؟ أم أن بكين ستقلب الطاولة وتوظف الأزمة لتعزيز صورتها كقوة مسؤولة قادرة على الوساطة، في وقت تتآكل فيه صورة الولايات المتحدة كضامن للاستقرار؟ الملف يميل إلى أن الصين تمتلك أوراق ضغط أكثر تأثيراً في هذه اللحظة، وأنها قد تلعب دوراً مهماً في الدفع نحو انفراجة في ملف هرمز والحرب، وإن ظل الوصول إلى حلول ناجعة ونهائية أمراً غير مضمون.

في المحصلة، فإن قمة ترامب وشي لا تدور فقط حول التجارة أو النفوذ بين القوتين العظميين، بل حول مصير الحرب على إيران، ومستقبل مضيق هرمز، وإعادة تشكيل ميزان الضغط الدولي. وما إذا كانت ستنتج انفراجاً فعلياً أو مجرد هدنة هشة، سيظل مرهوناً بقدرة الطرفين على تجاوز منطق الاستعراض إلى صفقة توازن توقف الحرب وتمنع انزلاق العالم إلى مزيد من الفوضى.

القبيلة.. ترسانة بناء

على امتدادِ عقودٍ من الزمن، سعت قوى الخارج إلى استهداف اليمن من خاصرته الاجتماعية الأهم، وهي القبيلة اليمنية التي عُرفت عبر التاريخ بأنها صمام أمان المجتمع، وحارسة الأرض والهُوية والقيم.

ولم يكن الرهان على إشعال الثارات والنزاعات القبلية عملًا عشوائيًّا، بل سياسة مدروسة هدفت إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإغراق المحافظات القبلية في دوامة الدم والفوضى، حتى تبقى بعيدة عن التنمية والاستقرار واستثمار ثرواتها وخيراتها.

لقد أدرك العدوان السعوديّ الأمريكي مبكرًا أن القبيلة اليمنية حين تتوحد تصبح رقمًا صعبًا لا يمكن كسرُه؛ لذلك عمل على تغذية الثارات، وإحياء الأحقاد، وتوسيع دائرة التقطُّع والنهب والاقتتال، وتحويل بعض المناطق إلى ساحات استنزاف دائم، خُصُوصًا في محافظات الجوف ومأرب وعمران وصعدة، وهي المحافظاتُ التي تمتلكُ موقعًا استراتيجيًّا وثرواتٍ هائلةً وإمْكَانات زراعية ونفطية كبيرة.

ولم يكن إغلاقُ الآبار النفطية، ومنع الشركات من التنقيب، وتعطيل المشاريع، وتغذية الفوضى في تلك المحافظات، سوى جزء من مخطّط أوسعَ أُريد منه إبقاءُ اليمنيين غارقين في الصراع الداخلي حتى لا يتفرغوا للبناء والتنمية واستعادة قرارهم الوطني المستقل، بينما كانت الثرواتُ تُنهب، والحدودُ يُعبث بها، والآثار اليمنية تُسرَق، والمعالم التاريخية تُطمَّس، وسط صمت ممن كانوا يسمون أنفسهم -مجازًا- دولةً ذات سيادة.

غير أن السنواتِ الأخيرةَ حملت تحوُّلًا لافتًا في وعي المجتمع اليمني عُمُـومًا، وأبناء القبائل خُصُوصًا، فبعد أن اكتوى الناسُ بنار الفوضى وعاشوا مرارةَ الثارات والانقسامات، بدأت تتشكَّلُ قناعةٌ واسعةٌ بأن معركةَ اليمن الحقيقية ليست بين أبناءِ القبيلة الواحدة، بل مع مَن يسعى إلى تمزيقِهم واستنزافِهم وإبقائِهم رهائنَ للفقر والتخلف.

وفي هذا السياق، جاءت دعوةُ السيد القائد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- إلى تفعيلِ وثيقةِ الشَّرَفِ القبلي، وإنهاء الثارات، والتفرغ لمواجهة العدوان والحصار والبناء والإعمار؛ باعتبَارها خطوة مهمة لإعادة الاعتبار لقيم القبيلة الأصيلة القائمة على النخوة والإصلاح والتسامح وحِماية المجتمع لا تمزيقه، فتَمَّتْ معالجَةُ كثيرٍ من القضايا الداخلية، وحل النزاعات بين مختلف القبائل اليمنية، وانتشرت ظاهرة التصالح والتسامح.

وبدأت هذه المحافظاتُ جنيَ ثمار الاستقرار من خلال نهضة زراعية واسعة أذهلت القريب والبعيد، وبدأ الناسُ يلمسون ثمارَ الاستقرار بخطوات علمية وعملية دقيقة ومتسارعة نحو الاكتفاء الذاتي، خُصُوصًا في زراعة القمح والمحاصيل الزراعية الأُخرى.

واليوم يمكن لأي متابع أن يلحظَ حجم التحول الذي شهدته تلك المحافظات التي أُريد لها أن تبقى غارقةً في الدم، فقد بدأت مساحاتٌ واسعةٌ تتحوَّلُ إلى أراضٍ زراعية خضراء، واتجه أبناءُ القبائل نحو استصلاح الأراضي والعمل والإنتاج، وبدأ رأسُ المال المحلي يعود إلى الاستثمار والبناء بعد سنوات طويلة من الخوف والاضطراب.

وهذا الأمر لن تقبَلَ به القوى التي موّلت وغذّت ودمّـرت ونهبت وسرقت ثروات هذا الشعب، ولن تقفَ مكتوفة الأيدي؛ لأن الرواياتِ المتداولةَ في أدبياتهم وأفكارهم تقومُ على أن عِزَّ اليمن يمثلُ هزيمةً لمشاريعهم، مع أن هذا المفهومَ لا وجودَ له في شعب الإيمان والحكمة، ولذلك سيتحَرّكون في أدقِّ التفاصيل، ويستغلون كُـلَّ الأخطاء والسلبيات والهفوات، كما سيحاولون استغلالَ كُـلّ من لا يزال يجهلُ تلك السنوات العجاف، أَو من فقد مصلحته بانتهاء دائرة الدم ومستنقع العمالة والارتزاق.

لكن، بعون الله تعالى، أدرك الناسُ أن الأمنَ ليس مُجَـرّد تنظيم السلاح وتوجيهه نحو العدوّ الحقيقي فحسب، بل هو أَيْـضًا وجود فرص للحياة الكريمة، وأن التنميةَ مشاريع وطرق ومزارع واستثمارات وتعليم واستقرار اجتماعي، ولذلك لم تعد دعواتُ التحريض والنفير والثأر تجد الصدى ذاته الذي كانت تراهن عليه بعض القوى في الماضي.

ومن يرفعون اليوم شعاراتِ التحشيد وإثارة العصبيات تحتَ عناوين عاطفية، ويتناسَون كُـلَّ تلك الدماء البريئة ودموع الثكالى وأشلاء الأطفال والنساء التي أُزهقت بطيرانِ العدوان السعوديّ الأمريكي، ويبحثون عن حرف مسارِ المعركة الحقيقية والعدوّ الحقيقي، لا يقدِّمون حَلًّا لليمنيين بقدر ما يحاولُ إعادةَ عقارب الساعة إلى الوراء؛ لأن إشعال الفوضى أسهل بكثير من صناعة الاستقرار؛ ولأن الحروب يدفع ثمنها البسطاء، بينما يجلس المحرِّضون بعيدًا عن ميادين المعاناة.

لقد تعلَّم اليمنيون من تجارِب السنوات الماضية أن القبيلة حين تتحوَّلُ إلى أدَاةٍ للصراع يخسر الجميع، وأن الحكمةَ الحقيقيةَ تكمُنُ في إطفاءِ الحرائق لا إشعالها، وفي جمع الصَّفِّ لا تمزيقه، وفي تحويل البندقية من وسيلة اقتتال داخلي إلى قوة تحمي الأمن والسيادة والاستقرار.

أبناءُ الجوف ومأرب وعمران وصعدة وغيرهم ممن ذاقوا ويلات الفوضى لم يعودوا كما كانوا بالأمس، فقد تغيَّرت الأولويات، وتبدَّلت القناعات، وأصبح البناءُ والإعمارُ واستصلاحُ الأرض وحماية السلم الاجتماعي أهدافًا أكثر حضورًا من دعوات الثأر والاقتتال.

وما لم يتحقّق عبرَ سنوات طويلة من الحروب والتغذية الممنهجة للفوضى، لن يتحقّقَ اليومَ عبرَ حملات التحريض والهشتاقات وخطابات الانفعال؛ لأن الوعيَ الشعبيَّ بات أكثرَ إدراكًا بحجم المؤامرات التي تستهدف أمن اليمن واستقراره ومستقبله.

إن اليمنَ الذي صمد في وجه العدوان والحصار من قبل أسرة آل سعود قادرٌ أَيْـضًا على الانتصار في معركة الوعي والبناء، وقادرٌ على حماية نسيجه الاجتماعي من محاولات التفكيك والإغراق في الصراعات الصغيرة؛ لأن الشعوبَ لا تُبنَى بالثارات بل بالتسامح، ولا تنهَضُ بالفوضى بل بالاستقرار والعمل والإنتاج.

واليوم تبدو الحاجةُ أكبرَ من أي وقت مضى إلى خِطاب يجمع ولا يفرّق، ويعزز قيم التعايش والتصالح، ويرسّخ ثقافة البناء بدلًا من إعادة تدوير الأزمات؛ لأن اليمنَ المتعَبَ لا يحتمل مزيدًا من النزيف؛ ولأن المستقبل لا يصنعُه دعاةُ الفوضى، بل أبناءُ الحكمة الذين يدركون أن أعظمَ انتصار هو أن يتحوَّلَ الألمُ إلى وعي، والدمار إلى مشروع نهوض وحياة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جميل المقرمي

مجزرة تنومة.. الجريمة المغيَّبة

مؤامرة تعطيل الحج.. أشهر حوادث الحج في التأريخ الحديث
مؤامرة تعطيل الحج.. أشهر حوادث الحج في التأريخ الحديث

كلما سمعنا أصواتَ تسبيح الحجاج اليمنيين، وتوديعهم لأسرهم وهم متجهون إلى مكة، عادت إلى الذاكرة تلك المشاهد المؤلمة، حين امتزج صوت التسبيح والتلبية بصوت الرصاص، وسقط الحجاج اليمنيون شهداء وهم يرتدون لباس الإحرام، لا يحملون سوى نية الحج وقلوبٍ متعلقة بالكعبة المشرفة.

ففي منطقة تنومة بعسير، تعرّض الحجاج لكمين دموي نفذته قوات تابعة لابن سعود، حَيثُ استُشهد أكثر من ثلاثة آلاف حاج يمني.

هذه المجزرة، التي ارتكبها النظام السعوديّ عام 1923م، لم تكن حادثة عابرة في التاريخ، وإنما شاهد واضح على الطبيعة الدموية والإجرامية التي لازمت هذا النظام منذ نشأته، وهي صفة توارثتها هذه الأسرة جيلًا بعد جيل، قائمة على العنف وسفك الدماء وفرض النفوذ بالقوة.

وما المجازر التي ارتُكبت بحق أبناء الشعب اليمني منذ العدوان على اليمن عام 2015م حتى اليوم إلا امتداد لذلك التاريخ الأسود، حَيثُ استُهدفت الأعراس والعزاءات والأسواق والأحياء السكنية، وسقط آلاف الأطفال والنساء والمدنيين ضحايا لآلة القتل والقصف.

إن من يتأمل مجزرة تنومة وما تلاها من جرائم بحق اليمنيين، يدرك أن الإجرام لم يكن طارئًا على هذا النظام، وإنما جزء من تكوينه السياسي والعسكري والفكري.

والأشد إيلامًا أن هذه المجزرة ظلت مخفية قرابة مِئة عام، فلم يقرأ عنها الطلاب في المناهج الدراسية أَو الجامعية، ولم تتناولها وسائل الإعلام والصحافة، كما غابت من الكتب والدراسات والبرامج الوثائقية، الندوات والفعاليات الثقافية والتاريخية، وكأن هناك تعمدًا لإبقائها بعيدة عن الوعي المجتمعي اليمني وإبعاد الأجيال عن معرفة حقيقة ما تعرض له اليمنيون من جرائم ومؤامرات.

هذا التعتيمُ يكشفُ حجمَ الهيمنة التي مورست على القرار السياسي والثقافي والإعلامي في اليمن عبرَ عقود طويلة، حتى أصبح كثيرٌ من المثقفين والمؤرِّخين يتجنَّبون الاقترابَ من المِلفات التي تُدين النظامَ السعوديّ أَو تكشف جرائمه بحق اليمن واليمنيين.

فالتاريخ، في كثير من الأحيان، يُكتَب وفق موازين القوة والنفوذ، وليس وفق الحقيقة والإنصاف.

إن استعادةَ الحديث عن مجزرة تنومة تمثل ضرورة وطنية وأخلاقية؛ مِن أجلِ حفظ الذاكرة اليمنية من التزييف، والوفاء لدماء آلاف الحجاج الذين قُتلوا غدرًا وهم في طريقهم لأداء فريضة الحج.

فالحديث عن هذه المجزرة ليس دعوة للكراهية، وإنما دعوة للوعي والإنصاف وقراءة التاريخ كما هو، ومعرفة حقيقة النظام السعوديّ، بعيدًا عن التزييف والتضليل.

فالشعوب التي تنسى مآسيَها تصبح أكثرَ عُرضةً لتكرارها، أما الشعوبُ التي تحفَظُ تاريخَها وتوثِّقُه، فهي الأقدرُ على حماية مستقبلها وصيانة كرامتها وهُويتها.

وستظل تنومة جرحًا مفتوحًا في الذاكرة اليمنية، وشاهًدا على دموية وإجرام النظام السعوديّ، كما ستبقى دليلًا على أن الدم لا يضيع، وأن الحقيقة، مهما حاول البعض دفنها، ستظل حاضرة في وجدان الشعوب والأمم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد صالح حاتم

الهُدنة: غايةٌ استراتيجية أم مناورة تكتيكية؟

حين يصبح إثمُ الهُدنة (خفض التصعيد) بين اليمن والسعوديّة أكبرَ من نفعها، فإن خيار الحرب، في اعتقادي، يكـونُ أشرفَ وأسلم..

على القيادة السياسية في صنعاء أن تعيَ هذا الأمر وأن تأخُذَه بعين الاعتبار..

فعملية خفض التصعيد، أَو الهُدنة هذه، بصراحة، إن لم ير العدوُّ فيها (غايةً) استراتيجيةً نابعةً من (رغبة) حقيقية في الجنوح إلى السلم، فإنه لن يرى فيها أكثرَ من كونها مُجَـرّد تحَرّك أَو (مناورة) تكتيكية، ووسيلة من وسائل وأساليب الحرب المختلفة..!

يعتمد ذلك طبعًا على مدى جدية هذا العدوّ في التعاطي معها ومدى التزامه أَيْـضًا وتقيده في تنفيذ بنودها وشروطها..!

من هنا، وبالنظر إلى اتّفاقية خفضِ التصعيد الموقعة بين اليمن من جهة والسعوديّة وحلفائها من جهة أُخرى منذ حوالي أربعة أعوام تقريبًا، نستطيعُ بسهولةٍ أن نحدِّدَ مدى فاعلية وكفاءة وجدوى بقاء هذه (الهدنة) من عدمه..

يعني: ننظر مثلًا في كيفية تعاطي ومدى التزام السعوديّة وحلفائها بهذه الهدنة، وكذلك اليمن أَيْـضًا..!

هل تعاطوا معها جميعًا بجدية أم لا..؟

وإلى أيِّ مدى التزم الطرفان بتنفيذ بنودها وشروطها؟ وهل استفاد الجميعُ منها؟ أم أن هنالك طرفًا مستفيدًا على حساب الطرف الآخر؟! وهكذا..

في اعتقادي، أن حوالي أربعة أعوام تقريبًا منذ توقيعِ هذه الهُدنة، كافية وكفيلة بأن تجيب عن هذه الأسئلة..

من هنا نلاحظ أنه، وفي الوقت الذي رأينا فيه اليمنَ قد تعاطى وتعامل بكل إيجابية وجدية مع هذه الهدنة، نجد السعوديّةَ، في المقابل، قد اعتمدت أساليبَ المماطلة والمراوغة والتنصل من معظم الاستحقاقات والالتزامات المتعلقة بهذه الهدنة..

وبناءً عليه، فإن اليمَن، بصراحة، لا يبدو، ومن الناحية الاستراتيجية، أنه استفاد شيئًا من هذه الهُدنة، فالحصار باقٍ والمنافذُ والموانئ مغلقة والوضع الاقتصادي مُزرٍ ويزدادُ سوءًا بعدَ سوء..!

السعوديّةُ، في المقابل، نستطيعُ أن نقولَ، وبالفم الملآن، أنها قد حقّقت أعلى قدر من الاستفادة من هذه الهُدنة، فبالإضافة إلى أن حدودَها وأراضيَها قد أصبحت آمنةً ومستقرة، وكذلك قواعدها وأماكن تواجدها في الداخل اليمني، فإن بقاءَ الوضع الاقتصادي اليمني المتردي أصلًا على حاله، فضلًا عن إمْكَانية تفاقُمِه وتدهوره أكثرَ يعزِّزُ من استفادةِ السعوديّةِ من هذه الهدنة، حَيثُ وأنها تعتقدُ أن هذا الأمرَ قد يخدمُها في جوانبَ تآمريةٍ عديدةٍ أُخرى في الداخل اليمني وعلى الصعيد الشعبي تحديدًا..!

مِن هنا، يتضحُ أن هذه الهُدنة لم تجر على اليمن سوى المزيد من الإثم في الوقت الذي كان يُفترَضُ أن تأتيَ عليه وعلى الجميع بالنفع الكثير..!

فما الذي يجبر اليمنَ إذن على التمسُّك بهذه الهُدنة؟!

أهو الصبر الجميل..؟ لكن ماذا بعد؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالمنان السنبلي

ما بعد سويفت والبترودولار: استراتيجية المواجهة المالية للهيمنة الأمريكية

لم تعد مواجهة القوى الحرة للهيمنة الأمريكية تدور حول سيطرة جغرافية أَو امتلاك ترسانة صواريخ تتفوق بها على العدوّ، فقد أصبحت المواجهة تدور حول ما هو أكثر عمقًا وخطورة من ذلك، وهو السيطرة على لغة المال التي يتحدث بها العالم، والتحكم في الأنابيب غير المرئية التي تنساب عبرها ثروات الأمم ومدفوعات الطاقة والتجارة.

لقد صعدت أمريكا إلى عرشها العالمي لا لأنها خرجت من الحرب العالمية الثانية بأقل الخسائر، ولا لأنها امتلكت القنبلة النووية، إنما لأنها أمسكت بنظام النقد العالمي وأجبرت الكوكب بأسره على التعامل بعملتها، وجعلت شراء النفط مرهونًا بتكديس الدولار، وحوّلت نظام سويفت إلى بوابة إلزامية ترى كُـلَّ صفقة بعين أمريكية فتسمح لهذا وتحرم ذاك.

وهذا هو مصدر القوة الذي يجب أن توجّـه إليه القوى الحرة ضرباتها الاستراتيجية، حَيثُ الشرايين الخفية التي تضخ الحياة المالية في جسد هذه الإمبراطورية.

إن قوتنا الحقيقية لا تكمن فقط في صواريخنا ومسيّراتنا، إنما في أننا نمتلك المفاتيح الجغرافية للطاقة العالمية والتجارة الدولية.

نحن من نسيطر على شواطئ الممرَّات البحرية المهمة بدأ بمضيق هرمز والذي يعبر منه ربع نفط العالم، إلى باب المندب الرابط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، وُصُـولًا إلى قناة السويس.

نحن من يملك القدرة على التأثير في ممرات الطاقة التي تتدفق منها الحياة إلى مصانع آسيا واقتصاداتها العملاقة.

لذا فإن إغلاق هذه الممرات لن يشكل تهديدًا لأمريكا، إن التهديد الحقيقي الذي يزلزل أركان هذه الإمبراطورية هو تغيير العملة التي يُشترى بها النفط العابر فيها.

إن إجبار السوق الآسيوي المتعطش للطاقة على شراء احتياجاته بعملة قومية بدلًا من الدولار، أَو بسلة عملات بديلة، ستكون هي الطعنة القاتلة التي ستسلب الدولارَ قيمتَه النقديةَ دفعةً واحدةً وتجرده من قداسته.

وهنا بالذات يجبُ أن تنتقلَ القوى الحرة في تصدّيها للهيمنة الأمريكية في المنطقة من موقع القوة العسكرية الدفاعية إلى موقع القوة المالية الهجومية، عبر عقد اتّفاقيات تسعيرٍ نفطي ثنائية وجماعية بالعملات المحلية مع أكبر المستهلكين في آسيا، وعلى رأسهم الصين والهند، وتأسيس بورصات نفط إقليمية تحرّر الخامَ من قيد الورقة الخضراء.

وهذه لن تكونَ فقط مُجَـرّد صفقات تجارية، ستصبح صواريخ استراتيجية من نوع آخر، تخترق قلب المنظومة المالية التي صنعت الهيمنة.

إن الأموال المحتجَزة والودائع المجمَّدة في البنوك الغربية هي درسٌ لا ينبغي أن يتكرّر، والمئات من مليارات الدولارات التي صادرتها واشنطن وحلفاؤها من روسيا وإيران وفنزويلا ودول أُخرى هي جرس إنذار بأن الأصول المحتفظ بها في ولايات قضائية غربية ليست سوى قروض مرهونة بإرادَة سياسية قابلة للانقلاب في أية لحظة.

ولأن الملايينَ من البشر في العالم النامي لا يفهمون لماذا هم فقراء رغم أن بلادهم تفيض بالنفط والغاز والمعادن، ولا يعرفون كيف يعمل نظام البترودولار الذي ينهبُ ثرواتِهم عبر التضخم المصدّر والدورات الاقتصادية المسيطر عليها، يتوجب على القوى الحرة في المواجهة للهيمنة الأمريكية أن تطلق المِنصات الإعلامية العالمية المتعددة اللغات، لتشرح للعالم أجمع حقيقة هذه المعركة الصامتة الدائرة، ليس بلغة المنشورات الأكاديمية بل بلغة يفهمها المواطن العادي في طهران وصنعاء وبيروت وكراتشي ولاجوس وكراكاس وكل مكان من هذا العالم.

فمواجهتها للفقر والبطالة تبدأ من تلك الغرفة الهادئة، حَيثُ تسعّر عقود النفط، ومن تلك الشاشة الصامتة، حَيثُ تمر مدفوعات الحاويات العابرة للقارات.

الحقيقة أن هذه المعركة ليست معركة بين دول، بل هي معركة بين نظامين: نظام الاستعباد المالي الذي يتغذى على فقر الأمم وقهرها، ونظام التعددية والسيادة النقدية.

فحين تنضج هذه الأركان وتترابط، وحين يستفيق العالم ذات صباح ليجد أن النفط لا يزال يتدفق من هرمز ولكن بعملاتنا القومية، وأن البضائع لا تزال تعبر من باب المندب وملقا ولكن بمدفوعات رقمية لا تمر بواشنطن، سيسقط عرش هذه الإمبراطورية لا بفعل صاروخ أطلقناه، بل بفعل عالم جديد بنيناه بصبر وإرادَة.

هناك، في ذلك المشهد الهادئ، حَيثُ لا دخان يتصاعد سوى من مداخن المصانع، ولا ضجيج يسمع سوى همس الأمواج وأزيز القطارات العابرة للصحارى، حَيثُ يكتمل النصر الذي وعدنا به، حَيثُ نكتب بأيدينا شهادة ميلاد عالم آخر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهد شاكر أبوراس

تدمير دبابتين “ميركافا” وقصف منازل يتحصن بها جنود.. حزب الله يضغط ميدانياً عشية مفاوضات واشنطن

واصل حزب الله، اليوم الثلاثاء، تنفيذ عمليات عسكرية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان ومحيط الحدود، بالتوازي مع رسائل سياسية جديدة حدد فيها أمينه العام نعيم قاسم ما وصفه بالمسار الوحيد للخروج من مأزق المواجهة الدائرة على الساحة اللبنانية، وذلك عشية جولة مفاوضات جديدة تدفع الولايات المتحدة باتجاه عقدها بين الحكومة اللبنانية والاحتلال في واشنطن.

وبحسب المستجدات، نشر الحزب مشاهد من عمليات جديدة استهدفت مواقع وتجمعات للجيش الإسرائيلي في الجنوب، من بينها موقع العباد المقابل لبلدة حولا، حيث أظهرت المشاهد اندلاع نيران كثيفة عقب استهداف صاروخي، إضافة إلى استهداف تجمعات أخرى في مرفأ الناقورة ومناطق عدة في الجنوب. وتأتي هذه الهجمات ضمن نسق متصاعد من العمليات التي يسعى من خلالها الحزب إلى إبقاء الضغط العسكري قائماً على القوات الإسرائيلية المنتشرة في الخطوط الأمامية.

وكان الاحتلال قد أقر بإصابة عدد من جنوده، بينهم ثمانية في عملية واحدة، في وقت لا تزال فيه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعترف بصعوبة التعامل مع المسيّرات العاملة بالألياف البصرية، والتي تشكل أحد أبرز التحديات الجديدة على الجبهة الشمالية. وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل، رغم حصولها على ذخائر جديدة من الولايات المتحدة لمواجهة هذا النوع من الهجمات، ما تزال عاجزة عن تقديم حل حاسم، وتدرس إدخال أدوات هجومية جديدة، من بينها طائرات انتحارية، لتقليل أثر الهجمات المتصاعدة.

وفي الميدان، أعلن حزب الله تدمير دبابتين من نوع ميركافا في عمليتين منفصلتين، الأولى في بلدة البياضة بصاروخ موجه أدى إلى اشتعال النيران فيها بالكامل، والثانية في محيط خربة المنارة مقابل بلدة حولا بواسطة مسيّرة انقضاضية. كما أعلن استهداف جندي إسرائيلي في محيط خربة المنارة بطائرة مسيّرة، وقصف تجمع لجنود الاحتلال قرب مجرى نهر دير سريان بالصواريخ.

وفي عملية أخرى، قال الحزب إنه استهدف قوة إسرائيلية متمركزة داخل منزل في بلدة البياضة عبر مسيّرتين انقضاضيتين بفارق زمني قصير، فيما أشار أيضاً إلى استهداف منزل يتحصن فيه جنود في بلدة حولا بصاروخ موجه، إضافة إلى قصف تجمع لجنود الاحتلال قرب مرفأ الناقورة بسرب من المسيّرات الانقضاضية على دفعتين. كما نشر الإعلام الحربي التابع له مشاهد من عمليات سابقة في طير حرفا وخلة الراج ودير سريان، في إشارة إلى أن وتيرة الضربات لم تتراجع رغم الحديث عن هدنة قائمة.

وفي البعد السياسي، جاء خطاب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم ليؤكد أن الحزب لن ينسحب من الميدان، وأنه سيواصل المواجهة ما دام العدوان قائماً. واعتبر قاسم أن الحرب الجارية جزء من مواجهة أوسع مع مشروع أمريكي إسرائيلي يستهدف المنطقة، داعياً الحكومة اللبنانية إلى الانسحاب من المفاوضات المباشرة مع الاحتلال، ومعتبراً أن هذا المسار يمنح إسرائيل مكاسب سياسية من دون مقابل حقيقي للبنان.

وفي المقابل، طرح الشيخ قاسم أن الاتفاق الإيراني الأمريكي الذي يتضمن وقف الحرب على لبنان يمثل الورقة الأقوى لوقف التصعيد، في إشارة إلى ربط واضح بين المسار اللبناني والتفاهمات الإقليمية الأوسع. ويعكس هذا الطرح رؤية الحزب بأن خفض التصعيد لا يمكن أن يتحقق عبر مفاوضات مباشرة مع الاحتلال، بل عبر انسحاب الضغوط العسكرية والسياسية المفروضة على لبنان، وربط أي تسوية بوقف العدوان بشكل شامل.

وتأتي هذه التطورات في لحظة حساسة تسبق جولة تفاوض جديدة بين الحكومة اللبنانية والاحتلال، تدفع واشنطن بقوة نحو عقدها، بينما يستمر الميدان في تسجيل وقائع تناقض مناخ التهدئة المفترض. ووفق الصورة التي ترسمها المعطيات الحالية، يبدو أن حزب الله يسعى إلى دخول أي استحقاق سياسي من موقع الضغط الميداني لا التراجع، فيما يواجه الاحتلال معضلة متزايدة بين استمرار الاستنزاف على الحدود وبين غياب مخرج عسكري واضح.

تحذير من واشنطن: حرب إيران تستنزف الذخائر الأمريكية وتمنح الصين هامشاً استراتيجياً أوسع

تحذير من واشنطن: حرب إيران تستنزف الذخائر الأمريكية وتمنح الصين هامشاً استراتيجياً أوسع

بدأت أصوات القلق تتصاعد من داخل المؤسسة السياسية الأمريكية نفسها إزاء الكلفة الاستراتيجية المتنامية للحرب مع إيران، بعدما حذر السيناتور الديمقراطي مارك كيلي من أن استمرار هذا الصراع لا يهدد فقط المخزونات العسكرية الأمريكية، بل قد يتحول إلى استنزاف طويل الأمد يضعف قدرة الولايات المتحدة على خوض أي مواجهة كبرى مستقبلاً، ويمنح الصين مكاسب جيوسياسية مباشرة نتيجة تراجع الجاهزية الأمريكية.

وبحسب ما نقلته واشنطن بوست، وصف كيلي، وهو عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، حجم الاستنزاف الذي أصاب مخزونات الذخائر الأمريكية خلال الحرب بأنه صادم، مؤكداً أن الولايات المتحدة استهلكت كميات كبيرة من الذخائر على نحو بات ينعكس سلباً على مستوى الأمان القومي الأمريكي نفسه.

وقال السيناتور الأمريكي إن هذا الاستنزاف يجعل الشعب الأمريكي أقل أماناً، سواء في حال اندلاع صراع مستقبلي في غرب المحيط الهادئ مع الصين، أو في أي ساحة أخرى قد تجد فيها واشنطن نفسها مطالبة باستخدام القوة. وبهذا التحذير، يربط كيلي بصورة مباشرة بين الحرب على إيران وبين إضعاف الردع الأمريكي عالمياً، لا في الشرق الأوسط فقط.

وفي واحدة من أكثر النقاط دلالة، كشف كيلي أنه استجوب وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث خلال جلسة استماع في مطلع الشهر الجاري بشأن المدة المطلوبة لإعادة بناء مخزون الذخائر الأمريكي، فجاءه الرد بأن الأمر قد يستغرق سنوات. وهذه الإجابة، وفق القراءة التي يطرحها التحذير، تعني أن المشكلة لم تعد مسألة إنفاق أو تعويض سريع، بل أزمة زمن وقدرة إنتاجية واستنزاف متراكم قد تترك آثاراً بعيدة المدى على بنية القوة الأمريكية.

ويحذر كيلي من أن أخطر ما في المشهد هو احتمال أن يطول الصراع مع إيران لعدة أشهر أو حتى سنوات، لأن ذلك سيعني بقاء الولايات المتحدة في حالة نزيف عسكري مستمر، في وقت لا تملك فيه القدرة السريعة على تعويض ما يُستهلك من الذخائر والمنظومات. ووفق هذا المنطق، فإن واشنطن قد تجد نفسها في نهاية المطاف أضعف مما كانت عليه قبل دخول الحرب، لا أقوى، وهو ما يحول الصراع من مغامرة عسكرية إلى استنزاف استراتيجي مفتوح.

ويكتسب هذا التحذير ثقله من كونه يصدر من داخل الكونغرس الأمريكي، ومن عضو في لجنة القوات المسلحة، ما يعني أن المخاوف لم تعد مجرد تحليلات إعلامية أو تقديرات خارجية، بل تحولت إلى هواجس مؤسساتية داخل النظام الأمريكي نفسه. كما أن الإشارة المتكررة إلى الصين تكشف أن واشنطن باتت تنظر إلى الحرب مع إيران ليس فقط من زاوية الشرق الأوسط، بل من زاوية التنافس الكوني على موازين القوة، حيث يمكن لأي استنزاف في جبهة أن يتحول إلى ثغرة في جبهة أخرى أكثر خطورة.

وبذلك، فإن تحذير مارك كيلي يلخص مأزقاً أمريكياً متنامياً: حرب مكلفة في الشرق الأوسط تستهلك الذخائر والجاهزية، بينما تراقب الصين المشهد وتستفيد من تآكل القدرة الأمريكية على الردع والحسم. وفي ضوء هذا المشهد، يبدو أن الحرب مع إيران لم تعد تُقرأ فقط كصراع إقليمي، بل كعامل قد يعيد تشكيل أولويات القوة الأمريكية نفسها، ويفرض على واشنطن حسابات أكثر تعقيداً مما كانت تتوقع.