الرئيسية بلوق الصفحة 158

حين تتكلم السماء.. كيف تكشف الصواريخ الإيرانية حقيقة “الدرع الذي لا يُخترق”

“خاص”

في السماء تعمل أنظمة الدفاع، وفي الأرض تعمل الحقائق. تعد إسرائيل كل مرة بدرع لا يخترق، وبسماء لا تمر منها صواريخ، وبأنظمة قادرة على إسقاط كل ما يأتي من البعيد. لكن المشاهد تقول شيئاً آخر، فبين وعود الدفاع ووقوع الصواريخ تبقى السماء شاهداً صامتاً على معركة لا تجري فقط في الرادارات، بل في واقع الميدان أيضاً.

تطلق إيران المسيرات أولاً، كمن يقرع الباب طويلاً، ترهق الأعصاب وتستنزف الدفاعات، وتجبر الرادارات على الدوران في كل اتجاه. ثم بعد ذلك تأتي الصواريخ، ليس كخبر عابر في نشرة عاجلة، بل كحقيقة تلمع في السماء قبل أن تراها العيون على الأرض. وهنا تبدأ المفارقة التي لا تستطيع البيانات الرسمية إخفاءها، فالدروع التي قيل إنها لا تنكسر تبدو في لحظات الاختبار أقل صلابة مما روج له طويلاً، والسماء التي قيل إنها مغلقة بإحكام تتحول فجأة إلى ساحة مفتوحة لاختبار الإرادات.

المشهد في السماء يبدو كحوار صامت بين الصاروخ والرادار، بين السرعة والاعتراض، بين ما يقال في المؤتمرات وما يحدث في الواقع. ومع كل وميض يظهر في الأفق، يتكرر السؤال نفسه من جديد: هل كانت تلك السماء حقاً مغلقة كما قيل؟ فالحروب الحديثة لا تقاس بعدد البيانات ولا بقوة التصريحات، بل بلحظة الحقيقة عندما تشتعل السماء وتتكلم الوقائع. هناك فقط يسقط الضجيج الإعلامي، وتبقى الصورة وحدها تقول ما لا تريد الخطابات قوله.

وبين الاعتراض والسقوط، وبين الرادار والصاروخ، تبقى الحقيقة التي تراها الكاميرات في كل مقطع ينتشر في العالم: أن السماء التي قيل إنها مغلقة لم تكن مغلقة كما قيل. ثم تأتي اللحظة التي يتغير فيها كل شيء. فجأة يتحول الأفق الهادئ إلى شاشة مشتعلة بالضوء، نقاط صغيرة تظهر في السماء ثم تكبر بسرعة، كأن الليل نفسه بدأ يتشقق، والرادارات تدور، وصفارات الإنذار تقطع الصمت، والعيون كلها تتجه إلى الأعلى.

هناك، في تلك الثواني القصيرة، تختفي كل التحليلات الطويلة وكل الخطابات المليئة بالثقة. يبقى مشهد واحد فقط: السماء تمتلئ بخطوط من الضوء، واعتراضات تلمع، وصواريخ تشق طريقها عبر الأفق. يبدو المشهد وكأنه سباق صامت بين السرعة والاعتراض، صاروخ يصعد ليمنع، وصاروخ آخر يندفع ليصل، ومع كل وميض في السماء يتردد السؤال نفسه في ذهن كل من يشاهد: من سيسبق الآخر؟

لكن الحقيقة أن السماء في تلك اللحظة لا تشبه ما يقال عنها في نشرات الأخبار. إنها ساحة اختبار مفتوحة، حيث تتكلم التكنولوجيا بلغة النار والضوء، وحيث تختفي الشعارات ويظهر الواقع كما هو. ثوانٍ قليلة فقط، لكنها كافية لتكشف أن الحروب الحديثة لا تروى بالكلمات، بل بالمشاهد التي تكتب قصتها فوق الأفق، حيث يرى العالم السماء كما هي، لا كما قيل إنها ستكون.

وهكذا تنتهي الحكاية كل مرة بالمشهد نفسه: تصريحات مرتفعة السقف، ووعود بدرع لا ينكسر، وخطابات طويلة عن سماء مغلقة لا تمر منها الصواريخ. لكن عندما يهدأ الضجيج، وتبقى الكاميرات وحدها شاهدة، تظهر الحقيقة ببساطة شديدة. ليست في المؤتمرات الصحفية، ولا في العناوين العريضة، بل في تلك اللحظة القصيرة عندما يلمع الضوء في السماء ثم يسمع الصوت على الأرض.

عندها فقط يسقط الفرق بين ما يقال وما يحدث. فالسماء لا تقرأ البيانات، والرادارات لا تصدق الخطابات، والوقائع لا تهتم كثيراً بما يقال أمام الميكروفونات. والحقيقة في الحروب لا تعلن في البيانات، بل تكتب أحياناً بخط واضح فوق الأفق، حيث تتكلم السماء بصوت أعلى من أي خطاب.

من خان القدس بالأمس… سيخون أمّ القرى اليوم

ليست الخيانة حدثًا طارئًا ولا موقفًا عابرًا تفرضه لحظة سياسية ضاغطة، بل هي مسارٌ متكامل يبدأ بتبرير الصمت وينتهي بتطبيع التفريط، ويتغذّى على فصل القيم عن المصالح والمبادئ عن الحسابات.

ومن هذا المنطلق، فإن مقولة: «من خان القدس بالأمس، سيخون أمّ القرى اليوم، ومن نصر القدس وغزة بالأمس، سينصر أمّ القرى ويحميها» لا تنتمي إلى الخطاب الانفعالي، بل تعبّر عن قراءة واقعية لتجربة الأمة في العقود الأخيرة، وتجسّد خلاصة مسارٍ طويل من التنازلات المتراكمة يقابله مسارٌ آخر من الثبات والاصطفاف مع الحق.

لقد شكّلت القدس عبر التاريخ بوصلة المواقف واختبار النوايا، ولم تكن مجرد مدينة محتلة، بل معيارًا أخلاقيًا كاشفًا لصدق الادعاءات السياسية، وميزانًا يفرز من يقف مع الحق ممن يقدّم السلامة أو المصلحة. وعندما بدأ التراجع عن القدس، لم يكن ذلك فجائيًا، بل سبقه تمهيدٌ ثقافي وإعلامي وسياسي أعاد تعريف الصراع وغيّر توصيف العدو وجرّم المقاومة وحوّل الاحتلال من اعتداءٍ سافر إلى ما سُمّي زورًا “خلافًا قابلًا للحل”.

إن أخطر ما في خيانة القدس لم يكن التنازل عنها فحسب، بل اعتياد الأمة على التنازل وقبولها بمنطق التجزئة، وكأن المقدسات يمكن التعامل معها بمرونة أو تصنيفها وفق سلّم أولويات متغيّر. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، إذ إن من يعتاد التفريط بالثوابت يفقد القدرة على الدفاع عن أي ثابت لاحقًا، مهما بلغت قدسيته أو مكانته.

التجربة السياسية تؤكد أن الخيانة لا تتجزأ، وأن من يفرّط بحقٍّ مركزي اليوم سيفرّط بغيره غدًا متى ما تبدّلت المصالح أو تغيّرت موازين القوى. فالمسألة لا تتعلق بالقدس وحدها، بل بمنظومة فكرية كاملة أعادت تعريف السيادة وأفرغت مفاهيم الشرف السياسي من مضمونها واستبدلت الموقف بالمناورة والالتزام بالمساومة.

إن الحديث عن القبلة المسلمين مكة المكرمة لا يأتي من باب المقارنة الشكلية، بل من باب التحذير التاريخي. فحين تُدار السياسات بلا سقف أخلاقي، وحين تُختزل المقدسات في بعدها الرمزي فقط، تصبح حتى أعظم المدن وأقدسها عرضة للتوظيف السياسي، أو الصمت عن استهدافها المعنوي، أو تحويلها إلى ورقة ضغط في صراعات المصالح الإقليمية والدولية.

إن المسار الذي يبدأ بالصمت عن القدس، ويمرّ بتجريم كل من يدافع عنها ثم بتطبيع العلاقة مع من يحتلها، هو ذاته المسار الذي قد ينتهي يومًا بتفريغ أمّ القرى من دورها الجامع، وتحويلها من مركز وحدةٍ للأمة إلى عنوانٍ بلا مضمون سيادي حقيقي. فالقضية ليست في المكان بحد ذاته، بل في منطق التعامل معه وفي الموقف من قداسته ووظيفته الجامعة.

التاريخ القريب مليء بالشواهد التي تؤكد أن من خذل فلسطين خذل قضايا أخرى، ومن اصطف مع العدو هناك لن يتردد في الاصطفاف معه هنا إذا اقتضت المصلحة. ذلك لأن الخلل لا يكمن في القضية، بل في حامل الموقف، وفي العقل السياسي الذي يرى في المبادئ عبئًا، وفي الثوابت عائقًا أمام الاندماج في منظومة الهيمنة الدولية.

فإن من وقف مع القدس وغزة وناصر المظلومين ورفض الخضوع لمنطق الإملاءات، هو ذاته من لن يسمح بالعبث بالمقدسات الإسلامية، ولن يقبل بفرض الإرادة الأمريكية أو الإسرائيلية عليها. فالثبات موقفٌ متكامل، كما أن الخيانة مسارٌ متكامل.

إن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم ليس العدوان المباشر فقط، بل تسويق الخيانة على أنها “واقعية سياسية”، وتقديم التنازل بوصفه “حكمة”، وتحويل الصمت عن الظلم إلى “اتزان”. وبهذا تُصاب الذاكرة الجمعية بالخدر، وتفقد الشعوب حساسيتها تجاه الانكسارات المتتالية، حتى يصبح التفريط أمرًا عاديًا لا يثير الغضب ولا يستدعي المراجعة.

إن التحذير من خيانة القدس ليس استدعاءً للماضي، بل تنبيهٌ للمستقبل. فالمقدسات لا يحميها الخطاب، ولا تصونها البيانات، بل تحميها المواقف الصلبة والاصطفاف الواضح مع الحق، ورفض تحويل القضايا المصيرية إلى أوراق تفاوض.

إن الأمة التي تريد أن تحمي أمّ القرى، عليها أولًا أن تستعيد بوصلتها تجاه القدس، لا بوصفها قضية بعيدة، بل بوصفها الامتحان الأول لكل موقف والمرآة التي لا تكذب. فمن خان القدس بالأمس، لن يكون أمينًا على غيرها اليوم، ومن تهاون في أول السقوط، لا يملك حق الادعاء عند آخر الخطوط.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهر أحمد عمير

ضربات السيول تنهك اليمن: 17 وفاة و1370 أسرة نازحة تتلقى صدمة جديدة في بلد أنهكه الحصار والأزمات

تفاقمت المأساة الإنسانية في اليمن مع اجتياح سيول جارفة وأمطار غزيرة مناطق واسعة من البلاد خلال اليومين الماضيين، ما أدى إلى وفاة 17 شخصاً على الأقل وفقدان 5 آخرين، في وقت تتسع فيه رقعة الأضرار لتشمل المنازل والأراضي الزراعية ومخيمات النازحين، في مشهد يكشف حجم الهشاشة التي يعيشها اليمنيون تحت وطأة الكوارث الطبيعية وتداعيات السنوات الطويلة من الحرب والحصار.

ووفقاً لمسؤولين ومصادر محلية، فإن الضحايا سقطوا في مديريتي المخا وموزع غربي محافظة تعز، بينما تسببت السيول في تدمير كلي أو جزئي لنحو 50 منزلاً، إلى جانب شل حركة السير في عدد من الطرق، وتجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ونفوق أعداد كبيرة من المواشي، ما يضاعف الخسائر المعيشية في مناطق تعاني أساساً من أوضاع اقتصادية وإنسانية شديدة القسوة.

وفي واحدة من أكثر المناطق تضرراً، أكدت التقارير الميدانية أن منطقة “النجيبة” باتت منطقة منكوبة بعد أن وجد العشرات من سكانها أنفسهم بلا مأوى نتيجة غرق مساكنهم ودمار ممتلكاتهم، في مشهد يلخص اتساع حجم الكارثة وعجز السكان عن مواجهة تداعياتها بإمكاناتهم المحدودة.

وفي موازاة ذلك، أعلنت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين أن العواصف الشديدة والسيول التي ضربت مخيمات النزوح في محافظة الجوف شمالي البلاد ألحقت أضراراً جسيمة بـ 1370 أسرة نازحة، منها 508 أسر تضررت بشكل كلي و862 أسرة بشكل جزئي، الأمر الذي أدى إلى فقدان المأوى والممتلكات وبقاء عدد كبير من الأسر في العراء وسط ظروف إنسانية بالغة السوء.

وأطلقت الوحدة في بيانها نداء استغاثة عاجلاً إلى المنظمات الأممية والدولية والمحلية، مطالبة بسرعة التدخل وتقديم الاستجابة الطارئة لإنقاذ الأسر المتضررة، في ظل تصاعد المخاوف من تفاقم الكارثة مع استمرار سوء الأحوال الجوية.

وتشهد مناطق واسعة من اليمن، خصوصاً في الجنوب والشمال والشرق، موجة من الأمطار الغزيرة والسيول والصواعق الرعدية بفعل منخفض جوي قادم من بحر العرب، بينما تؤكد الأمم المتحدة أن التغيرات المناخية باتت أحد أخطر التحديات التي تواجه اليمن، لما تسببه من تفاقم لأزمة انعدام الأمن الغذائي في بلد يُعد من بين الأفقر عربياً والأكثر هشاشة إنسانياً.

وتعيد هذه الكارثة إلى الواجهة التحذيرات المتكررة من أن اليمن لم يعد يواجه فقط تبعات العدوان والحصار، بل أيضاً كوارث مناخية متكررة تضرب مجتمعات مستنزفة أصلاً، ما يجعل كل موجة أمطار أو سيول تهديداً مباشراً لحياة آلاف الأسر، وخصوصاً النازحين الذين يعيشون في مخيمات تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية والبنية الأساسية.

مستجدات العدوان: إيران تضرب من جديد، قاعدة الأمير سلطان تحت الصدمة، وحزب الله واليمن يرفعان وتيرة الإسناد

دخلت الحرب، خلال الساعات الأخيرة من مساء السبت وفجر الأحد، طوراً أكثر اتساعاً بعدما تواصلت الضربات الإيرانية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتصاعدت عمليات حزب الله على الجبهة اللبنانية، فيما أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ العملية العسكرية الثانية ضمن ما سمّته “معركة الجهاد المقدس” باستهداف أهداف حيوية وعسكرية جنوب فلسطين المحتلة بدفعة من الصواريخ المجنحة والطائرات المسيّرة، بالتوازي مع استمرار عمليات المقاومة الإسلامية في العراق. وفي تطور ميداني لافت، أعلن حرس الثورة الإسلامية أن الجامعات “الإسرائيلية” والأمريكية في المنطقة أصبحت أهدافاً مشروعة رداً على قصف الجامعات الإيرانية، داعياً الموظفين والطلاب وسكان المناطق المحيطة بها إلى الابتعاد عنها.

وعلى مستوى الاشتباك المباشر مع الولايات المتحدة، تواصلت تداعيات الضربة الإيرانية على قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، حيث أكدت أسوشيتد برس أن الهجوم الإيراني الأخير على القاعدة أسفر عن إصابة 15 عسكرياً أمريكياً على الأقل، بينهم خمسة بجروح خطيرة، فيما تحدثت وول ستريت جورنال وواشنطن بوست عن أضرار لحقت بطائرات أمريكية للتزوّد بالوقود داخل القاعدة، إضافة إلى تضرر طائرة الإنذار المبكر E-3 Sentry، وهو ما جعل الضربة تُوصف بأنها من أخطر الاختراقات لمنظومات الدفاع الجوي الأمريكية في الخليج خلال الحرب الحالية. وتضيف التحديثات المتداولة أن عدة طائرات أمريكية أخرى تضررت، فيما أكدت القيادة المركزية لاحقاً أن مقاتلة F-16 قامت بهبوط قاسٍ في قاعدة جوية بالسعودية.

وفي لبنان، تواصلت الغارات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع والضاحية، فيما أكد منظمة الصحة العالمية مقتل 9 مسعفين في 5 هجمات على جنوب لبنان يوم الجمعة، في تطور وصفته بأنه ضربة مباشرة للقطاع الصحي. كما أكدت رويترز مقتل ثلاثة صحفيين لبنانيين في غارة إسرائيلية بجنوب لبنان، بينهم علي شعيب من المنار وفاطمة فتوني من الميادين، وهو ما فجّر موجة إدانات لبنانية وفلسطينية وإعلامية واسعة. وفي المقابل، واصل حزب الله توسيع عملياته، معلناً استهداف القاعدة الأساسية للدفاع الجوي والصاروخي التابعة لقيادة المنطقة الشمالية شمال صفد، إلى جانب استهداف موقع المالكية والمطلة وشتولا والغجر، واستهداف مروحية إسرائيلية في أجواء العديسة وإجبارها على الانسحاب، بينما أقر جيش العدو بمقتل جندي من لواء المظليين وإصابة ثلاثة آخرين في معارك جنوب لبنان، وسط تقارير إسرائيلية إضافية عن إصابة قوة من الكتيبة 82 في تلال راميم بصاروخ مضاد للدروع.

وفي الجبهة اليمنية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية أن العملية الثانية استهدفت عدداً من الأهداف الحيوية والعسكرية جنوب فلسطين المحتلة، وأكدت أن عملياتها ستستمر خلال الأيام المقبلة حتى يتوقف العدوان على فلسطين ولبنان وإيران والعراق. وكانت رويترز قد أكدت بالفعل أن الحوثيين أعلنوا تنفيذ أول هجوم لهم على “إسرائيل” في إطار الحرب الحالية، ما يعني أن الجبهة اليمنية دخلت رسمياً على خط الاشتباك المباشر. وعلى خط موازٍ، أعلنت المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ 41 عملية بعشرات الطائرات المسيّرة والصواريخ على قواعد أمريكية في العراق والمنطقة، في استمرار لاتساع الجبهات المتزامنة ضد الوجود الأمريكي والإسرائيلي.

أما داخل إيران، فقد أظهرت التحديثات استمرار الضربات الأمريكية الإسرائيلية على البنية الصناعية والجامعية والمدنية، مع إعلان جامعة العلوم والتكنولوجيا في طهران أن العدوان ألحق أضراراً في المباني البحثية والتعليمية من دون خسائر بشرية، فيما أعلنت الصحة الإيرانية سقوط أكثر من 230 طفلاً شهيداً وإصابة نحو 1800 آخرين، إلى جانب استشهاد 24 من العاملين في القطاع الصحي وتضرر عشرات المراكز العلاجية وسيارات الإسعاف. كما أعلن حرس الثورة تفكيك 122 قنبلة عنقودية في شيراز ومدن أخرى، في وقت أكد فيه قاليباف أن الرد الإيراني العنيف سيُسرّع ما وصفه بـ “الانهيار الصهيوني الجاري”.

وفي الولايات المتحدة، خرجت احتجاجات واسعة ضد ترامب والحرب على إيران تحت شعار “لا ملوك”، حيث أكدت رويترز وواشنطن بوست تنظيم أكثر من 3200 إلى 3300 تجمع احتجاجي في الولايات الأمريكية الخمسين، بمشاركة وُصفت بأنها بالملايين، وبرزت مينيابوليس وكاليفورنيا كنقطتين مركزيتين في الاحتجاجات، وسط شعارات تعتبر الحرب على إيران “حرب إسرائيل” وتتهم ترامب بجر البلاد إلى صراع خارجي مكلف. كما امتدت التظاهرات إلى لندن في مشهد يعكس اتساع الرفض الشعبي الدولي للتصعيد الأمريكي الإسرائيلي.

وبذلك، تكشف المستجدات أن الحرب لم تعد معركة بين إيران و”إسرائيل” فحسب، بل تحولت إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات تمتد من تل أبيب وصفد والجنوب اللبناني إلى الأمير سلطان في السعودية، ومن البحر الأحمر إلى الشارع الأمريكي نفسه. والخلاصة الميدانية حتى الآن أن إيران ما زالت تضرب، وحلفاءها يوسّعون الإسناد، والولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي يواجهان استنزافاً متصاعداً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.

احتجاجات أمريكية واسعة ترفض حرب إيران: أكثر من 3300 تجمع يهز الشارع الأمريكي ضد ترامب

شهدت الولايات المتحدة، اليوم الأحد، موجة احتجاجات واسعة ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسياساته، مع خروج تظاهرات حاشدة في مدن وولايات عدة رفضاً للحرب على إيران وتنديداً بالنهج العسكري لإدارته. وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن الاحتجاجات جاءت ضمن حركة “لا ملوك”، وشملت أكثر من 3300 تجمع في مختلف أنحاء البلاد، في واحدة من أكبر موجات التعبئة الشعبية المناهضة لترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض.

وبحسب التغطيات الأمريكية، شارك ملايين المحتجين في هذه التحركات، فيما تحولت ولاية مينيسوتا إلى مركز رئيسي للمظاهرات، ولا سيما في مينيابوليس وسانت بول، حيث احتشدت أعداد ضخمة رفضاً لما يصفه المحتجون بـالنزعة السلطوية داخل إدارة ترامب، ورفضاً للحرب على إيران وما خلفته من خسائر وتوترات داخلية وخارجية. كما سجلت ولايات كبرى مثل كاليفورنيا ونيويورك وواشنطن وشيكاغو تظاهرات واسعة، وسط تصاعد الهتافات المنددة بالحرب وبسياسات البيت الأبيض.

وركزت الشعارات واللافتات على رفض الحرب على إيران واعتبارها حرباً تخدم أجندات خارجية ولا تعبّر عن مصالح الشعب الأمريكي، إلى جانب الاحتجاج على سياسات الهجرة والتضخم وتوسّع السلطة التنفيذية. وبرز في الاحتجاجات اتهام مباشر لترامب بأنه يقود البلاد نحو مغامرة عسكرية مكلفة في الشرق الأوسط، فيما شدد المنظمون على أن الحراك لا يقتصر على النخب أو المدن الديمقراطية الكبرى، بل امتد أيضاً إلى مناطق ريفية ومحافظات أصغر، بما يعكس اتساع النقمة الشعبية.

وتشير هذه التعبئة الشعبية إلى أن الجبهة الداخلية الأمريكية بدأت تتأثر بوضوح بتداعيات الحرب، ليس فقط على مستوى الخسائر العسكرية، بل أيضاً على مستوى الاقتصاد والطاقة والاستقرار السياسي. كما توحي كثافة المشاركة واتساعها الجغرافي بأن الحرب على إيران لم تعد مجرد ملف خارجي، بل أصبحت قضية داخلية ضاغطة تهدد ترامب بمزيد من التآكل السياسي في الشارع الأمريكي.

ضربة تكشف الهزيمة باعتراف ترامب: إيران تهزّ “جيرالد فورد” وتخترق “قاعدة الأمير سلطان” وتضرب قلب المنظومة الجوية الأمريكية في الخليج

في تطور عسكري بالغ الخطورة، تكشف المعطيات المتداولة أن الولايات المتحدة تلقت واحدة من أكثر الضربات إحراجاً وإيلاماً منذ بدء المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعدما خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريح صادم أقرّ فيه، وفق ما نُقل عنه خلال مشاركته في منتدى استثماري سعودي في ميامي، بأن “إيران هاجمت أكبر حاملة طائرات في العالم من 17 اتجاهًا، وهربنا لإنقاذ حياتنا، وكان الأمر قد انتهى”، في اعتراف مدوٍّ ينسف رواية القوة الأمريكية المطلقة، ويحوّل ما حاولت واشنطن التستر عليه إلى مشهد هزيمة عسكرية ومعنوية فاضحة.

ويأتي هذا التصريح في وقت سبق أن حاولت فيه وزارة الدفاع الأمريكية تمرير رواية مخففة بشأن تعطل حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس جيرالد فورد”، عبر الحديث عن “حريق في غرفة الغسيل”، غير أن السياق المتسارع للأحداث، وما رافقه من حديث عن نجاح العملية الإيرانية ضد الحاملة، يكشف أن المنظومة الأمريكية لم تعد قادرة على إخفاء آثار الضربات الإيرانية أو احتواء تداعياتها الإعلامية والسياسية، خصوصاً مع تصاعد الاعترافات المتلاحقة بالخسائر والأضرار في أكثر من موقع أمريكي حساس في المنطقة.

وفي موازاة ذلك، أكدت القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية أن مقاتلة أمريكية من طراز F-16 نفذت هبوطاً قاسياً في قاعدة جوية داخل المملكة العربية السعودية، وهو تطور يزيد من حجم الارتباك الذي يلف الأداء الجوي الأمريكي، لا سيما مع التداول السابق لمعلومات تفيد بأن الطائرة أُصيبت أو أُسقطت بفعل وسائل الدفاع الجوي الإيرانية. ويعكس هذا المشهد أن السماء التي اعتادت واشنطن اعتبارها مجالاً مضموناً لتفوقها لم تعد بمنأى عن الاختراق أو الإرباك أو الخسارة.

غير أن الضربة الأشد دلالة تمثلت في الهجوم الإيراني على قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وهي إحدى أبرز القواعد الأمريكية المحصنة في الخليج، والتي تستخدمها القوات الجوية الأمريكية ضمن هيكل الانتشار الجوي والعملياتي في المنطقة. وبحسب ما أوردته صحف ومؤسسات إعلامية أمريكية، فإن الهجوم نُفذ بواسطة صاروخ بالستي واحد على الأقل وعدد من الطائرات المسيّرة، واستهدف مبنى داخل القاعدة كان يوجد فيه عسكريون أمريكيون، ما أدى إلى إصابة نحو 10 إلى 12 جندياً أمريكياً، بينهم إصابتان خطرتان، إلى جانب أضرار مباشرة بطائرات التزود بالوقود التابعة لسلاح الجو الأمريكي.

ولا تكمن خطورة هذه الضربة في عدد الإصابات فقط، بل في طبيعة الأهداف التي طالتها؛ إذ إن طائرات التزود بالوقود تمثل جزءاً بالغ الحساسية من البنية الجوية اللوجستية الأمريكية، وتعطيلها يعني إرباكاً مباشراً لعمليات الإسناد الجوي والانتشار القتالي في مسرح الخليج وما حوله. وبذلك، فإن الضربة الإيرانية لم تكن استهدافاً رمزياً لقاعدة أمريكية، بل عملية محسوبة أصابت مفاصل التشغيل والإمداد والقيادة في واحدة من أهم القواعد الأمريكية في المنطقة.

كما أن الضربة فتحت الباب واسعاً أمام أسئلة محرجة داخل المعسكر الأمريكي نفسه بشأن فاعلية منظومات الدفاع الجوي المنتشرة في الخليج. فقد أوضحت شبكة CBS News أن الهجوم سلّط الضوء على نقص صواريخ الاعتراض الأمريكية، وعلى تنامي المخاوف لدى الحلفاء الإقليميين من تراجع خطير في المخزون الدفاعي إلى درجة الاضطرار للاختيار بين أهداف يمكن اعتراضها وأخرى لا يمكن التعامل معها. وهذا يعني أن المظلة الدفاعية الأمريكية، التي جرى تسويقها لعقود باعتبارها ضمانة لأمن القواعد والحلفاء، بدأت تتآكل تحت ضغط الضربات الإيرانية المركبة.

وفي السياق نفسه، وصفت نيويورك تايمز الهجوم الإيراني المشترك بالصواريخ والطائرات المسيّرة على قاعدة الأمير سلطان بأنه أحد أخطر الاختراقات لمنظومات الدفاع الجوي الأمريكية، بينما أكدت واشنطن بوست أن الضربة ألحقت أضراراً بما لا يقل عن طائرتين أمريكيتين للتزود بالوقود، وأظهرت أن إيران، بعد أربعة أسابيع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، ما زالت تحتفظ بترسانة قوية وفعالة وقادرة على تنفيذ ضربات دقيقة في أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط. وبمعنى أوضح، فإن الحرب لم تُنهك إيران كما راهنت واشنطن، بل كشفت حدود القدرة الأمريكية على الحماية والردع والاستمرار.

ويزداد المشهد خطورة مع ما نقلته وول ستريت جورنال عن تضرر طائرة الإنذار المبكر الأمريكية “E-3 Sentry” في الهجوم ذاته على قاعدة الأمير سلطان، وهي من أهم أصول القيادة الجوية الأمريكية، إذ تؤدي دوراً مركزياً في إدارة المعركة، والرصد البعيد، وتنسيق العمليات، وتتبع الأهداف على مسافات واسعة. واستهداف هذه الطائرة أو إصابتها يعني أن الضربة الإيرانية لم تطل فقط العنصر البشري والطائرات المساندة، بل اقتربت من قلب منظومة القيادة والسيطرة الأمريكية نفسها.

كما أشارت المعطيات نفسها إلى أن الأسابيع الأربعة الماضية شهدت مقتل 13 جندياً أمريكياً وإصابة 303 آخرين، في مؤشر واضح على أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بات يدفع كلفة بشرية متصاعدة بفعل اتساع نطاق النار الإيرانية ونيران محور المقاومة. وهذه الأرقام، عند وضعها إلى جانب ضربة الأمير سلطان، تُظهر أن واشنطن لم تعد تواجه مجرد مضايقات عسكرية متفرقة، بل مسار استنزاف منظم يضرب القواعد والأفراد والعتاد ومنظومات الإسناد في آن واحد.

وبذلك، فإن صورة المشهد العسكري الراهن تتلخص في حقيقة واحدة: العمق العملياتي الأمريكي في الخليج لم يعد آمناً كما كان يُصوَّر، وحاملة الطائرات التي يفترض أنها رمز الهيبة الأمريكية تعرضت لهجوم أربكها وأجبرها على التراجع، فيما القواعد الجوية المحصنة لم تعد بمنأى عن الضربات، والطائرات الحساسة من F-16 إلى طائرات التزود بالوقود وE-3 Sentry باتت تدخل دائرة الخطر المباشر. وهذا كله يؤكد أن إيران لم تفقد زمام المبادرة، بل نجحت في نقل المعركة إلى مستوى يضرب هيبة الردع الأمريكي ويهز ثقة الحلفاء بالمظلة التي احتموا بها لعقود.

ترامب يُهين آل سعود علناً: واشنطن تكشف موقع “الرياض” الحقيقي في مشروع تغيير “الشرق الأوسط”

في مشهد يختزل حقيقة العلاقة بين واشنطن والنظام السعودي، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة غضب واسعة بعد إطلاقه تصريحات مهينة ومتعالية بحق السعودية وولي عهدها محمد بن سلمان، كاشفاً بلغة فجة ومباشرة أن الرياض لا تُعامل في الحسابات الأمريكية إلا بوصفها أداة طيّعة ومصدراً مفتوحاً للمال والدعم السياسي في خدمة المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة.

وجاءت تصريحات ترامب في ختام مؤتمر سعودي عُقد في مدينة ميامي الأمريكية تحت مسمى “مبادرة مستقبل الاستثمار”، بحضور السفيرة السعودية في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر، ووزير المالية محمد الجدعان، وياسر الرميان مدير صندوق الاستثمارات السعودي الذي تقدر أصوله بنحو تريليون دولار. وفي هذا المحفل الذي أرادت له الرياض أن يكون واجهة نفوذ اقتصادي ودبلوماسي، تحوّل المشهد إلى منصة إذلال علني للنظام السعودي، بعدما تعمد ترامب السخرية من محمد بن سلمان، قائلاً بعبارات مهينة إن “الملك المستقبلي للسعودية لم يكن يعتقد أنه سيحتاج إلى التودد لي، لكنه الآن يفعل ذلك”، مضيفاً أن عليه أن يكون “لطيفاً معه إلى الأبد”.

هذا الخطاب لم يكن زلة لسان عابرة، بل جاء امتداداً لسلسلة طويلة من التصريحات التي أطلقها ترامب سابقاً بحق السعودية، حين قال بوضوح إن السعودية لا تستطيع الصمود أسبوعاً واحداً من دون الحماية الأمريكية، وإن بقاءها مرهون بالمظلة العسكرية والسياسية التي توفرها واشنطن. ولهذا فإن ما قاله في ميامي لا يمكن عزله عن جوهر النظرة الأمريكية إلى أنظمة الخليج، وفي مقدمتها الرياض، بوصفها أنظمة تابعة، ضعيفة، قابلة للابتزاز، ومُلزمة دائماً بدفع الأثمان مقابل الحماية والرضا الأمريكي.

والأخطر من الإهانة الشخصية أن ترامب ربط حديثه بشكل مباشر بما وصفه بـ “تغيير الشرق الأوسط”، وهي العبارة التي يكررها في ذروة الهجمة الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة. فالرجل لم يتحدث عن أي مشروع استقرار أو تسوية أو توازن، بل تحدث بوضوح عن شرق أوسط جديد يجري إعادة تشكيله لصالح العدو الإسرائيلي، مستعيداً الحديث عن اتفاقيات أبراهام، ومؤكداً أن السعودية ما تزال مدعوة للانضمام إليها، وأن الوقت قد حان لتسريع إدخالها رسمياً في مسار التطبيع الكامل.

وفي هذا السياق، بدا واضحاً أن ترامب لا ينظر إلى الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولا إلى التصعيد الإقليمي إلا باعتبارهما رافعة لإعادة هندسة المنطقة، لا بهدف خدمة الأنظمة الخليجية أو حماية أمنها، بل بهدف إزاحة أدوار القوى الحرة والمناهضة للهيمنة، وتمهيد الساحة لهيمنة إسرائيلية أوسع. ولذلك لم يكن في حديثه أي اهتمام بالملف النووي أو الصاروخي الإيراني بقدر ما كان التركيز منصباً على جرّ المنطقة كلها إلى مربع الولاء والتطبيع والانخراط في المشروع الصهيوني.

ويكشف هذا الخطاب أن النظام السعودي، رغم كل ما يقدمه من أموال وصفقات وتسهيلات، لا يحظى في الوعي الأمريكي إلا بموقع التابع الذي يُطلب منه المزيد كلما ظن أنه اشترى الحماية أو حجز لنفسه مكانة خاصة. فترامب، بعقلية التاجر والابتزازي، لا يرى في السعودية إلا بنكاً مفتوحاً وصفقة مستمرة، والسقف الذي يلوح برفعه لا يعني إلا مزيداً من الأموال والالتزامات السياسية والانخراط الأعمق في خدمة المخطط الأمريكي الإسرائيلي.

ومن هنا، فإن الإهانة التي وجهها ترامب ليست مجرد إساءة لفظية إلى محمد بن سلمان أو الملك السعودي، بل هي فضح علني لطبيعة العلاقة القائمة، علاقة طرف واحد يملي ويبتز ويهين، وطرف آخر يواصل الدفع والتنازل والتودد أملاً في رضا لن يأتي إلا بثمن أعلى. وما جرى في ميامي ليس سوى صورة مكثفة لحقيقة مرة: أن الأنظمة التي أدمنت الارتهان لواشنطن لا تُكافأ بالاحترام، بل تُقابل بمزيد من الامتهان والسخرية والابتزاز.

وفي لحظة تتعرض فيها المنطقة لهجمة أمريكية إسرائيلية واسعة تحت عنوان “تغيير الشرق الأوسط”، يبدو أن الرياض تعرف جيداً أن هذه الحرب إسرائيلية في جوهرها قبل أن تكون أمريكية، وأن هدفها ليس تمكين السعودية ولا رفع مكانتها، بل إعادة ترتيب المنطقة لصالح العدو الإسرائيلي. ومع ذلك، يستمر النظام السعودي في الانخراط داخل هذا المسار، رغم أن سيد البيت الأبيض نفسه لا يتوقف عن تذكيره، أمام العالم، بأنه مجرد تابع لا يُسمح له إلا بالدفع، والتطبيع، والالتزام بالصمت المهين.

إن تصريحات ترامب الأخيرة تكشف الوجه الحقيقي للوصاية الأمريكية على الخليج، وتؤكد أن ما يسمى بالشراكة الاستراتيجية ليس سوى علاقة ابتزاز دائمة، يُفرض فيها على الأنظمة أن تدفع من سيادتها وكرامتها وأموال شعوبها ثمناً لمشروع لا يخدم إلا واشنطن وتل أبيب. وفي المقابل، لا تنال سوى الإهانة العلنية، والتذكير المستمر بأنها من دون الحماية الأمريكية ليست سوى أنظمة مرعوبة تبحث عن البقاء بأي ثمن.

العين بالعين: حرس الثورة يوسّع لائحة الأهداف ويهدد الجامعات الأمريكية و”الإسرائيلية” في المنطقة

أعلن حرس الثورة الإسلامية في بيان جديد أن الجامعات الإسرائيلية والأمريكية في منطقة غرب آسيا أصبحت أهدافاً مشروعة، وذلك رداً على قصف القوات الأمريكية-الصهيونية المعتدية للجامعات الإيرانية، وعلى رأسها جامعة العلم والصناعة في طهران.

وأكد البيان أن استهداف الجامعات الإيرانية بالقصف تكرر أكثر من مرة، محمّلاً الولايات المتحدة والكيان الصهيوني مسؤولية هذا التصعيد، ومشدداً على أن الرد الإيراني سيتواصل وفق مبدأ “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم”.

وأوضح حرس الثورة أنه يوصي جميع الموظفين والأساتذة والطلاب في الجامعات الأمريكية في المنطقة، وكذلك سكان المناطق المحيطة بها، بالابتعاد لمسافة كيلومتر واحد عن هذه الجامعات حفاظاً على أرواحهم، في إشارة واضحة إلى إدراجها ضمن نطاق الاستهداف المباشر.

وأضاف البيان أن الحكومة الأمريكية مطالبة، كحد أقصى حتى الساعة الثانية عشرة ظهر يوم الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران، بإصدار بيان رسمي يدين قصف الجامعات الإيرانية، مؤكداً أنه في حال عدم القيام بذلك فإن التهديد سيبقى قائماً وسيجري تنفيذه.

وفي السياق نفسه، أعلن حرس الثورة أن قواته استهدفت مصانع ألمنيوم “إيمال” في الإمارات ومصانع ألمنيوم “ألبا” في البحرين، معتبراً أن استهدافها يأتي بسبب ارتباطها بالصناعات الأمريكية.

ويعكس هذا البيان تصعيداً إيرانياً جديداً في مسار المواجهة، مع توسيع دائرة الأهداف لتشمل المنشآت الجامعية والصناعية المرتبطة بالأمريكيين والإسرائيليين في المنطقة، في إطار ردّ تعتبره طهران مقابلاً للاعتداءات التي طالت البنية العلمية والمدنية داخل إيران.

بصواريخ مجنحة وطائرات مسيرة.. القوات اليمنية تعلن تنفيذ العملية الثانية وتستهدف أهدافاً حيوية وعسكرية للعدو جنوب فلسطين المحتلة

العميد يحيى سريع

أعلنت القوات المسلحة اليمنية، السبت، تنفيذ العملية العسكرية الثانية ضمن ما سمّته “معركة الجهاد المقدس”، وذلك في إطار استمرار الإسناد المباشر لجبهات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق وإيران، وتأكيداً على المضي في التصدي للمخطط الصهيوني في المنطقة.

وأوضح البيان العسكري أن العملية نُفذت بدفعة من الصواريخ المجنحة والطائرات المسيّرة، واستهدفت عدداً من الأهداف الحيوية والعسكرية التابعة للعدو الصهيوني في جنوبي فلسطين المحتلة، مشيراً إلى أن الهجوم جاء متزامناً مع العمليات العسكرية التي ينفذها المجاهدون في إيران وحزب الله في لبنان، وأنه حقق أهدافه بنجاح.

وأكدت القوات المسلحة اليمنية أن هذه العملية تأتي استمراراً في دعم وإسناد جبهات المقاومة، ورداً على جرائم العدو بحق أبناء الأمة وشعوبها وبلدانها، مشددة على أن اليمن يؤدي واجباته الدينية والأخلاقية والإنسانية تجاه أحرار الأمة في ميادين الجهاد والمواجهة.

وشدد البيان على أن العمليات العسكرية اليمنية ستتواصل خلال الأيام المقبلة، وأن هذا المسار لن يتوقف حتى يوقف العدو المجرم اعتداءاته وعدوانه، في إشارة واضحة إلى أن صنعاء انتقلت من مرحلة التحذير السياسي إلى مرحلة الفعل العسكري المتصاعد والمنظم ضمن معادلة إسناد إقليمي مفتوح.

ويعكس هذا الإعلان اتجاهاً يمنياً واضحاً نحو توسيع دائرة الاشتباك مع العدو الإسرائيلي، وربط الجبهة اليمنية مباشرة بمسار المواجهة الدائرة في أكثر من ساحة، بما يؤكد أن صنعاء تنظر إلى ما يجري باعتباره معركة واحدة ضد المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة.

واختتمت القوات المسلحة اليمنية بيانها بالتأكيد على أن اليمن سيبقى حراً عزيزاً مستقلاً، وأن النصر لليمن ولكل أحرار الأمة.

اليمن يعيد تعريف الاشتباك ويكتب نهاية الغطرسة العالمية

في لحظةٍ تتكثّـف فيها التحوّلات، وتتشابك فيها مساراتُ السياسة بالنار، والاستراتيجية بالفعل العسكري، يخرج بيان القوات المسلحة اليمنية بوصفه وثيقةً تتجاوزُ حدودَ اللُّغة التعبوية إلى فضاء القراءة العميقة لمعادلات الصراع، وتوازنات القوة، ومآلات المواجهة المفتوحة في الإقليم.

إن هذا البيان لا يمكن قراءتُه كنصٍ إعلامي عابر، إنما كإعلان تموضع استراتيجي واضح، يعكس انتقال اليمن من حالة رد الفعل إلى موقع الفاعل المؤثر في مسرح العمليات الإقليمي، ضمن رؤية عسكرية – استخباراتية تدرك طبيعة المشروع المقابل، وتفكك أدواته، وتعيد تعريف قواعد الاشتباك.

منذ استهلاله، يضع البيانُ الإطارَ العقائدي للصراع، رابطًا بين البُعد الديني والواجب الأخلاقي، في صياغة تُكسب القرار العسكري شرعية تتجاوز الجغرافيا، لتصل إلى مستوى “الأمة”، وهو ما يعكس إدراكًا عميقًا بأن المعركة لم تعد محصورة في حدود دولة، فقد باتت صراعًا على هُوية المنطقة الدينية ومستقبلها السياسي والاستراتيجي.

وعند تفكيك مضمون البيان، تتبدى ملامح قراءة استخباراتية دقيقة للمشهد؛ إذ يشير بوضوح إلى ما يطلق عليه الأعداء ((مشروع إسرائيل الكبرى)) تحت غطاء تغيير الشرق الأوسط، وهي إشارة ليست خطابية بقدر ما هي توصيف دقيق لمنظومة تحَرّكات عسكرية وسياسية واقتصادية متكاملة، تعمل على إعادة رسم خرائط النفوذ عبر أدوات متعددة، منها الحروب المباشرة، الضغوط الاقتصادية، والتحالفات العابرة للحدود.

في هذا السياق، يبرز البحر الأحمر كمحور ارتكاز استراتيجي في البيان، ليس فقط كمسطح مائي، بل كمسرح عمليات حيوي تتحكم عبره خطوط التجارة العالمية وإمدَادات الطاقة.

الإشارة إلى منع استخدامه في أية عمليات عدائية تمثِّل إعلانًا ضمنيًّا عن توسيعِ نطاق الاشتباك، ونقل المعركة من البر إلى الممرات الدولية الحساسة، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لمفاتيح الضغط الجيوسياسي.

أما أخطرُ ما في البيان، فهو ذلك الانتقالُ الواضحُ من سياسة “الدعم والإسناد” إلى “الاستعداد للتدخل العسكري المباشر”.

هذه النقلة ليست مُجَـرّدَ تصعيد لفظي، بل تعكسُ – وفقَ القراءة العسكرية – جاهزيةً عملياتية، وتقديرًا بأن مسرحَ العمليات قد يتطلب فتح جبهات جديدة، أَو فرض معادلات ردع متعددة الاتّجاهات، خَاصَّة في حال توسع التحالفات أَو استمرار التصعيد.

ولم يأتِ هذا الإعلان في فراغ، فقد تُرجِمَ عمليًّا على الأرض من خلال المشاركة في إطلاق دفعة من الصواريخ باتّجاه كَيان الاحتلال، في خطوة تمثل انتقالا من مستوى التهديد الاستراتيجي إلى الفعل العملياتي المباشر، وتؤكّـد أن قواعد الاشتباك الجديدة لم تعد حبرًا على ورق، بل معادلة نارية قابلة للتنفيذ.

هذه الخطوة، في بُعدها العسكري، تحملُ دلالات بالغة؛ فهي تعكس جاهزية منظومات الإطلاق، وتماسك منظومة القيادة والسيطرة، وقدرة على التنسيق ضمن مسرح عمليات متعدد الجبهات، بما يعني أن أي تصعيد مستقبلي قد يواجه بردود مركبة ومتزامنة تتجاوز الحدود التقليدية للصراع.

ويكشف البيان أَيْـضًا عن بناء معادلة ردع مركبة، تقوم على ربط أي تصعيد أمريكي–إسرائيلي بسلسلة من الردود المحتملة، بما فيها استهداف المصالح الحيوية أَو تعطيل مسارات العمليات، وهو ما يندرج ضمن ما يعرف في العلوم العسكرية بـ”توسيع نطاق الكلفة”، أي نقل العبء الاستراتيجي إلى الطرف الخصم وإجباره على إعادة حساباته.

وفي بُعده السياسي، يحملُ البيانُ رسائلَ مزدوجة: الأولى موجهة للمجتمع الدولي، عبر التأكيد على المساعي الدبلوماسية وضرورة وقف العدوان، والثانية ميدانية صريحة، مفادها أن فشل المسار السياسي سيقود حتمًا إلى تصعيد عسكري منظم، ومدروس، وليس عشوائيًّا.

كما أن التأكيد على عدم استهداف الشعوب الإسلامية، وحصر العمليات في “العدوّ الأمريكي والإسرائيلي”، يعكس محاولة واعية لإدارة الرأي العام، وتفكيك أي سرديات معاكسة، وهو ما يدخل ضمن الحرب النفسية والإعلامية المرافقة للعمليات العسكرية.

في المحصلة، يمكن القول إن بيانَ القوات المسلحة اليمنية لم يعد مُجَـرّد إعلان موقف، بل أصبح بيان فعل، يجمع بين الكلمة والضربة، وبين الرسالة والتنفيذ، في لحظة تتشكل فيها معادلات جديدة على وقع النار.

إنه بيانٌ يقرأ الحاضر بعين الاستخبارات، ويُترجم المستقبل بالفعل العسكري، ويؤسس لمرحلة قد تعيد رسم خرائط الاشتباك، وتعيد تعريف موازين القوة في كامل المنطقة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جميل المقرمي