الرئيسية بلوق الصفحة 122

تدمير دبابتين “ميركافا” وقصف منازل يتحصن بها جنود.. حزب الله يضغط ميدانياً عشية مفاوضات واشنطن

واصل حزب الله، اليوم الثلاثاء، تنفيذ عمليات عسكرية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان ومحيط الحدود، بالتوازي مع رسائل سياسية جديدة حدد فيها أمينه العام نعيم قاسم ما وصفه بالمسار الوحيد للخروج من مأزق المواجهة الدائرة على الساحة اللبنانية، وذلك عشية جولة مفاوضات جديدة تدفع الولايات المتحدة باتجاه عقدها بين الحكومة اللبنانية والاحتلال في واشنطن.

وبحسب المستجدات، نشر الحزب مشاهد من عمليات جديدة استهدفت مواقع وتجمعات للجيش الإسرائيلي في الجنوب، من بينها موقع العباد المقابل لبلدة حولا، حيث أظهرت المشاهد اندلاع نيران كثيفة عقب استهداف صاروخي، إضافة إلى استهداف تجمعات أخرى في مرفأ الناقورة ومناطق عدة في الجنوب. وتأتي هذه الهجمات ضمن نسق متصاعد من العمليات التي يسعى من خلالها الحزب إلى إبقاء الضغط العسكري قائماً على القوات الإسرائيلية المنتشرة في الخطوط الأمامية.

وكان الاحتلال قد أقر بإصابة عدد من جنوده، بينهم ثمانية في عملية واحدة، في وقت لا تزال فيه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعترف بصعوبة التعامل مع المسيّرات العاملة بالألياف البصرية، والتي تشكل أحد أبرز التحديات الجديدة على الجبهة الشمالية. وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل، رغم حصولها على ذخائر جديدة من الولايات المتحدة لمواجهة هذا النوع من الهجمات، ما تزال عاجزة عن تقديم حل حاسم، وتدرس إدخال أدوات هجومية جديدة، من بينها طائرات انتحارية، لتقليل أثر الهجمات المتصاعدة.

وفي الميدان، أعلن حزب الله تدمير دبابتين من نوع ميركافا في عمليتين منفصلتين، الأولى في بلدة البياضة بصاروخ موجه أدى إلى اشتعال النيران فيها بالكامل، والثانية في محيط خربة المنارة مقابل بلدة حولا بواسطة مسيّرة انقضاضية. كما أعلن استهداف جندي إسرائيلي في محيط خربة المنارة بطائرة مسيّرة، وقصف تجمع لجنود الاحتلال قرب مجرى نهر دير سريان بالصواريخ.

وفي عملية أخرى، قال الحزب إنه استهدف قوة إسرائيلية متمركزة داخل منزل في بلدة البياضة عبر مسيّرتين انقضاضيتين بفارق زمني قصير، فيما أشار أيضاً إلى استهداف منزل يتحصن فيه جنود في بلدة حولا بصاروخ موجه، إضافة إلى قصف تجمع لجنود الاحتلال قرب مرفأ الناقورة بسرب من المسيّرات الانقضاضية على دفعتين. كما نشر الإعلام الحربي التابع له مشاهد من عمليات سابقة في طير حرفا وخلة الراج ودير سريان، في إشارة إلى أن وتيرة الضربات لم تتراجع رغم الحديث عن هدنة قائمة.

وفي البعد السياسي، جاء خطاب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم ليؤكد أن الحزب لن ينسحب من الميدان، وأنه سيواصل المواجهة ما دام العدوان قائماً. واعتبر قاسم أن الحرب الجارية جزء من مواجهة أوسع مع مشروع أمريكي إسرائيلي يستهدف المنطقة، داعياً الحكومة اللبنانية إلى الانسحاب من المفاوضات المباشرة مع الاحتلال، ومعتبراً أن هذا المسار يمنح إسرائيل مكاسب سياسية من دون مقابل حقيقي للبنان.

وفي المقابل، طرح الشيخ قاسم أن الاتفاق الإيراني الأمريكي الذي يتضمن وقف الحرب على لبنان يمثل الورقة الأقوى لوقف التصعيد، في إشارة إلى ربط واضح بين المسار اللبناني والتفاهمات الإقليمية الأوسع. ويعكس هذا الطرح رؤية الحزب بأن خفض التصعيد لا يمكن أن يتحقق عبر مفاوضات مباشرة مع الاحتلال، بل عبر انسحاب الضغوط العسكرية والسياسية المفروضة على لبنان، وربط أي تسوية بوقف العدوان بشكل شامل.

وتأتي هذه التطورات في لحظة حساسة تسبق جولة تفاوض جديدة بين الحكومة اللبنانية والاحتلال، تدفع واشنطن بقوة نحو عقدها، بينما يستمر الميدان في تسجيل وقائع تناقض مناخ التهدئة المفترض. ووفق الصورة التي ترسمها المعطيات الحالية، يبدو أن حزب الله يسعى إلى دخول أي استحقاق سياسي من موقع الضغط الميداني لا التراجع، فيما يواجه الاحتلال معضلة متزايدة بين استمرار الاستنزاف على الحدود وبين غياب مخرج عسكري واضح.

تحذير من واشنطن: حرب إيران تستنزف الذخائر الأمريكية وتمنح الصين هامشاً استراتيجياً أوسع

تحذير من واشنطن: حرب إيران تستنزف الذخائر الأمريكية وتمنح الصين هامشاً استراتيجياً أوسع

بدأت أصوات القلق تتصاعد من داخل المؤسسة السياسية الأمريكية نفسها إزاء الكلفة الاستراتيجية المتنامية للحرب مع إيران، بعدما حذر السيناتور الديمقراطي مارك كيلي من أن استمرار هذا الصراع لا يهدد فقط المخزونات العسكرية الأمريكية، بل قد يتحول إلى استنزاف طويل الأمد يضعف قدرة الولايات المتحدة على خوض أي مواجهة كبرى مستقبلاً، ويمنح الصين مكاسب جيوسياسية مباشرة نتيجة تراجع الجاهزية الأمريكية.

وبحسب ما نقلته واشنطن بوست، وصف كيلي، وهو عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، حجم الاستنزاف الذي أصاب مخزونات الذخائر الأمريكية خلال الحرب بأنه صادم، مؤكداً أن الولايات المتحدة استهلكت كميات كبيرة من الذخائر على نحو بات ينعكس سلباً على مستوى الأمان القومي الأمريكي نفسه.

وقال السيناتور الأمريكي إن هذا الاستنزاف يجعل الشعب الأمريكي أقل أماناً، سواء في حال اندلاع صراع مستقبلي في غرب المحيط الهادئ مع الصين، أو في أي ساحة أخرى قد تجد فيها واشنطن نفسها مطالبة باستخدام القوة. وبهذا التحذير، يربط كيلي بصورة مباشرة بين الحرب على إيران وبين إضعاف الردع الأمريكي عالمياً، لا في الشرق الأوسط فقط.

وفي واحدة من أكثر النقاط دلالة، كشف كيلي أنه استجوب وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث خلال جلسة استماع في مطلع الشهر الجاري بشأن المدة المطلوبة لإعادة بناء مخزون الذخائر الأمريكي، فجاءه الرد بأن الأمر قد يستغرق سنوات. وهذه الإجابة، وفق القراءة التي يطرحها التحذير، تعني أن المشكلة لم تعد مسألة إنفاق أو تعويض سريع، بل أزمة زمن وقدرة إنتاجية واستنزاف متراكم قد تترك آثاراً بعيدة المدى على بنية القوة الأمريكية.

ويحذر كيلي من أن أخطر ما في المشهد هو احتمال أن يطول الصراع مع إيران لعدة أشهر أو حتى سنوات، لأن ذلك سيعني بقاء الولايات المتحدة في حالة نزيف عسكري مستمر، في وقت لا تملك فيه القدرة السريعة على تعويض ما يُستهلك من الذخائر والمنظومات. ووفق هذا المنطق، فإن واشنطن قد تجد نفسها في نهاية المطاف أضعف مما كانت عليه قبل دخول الحرب، لا أقوى، وهو ما يحول الصراع من مغامرة عسكرية إلى استنزاف استراتيجي مفتوح.

ويكتسب هذا التحذير ثقله من كونه يصدر من داخل الكونغرس الأمريكي، ومن عضو في لجنة القوات المسلحة، ما يعني أن المخاوف لم تعد مجرد تحليلات إعلامية أو تقديرات خارجية، بل تحولت إلى هواجس مؤسساتية داخل النظام الأمريكي نفسه. كما أن الإشارة المتكررة إلى الصين تكشف أن واشنطن باتت تنظر إلى الحرب مع إيران ليس فقط من زاوية الشرق الأوسط، بل من زاوية التنافس الكوني على موازين القوة، حيث يمكن لأي استنزاف في جبهة أن يتحول إلى ثغرة في جبهة أخرى أكثر خطورة.

وبذلك، فإن تحذير مارك كيلي يلخص مأزقاً أمريكياً متنامياً: حرب مكلفة في الشرق الأوسط تستهلك الذخائر والجاهزية، بينما تراقب الصين المشهد وتستفيد من تآكل القدرة الأمريكية على الردع والحسم. وفي ضوء هذا المشهد، يبدو أن الحرب مع إيران لم تعد تُقرأ فقط كصراع إقليمي، بل كعامل قد يعيد تشكيل أولويات القوة الأمريكية نفسها، ويفرض على واشنطن حسابات أكثر تعقيداً مما كانت تتوقع.

قنبلة نُقُم.. دمغة شاهدة على إجرام آل سعود

مثل هذا اليوم 11 مايو 2015م، كانت الجريمة الإجرامية الوهَّـابية السعوديّة بحق أبناء منطقة نقم بالعاصمة صنعاء.

أتذكر أطفالًا ونساءً يفرّون تائهين من هول الانفجارات العنيفة، وألسنة اللهب التي تتطايرُ مع القذائف والصواريخ إلى كُـلّ مكان.

كانت ابنتي الوحيدة “أمل” بالقرب من جبل نقم، في منزل عمِّها الذي لا يفصله عن مكان الانفجار سوى حديقة برلين.

كان ثاني يوم لعيد ميلادي وميلادها…

كنت أنظر إلى الهدية التي أهدتني إياها ابنتي أمل بمناسبة عيد ميلادي، وأحاول الاتصالَ لأسمَعُ صوتَها وأطمئن عليها، إلا أن ذلك كان صعبًا؛ فشبكةُ الاتصالات توقفت تمامًا…

حينها كنتُ في شارع هائل، وانطلقتُ كالمجنون في شوارع صنعاء التي أصبح كُـلُّ شيء فيها غيرَ منتظم.

حاولتُ استئجارَ وسيلة مواصلات فلم أجد، وقطعتُ مسافاتٍ مشيًّا على الأقدام وسط الانفجارات التي لم تتوقف، وحالاتُ الضوضاء المغيِّمة بالرعب والخوف نتيجةَ الصواريخ المحرَّمة دوليًّا، والتي استخدمت من طائرات الوهَّـابية السعوديّة في استهداف منطقة نقم المكتظة بالسكان.

كانت خطواتي تتعثَّر كلما اقتربتُ من منزلي، الذي وصلَتْ إليه شظايا القذائف والصواريخ، والدخان الأسود قد غطَّاه، وأصبحت السيارةُ البيضاء سوداءَ بفعل بارود الصواريخ والقذائف، والهلع والخوف الذي ينتاب أسرتي وكل سكان الحي في البليلي.

كُلُّ خطوة كنتُ أخطوها، أنظُرُ إلى منطقة نقم المغطَّاة بسحب الدخان مع أصوات الانفجارات والقذائف المتطايرة، وأتساءل: كيف حالُ ابنتي أمل وأُسرة أخي حامد؟ وكيف بقيةُ سكان الحي الذي خرجت فيه النساء والأطفال كيوم الحشر، كُـلٌّ لا يعرف إلى أي اتّجاه هو متَّجه، وإلى أي مكان يقصده.

نساءٌ يخرجن وهن يحتضن أطفالَهن غير منتبهات لأي لباس يرتدينه؛ ليأتيَ من يرمي بغترته أَو شاله لهذه المرأة أَو تلك لتغطِّيَ ما كُشِفَ منها.

كانت مناظر تجعل القلوب تتوقف قهرًا ووجعًا، ويتمنى كُـلُّ من رأى تلك المناظرَ أن يتحوَّلَ إلى قنبلة تتطاير شظاياها وسط أُسرة آل سعود.

وهل ننسى مآسيَ وأوجاعَ هذه الأسرة الدموية والإجرامية بحق كُـلّ الشعب اليمني؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نايف حيدان

الأخطر من الظلم.. الصمت!!

إن الأخطر من الظلم هو الصمت؛ فلولا الصمت ما استمر الظالمُ في غيه.

لقد اختارت القياداتُ الخليجية وكثيرٌ من شعوب الأُمَّــة “سياسة الصمت” تجاه ما يجري لأبناء غزة، زاعمين الحفاظ على أمنهم وسلامة بلدانهم من أتون الحروب.

لكن المثير للريبة أن هؤلاء الحكام لم يكتفوا بالحياد، لقد انحازوا لمساندة الظالم ضد المظلوم؛ فوقفت دول الخليج مع كِيان الاحتلال، وشكلت حجر عثرة أمام كُـلّ من حاول إنقاذ غزة.

لقد سعت هذه الأنظمة بكل جُرأة لإفشال عملية الإسناد اليماني، ولم تلتزم بالصمت هنا، بل جهرت بوقوفها مع كيان العدوّ.

لا نعلم هل يحسبون هذا الانحطاط ذكاءً وحنكة سياسية؟ أم أنهم أرادوا تغطية فشلهم وتقليل حجم الخزي الذي أصابهم أمام الموقف الشجاع والجاد القادم من صنعاء؟

صنعاء.. الإسنادُ بالحق في زمن الخذلان

تحَرّكت صنعاء بواجبها الديني والقومي، وحملت المسؤولية الكاملة بالنيابة عن العرب.

رغم عدوانٍ وحربٍ استمرت تسعة أعوام، ورغم الحصار الخانق، إلا أن اليمن هبّ لنجدة غزة، وحاصر كيان العدوّ في البحر بكل شجاعة.

وفي المقابل، لم تصمت دول الخليج عن “معاناة” كيان الاحتلال كما صمتت عن أشلاء أطفال غزة؛ بل نفرت لمَد يد العون لليهود، وفتحت منافذَها البرية وموانئها، ومدت “جسرًا بريًا” لنقل المواد الغذائية وإنقاذ كِيان الاحتلال من الحصار اليماني، وكأن “نتنياهو” بات جزءًا من نسيج هذه الأُمَّــة!

جامعةُ الدولِ العربيةِ.. مِظلةٌ بريطانيةٌ وواقعٌ مرير

عُقدت القممُ والاجتماعات، وآخرها في البحرين، ولم يخرج العرب حتى بقرار لفتح “معبر رفح”.

ولا غروَ في ذلك، فجامعة الدول العربية تأسَّست تحت إشراف بريطاني -معقل الماسونية- لتكون أدَاةً للجم أي تحَرّك حقيقي.

وبينما أغلق كِيانُ الاحتلال المعابر على مليونَين ونصف المليون غزاوي، قامت صنعاء بما لم تتصوره قوى الاستكبار؛ فأغلقت البحر وأصابت ميناء أم الرشراش الموسوم احتلاليًّا “إيلات” بالشلل التام، لتهب الممالك العربية لتعويض الصهاينة عما فقدوه.

ثمنُ الحريةِ أقل من ثمنِ الذل

إن الصمت يشجع كيان الاحتلال الذي يحظى بدعم أُورُوبي وأمريكي وعربي مباشر، بينما لم يجد أبناء غزة سوى مساندة “محور المقاومة”.

ومع ذلك، لم يحقّق العدوّ شيئًا أمام صمود الأبطال.

على العرب أن ينهضوا من سُباتهم السياسي، وأن يعلموا أن ثمن الحرية -مهما غلا- هو أقل بكثير من ثمن الذل والانبطاح.

عليهم أن يتعلموا من تجربة محور المقاومة الذي واجه قوى الاستكبار بقلة العتاد وكثرة الإيمان، فكسر “الجيش الذي لا يقهر” في غزة وجنوب لبنان، وأذل هيبة أمريكا في بحار اليمن.

الحرية لا تُستورد ولا تُشترى بالمال، بل يصنعها الأحرار بدمائهم.

لقد سقطت الأقنعة، وعلم العالم أن الأرض التي تقاتل عليها أمريكا وأدواتها هي أرض صُلبة ستتحطم عليها أحلامَهم..

فهل يتعظ حكام العرب؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحيى صالح الحَمامي

سر بقاء الدول.. المعادلة التي وضعها الإمام علي عليه السلام قبل 1400 عام

حين تتحول السلطة إلى مسؤولية لا إلى امتيَاز،

وتصبح الدولة درعًا للناس لا سيفًا على رقابهم،

فإن الأُمَّــة تدخل مرحلة مختلفة من البناء والاستقرار.

في هذا المعنى العميق، يضع السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، يحفظه الله، جوهر الرؤية القرآنية للحكم من خلال استحضار وصية الإمام علي بن أبي طالب لابنه الإمام الحسن بن علي عليهما السلام،

عندما قال لابنه:

(لَيْسَ كُـلّ مَنْ رَمَى أَصَابَ، إذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ).

في شرح الوصية يقول السيد القائد، يحفظه الله:

إذا تحَرّك السلطان ووظَّف طاقات الأُمَّــة، وسعى إلى حماية المجتمع من التظالُم داخلَه، والظلم من أعدائه، فسيصلح واقعُ الناس وتستقر حياتهم.

إذن لا تُقاس قوةُ السلطان بحجم نفوذه، وإنما بقدرته على توظيف طاقات الأُمَّــة في حماية الإنسان وصيانة العدالة.

إن أخطر ما يهدّد أيَّ مجتمع ليس الفقر وحده، ولا الحصار وحده، بقدر ما هو انهيار ميزان العدل داخله.

فحين يُترك الناس فريسة للتظالم، ويتحول القوي إلى خصم للضعيف، وتغيب هيبة القانون، يبدأ التآكل الحقيقي للدولة مهما امتلكت من المال أَو السلاح.

أما حين يتحَرَّكُ السلطانُ لحمايةِ المجتمع من الظلم الداخلي، فإنه يحمي روحَ الأُمَّــة نفسِها.

وفي المقابل، فإنَّ الأُمَّــةَ التي لا تمتلِكُ قيادةً تدافِعُ عنها أمام أعدائها الخارجيين، تصبح مستباحةَ الإرادَة والقرار والسيادة.

فالعدوانُ الخارجيُّ لا ينجحُ إلا في غِيابِ العدل الداخلي؛ لأنَّ الاحتلالَ والهيمنةَ والحصارَ لها أدواتٌ سياسية ووسائلُ لإخضاع الشعوب من الداخل، وكسر كرامتهم وتجريدهم من حقوقهم وحريتهم؛ ولذا فإن أخطر ما يركِّز عليه الأعداء خلخلةُ الداخل عبر وسائل ناعمة ومنظمة.

ومن هُنا تأتي أهميّةُ أن يكونَ السلطانُ أَو المسؤولُ يقظًا في مواجهة الأعداء، حارسًا لاستقلال الأُمَّــة، لا بوابة لعبور مشاريع الهيمنة إليها.

الوصيةُ قدمت معادلةً متكاملةً لبناء الاستقرار، وهي:

عدلٌ في الداخل، وقوةٌ في مواجهة الخارج.

فإذا اختل أحدُهما، اختل توازُنُ المجتمع كله.

فلا يمكن الحديثُ عن إصلاح حقيقي في ظل فساد ينهش الداخل،

ولا يمكن الحديث عن استقرار دائم في ظل تهديد خارجي مُستمرّ.

ولهذا فإن القيادةَ التي توظِّف طاقات الأُمَّــة في البناء والحماية معًا، تخلق حالةً من الثقة الشعبيّة والانتماء الديني والوطني؛ لأَنَّ الناسَ بطبيعتهم يلتفُّون حولَ من يحفظ كرامتَهم ويصونُ دينَهم وحقوقهم ويدافع عن وجودهم.

إذن من أعظم الاستثمار لبناء دولة قوية هو استثمارُها في الإنسان؛

في أمنه، وعدالته، وكرامته، ووعيه، وشعوره بأن هناك سُلطةً تحرُسُه لا تظلمه.

عندما يشعُرُ المواطنُ أن الدولةَ تقفُ معه ضدَّ الفساد والعدوان معًا، فإنه يتحوَّلُ من فردٍ خائفٍ إلى شريكٍ في معركة البناء والصمود.

ولهذا يوضح لنا السيدُ القائدُ، يحفظُه الله، رؤيةَ وحكمةَ وعدالةَ الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أن

الحُكم لا يمكنُ أن يكونَ أدَاةَ سيطرة، بقدر ما هو رسالة أخلاقية ومسؤولية حضارية، تقوم على إقامة العدل ومنع التظالم وحماية الأُمَّــة من الطغيان الخارجي والتظالم الداخلي.

وهي الرؤية التي لا تزالُ حتى اليوم تمثِّلُ معيارًا حقيقيًّا لنجاح أية سلطة أَو دولة أَو حكم حينها يكون الناس فيها أكثر أمنًا، وأكثر كرامة، وأكثر استقرارًا بوجودها، لا العكس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالخالق دعبوش

إيران تُسقِط شروط أمريكا

معلومٌ أن العدوان الصهيوأمريكي المستمر ضد إيران لم يعد مُجَـرّد خلاف حول الملف النووي، فقد تحول إلى معركة إرادات ترسم شكل المنطقة ومستقبل النفوذ فيها.

فالرد الإيراني الأخير لم يأتِ كوثيقة تفاوض تقليدية، إنما كإعلان سياسي واستراتيجي يضع أمريكا في مأزق.

خَاصَّة أن الرد الإيراني المكون من 14 بندًا يهدفُ إلى تحويل أي اتّفاق مع واشنطن من مِلف نووي محدود إلى إعادة صياغة ميزان القوى في المنطقة.

قد يبرّر البعضُ رفض ترامب للرد الإيراني على شرطه الـ9 بأن إيران رفعت السقف إلى الحد الأقصى، أقول نعم، لكن رفعها للسقف بـ14 بندًا كان لعدة أسباب، منها:

– أن إيران تشعر أن المواجهةَ الأخيرة عزّزت أوراقها ولم تكسرها.

– ولأنها ما زالت تمتلك القوة، والقدرة على الصمود وإدارة المعركة والانتصار بالله.

– ولأنها تريد ضمانات استراتيجية لا مُجَـرّد وعود مؤقتة.

– ولأنها تعتبر أن أصل الأزمة هو الوجود الأمريكي والعقوبات والحصار، لا الملف النووي فقط.

لكن المشكلة أن واشنطن، بغباء، تنظر إلى البنود الـ14؛ باعتبَارها شروطَ المنتصر، لا أرضية تفاوض، خُصُوصًا فيما يتعلق بـ:

– الانسحاب الأمريكي، والتعويضات.

– ربط ملفات لبنان والمنطقة.

– التحكم بأمن الطاقة والملاحة.

لذلك كان الرفض الأمريكي، بضغط من كِيان العدوّ وبعض دول الخليج؛ إذ إن قبول ترامب ببنود إيران يعني اعترافًا عمليًّا بتراجع نفوذ العدوّ الصهيوأمريكي في المنطقة.

وبما أن هدفَ ترامب كان إسقاط النظام، لا مُجَـرّد التفاوض معه، فإيران تقول لواشنطن:

لن نعود لاتّفاق مؤقت يعيد الأزمة بعد سنوات.

وأمريكا تقول لإيران: لن نعطيكم اعترافًا إقليميًّا كاملًا تحت الضغط.

لهذا تبدو المنطقة اليوم بين خيارَين:

1ـ التفاوض غير المباشر على مراحل، بحيث يتم تجزئة المِلفات:

  • تهدئة مقابل تخفيف عقوبات.
  • ترتيبات بحرية مقابل أمن الملاحة.
  • تبادل أسرى وأموال مجمدة، بدل صفقة شاملة دفعة واحدة.

2ـ الدخول في حرب استنزاف مفتوحة طويلة الأمد، ستحرق ما تبقى من هيبة المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة.

إذ قد يحاول كُـلّ طرف تحسين شروطه ميدانيًّا:

إيران عبر أوراق مضيق هرمز والبحر الأحمر ومحور المقاومة.

وأمريكا عبر العقوبات والتحالفات.

قال سيد القول والفعل: “ينبغي أن يتجه كُـلّ اللوم من منطقتنا والعالم للضغط على الأمريكي والإسرائيلي، لأن توجّـههما عدواني لا مبرّر له”.

ختامًا: نأمل أن يقتنع العدوّ الصهيوأمريكي وعملاؤه بأن كُلفة المواجهة ستكون عليهم أكبرَ من كلفة التنازل، وإلا فالقادم، بقوة الله القوي العظيم، عليهم أقوى وأعظم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالله علي هاشم الذارحي

العقيدة العسكرية ومعركة السيادة

يمثّل التحوُّلُ الجذريُّ في العقيدة العسكرية اليمنية اليوم واحدًا من أهم المرتكزات التي أعادت صياغة المشهد الوطني، واضعةً اليمن في خارطة القوى الفاعلة التي تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية لتفرض معادلات سيادية جديدة.

فشتانَ ما بين الثرى والثريا حين نتأمل الفارق الشاسع بين مؤسّسة عسكرية كانت تُبنى في الماضي على مقاس الأشخاص وتُسخّر لحماية العروش والعائلات، وإنما نحن أمام جيش وطني عقائدي اليوم يستمد قوته من قيم الجهاد ونصرة المستضعفين، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، وهو ما يفسر تلك القدرة الأُسطورية للمقاتل اليمني على الصمود والثبات أمام أعتى الترسانات العسكرية العالمية، حَيثُ تحولت العقيدة من “الولاء الضيق” إلى “الولاء المطلق” لله والوطن والقضايا العادلة.

واليوم يصبح من الإجحاف والقصور في الوعي مساواة هذه الروح الإيمانية العالية بجيوش كانت تقتات على الارتهان للخارج وتتحَرّك بإشارة من القوى الإقليمية، ولعل من المؤسف حقًا أن نجد بعض الأصوات التي تُحسب على الصف الوطني وهي تفتقر للوعي الكافي بمخاطر العدوان وأدواته، فتبادر بنشر تحليلات أَو منشورات تنقص من دور مؤسّسات الدولة في صنعاء، متجاهلةً عن عمد أَو جهل حقيقة أن العدوان لم يكتفِ بالآلة العسكرية، وتجاوز ذلك بتركيز كُـلّ جهده على تدمير المصالح الحيوية وتجفيف المنابع الإيرادية للشعب اليمني، من خلال السيطرة المباشرة من قبل الاحتلال السعوديّ والإماراتي ومرتزِقتهم على ثروات النفط والغاز، والتي كانت تمثل في السابق أكثر من سبعين بالمئة من ميزانية الدولة، مضافًا إلى ذلك الجريمة الاقتصادية المتمثلة في نقل وظائف البنك المركزي إلى عدن لقطع شريان المرتبات التي كانت تصرف لكل موظف يمني دون تمييز.

إن المجاهد الحقيقي وصاحب الموقف الصادق هو من يدرك حجم هذه المؤامرة المركبة ولا يغيب عن ذهنه المسبب الرئيسي لهذه المعاناة الإنسانية؛ إذ لا يجوز شرعًا ولا عرفًا المقارنة بين الضحية التي تقاوم بكل ما أوتيت من قوة وبين الجلاد الذي يحاصر لقمة العيش.

فالمسؤولية التي تضطلع بها الدولة في صنعاء والخدمات التي تسعى لتوفيرها هي واجب مقدس لا تتهرب منه، وهي تبذل في سبيل ذلك قصارى الجهد وفق الإمْكَانيات المتاحة رغم الحصار الخانق والسياسات الممنهجة للمرتزِقة الذين ينهبون ثروات الشعب ويودعونها في البنوك الخارجية لتمويل رفاهيتهم وبناء استثماراتهم في عواصم العالم، بينما يترك المواطن اليمني ليواجه أعباء الحياة بصبر وثبات.

إن المعركة اليوم ليست عسكريةً فحسب، وإنما هي معركة سياديةٌ شاملة ترتبط فيها لقمة العيش بكرامة الموقف، حَيثُ يراهن العدوان الرباعي الأمريكي والإسرائيلي والسعوديّ والإماراتي على سلاح التجويع لكسر إرادَة الشعب وإخضاعه لشروط الوصاية والارتهان، ولكن هيهاتَ أن يفلحَ هذا الرهانُ أمامَ شعب يرفع شعار “هيهات منا الذلة”، فلو بلغ الحالُ باليمنيين حَــدَّ أكل أوراق الشجر وتراب الأرض فلن ينحنوا لأنجاس العالم، ولن يفرطوا في سيادة وطنهم التي رُويت بدماء الشهداء الأطهار، فالحقوق لا تسقط بالتقادم،

وكل قطرة نفط نهبت وكل قرش سُلِبَ من قوت الشعب سيعودُ بإذن الله، ففجرُ الحرية والكرامة بات قريبًا ليبدِّدَ ظلامَ التآمر.

ولينتصر المظلوم على ظالمه بقوة الله الغالبة التي لا يقهرها معتدٍ مهما تجبر، ولا نامت أعين الجبناء، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهر أحمد عمير

تعز المحتلة تحت قبضة الفوضى.. فيديو متداول يوثق اعتداء ضابط إصلاحي على امرأة داخل منزلها

أظهر مقطع فيديو متداول مشاهد صادمة لما قيل إنها لحظة اعتداء عناصر تابعة لمليشيا الإصلاح على امرأة داخل منزلها في محافظة تعز المحتلة، في واقعة تعكس حجم الانفلات الأمني والانتهاكات المتصاعدة بحق المواطنين داخل المناطق الخاضعة لسيطرة قوى العدوان وأدواتها المحلية.

وبحسب ما يظهر في الفيديو، تسود حالة من الفوضى والارتباك داخل المنزل، بينما تتحرك الكاميرا بشكل متقطع وسط أصوات وحركة عنيفة، في مشهد يوحي باقتحام أو اعتداء وقع داخل حرمة المسكن. كما ينتقل التصوير لاحقاً إلى محيط المنزل، حيث تظهر جدران حجرية وأشخاص في الخارج، ما يعزز دلالة أن الحادثة لم تكن مشهداً عابراً، بل انتهاكاً مباشراً لحرمة بيت مواطنة.

ويكشف المقطع لحظة اعتداء ضابط بمليشيا الإصلاح على امرأة داخل بيتها في تعز المحتلة”، وهي عبارة تختصر طبيعة الاتهام الموجه في سياق المشهد المصور، وتضع الحادثة ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تشهدها تعز في ظل سلطة الفصائل الموالية لتحالف العدوان.

وتعيد هذه الواقعة تسليط الضوء على واقع أمني متدهور في تعز، حيث تحولت بعض المناطق إلى ساحات نفوذ مسلح تتداخل فيها سلطة السلاح مع غياب القانون، بينما يبقى المواطن هو الضحية الأولى، خصوصاً النساء والأسر التي تجد نفسها بلا حماية أمام ممارسات القمع والابتزاز والاقتحامات.

ويرى مراقبون أن مثل هذه المشاهد لا تمثل حادثة فردية بقدر ما تكشف طبيعة المنظومة الأمنية المنفلتة التي فرضتها أدوات العدوان في المناطق المحتلة، حيث تتراجع كرامة المواطن أمام سطوة المليشيات، وتتحول المنازل من أماكن آمنة إلى أهداف مباحة تحت ذرائع مختلفة.

وتؤكد الحادثة، وفق مضمون الفيديو المتداول، أن استمرار حالة الفوضى في تعز المحتلة لم يعد مجرد أزمة أمنية، بل أصبح فضيحة إنسانية وسياسية تكشف حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون تحت سلطة الفصائل المتناحرة، في ظل غياب المحاسبة واستمرار الانتهاكات بحق المدنيين.

صنعاء تصعّد إلى مجلس الأمن: استمرار الحصار يهدد الاستقرار الإقليمي ويفتح الباب أمام خيارات أخرى

الوفد الوطني: فتح مطار صنعاء يجب أن يكون شاملاً ودون قيود.. ونرفض الحلول الشكلية في الملفات الإنسانية

بعث نائب وزير الخارجية برسالتين متطابقتين إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، حمّل فيهما المجتمع الدولي مسؤولية الصمت إزاء استمرار الحصار المفروض على الشعب اليمني منذ 26 مارس 2015م، مؤكداً أن هذا الحصار لم يعد مجرد إجراء عدائي ضد اليمن فحسب، بل تحول إلى عامل تهديد مباشر للسلم والأمن الدوليين.

وأكد نائب وزير الخارجية أن استمرار الحصار الجائر وما يصاحبه من إجراءات وصفها بالظالمة من قبل الولايات المتحدة وأداتها في المنطقة المتمثلة بالنظام السعودي، سينعكس بصورة سلبية ليس فقط على اليمن، بل على استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي بأسره، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة وما تتركه من آثار ثقيلة على حركة الاقتصاد والطاقة والتجارة الدولية.

وأوضح أن الجمهورية اليمنية تتابع عن كثب مجمل الأحداث والتطورات الإقليمية، وترى بوضوح أن استمرار الأنشطة العدائية الأمريكية وأدواتها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضرر والانفجار، محذراً من أن النتائج قد تكون كارثية إذا استمرت هذه السياسات القائمة على الحصار والمماطلة ورفض الاستحقاقات العادلة للسلام.

وفي السياق نفسه، اتهم نائب وزير الخارجية النظام السعودي بالسعي إلى بناء مشاريعه وطموحاته على أنقاض البلدان التي يسهم في تدميرها، خدمة للمصالح الأمريكية، مطالباً الأمم المتحدة بتنبيه الرياض إلى أن هذه الطموحات ليست سوى أوهام سياسية لن تصمد أمام حقائق الميدان وإرادة الشعوب.

وشدد على أن حالة اللا سلم واللا حرب لم تعد مقبولة على الإطلاق، معتبراً أن استمرار هذا الوضع يعني عملياً إدامة معاناة الشعب اليمني وإبقاء البلاد والمنطقة في دائرة التوتر المفتوح. كما أكد أن مماطلة النظام السعودي في الذهاب إلى سلام حقيقي وعادل سيدفع صنعاء إلى اللجوء لخيارات أخرى من أجل إنهاء معاناة الشعب اليمني وانتزاع حقوقه المشروعة.

وبذلك، تعكس الرسالتان الموجهتان إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة تصعيداً دبلوماسياً واضحاً من جانب صنعاء، ورسالة سياسية حادة مفادها أن الحصار لم يعد قابلاً للاستمرار، وأن تجاهل المجتمع الدولي لهذه الجريمة الممتدة منذ سنوات يهدد بتوسيع دائرة الأزمة، في وقت تؤكد فيه صنعاء أن حقوق اليمنيين ومعاناتهم لن تبقى رهينة المماطلة أو الحسابات الخارجية.

فورين أفيرز: حرب إيران تقلب موازين الطاقة.. الصين تربح استراتيجياً وواشنطن تدفع كلفة الانكشاف

كشفت مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية أن التداعيات الواسعة للحرب على إيران، وما رافقها من اضطراب في أسواق الطاقة واهتزاز الملاحة في مضيق هرمز، قد لا تنتهي بخسائر إقليمية عابرة، بل قد تعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي والسياسي العالمي، بحيث تخرج الصين بوصفها الرابح الأبرز، فيما تبدو الولايات المتحدة مرشحة لأن تكون الخاسر الأكبر في المدى الاستراتيجي.

وبحسب التحليل، فإن الحرب وما فجرته من أزمة طاقة عالمية دفعت دولاً عديدة إلى استخلاص درس بالغ الوضوح: أن الاستقلال في مجال الطاقة لم يعد ترفاً اقتصادياً، بل أصبح شكلاً من أشكال الاستقلال الوطني والسياسي. ومن هنا، بدأت الأنظار تتجه بقوة نحو الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الكهرومائية بوصفها البديل الأكثر أمناً من الارتهان للنفط وخطوط إمداده المهددة بالحروب والابتزاز الجيوسياسي.

غير أن المفارقة التي يبرزها التقرير تتمثل في أن هذا التحول العالمي لا يصب بالتساوي في مصلحة الجميع، بل يتدفق بصورة واضحة نحو الصين، التي سبقت الآخرين بسنوات في بناء إمبراطورية الطاقة النظيفة. فبكين، وفق المجلة، استثمرت مئات المليارات من الدولارات في تأسيس شركات كبرى تقود اليوم قطاع الطاقة المتجددة عالمياً، وتغذي الأسواق الدولية بمنتجاتها وتقنياتها، ما يجعلها المستفيد الأول من أي اندفاعة جديدة نحو التحرر من النفط التقليدي.

ويشير التقرير إلى أن الصين باتت المنتج الأكبر عالمياً للألواح الشمسية، كما تحتضن شركة CATL، أكبر مُنتج للبطاريات في العالم، إلى جانب شركة BYD التي تتصدر مبيعات السيارات الكهربائية عالمياً. وهذه الهيمنة الصناعية لا تمنح بكين مجرد تفوق تجاري، بل تضعها في موقع القوة التي تمتلك مفاتيح التحول الطاقوي العالمي، وبالتالي مفاتيح جزء مهم من القرار الاقتصادي والسياسي الدولي في المرحلة المقبلة.

في المقابل، ترى المجلة أن الولايات المتحدة سارت في اتجاه معاكس، إذ تراجعت عن الاستثمار الواسع في الطاقة النظيفة، وعادت إلى الرهان على الوقود الأحفوري، وهو ما جعلها أقل قدرة على الاستفادة من التحول العالمي الذي سرّعته الحرب. وبدلاً من أن تخرج واشنطن من الأزمة بوصفها المورد البديل والمنتصر الاستراتيجي، وجدت نفسها أمام واقع جديد يجعل عروضها في مجال الطاقة أقل جاذبية مقارنة بما تقدمه الصين من حلول وتقنيات وشبكات تصنيع أكثر رسوخاً وأقل كلفة.

ويذهب تحليل فورين أفيرز إلى أن واشنطن كانت تأمل في توظيف أزمة مضيق هرمز لصالحها، من خلال تعزيز صادرات الهيدروكربونات إلى العالم، لكن النتائج جاءت معاكسة للتوقعات، إذ تحولت الحرب إلى جرس إنذار عالمي سرّع من الرغبة السياسية في آسيا وغيرها للابتعاد عن الارتهان الطاقوي، لا فقط للنفط الخليجي، بل أيضاً للخيارات الأمريكية نفسها. ومن هنا، فإن ما بدا للوهلة الأولى فرصة أمريكية لتعزيز نفوذها، أخذ يتحول تدريجياً إلى مكسب صيني صافي على حساب النفوذ الأمريكي.

وبذلك، لا تقرأ المجلة الحرب على إيران بوصفها مجرد مواجهة عسكرية أو أزمة ممرات بحرية، بل كـ نقطة تحول استراتيجية في معركة القرن على الطاقة والاقتصاد والنفوذ. فكلما دفعت الحرب العالم إلى البحث عن بدائل أكثر أمناً واستقراراً، كانت الصين هي الأكثر استعداداً لاحتضان هذا التحول، بينما تقف أمريكا أمام مشهد تتآكل فيه مزاياها التقليدية، وتنكشف فيه حدود قدرتها على تحويل الحروب إلى أرباح جيوسياسية مضمونة.

في المحصلة، يخلص التقرير إلى أن الحرب على إيران لم تُضعف خصوم واشنطن فحسب، بل أطلقت أيضاً مساراً دولياً قد يسرّع تراجع المكانة الأمريكية، في وقت تتقدم فيه الصين بهدوء وثبات لاحتلال موقع القلب في النظام الطاقوي العالمي الجديد. وهكذا، فإن النفط الذي أرادت أمريكا استخدامه كسلاح نفوذ قد يتحول، بفعل الحرب نفسها، إلى بوابة صعود صيني أوسع، وانكشاف أمريكي أكبر.