الرئيسية بلوق الصفحة 160

صنعاء في يوم الصمود: 11 عاماً من الثبات.. والحقوق ستُنتزع إن استمرت الرياض في المماطلة

في مشهد سياسي ووطني يعكس رسوخ الموقف اليمني بعد أحد عشر عاماً من الحرب والحصار، أحيت العاصمة صنعاء اليوم الوطني للصمود بسلسلة فعاليات وخطابات أكدت أن اليمن لم يخرج من معركة العدوان منهكاً، بل أكثر صلابةً ووعياً وقدرةً على الدفاع عن سيادته وحقوق شعبه، فيما حملت الرسائل الصادرة عن القيادة السياسية والمرجعيات الدينية تحذيراً واضحاً من أن استمرار المماطلة، خصوصاً في ملف المرتبات ورفع الحصار وتنفيذ الاستحقاقات المتفق عليها، لن يظل بلا رد.

وفي هذا السياق، شدد الرئيس مهدي المشاط في كلمته بمناسبة اليوم الوطني للصمود على أن مرور 11 عاماً منذ 26 مارس 2015 لم يزد اليمنيين إلا ثباتاً، مؤكداً أن ما تعرض له اليمن منذ ذلك التاريخ لم يكن مجرد حرب عابرة، بل عدوان خارجي غادر تقوده السعودية بإشراف أمريكي وفي سياق مشروع أوسع يتكشف اليوم تحت عناوين “إسرائيل الكبرى” و**”الشرق الأوسط الجديد”**. وأوضح أن هذا العدوان استهدف الإنسان اليمني والبنية التحتية والمدارس والموانئ والمطارات والطرقات وصالات الأعراس ومجالس العزاء، في حرب قال إنها تجاوزت كل القيم الدينية والإنسانية والقانونية.

وأكد المشاط أن من أبرز مكاسب الصمود اليمني أنه أعاد لليمن مكانته التاريخية ورسخ دعائم الدولة الحقيقية، وبنى جيشاً مؤمناً ومدرباً ومقتدراً، وأجهزة أمنية يقظة قادرة على حماية البلد ومكتسباته. وأضاف أن صنعاء اختارت السلام، لكن السلام الذي يليق بدماء الشهداء، ويقوم على الندية لا الإملاءات، ويحفظ السيادة والكرامة والحقوق غير المنقوصة.

وفي لهجة مباشرة تجاه الرياض، أشار الرئيس المشاط إلى أن استحقاقات الهدنة وخارطة الطريق لا تزال محل مماطلة سعودية، وأن الفرص أتيحت مراراً لتحقيق سلام حقيقي، إلا أن النظام السعودي، ومن خلفه الولايات المتحدة، يواصلان التنصل من الالتزامات، ورفض تسليم المرتبات من ثروات الشعب اليمني، والإصرار على إبقاء الحصار والعقوبات الاقتصادية. وشدد على أن صبر الشعب اليمني لن يكون بلا نهاية، وأن اليمن قادم على انتزاع حقوقه بالطريقة التي يراها مناسبة، مؤكداً في الوقت ذاته أن صنعاء ستنتزع جميع حقوق الشعب كاملة غير منقوصة.

كما جدد المشاط تأكيد وقوف صنعاء إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي، معتبراً أن ما تتعرض له إيران هو عدوان سافر يدخل في مسار الأطماع الصهيونية في المنطقة، وداعياً الدول العربية والإسلامية إلى ألا تكون أداة في تنفيذ هذا المشروع إذا لم تكن جزءاً من إفشاله.

بالتوازي مع ذلك، حملت الفعالية التي نظمتها رابطة علماء اليمن والهيئة العامة للأوقاف والإرشاد في صنعاء رسائل تعبئة وصمود واضحة. فقد أكد مفتي الديار اليمنية العلامة شمس الدين شرف الدين أن إحياء هذه الذكرى يأتي في إطار التعبئة العامة وتعزيز الثبات في مواجهة الأعداء، داعياً إلى دعم جبهات الصمود من خلال الإنفاق في سبيل الله ومشاركة رجال المال في إسناد القوات الصاروخية والبحرية والجوية. من جهته، قال العلامة فؤاد ناجي، نائب رئيس الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد، إن اليوم الوطني للصمود هو يوم حمد وشكر لله الذي ثبت اليمنيين في مواجهة الحلف الأمريكي السعودي، مستذكراً الشهداء والجرحى بوصفهم عنوان الصمود إلى جانب الشعب الصابر والمضحي.

وفي البيان الصادر عن رابطة علماء اليمن وهيئة الأوقاف، جرى التأكيد على أن صمود الشعب اليمني وجهاده أثمر إسناداً لغزة وفلسطين وصنع نموذجاً ملهماً للأمة، مع إدانة إغلاق المسجد الأقصى والانتهاكات الصهيونية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، إلى جانب الحصار والعدوان على غزة والصمت العربي تجاهه. كما جدد البيان الموقف الإيماني والتضامن الأخوي مع إيران في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وأكد مشروعية استهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز أمام الأعداء، مشيداً ببطولات حزب الله وثباته، وداعياً الشعب اللبناني والأمة إلى دعمه، كما طالب الحكومة اللبنانية بعدم طعن المقاومة في ظهرها.

وتكشف مجمل هذه المواقف أن صنعاء تتعامل مع اليوم الوطني للصمود ليس باعتباره ذكرى رمزية فقط، بل باعتباره محطة سياسية وتعبوية واستراتيجية لإعادة تأكيد معادلات المرحلة المقبلة: لا قبول باستمرار الحصار، لا تفريط في الحقوق، لا تراجع عن دعم قضايا الأمة، ولا استعداد لسلام شكلي يبدد تضحيات أحد عشر عاماً من الصمود. وفي هذا الإطار، بدت الرسالة اليمنية واضحة: السلام ما يزال خياراً قائماً، لكنه سلام الحقوق والسيادة، أما المماطلة والتنصل، فلن يواجها إلا بموقف يمني أكثر حزماً وإصراراً.

تفاصيل اليوم السادس والعشرون: إيران تُحكم معادلة هرمز بالنار.. وتوسّع ضربات الاستنزاف على القواعد الأمريكية والعمق الصهيوني

أكمل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران يومه السادس والعشرين في ظل تصعيد نوعي كشف أن المعركة لم تعد تدور عند حدود الضربات المتبادلة، بل انتقلت إلى مرحلة إعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم، مع اتساع الضربات الإيرانية على العمق الصهيوني والقواعد الأمريكية، وتثبيت طهران معادلة جديدة في مضيق هرمز، بالتوازي مع تصاعد ضغط حزب الله على الجبهة الشمالية، واندفاع المقاومة العراقية نحو توسيع دائرة الاستنزاف ضد الوجود الأمريكي في المنطقة.

ومنذ الساعات الأولى، بدا واضحًا أن طهران تمضي في تكريس إرادة الحسم الميداني لا انتظار المخرجات الدبلوماسية، إذ أعلن التلفزيون الإيراني إطلاق دفعات صاروخية جديدة باتجاه تل أبيب والقدس المحتلة، فيما أكد حرس الثورة الإسلامية تنفيذ الموجة الثمانين من عملية “الوعد الصادق 4” ضد مواقع استراتيجية ومراكز عسكرية شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة، شملت مركز قيادة عسكريًا شمال صفد، وأهدافًا في تل أبيب وكريات شمونة وبني براك، إلى جانب قواعد أمريكية في المنطقة، باستخدام صواريخ دقيقة تعمل بالوقود الصلب والسائل وطائرات مسيّرة هجومية. ولم تمض ساعات حتى أعلن الحرس تنفيذ الموجة الحادية والثمانين التي استهدفت أكثر من 70 هدفًا في الأراضي المحتلة، بينها حيفا، وديمونا، والخضيرة، وشمال وجنوب تل أبيب بصواريخ عماد وقيام وخرمشهر 4 وقدر، مؤكدًا أن الضربات الأخيرة رفعت خسائر العدو بصورة كبيرة، خصوصًا بعد الموجات الثلاث الأخيرة.

وقد انعكست هذه الضربات مباشرة على الداخل الصهيوني، حيث أقرت وسائل إعلام العدو بسقوط مقذوفات انشطارية في 30 موقعًا نتيجة القصف الإيراني، وبإطلاق 4 دفعات صاروخية خلال 40 دقيقة فقط، مع تجدد صفارات الإنذار في تل أبيب ومحيطها، ونتانيا، والخضيرة، والعفولة، وسماع انفجارات قوية في الوسط، وتصاعد دخان أسود كثيف من الخضيرة بعد سقوط صاروخ قرب محطة توليد الكهرباء. كما أقرت القنوات العبرية بأن ست ساحات مختلفة في تل أبيب ومحيطها شهدت سقوط مقذوفات انشطارية، فيما فشلت طائرة إسرائيلية قادمة من لارنكا في الهبوط وعادت إلى البحر بسبب القصف المتواصل، في مشهد يعكس شللًا عملياتيًا متزايدًا في المرافق الحيوية الإسرائيلية. ووفق هذه المعطيات، فإن الضربات الإيرانية لم تعد تستهدف البنية العسكرية التقليدية فقط، بل توسعت لتطال المراكز اللوجستية، ومفاصل الإمداد، والبنى الحساسة للطاقة والاتصالات والصناعات العسكرية.

في المقابل، وسّعت إيران دائرة الرسائل العسكرية نحو البحر والقواعد الأمريكية. فقد أعلن حرس الثورة استهداف حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” بصواريخ كروز ساحلية، بينما شدد قائد البحرية الإيرانية على أن القوات الإيرانية تسيطر “بقوة واقتدار” على مضيق هرمز والخليج، وأن الحاملة ستكون هدفًا ساحقًا بمجرد دخولها في مرمى الأنظمة الصاروخية الإيرانية. وفي هذا السياق، أكدت الخارجية الإيرانية، بعد اتصال بين عراقجي ونظيره الصيني، أن انعدام الأمن في الخليج ومضيق هرمز هو نتيجة مباشرة للعدوان الأمريكي الإسرائيلي، وأن المضيق مغلق أمام السفن الأمريكية والصهيونية والأطراف الضالعة في العدوان، بينما يسمح بعبور السفن غير المعادية بالتنسيق مع السلطات الإيرانية ووفق اللوائح الأمنية. كما شددت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة على أن مرور السفن غير المعادية يتم بشكل آمن إذا التزمت بالتعليمات ولم تدعم أعمالًا عدائية ضد إيران.

ولم تكتف طهران بذلك، بل ذهبت أبعد سياسيًا واستراتيجيًا حين أعلن مقر خاتم الأنبياء أن وضع مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه، وأن المرور منه لن يكون إلا لمن تريده إيران، مؤكدا أن الطريق مسدود أمام الأعداء وحلفائهم بعد إعادة صياغة قوانين العبور بشكل ثابت ومحكم. ومع هذا التحول، لم يعد المضيق مجرد ممر ملاحي متوتر، بل أصبح أداة سيادية وردعية بيد إيران، تُدار ضمن تصور جديد للأمن الإقليمي يربط بين حرية العبور وموقف الدول من العدوان.

وفي موازاة ذلك، طرحت طهران رؤية سياسية مغايرة تمامًا لمنظومة الأمن التي حاولت واشنطن فرضها لعقود. فقد أعلن المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء استعداد إيران لإقامة اتحاد أمني وعسكري في المنطقة مع الجيران الأعزاء، من دون حضور أمريكا والكيان الصهيوني، معتبرًا أن أمن المنطقة لا يحتاج إلى دولة تبعد آلاف الكيلومترات وتجعل أمن إسرائيل ومصالحها أول همومها، بل إلى اتحاد أمني إسلامي شامل يعكس منطق العقلانية السياسية ومصالح شعوب المنطقة. ويكشف هذا الطرح أن إيران لا تتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد مواجهة دفاعية، بل كفرصة لإسقاط فكرة الوصاية الأمريكية وطرح بديل إقليمي قائم على إخراج واشنطن وتل أبيب من معادلة الأمن.

على الجبهة العراقية، استمر النزيف الأمريكي في الاتساع. فقد أعلنت المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ عمليات جديدة ضد قواعد العدو، فيما أكدت وزارة الدفاع العراقية تعرض مستوصف الحبانية العسكري ومرافق أخرى لضربة جوية أسفرت عن استشهاد 7 مقاتلين وإصابة 13 أثناء تأديتهم واجبهم الوطني والإنساني، ووصفت ذلك بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي يستوجب الرد. كما نددت هيئة الحشد الشعبي بالعدوان الأمريكي على مواقع الجيش العراقي في الأنبار، مؤكدة أن دماء الشهداء لن تذهب سدى. وفي المقابل، أعلنت سرايا أولياء الدم أن المقاومة العراقية تستهدف الوجود الأمريكي حصراً في الدول الخليجية والأردن، محذرة من أن نشر واشنطن 5 آلاف عسكري إضافي سيدفعها إلى تكثيف العمليات في كل بلد يتواجد فيه هذا الحضور العسكري.

أما على الجبهة اللبنانية، فكان حزب الله حاضرًا بقوة في مشهد اليوم السادس والعشرين، منفذًا واحدة من أوسع موجات الضغط الناري والميداني على جيش الاحتلال ومغتصباته. فقد استهدف تجمعات الجنود والآليات في القوزح، والطيبة، ودبل، وبيت ليف، وعلما الشعب، ومحيط معتقل الخيام، وموقع الحمامص، وبركة بلدة دبل، ومحيط بلدة القنطرة، ونجح في تدمير دبابات ميركافا وجرافات D9 وآلية همر، إضافة إلى استهداف مروحية عسكرية أثناء محاولة الهبوط لإخلاء الإصابات وإجبارها على التراجع بصاروخ دفاع جوي. كما طالت الصليات الصاروخية والمسيّرات الانقضاضية ثكنة يفتاح، وقاعدة ميرون، والكريوت شمال حيفا، ونهاريا، والمطلة، وكريات شمونة، ودفنا، وشلومي، وبيت هلل، وكرم بن زمرة، إلى حد إعلان حزب الله تنفيذ 77 عملية عسكرية منذ فجر اليوم استهدفت تجمعات ومواقع ومغتصبات وآليات العدو الإسرائيلي.

هذا الزخم الميداني ترافق مع موقف سياسي واضح من الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، الذي أكد أن المقاومة أعدّت العدة المناسبة وهي مصممة على الاستمرار بلا سقف، وأن العدوان الأمريكي الإسرائيلي يريد تجريد لبنان من قوته وسلب سيادته وإحداث الفتنة وشرعنة الاحتلال، مشددًا على أن التفاوض مع العدو تحت النار استسلام، وأن المقاومة تخوض معركة دفاعية عن لبنان ولن تُهزم مهما بلغت التضحيات. كما انتقد قرارات الحكومة اللبنانية التي تخدم، ولو من حيث النتيجة، المشروع الإسرائيلي، وعلى رأسها قرار سحب اعتماد السفير الإيراني، وهو القرار الذي قوبل أيضًا برفض واضح من حركة أمل، التي اعتبرته خطوة مشبوهة وخارجة عن المألوف الوطني.

وفي فلسطين، استمر العدو في ارتكاب جرائمه بالتوازي مع عدوانه على إيران ولبنان والعراق. فقد أعلنت وزارة الصحة في غزة ارتفاع حصيلة العدوان إلى 72,265 شهيدًا و171,959 جريحًا، فيما تواصل القصف على شرق مدينة غزة، ودير البلح، ومخيمات النازحين، بالتزامن مع تحذيرات حركة حماس وحركة المجاهدين الفلسطينية من خطورة مشروع إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست بالقراءة الأولى، واعتبرته الحركتان تصعيدًا إرهابيًا وشرعنة صريحة للقتل الجماعي داخل السجون.

على المستوى الدولي، تكاثرت المؤشرات على الارتباك الغربي وبدء البحث عن مخرج. فقد تحدثت وول ستريت جورنال عن وساطة من تركيا ومصر وباكستان لعقد اجتماع أمريكي إيراني خلال 48 ساعة، فيما نقلت CNN عن مسؤولين في إدارة ترامب أن العمل جارٍ لترتيب اجتماع في باكستان نهاية الأسبوع لمناقشة مخرج من الحرب. لكن طهران قابلت هذه المساعي بحذر شديد، بل برفض واضح لمنحها صفة “التفاوض”. فقد أكد عراقجي أن ما يصل من رسائل عبر الدول الصديقة لا يسمى تفاوضًا، وأن سياسة إيران هي مواصلة المقاومة والدفاع عن البلاد دون أي نية لإجراء مفاوضات في ظل العدوان. كما شدد مسؤول سياسي–أمني إيراني رفيع عبر برس تي في على أن إيران ستنهي الحرب في الوقت الذي تقرره هي، وليس في الوقت الذي يحدده ترامب، وأن أي وقف لإطلاق النار لن يتم إلا بقبول شروطها، التي تشمل وقف العدوان والاغتيالات، وتقديم ضمانات ملموسة بعدم تكرار الحرب، ودفع تعويضات وغرامات الحرب، وإنهاء الحرب في جميع الجبهات، وشمول جميع فصائل المقاومة، والاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز.

اقتصاديًا، واصلت الحرب إلقاء ظلالها الثقيلة على العالم. فقد حذرت فايننشال تايمز نقلًا عن وزير الطاقة الكندي من أن العالم يواجه أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة في التاريخ بسبب الحرب على إيران، فيما أشارت بلومبرغ إلى أن شركات بريطانية تواجه فواتير غاز أعلى بنسبة تصل إلى 80%، وتحدثت فايننشال تايمز عن تراجع مبيعات السندات الأمريكية بسبب ضعف الطلب وتصاعد مخاوف التضخم، بينما حذر مسؤول في بنك إنجلترا من أضرار طويلة الأمد ناجمة عن الحرب على إيران. كما أظهرت نيويورك تايمز أن دعم أمين عام الناتو لحرب ترامب أثار غضبًا داخل الحلف، حيث ترى غالبية الدول الأعضاء أنها حرب مخالفة للقانون الدولي، بما يهدد وحدة الحلف نفسه.

أما عسكريًا، فقد تواصلت مؤشرات الإنهاك الأمريكي. إذ كشفت بلومبرغ أن حاملة الطائرات “فورد” تواجه مشاكل أعمق بكثير من الحريق الذي غادرت بسببه الشرق الأوسط، تشمل موثوقية أنظمة إطلاق واستعادة الطائرات، والرادار، ومصاعد الذخائر، وقدرتها على مواجهة الصواريخ المضادة للسفن أو الطائرات الهجومية. كما أعلن حرس الثورة إسقاط 3 طائرات مسيّرة أمريكية صهيونية من نوع هيرمس في خوزستان، قبل أن يؤكد إصابة مقاتلة أمريكية F-18 في أجواء جابهار وسقوطها في المحيط الهندي، لتصبح، وفق البيان الإيراني، رابع مقاتلة استراتيجية تُسقط منذ بدء الحرب.

وفي المحصلة، يكشف اليوم السادس والعشرون أن إيران لم تعد تقاتل من موقع الدفاع عن النفس فحسب، بل من موقع إعادة رسم القواعد السياسية والعسكرية للأزمة. فقد ثبتت سيادتها على هرمز، ووسعت ضرباتها على القواعد الأمريكية والعمق الصهيوني، ودفعت العدو إلى التراجع نحو البحث عن مخارج تفاوضية مشروطة، بينما يواصل حلفاؤها في لبنان والعراق استنزاف المشروع الأمريكي الإسرائيلي على امتداد الجغرافيا. وبذلك، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الحرب ستتوقف، بل على أي شروط ستتوقف، ومن الذي يملك حق إعلان نهايتها. ووفق المعادلة التي ترسخت خلال هذا اليوم، تبدو الإجابة الإيرانية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: إيران هي من ستقرر نهاية الحرب، لا واشنطن ولا تل أبيب.

اللواء الوهبي: جرائم العدوان لا تسقط بالتقادم.. والرد اليمني الرادع حاضر متى صدرت الإشارة

اللواء الوهبي: جرائم العدوان لا تسقط بالتقادم.. والرد اليمني الرادع حاضر متى صدرت الإشارة

أكد قائد كتائب الوهبي اللواء بكيل صالح الوهبي أن مرور أحد عشر عامًا على العدوان السعودي الإماراتي لم ينجح في كسر إرادة اليمنيين، بل أسهم في تعزيز تماسك الشعب والجيش وترسيخ معادلة الصمود والثبات في وجه الحصار والاستهداف المستمر.

وأوضح الوهبي أن استمرار الحصار واحتجاز مقدرات الشعب اليمني يمثل اعتداءً مباشرًا لا يمكن القبول باستمراره، مشددًا على أن هذا المسار لن يمر دون رد رادع ومزلزل. كما أكد أن حقوق اليمنيين في العيش الكريم، وفك الحصار، وصرف المرتبات ليست مطالب قابلة للمساومة، بل استحقاقات إنسانية وقانونية ثابتة لا يجوز الالتفاف عليها أو المتاجرة بها سياسيًا.

وجدد اللواء الوهبي التأكيد على أن جرائم الحرب التي ارتكبها العدوان بحق المدنيين، وما رافقها من تدمير للبنى التحتية واستهداف للأبرياء طوال السنوات الماضية، لن تسقط بالتقادم، وأن هذه الملفات ستظل حاضرة في الذاكرة الوطنية والسياسية والقانونية حتى ينال المعتدون جزاءهم.

وأشار إلى أن الجيش اليمني يواصل الجهوزية الكاملة، وأن الأيدي على الزناد والعيون ترصد تحركات العدو، مؤكدًا الالتزام بالمضي في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، وأن القوات اليمنية رهن إشارة السيد القائد، ولن يكون نصيب العدو، إذا استمر في عدوانه، سوى بأس يمني شديد يضعه أمام عواقب أفعاله.

الأرصاد يتوقع أمطار رعدية

توقع المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر هطول أمطار رعدية متفاوتة ومتفرقة على أجزاء من عدة محافظات خلال الـ 24 ساعة المقبلة.

وذكر المركز في نشرته الجوية، أنه يتوقع هطول أمطار رعدية متفاوتة الشدة على أجزاء من محافظات المهرة، حضرموت، شبوة، مرتفعات لحج وأبين، البيضاء، الضالع، تعز، إب، ذمار، صعدة .

ومن المتوقع أيضاً هطول أمطار متفرقة يصحبها الرعد أحياناً على أجزاء من محافظات صنعاء، عمران، المحويت، حجة، ريمة، وتمتد إلى هضاب وصحارى محافظات مأرب والجوف.

وحذر المركز المواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها من تدفق السيول في الشعاب والوديان ومن التواجد في ممراتها أو عبورها أثناء وبعد هطول الأمطار.

كما حذر سائقي المركبات من التدني في مدى الرؤية الأفقية على الطرق والمنحدرات الجبلية بسبب السحب المنخفضة أو الضباب، ومن عبور الجسور الأرضية أثناء تدفق السيول.

ملخص اليوم الخامس والعشرون: صواريخ إيران تضرب العمق.. والعدو يتخبط بين نزيف الميدان وارتباك الحلفاء

دخل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران يومه الخامس والعشرين في ظل تصعيد ميداني واسع كشف بوضوح أن مسار الحرب يتجه بعيدًا عن الحسابات التي رسمها المعتدون في بدايتها، بعدما واصلت القوات الإيرانية توجيه ضربات صاروخية ومسيّرة مركزة إلى عمق الكيان الإسرائيلي والقواعد الأمريكية في المنطقة، بالتوازي مع تصاعد الضغط على الجبهة الشمالية بفعل عمليات حزب الله، واتساع التأثيرات الاقتصادية والعسكرية والسياسية للحرب على معسكر العدوان نفسه.

منذ الساعات الأولى لليوم، أعلنت إيران استئناف إطلاق الصواريخ باتجاه الأراضي المحتلة، قبل أن يؤكد الحرس الثوري تنفيذ الموجة الثامنة والسبعين من عملية “الوعد الصادق 4” ضد أهداف في إيلات وديمونا وشمال تل أبيب وبعض القواعد الأمريكية في المنطقة، باستخدام منظومات “عماد” و“قدر” والطائرات المسيّرة الهجومية. وأوضح الحرس أن هذه الموجة لم تمثل سوى جزء من قدراته الفعلية، مؤكدًا أن الغالبية العظمى من وحدات القتال التابعة للحرس الثوري والتعبئة الشعبية لم تدخل ساحة الحرب بعد، وأن دخولها عند الضرورة سيجعل المعركة أكثر ضراوة، في رسالة واضحة بأن طهران ما تزال تحتفظ بفائض قوة لم تستخدمه كاملًا حتى الآن.

ولم تكد تمضي ساعات حتى أعلنت إيران تنفيذ الموجة التاسعة والسبعين بصواريخ “خيبر شكن” و“عماد” و“سجيل” والطائرات المسيّرة، مستهدفة مواقع وصفها البيان بأنها “آمنة” للأجهزة الاستخباراتية شمال ووسط تل أبيب، إلى جانب مراكز تجارية ولوجستية داعمة لجيش العدو في رامات غان والنقب، فضلًا عن المركز الرئيسي للإمداد والإدارة العسكرية الصهيونية في بئر السبع. وأكد مقر خاتم الأنبياء لاحقًا أن الموجة 79 استهدفت أيضًا الصناعات التسليحية “رافائيل” في حيفا، وصناعات الطيران والفضاء قرب مطار اللد، وطائرات التزود بالوقود في المطار ذاته بالمسيّرات، ما يعكس انتقال الضربات الإيرانية من استهداف الرموز العسكرية التقليدية إلى ضرب البنية الصناعية والعقد اللوجستية الحيوية للعدو.

وقد انعكست هذه الضربات مباشرة على الداخل الإسرائيلي. فبحسب الإعلام العبري، تعرضت ثمانية مواقع في تل أبيب لإصابات صاروخية، وتصاعد دخان كثيف من المناطق المستهدفة، فيما تحدثت إذاعة جيش العدو عن دمار كبير في يافا/تل أبيب وإغلاق طريق رئيسي يربط المدينة بالشمال وسط انتشار واسع لفرق الإسعاف. وأشارت القناة 12 إلى أن الصاروخ الذي استهدف تل أبيب حمل رأسًا حربيًا متشظيًا بزنة 100 كلغ لكل قنبلة، ما أدى إلى تدمير ثلاثة مبانٍ بالكامل على الأقل في يافا. كما سقطت رؤوس متفجرة ومقذوفات انشطارية في بني براك وبتاح تكفا وغفعات شموئيل، مع اعتراف إعلام العدو بإصابات خطيرة ودمار واسع، بينما أكدت بلدية تل أبيب إجلاء 93 عائلة جديدة ليرتفع عدد المهجرين من المدينة منذ بدء الحرب إلى 1500 شخص.

في السياق نفسه، أقرت مؤسسات العدو الصحية باستقبال 122 مصابًا خلال 24 ساعة، في وقت تحدثت فيه القنوات العبرية عن فشل واضح لمنظومات الدفاع الجوي في التعامل مع الموجة الصاروخية الإيرانية التي استهدفت تل أبيب والوسط، ووصفتها بأنها من أكثر الهجمات خطورة منذ بداية الحرب. كما اعترفت القناة 14 بسقوط إصابات بعضها حرجة في منطقة تقاطع محانيم شمالًا، وأعلنت هآرتس أن صاروخًا إيرانيًا أصاب صفد بشكل مباشر، بينما تحدثت وسائل إعلام أخرى عن قتيلة وأربع إصابات جراء الرشقات الأخيرة على الشمال. ويكشف هذا المشهد أن العمق الصهيوني لم يعد يواجه مجرد تهديد نفسي أو أضرار محدودة، بل ضربات اختراق حقيقية تطال مراكز سكنية وعسكرية ولوجستية بصورة متزامنة.

على الجبهة الشمالية، واصل حزب الله تصعيد عملياته بوتيرة عالية، مستهدفًا تجمعات جنود العدو ومعداته وبناه التحتية في القوزح، والطيبة، والخيام، والناقورة، ومسـكاف عام، وكتسرين، ومعسكر الـ100 شمال أييليت هشاحر، إضافة إلى تدمير أربع دبابات ميركافا وجرافة عسكرية في محيط معتقل الخيام وطريق القوزح بصواريخ موجهة، ثم استهداف جرافة D9 في بيدر الفقعاني، وقوة إسرائيلية داخل أحد منازل القوزح بصاروخ موجه حقق إصابة مباشرة. كما أعلن حزب الله قصف بنى تحتية لجيش العدو في مستوطنة كتسرين في الجولان السوري المحتل، في توسيع واضح لدائرة الضغط الميداني على الاحتلال. ومع نهاية اليوم، أقر الإعلام العبري بأن أكثر من 38 صاروخًا أطلقت من لبنان باتجاه الشمال، وأن مئات العائلات غادرت مستوطنات الحدود مع لبنان، فيما واصلت صافرات الإنذار تدوّي في الكرمئيل ومعالوت ترشيحا ومحيطها خشية دخول المسيّرات.

وفي العراق، استمرت الجبهة الأمريكية في التآكل. فقد أعلنت المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ 23 عملية على قواعد العدو بالعراق والمنطقة خلال 24 ساعة، بينما أعلن الجيش الإيراني استهداف موقع تجمع القوات الأمريكية والجماعات العميلة في مطار أربيل بصواريخ أرض–أرض، في وقت خوّل فيه المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي هيئة الحشد الشعبي وباقي تشكيلات القوات المسلحة بالعمل بمبدأ حق الرد والدفاع عن النفس بعد العدوان الذي استهدف قيادة الحشد في الأنبار ومكتبه في الموصل. كما شدد مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي على أن استهداف قيادة الحشد الشعبي في الأنبار ومكتب الحشد في الموصل يمثل اعتداءً على مؤسسات أمنية رسمية، بما يضفي على المشهد بُعدًا سياديًا عراقيًا يتجاوز إطار الاستهداف الميداني المباشر.

اقتصاديًا، واصلت الحرب إلقاء ظلالها الثقيلة على الأسواق والطاقة وحركة النقل. فقد أشارت فايننشال تايمز إلى ارتفاع سعر النفط إلى 104 دولارات مع تجدد الضغوط على سندات الخزانة الأمريكية، فيما تحدثت الرابطة الأمريكية للسيارات عن ارتفاع متوسط أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنسبة 33.2% منذ بدء العمليات العسكرية في إيران. كما حذرت يونايتد إيرلاينز من إمكانية زيادة أسعار تذاكر الطيران بنسبة 20% لمواكبة ارتفاع أسعار النفط، في وقت أكدت فيه بلومبرغ عبور ناقلة وقود مملوكة للصين مضيق هرمز بعد اتباع مسار استخدمته سفن أخرى بموافقة إيران، ما يعزز الرواية الإيرانية القائلة إن المضيق ليس مغلقًا بالكامل، بل يخضع لسيادة ميدانية وتنظيم دقيق من قبل طهران. وقد شددت بحرية حرس الثورة الإسلامية على أن عبور أي سفينة لمضيق هرمز يتطلب تنسيقًا كاملًا مع السيادة البحرية الإيرانية، بعدما أجبرت سفينة الحاويات “سيلين” على التراجع لعدم امتلاكها تصريح عبور.

وفي موازاة ذلك، أكد محمد باقر قاليباف أن إيران تدرك تمامًا ما يحدث في سوق النفط الورقي، متسائلًا بلهجة ساخرة عما إذا كان بمقدور خصومها تحويل العقود الآجلة للنفط إلى وقود حقيقي في محطات التعبئة، في إشارة إلى أن طهران باتت تمسك بعصب مؤثر في معادلة السوق والطاقة، وليس فقط في الميدان العسكري.

سياسيًا، تعمقت التصدعات داخل معسكر العدوان، مع اتساع دائرة الانتقادات الدولية للحرب. فقد وصف الرئيس الألماني الحرب على إيران بأنها خطأ فادح ومخالفة للقانون الدولي وكان يمكن تجنبها، فيما نقلت أسوشيتد برس عن رئيس الأركان الفرنسي قوله إن انخراط أمريكا في عمليات عسكرية في الشرق الأوسط يؤثر على أمن فرنسا ومصالحها، وإن الحليف الأمريكي أصبح أقل قابلية للتنبؤ ولا يكلف نفسه عناء إبلاغ حلفائه بعملياته. كما أقر وزير الحرب الأمريكي السابق جيم ماتيس بأن فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية سيكون صعبًا جدًا، داعيًا إلى الاعتماد على الدبلوماسية لإنهاء الأزمة، ومحذرًا من انعكاسات الحرب على الانتخابات النصفية للكونغرس بسبب آثارها المالية السلبية على المواطن الأمريكي.

ومن داخل الغرب نفسه، برزت تقارير تؤكد أن بعض الحلفاء الإقليميين يدفعون باتجاه استمرار الحرب رغم وضوح مأزقها. فقد قالت وول ستريت جورنال إن الإمارات تضغط باتجاه عدم وقف الحرب على إيران، في حين رأت واشنطن بوست أن أبوظبي كانت تريد من ترامب “إنهاء المهمة” في إيران لكنها على الأرجح ستحصل على أقل من ذلك بكثير. هذا بينما أكدت إندبندنت أن إيران أظهرت حدود قوة ترامب، وأن تأجيله تهديده بتدمير نظام الطاقة الإيراني كشف حدود القدرة الأمريكية، في حين وصفت التلغراف ترامب بأنه وقع في ورطة من صنعه بعد فشله في انتزاع تراجع إيراني بشأن هرمز.

وفي الداخل الإيراني، أظهرت القيادة السياسية والعسكرية تماسكًا واضحًا. فقد تم تعيين محمد باقر ذو القدر أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بموافقة السيد مجتبى خامنئي والرئيس الإيراني، في رسالة مؤسساتية تؤكد استمرارية القرار وتماسك بنية الدولة في ذروة الحرب. كما شدد اللواء علي عبد اللهي، قائد مقر خاتم الأنبياء، على أن القوات المسلحة ستواصل الطريق حتى تحقيق النصر الكامل لإيران، معتبرًا أن الولايات المتحدة هُزمت خلال الأيام الـ25 الماضية، وأنها تسعى الآن لتشكيل تحالف ضد إيران بحثًا عن مخرج من الحرب التي بدأتها. وفي الاتجاه نفسه، قال الأدميرال علي أكبر أحمديان إن الإيرانيين ينتظرون منذ سنوات دخول الأمريكيين إلى النقاط المحددة وفق استراتيجية الحرب غير المتناظرة، موجهًا إلى الجنود الأمريكيين رسالة مقتضبة لكنها حادة: “اقتربوا أكثر”.

كما واصل المسؤولون الإيرانيون نفي أي غطاء تفاوضي أو تراجعي لهذه الحرب. فقد أعلن عباس عراقجي أن القانون الدولي ميت عمليًا بسبب ازدواجية المعايير الغربية بين غزة وأوكرانيا والصمت تجاه العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، مشيدًا في الوقت نفسه بموقف الرئيس الألماني المدين للانتهاكات بحق الإيرانيين. وأكد مسعود بزشكيان أن الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التكاتف مع إرادة الشعوب واحترام تطلعاتها، مضيفًا أن شعوب باكستان وتركيا والعراق ولبنان ومصر والدول العربية تعلن بأعلى أصواتها براءتها من أمريكا وإسرائيل وجرائمهما.

إنسانيًا، لم تتوقف جرائم العدو على الجبهات الأخرى. ففي غزة ارتفعت حصيلة العدوان إلى 72,263 شهيدًا و171,948 جريحًا، فيما سجلت وزارة الصحة اللبنانية سقوط 3 شهداء بينهم طفلة و4 جرحى في غارة على بشامون في جبل لبنان، قبل الإعلان لاحقًا عن شهيدين و5 جرحى في غارة أخرى على المنطقة نفسها. كما أسفر عدوان أمريكي–إسرائيلي على مناطق سكنية في ورامين جنوب شرق طهران عن 12 شهيدًا و28 جريحًا، في تأكيد إضافي على أن العدوان يواصل استهداف المدنيين والبنى السكنية مباشرة.

وعليه، فإن اليوم الخامس والعشرين لم يكن يوم تثبيت لمعادلة الدفاع الإيراني فحسب، بل يومًا آخر من تحول طهران إلى موقع الإمساك بالمبادرة. فالصواريخ والمسيّرات الإيرانية واصلت اختراق العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية، وحزب الله عمّق اختناق الجبهة الشمالية، والمقاومة العراقية وسعت دائرة الاستنزاف، فيما بدأت الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب تنعكس بوضوح على واشنطن وحلفائها. وبذلك، يبدو أن العدوان الذي أُريد له أن يكون حرب كسر سريعة لإيران، يتحول أكثر فأكثر إلى حرب استنزاف طويلة تكشف تراجع قدرة العدو على الحسم، وتؤكد أن الميدان ما يزال يميل لصالح من يملك الصبر والجاهزية والقدرة على توسيع معادلات الردع.

التطبيع وخطر التخاذل

لقد وصلنا اليوم إلى مرحلة حرجة في تاريخ الأُمَّــة العربية والإسلامية، حَيثُ تتجلى هشاشةُ المواقف الرسمية لبعض الدول العربية، وخُصُوصًا دول الخليج، في دعمها المُستمرّ للمشروع الصهيوني الإمبريالي على حساب شعوبها ومصالح الأُمَّــة.

فالتماهي والتمازج والاندماج المطلق لهذه الأنظمة مع السياسات الأمريكية والإسرائيلية لم يعد مُجَـرّد خيار سياسي، بل أصبح ممارسة عملية لتسليم القرار العربي لمصالح القوى الاستعمارية والصهيونية، فيما الشعوب تتحمل نتائج هذا الولاء الأعمى.

ما يضاعف خطورة الوضع هو حقيقة العدوان الإسرائيلي والأمريكي المُستمرّ على الأُمَّــة، وما يرافقه من صمت وتخاذل من بعض الدول العربية والإسلامية.

فهذه الدول التي ترفع شعارات العروبة والإسلام، كانت أولى بتقديم الدعم للعدو، بل سمحت باستخدام أراضيها وقواعدها لضرب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في واحدة من أكثر التصرفات المخزية التي تكشف عن خيانة واضحة لمبادئ الأُمَّــة.

والآن، وهم يتباكون على أي تهديد محتمل لأراضيهم من إيران، يبدو تناقض موقفهم صارخًا وواضحًا للجميع؛ إذ يعلنون الخوف على سيادتهم بينما ساهموا بأنفسهم في تهديد أمن المنطقة من خلال الانخراط في مشاريع العدوان الاستكباري.

تظهر الحقيقة أن هذه الأنظمة ليست مُجَـرّد أدوات سياسية ضعيفة، بل أصبحت خط الدفاع الأول عن المشروع الصهيوني، وكبش فداء يُحرق على مذبح طموحات الاحتلال والغطرسة الأمريكية.

كُـلّ محاولاتهم لتبرير التطبيع والتقارب مع الاحتلال الإسرائيلي تحت شعارات الرخاء والازدهار، فشلت فشلًا ذريعًا، فالمعطيات الواقعية تشير إلى أن هذا التطبيع لم يأت إلا بمزيد من المخاطر والانكشاف السياسي، وأن الشعوب التي اعتقدت أنها ستستفيد من الرفاهية أصبحت الآن رهينة لمقامرات سياسية تقودها إلى الانهيار والخزي والخسران المبين.

لقد بلغ الأمر حدًّا لا يمكن تجاهله، حَيثُ باعت هذه الأنظمة نفسها بارتهانها، ولم تعد قادرة على التراجع أَو حماية شعوبها من تبعات هذا الولاء الأعمى.

وفي المقابل، يبقى السؤال الأكبر موجهًا إلى شعوب الخليج: هل ستظل مكتوفة الأيدي، متفرجة على ما يحدث، أم ستتخذ موقفًا عمليًّا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يساقوا بها إلى مذبح الغطرسة الصهيونية والإمبريالية؟

إن تحليل الواقع السياسي الراهن يكشف أن التطبيع، الذي يُسوَّق على أنه جسر نحو السلام أَو الازدهار، هو في الحقيقة أدَاة لتثبيت الهيمنة الصهيونية على الأرض العربية، وضمان استمرار العدوان الإسرائيلي والأمريكي على الأُمَّــة.

وما لم تتحَرّك الشعوب بسرعة ووعي، فإن الثمن لن يكون باهظًا فقط على مستوى السيادة الوطنية، بل على مستوى الهُوية العربية والإسلامية التي تتعرض لمحاولات طمس ممنهجة ومتعمدة.

المشروع الصهيوني لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى للسيطرة على العقول، وتوجيه مسار الأُمَّــة وفق مصالحه الخَاصَّة.

وفي هذا السياق، يتحمل المسلمون مسؤولية أخلاقية وتاريخية بالوقوف ضد أي موقف وظيفي يخدم هذا المشروع، مهما كانت المبرّرات الرسمية أَو الحملات الإعلامية المصاحبة.

فالخيانة والتخاذل لن يوقفا المشروع، ولن يضمنوا الأمن أَو الرفاهية، بينما التفاعل الواعي والتحَرّك الشعبي يمكن أن يكون أدَاة لردع المشروع الاستكباري، واستعادة زمام المبادرة قبل أن يتحول كُـلّ شيء إلى كبش فداء على مذبح طموحات الاحتلال.

الواقع يؤكّـد أن الشعوب العربية والإسلامية، وأولها شعوب الخليج، أمام مفترق طرق تاريخي، بين الاستمرار في موقف المتفرج والانصياع للسياسات الاستعمارية والصهيونية الأمريكية، أَو اتِّخاذ موقف وطني حقيقي يحمي كرامتها وهُويتها ومستقبلها، ويوقف الانحدار نحو مزيد من التبعية والخضوع لمصالح الاحتلال.

وإن كان هناك درس مُستمرّ من التاريخ، فهو أن الأمن الحقيقي لا يُؤتى من المتفرجين أَو الأنظمة الوظيفية، بل من شعوب واعية، تدرك خطورة الموقف وتتحَرّك قبل فوات الأوان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهر أحمد عمير

المعركة بدأت.. واليمن ينتظر لحظة الصفر

لقد انكشف الغطاء، وسقطت الأقنعة، وتكشفت حقائق الصراع على حقيقتها.

المعركة بدأت.

ليس بالتهديدات، ولا بالوعود، ولا بالتصريحات الإعلامية.

المعركة بدأت بالعدوان الغاشم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ذلك العدوان الذي لم يكن ليحدث لولا التحريض والدعم من عملاء الخليج الذين ظنوا أنهم في منأى عن شرر الحرب، فجاءتهم النتائج عكسية وصادمة.

ولم تقف إيران وحدَها في ساحة المواجهة.

فمنذ اللحظة الأولى للعدوان، انخرطت حركات المقاومة في العراق في المعركة، وتحَرّك حزب الله في لبنان من مواقعه المتقدمة ليضرب عمق العدوّ، وتوحدت الجبهات في مشهد مهيب.

 معركة اليوم هي معركة محور المقاومة بأكمله – من طهران إلى بيروت ومن بغداد إلى غزة إلى صنعاء – في مواجهة مباشرة مع أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني.

وفي هذا المشهد المتكامل، يقف اليمن يترقب.

اليمن الذي لم يكن غائبًا يومًا، والذي أثبت في الأشهر الماضية أنه قادر على ضرب العمق وفرض المعادلات.

اليمن الذي تحدث عنه السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي (حفظه الله) أكثر من مرة عن أنه يعد ويجهِّز للجولة القادمة.

اليمن الذي شارك في الإسناد منذ اليوم الأول للعدوان على غزة، وضرب في البحر الأحمر، واستهدف السفن، وأرهق أقوى بحرية في العالم.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، في ظل العدوان المباشر على إيران، وفي ظل انخراط العراق ولبنان في المواجهة: متى يدخل اليمن خط المواجهة المباشر؟

والإجَابَة على هذا السؤال لا تكتمل إلا بمناقشة نقطة حاسمة قد تغير المعادلة برمتها: ماذا لو تدخلت السعوديّة؟ ماذا لو انقلب عملاء الخليج من تحريض إلى مشاركة مباشرة في العدوان على إيران؟

هذا ما سنتحدث عنه في هذا المقال الشامل، الذي يربط خيوط المشهد كله، ويضع اليمن في موقعه الطبيعي كرأس حربة في معركة المصير.

الفصل الأول: كيف بدأت المعركة؟

العدوان على إيران.. افتتاح الجولة الحاسمة

لقد كان العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية حدثًا افتتاحيًّا لجولة جديدة من الصراع كانت قوى الطغيان تعد لها منذ عقود.

أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني، بعد أن فشلا في كسر إرادَة المقاومة في غزة، وبعد أن تعثرت خططهما في لبنان، وبعد أن أرهقتهما العملياتُ اليمنية في البحر الأحمر، قرّرا فتح جبهة مباشرة مع إيران؛ ظنًّا منهما أن ضرب رأس المحور قد ينهي المعركة، أَو على الأقل يردع المقاومة عن الاستمرار في عملياتها.

لكن الحسابات خابت كما خابت من قبل.

فإيران التي صمدت لعقود تحت وطأة الحصار والعقوبات، أثبتت أن ضربها يعني فتح أبواب جهنم على من يظن أنه يملك زمام المبادرة.

من وقف خلف العدوان؟

لن نخدع أنفسنا، العدوان على إيران لم يكن ليحدث لولا أن أياديَ خليجية كانت تغذّي آلة الحرب وتوفر الغطاء السياسي واللوجستي.

عملاء الخليج، الذين راهنوا طويلًا على أنهم في منأى عن شَرَرِ الحرب، كانوا الضلع الثالث في هذا التحالف الخبيث إلى جانب أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني.

ظنوا أن النار ستأكل جيرانهم فقط، وأن قصورَهم المنيفة وثرواتهم النفطية ستشتري لهم الحصانة.

لكن النتائج كانت عكسية وصادمة، فالعدوان على إيران لم يبقَ محصورًا، بل انتشر ليشمل كُـلّ من وقف في صفه أَو سهّل للعدو مهمته.

الفصل الثاني: محور المقاومة يرد.. العراق ولبنان في الميدان

حركات المقاومة في العراق.. سيف على رقبة القواعد الأمريكية

منذ اللحظة الأولى للعدوان على إيران، تحَرّكت فصائل المقاومة في العراق كجسد واحد.

لم تنتظر أوامر، ولم تتردّد لحظة.

فالعراقُ الذي عانى من الاحتلال الأمريكي، واليوم تتعرض إيران الشقيقة للعدوان، لا يمكن أن يكون إلا في خندق واحد مع جارته وشريكته في الدماء والتاريخ.

ما قامت به حركات العراق كان نموذجًا في السرعة والحزم:

 استهداف القواعد الأمريكية في العراق بضربات موجعة.

 إطلاق طائرات مسيَّرة باتّجاه كيان الاحتلال الصهيوني.

 التنسيق الكامل مع إيران وحزب الله لخلق تضارب ناري يربك العدوّ.

 وضع القوات الأمريكية في المنطقة تحت ضغط مُستمرّ.

حزب الله في لبنان.. النار على الحدود

حزب الله، ذلك الجبل الشامخ الذي لم تنكسر هامته أمام أي عدوان، دخل المعركة من أوسع أبوابها.

منذ اللحظة الأولى للعدوان على إيران، فتحت جبهة الجنوب اللبناني نيرانَها على كَيان الاحتلال الصهيوني بشكل لم يسبق له مثيل منذ حرب تموز 2006.

ما فعله حزب الله كان أكثر من مُجَـرّد عمليات إسناد:

 ضرب مستوطنات الشمال الصهيوني بصواريخ دقيقة.

 استهداف مواقع عسكرية حساسة للعدو.

 إرباك القيادة الصهيونية وجعلها تعيش في حالة ترقب دائم.

 رفع الجاهزية القتالية إلى أعلى المستويات تحسبًا لأي تصعيد.

الفصل الثالث: متى يدخل اليمن خطَّ المواجهة؟

اليمن ليس خارج المعركة.. لكنه ينتظر لحظة الصفر

اليمن لم يكن خارج المعركة يومًا، منذ اليوم الأول للعدوان على غزة، كان اليمن حاضرًا بكل ثقله.

العمليات في البحر الأحمر، واستهداف السفن المرتبطة بكَيان الاحتلال الصهيوني، وضرب الأراضي المحتلّة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وُصُـولًا إلى المواجهة المباشرة مع السفن الحربية الأمريكية – كلها كانت مشاركة يمنية فاعلة.

لكن السيد القائد تحدث أكثر من مرة عن أن اليمن يعد ويجهّز للجولة القادمة.

وكان كلامه واضحًا: ما تروَنه الآن من عمليات هو جزء من الإعداد، أما الجولة القادمة فلها حساب آخر.

فمتى يدخل اليمن خط المواجهة المباشر؟

هذا هو السؤال الأهم.

والإجَابَة عليه تحتاج إلى فهم عميق لمنهجية القيادة اليمنية التي تعتمدُ على ثلاث ركائز أَسَاسية:

الأولى: التوقيت المناسب

السيد القائد لا يندفعُ وراء العواطف، ولا يسمحُ للضغط الشعبي بأن يجُرَّ اليمن إلى معركة قبل أوانها.

التوقيت هو سلاحٌ لا يقلُّ أهميّةً عن الصواريخ.

اليمن ينتظرُ اللحظةَ التي يكونُ فيها العدوُّ في أضعف حالاته، والجبهات الأُخرى في أعلى جاهزياتها، والأرض مهيأة لضربة قاضية.

الثانية: التنسيق مع المحور

اليمن ليس طرفًا منفردًا في هذه المعركة.

هو جزء من محور مترابط.

الدخول في المعركة سيكون بتنسيق كامل مع إيران والعراق ولبنان، لضمان أن الضربةَ ستكون موحَّدةً ومتزامنةً ومحقّقة للهدف.

الثالثة: الجاهزية الكاملة

اليمن يمتلكُ اليوم من القدرات ما يجعلُه قادرًا على تغيير المعادلات.

لكن القيادة تريد أن تكونَ الجاهزيةَ في أعلى مستوياتها قبل الدخول في المواجهة الكبرى.

الفصل الرابع: النقطة الحاسمة.. ماذا لو تدخَّلت السعوديّة؟

هنا نصلُ إلى نقطة ربما تكونُ الأكثرَ أهميّةً في تحديد توقيت دخول اليمن خط المواجهة.

نقطة لم يلتفت إليها الكثيرون، لكنها قد تكون المفتاحَ الحقيقي لقراءة المشهد.

السعوديّة.. من تحريض إلى مشاركة مباشرة؟

حتى الآن، كان دور عملاء الخليج – وعلى رأسهم السعوديّة – محصورًا في التحريض والدعم اللوجستي والغطاء السياسي للعدوان على إيران.

لكن ماذا لو تجاوزت السعوديّة هذا الدور؟ ماذا لو قرّرت المشاركةَ المباشرة في العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟

هذا السيناريو ليس مستبعَدًا.

فالسعوديّة التي قادت عدوانًا همجيًّا على اليمن لتسع سنوات وما زالت، والتي فتحت أجواءها وقواعدها لأمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني، والتي راهنت طوال الوقت على أن التحالف مع أمريكا يشتري لها الحصانة – هذه السعوديّة قد تجد نفسَها مضطرةً للدخول المباشر في المعركة، إما استجابة للضغوط الأمريكية، أَو انجرافًا وراء حساباتها الخاطئة.

لو حدث ذلك.. ماذا سيفعل اليمن؟

هنا تكمن النقطة الحاسمة.

إذَا تدخلت السعوديّة بشكل مباشر في العدوان على إيران، فإن اليمن سيدخل المعركة فورًا وبدون تردّد.

لماذا؟ لأن المعادلة ستتغيّر جذريًّا:

أولًا: اليمن لن يقف مكتوف الأيدي

السعوديّة التي قادت العدوان على اليمن طوال تسع سنوات، والتي حاصرت الشعبَ اليمني وقتلت أطفاله ونساءه وشيوخه، إذَا انخرطت اليومَ في عدوان جديد على إيران، فإن اليمن سيرد بالضربة نفسها.

بل سيكون الرد أقسى وأشدَّ؛ لأن المعركة هذه المرة ليست معركة دفاع عن اليمن فقط، بل معركة دفاع عن الأُمَّــة بأكملها.

ثانيًا: الجغرافيا تخدم اليمن

اليمن يمتلك موقعًا جغرافيًّا استراتيجيًّا لا مثيل له.

من اليمن يمكن ضرب العمق السعوديّ بكل سهولة.

المنشآت النفطية، المطارات، القواعد العسكرية، خطوط الإمدَاد – كلها ضمن مرمى الصواريخ اليمنية والطائرات المسيّرة.

اليمن الذي أثبت في السنوات الماضية أنه قادرٌ على ضرب أرامكو في عمق السعوديّة، سيكون قادرًا اليوم على توجيه ضربات أكثر إيلامًا.

ثالثًا: اليمن يمتلك أوراق ضغط هائلة

إلى جانب القدرات العسكرية، يمتلك اليمنُ أوراقَ ضغط أُخرى: القدرة على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر والبحر العربي بشكل كامل، والقدرة على استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، والقدرة على فتح جبهات متعددة ترهق العدوّ.

هل هذا هو السيناريو المرتقَب؟

لا يمكن الجزمُ بأن السعوديّةَ ستتدخلُ مباشرةً في العدوان على إيران.

فالرياض تعلم جيِّدًا ما حدث لها في حرب اليمن، وتعلم أن الدخولَ في مواجهة جديدة مع إيران وباليمن في ظهرها يعني كارثة حقيقية.

لكن الاحتمال وارد.

وأمريكا تمارسُ ضغوطًا هائلةً على حلفائها في الخليج لإقحامها بشكل أكبر في المعركة.

والسعوديّة التي تريد شراء رضا الإدارة الأمريكية قد تجد نفسَها مضطرةً للاستجابة.

إذا حدث ذلك، فإن اليمن سيكون أول من يرد.

ليس لأنه يبحث عن حرب مع السعوديّة، بل لأن أي عدوان على إيران هو عدوان على الأُمَّــة بأكملها، واليمن جزء لا يتجزأ من هذه الأُمَّــة.

الفصل الخامس: الدور المنتظر لليمن في المعركة

سواء دخل اليمن المعركة بتوقيت مخطَّط له مسبقًا، أَو استعجلته الأحداث بتدخل سعوديّ مباشر، فإن الدور المنتظر لليمن سيكون محوريًّا وحاسمًا:

أولًا: إغلاق البحر الأحمر وباب المندب بالكامل

ما رأيتموه في الأشهر الماضية كان تمهيدًا.

في معركة المواجهة المباشرة، لن يكون هناك “استهداف للسفن الإسرائيلية” فقط، بل إغلاق تام للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

هذا الإغلاق سيكون منهجيًّا:

 زرع ألغام بحرية ذكية في الممرات الملاحية.

 استخدام زوارق مسيّرة محملة بالمتفجرات لاستهداف القطع البحرية العسكرية.

 نشر طائرات مسيَّرة بحرية لمراقبة وضرب أي تحَرّك للعدو.

 إعلان منطقة عازلة بحرية تمنع أي اختراق.

ثانيًا: ضرب العُمق الإسرائيلي بلا هوادة

الجولة الحاسمة ستشهد تحولًا نوعيًّا في العمليات الصاروخية:

 صواريخ باليستية تصلُ إلى كُـلّ مدن كيان الاحتلال الصهيوني دون استثناء.

 صواريخ مجنَّحة تضرب البنية التحتية الحيوية: الموانئ، المطارات، محطات الكهرباء، منشآت الغاز.

 طائرات مسيَّرة من الجيل الجديد تطير لمسافات أطول وبصعوبة اعتراض أكبر.

 عمليات متزامنة مع حزب الله وَحركات العراق لتعطيل منظومة الدفاع الصهيونية.

ثالثًا: استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة

هذه هي النقطة الأكثر حسمًا.

في معركة المواجهة المباشرة، ستصبح القواعدُ الأمريكية في المنطقة أهدافًا مشروعة:

رابعًا: الرد على أي تدخل سعوديّ مباشر

إذا تدخَّلت السعوديّةُ بشكل مباشر في العدوان على إيران، فإن اليمنَ سيكونُ له حسابٌ خاصٌّ معها:

 استهداف المنشآت النفطية السعوديّة بشكل ممنهج.

 ضرب القواعد العسكرية التي تنطلقُ منها الطائرات لضرب إيران.

 استهداف خطوط الإمدَاد والمواصلات.

 فتح جبهات برية إذَا اقتضت الضرورة.

خامسًا: التنسيق الميداني مع محور المقاومة

اليمن لن يقاتِلَ منفردًا.

التنسيق مع إيران والعراق ولبنان سيكونُ على أعلى المستويات:

 ضربات متزامنة من كُـلِّ الجبهات لتعطيل قدرات العدوّ.

 تبادل المعلومات الاستخباراتية لحظة بلحظة.

 استخدام أراضي اليمن كمِنصة لإطلاق عمليات مشتركة.

الفصل السادس: صبر اليمن وطول النفَس.. سلاح النصر

ما يميز مدرسة أنصار الله عن غيرها هو الصبر وطول النفَس.

السيد القائد يدرك أن العدوَّ متعجل، يريد إنهاء المعركة بضربة سريعة قبل أن تنهار قدراته.

لذلك يلعب اليمن على هذا التناقض:

 العدوّ يريد حربًا سريعة..

واليمن يريد حربًا محسوبة.

 العدوّ يريد استنزاف المقاومة..

والمقاومة تستنزف العدوّ.

 العدوّ يريد ضرب المحور من أطرافه..

والمحور يضرب من قلب القاعدة.

هذا الصبر اليمني هو ما جعل التحالف السعوديّ ينهار بعد تسع سنوات.

وهو ما سيجعل أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني ينهاران في هذه الجولة.

الفصل السابع: ربط الخيوط.. الصورة الكاملة

اليمن يكتب ملحمة النصر.. ها نحن اليوم على أعتاب مشهد لم تشهد له الأُمَّــة مثيلًا.

معركة مفتوحة بين محور المقاومة وأمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني.

معركة بدأت بالعدوان على إيران، وتصاعدت بانخراط حركات العراق وحزب الله في لبنان.

واليمن الذي كان في موقع الإسناد، والذي أثبت قدرته على ضرب العمق وفرض المعادلات، ها هو اليوم ينتظر لحظة الصفر.

ينتظر التوقيت المناسب، واكتمال الجاهزية، والتنسيق الكامل مع المحور.

أَو ينتظر أي تدخل سعوديّ مباشر ليكون الحافز الذي يستعجل الدخول في المعركة.

في كُـلّ الأحوال، اليمن سيأتي بصواريخه، بطائراته المسيّرة، بخبرته، بصبره، بطول نفسه.

سيأتي ليكتب فصلًا جديدًا من ملحمة النصر، وليثبت للعالم كله أن الإيمان قادر على هزيمة كُـلّ قوى الأرض.

نحن نثق ثقة كاملة بأن اليمن بقيادة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي سيكون عند حُسن الظن.

وأن الجولة القادمة – التي بدأت بالفعل – ستنتهي بالنصر المبين بإذن الله.

قال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

والعاقبة للمتقين، والنصر للمؤمنين، والخزي والعار للكافرين والمنافقين والعملاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بشير ربيع الصانع

​فاتورة الارتهان.. ووهم الحماية

لم تكن اللغة التي يستخدمها ترامب ومن سبقه من الرؤساء يومًا دبلوماسية ناعمة، بل كانت أشبهَ بفواتير الحماية التي تفرضها القوى الكبرى على الضعفاء.

واليوم، لم يعد الحديثُ عن تبعية قادة الخليج لترامب مُجَـرّد تحليل سياسي عابر، بل صار كابوسًا وجوديًّا يهدّد الهُوية والدين والكَيان الاجتماعي لشعوب المنطقة، في مشهدٍ فاضح تتداخل فيه المصالح الضيقة مع ضياع المقدرات الوطنية.

إن الخطورة السياسية تبدأ من تحويل العلاقة من تحالف استراتيجي مبني على الندية إلى ارتهان مذل، يجعل القرار السيادي الخليجي مُجَـرّد ورقة ضغط في درج المكتب البيضاوي، حَيثُ تُدفع المنطقة نحو حروب بالوكالة تخدم الأجندة الصهيو-أمريكية، وتحوّل الدول الفاعلة إلى أدوات لتمويل الصراعات وتأجيج الأزمات الإقليمية، مقابل وعود واهية بالحماية لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي.

وقد كشفت أحداث اليوم زيف هذه الحماية الوهمية التي يتشدق بها ترامب؛ فها هي القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، من العُدَيْد إلى الأسطول الخامس، تقف عاجزة حتى عن حماية نفسها من الرشقات الصاروخية والمسيّرات، التي حوّلت دروع الحماية المفترضة إلى خريطة نار تستهدف العمق الخليجي، وتجعله في واجهة الصدام المباشر.

إن أمريكا ترامب لم تكتفِ باستنزاف الخزائن بصفقات سلاح خيالية، بل فتحت مِلَفَّ الحروب على مصراعَيه، جاعلةً من دول المنطقة كبشَ فداء في معركة ليست معركتها، مع إصرار فجٍّ على أن تتحمل هذه الدول وحدَها كاملَ التكاليف المادية والبشرية لجنون العظمة الذي يمارسه.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، يبدو عجزُ الزعماء عن كبح جماح ترامب أَو الخروج من عباءته أمرًا يثير الفزع؛ حَيثُ أَدَّى هذا الانقياد إلى تسييس الدين، وتسخير المساجد والمنابر والبرامج والدعاة لخدمة تحالفات هي في الأصل تبعية وتولٍّ باسم التطبيع.

لقد لعب الإعلام دورًا خطيرًا في تجريف الوعي العام لتكريس هذا الانقياد المذل وشرعنته، من خلال تصوير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنها العدوُّ، وساعد على ذلك البُعد العقائدي المدسوس والإعلام المضلل، في مقابل صمتٍ مُخْزٍ عن قضايا الأُمَّــة الكبرى، وعلى رأسها القدس، وكأن المقدسات أصبحت أوراقًا للمقايضة في بورصة السياسة؛ مما خلق دينًا مفصَّلًا على مقاس الرضا الأمريكي، وزرع شرخًا عميقًا بين الشعوب ومؤسّساتها الدينية.

ولا يتوقف الأمرُ عند حدود السياسة والدين، بل يمتدُّ ليضربَ العمق الاجتماعي عبر عملية تجريف ممنهجة للهُوية؛ فالضغوط الخارجية لم تكتفِ بآبار النفط، بل سعت لفرض تغريب قسري، وانفتاح لا ينبع من حاجة المجتمعات الذاتية، بقدر ما هو استجابة لإملاءات تضمن بقاء الدعم السياسي؛ مما وضع المواطن الخليجي في حالة فصام بين أصالته وواقعه المفروض، وجعله يشعر بأن أمنه معلق بتغريدة من رئيس مهووس بالصفقات.

إن الاستمرار في نهج “الحماية مقابل التبعية” هو انتحار بطيء؛ فالتاريخ يثبت أن القوى الكبرى أول من يتخلى عن حلفائها حين تنتهي صلاحية المنفعة.

وما لم تُستعد الإرادَة المسلوبة بالعودة إلى الحضن الشعبي والعمق العربي والإسلامي، فإن الرهان على سراب الحماية الترامبية لن يخلّف وراءه سوى التبعية المطلقة والخراب الوشيك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محسن الشامي

اليوم الخامس والعشرون: صواريخ إيران تكسر دفاعات العدو و”هرمز” يفضح حدود القوة الأمريكية

دخل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران يومه الخامس والعشرين فيما كانت معالم التحول الميداني تتكرس بوضوح لمصلحة طهران، مع استمرار الضربات الصاروخية الإيرانية على العمق الصهيوني والقواعد الأمريكية، وتزايد الاعترافات الغربية والعبرية بأن الحرب لم تسر كما خطط لها المعتدون، بل تحولت إلى مستنقع استنزاف مفتوح تتسع كلفته العسكرية والاقتصادية والسياسية يوماً بعد آخر.

ففي الساعات الأولى، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ الموجة الثامنة والسبعين من عملية “الوعد الصادق 4” باتجاه الأراضي المحتلة والقواعد الأمريكية، مؤكداً أن الضربات أصابت أهدافاً في أم الرشراش وديمونا وشمال يافا المحتلة، إضافة إلى قواعد أمريكية في المنطقة باستخدام صواريخ عماد وقدر والطائرات المسيّرة. وحمل البيان الإيراني رسالة سياسية وعسكرية شديدة الوضوح، حين شدد على أن التفاوض مع المعتدين المجرمين من قتلة الأطفال يجري بضربات الميدان لا بالكلمات، مؤكداً أن معظم وحدات الحرس والبسيج المليوني لم تدخل الحرب بعد، وأن دخولها عند الضرورة سيجعل المعركة أشد ضراوة ويجعل الهلاك حتمياً للأعداء.

وتجلت نتائج هذا المسار سريعاً في العمق الصهيوني، حيث توالت مشاهد وصول الصواريخ الإيرانية الانشطارية إلى أجواء المستوطنات، مع إصابات مباشرة في حيفا وتل أبيب ومناطق الوسط، بينما تحدث إعلام العدو عن 10 انفجارات قوية في تل أبيب والوسط نتيجة الضربات الإيرانية. وأقرت القناة 12 العبرية بأن الهجوم الفجري على تل أبيب ومناطق الوسط كان من أخطر الهجمات، بسبب فشل منظومات الدفاع الجوي في التعامل مع الصواريخ، وهو اعتراف يضاف إلى سلسلة المؤشرات التي تؤكد أن شبكة الاعتراض الصهيونية لم تعد قادرة على توفير الغطاء الذي وعدت به قيادته السياسية والعسكرية.

هذا الفشل الدفاعي ترافق مع معلومات كشفتها القناة 12 عن إصابة طيار أمريكي لطائرة F-35 بشظايا إثر تضرر طائرته خلال مهمة في أجواء إيران، في تطور يعكس اتساع المخاطر حتى على أكثر المنصات الجوية تطوراً التي دفعت بها واشنطن في هذه الحرب. وفي الموازاة، تواصلت الضربات على الجنوب المحتل، مع تسجيل انفجار عنيف في بئر السبع وتقارير عن إصابتين على الأقل، بما يعكس اتساع رقعة الضغط الإيراني من الوسط إلى الجنوب.

على الجبهة العراقية، حمل اليوم تطوراً خطيراً مع العدوان الأمريكي الصهيوني على مقر قيادة الحشد الشعبي في الأنبار بقاعدة الحبانية، والذي أسفر، وفق المعطيات الأولية، عن أكثر من 20 بين شهيد وجريح، ثم تأكد لاحقاً استشهاد قائد عمليات الأنبار سعد دواي البعيجي مع عدد من رفاقه في ضربة جوية غادرة. ويؤكد هذا الاستهداف أن واشنطن، بعدما عجزت عن كسر إيران مباشرة، تمضي في توسيع العدوان على قوى المقاومة الحليفة، بما يفتح جبهات إضافية ويزيد من الطابع الإقليمي الشامل للحرب.

وفي المقابل، استمر حزب الله في فرض استنزاف متصاعد على الجبهة الشمالية، حيث أشارت تقارير عبرية إلى نجاحه في تقييد قوة برية كبيرة لجيش الاحتلال، مع استمرار تهديد أمن سكان الشمال والجبهة الداخلية الصهيونية. ويعني ذلك أن الاحتلال بات مضطراً لتوزيع جهده بين جبهات متعددة، في وقت يتراجع فيه مخزونه الدفاعي وتتزايد كلفة الحرب البشرية والمادية.

وفي قلب المعركة الاستراتيجية، استمر مضيق هرمز في فرض نفسه كأحد أهم مفاتيح الصراع. فقد رأت إندبندنت أن إيران أظهرت أخيراً حدود قوة ترامب، بعدما اضطر إلى تأجيل تهديده بـ“تدمير” نظام الطاقة الإيراني إذا لم يُفتح المضيق. كما وصفت التلغراف الرئيس الأمريكي بأنه وقع في ورطة من صنعه، مؤكدة أن قادة إيران لن يرضخوا للتهديدات بالتخلي عن سيطرتهم على المضيق.

وجاءت تصريحات وزير الحرب الأمريكي السابق جيم ماتيس لتدعم هذا المنحى، حين قال إن فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية سيكون صعباً جداً، وإن على الولايات المتحدة الاعتماد على الدبلوماسية لإنهاء الأزمة، محذراً من أن الحرب سترتد سلباً على الإدارة الأمريكية داخلياً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي بسبب آثارها على الوضع المالي للمواطن الأمريكي.

اقتصادياً، واصلت الحرب ضخّ الصدمات في الأسواق العالمية، مع ارتفاع العقود الآجلة للخام الأمريكي إلى 89.19 دولاراً ثم إلى 90.07 دولاراً للبرميل، في تفاعل مباشر مع نفي طهران إجراء أي محادثات مع واشنطن، ومع تزايد المخاوف من اتساع الصراع. كما كشف تحليل لـبي بي سي أن الضربات الإيرانية على القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج والمنطقة تسببت في أضرار قاربت المليار دولار خلال أسبوعين، بينها نحو 800 مليون دولار من الأضرار في البنية التحتية العسكرية الأمريكية، وسط تحفظ البنتاغون على الكشف عن الحجم الكامل للخسائر.

أما سياسياً، فقد تعرّت رواية الحرب أكثر من أي وقت مضى. إذ تحدثت وول ستريت جورنال وواشنطن بوست عن دور إماراتي ضاغط باتجاه عدم وقف الحرب و“إنهاء المهمة” في إيران، فيما بدا أن واشنطن عاجزة عن تحقيق ذلك. وبهذا المعنى، تكشف هذه التقارير أن بعض العواصم الإقليمية دفعت نحو التصعيد وهي تراهن على إسقاط سريع أو إخضاع حاسم، لكنها باتت اليوم أمام واقع مختلف تماماً: إيران لم تنكسر، وميدان الحرب يتوسع، وكلفة الاستمرار ترتفع على الجميع.

وفي البعد القانوني والإنساني، جاءت مواقف دولية جديدة تؤكد اتساع القلق من منطق العدوان المنفلت. فقد شددت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة، على أن تجاهل القانون الدولي الذي بدأ في فلسطين يتجلى بالفعل من لبنان إلى إيران، محذرة من أن عدم كبح هذا المسار سيؤدي إلى تمدده إلى ما هو أبعد. ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ظل استمرار العدوان على المدنيين في أكثر من ساحة، من إيران إلى لبنان وفلسطين.

وعليه، فإن اليوم الخامس والعشرين من العدوان يظهر بوضوح أن طهران لم تعد في موقع الدفاع المحض، بل باتت تمسك بزمام معادلة الردع والهجوم معاً. الصواريخ الإيرانية تواصل اختراق العمق الصهيوني، القواعد الأمريكية تتكبد خسائر متزايدة، الحلفاء الإقليميون لواشنطن يبدون أكثر قلقاً من ذي قبل، وأسواق الطاقة تؤكد أن كل يوم إضافي من الحرب يدفع العالم نحو مزيد من الاضطراب.

وفي المحصلة، فإن ما بدأه الأمريكي والإسرائيلي بوصفه حرباً لكسر إيران، يتحول تدريجياً إلى اختبار قاسٍ لحدود القوة الأمريكية والصهيونية معاً، فيما تبدو الجمهورية الإسلامية أكثر ثباتاً في الميدان وأكثر وضوحاً في رسالتها: لا تفاوض تحت النار، والردع لا يُصان إلا باستمرار الضربات حتى تنكسر إرادة المعتدي.

اليوم الرابع والعشرون للعدوان: صواريخ “ردع إيران” تمزق العمق المعادي وتدفع حرب الطاقة إلى حافة الانفجار

دخلت المواجهة الإقليمية خلال الساعات الأخيرة طورًا أكثر خطورة واتساعًا، مع تداخل الجبهات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في مشهد يؤكد أن الحرب لم تعد محصورة في تبادل الضربات المباشرة، بل تحولت إلى معركة استنزاف شاملة تطال القواعد الأمريكية، وعمق الكيان الصهيوني، وأمن الطاقة العالمي، فيما تبدو واشنطن وتل أبيب أمام مأزق متفاقم ميدانيًا وسياسيًا واقتصاديًا.

في الميدان، واصلت إيران تثبيت معادلة الهجوم الواسع والمتدرج، معلنة تنفيذ الموجة الـ77 من عملية “الوعد الصادق 4” ضد أهداف صهيونية في شمال ووسط وجنوب الأراضي المحتلة، إلى جانب قواعد أمريكية شملت علي السالم والخرج والظفرة، باستخدام أنظمة ثقيلة جدًا ودقيقة الإصابة من طراز “خيبر شكن” و“ذو الفقار” إضافة إلى الطائرات المسيّرة الهجومية. وقد سبقت هذه الموجة ضربات متلاحقة استهدفت تل أبيب وبتاح تكفا ورامات غان وحولون ومناطق التحشد العسكري في الشمال، وسط إقرار إعلام العدو بإصابات مباشرة وأضرار واسعة، بينما تحدثت القناة 14 عن استهداف 8 مواقع في منطقة الوسط بصاروخ إيراني متعدد الرؤوس، وأكدت “يديعوت أحرونوت” وقوع دمار كبير في بتاح تكفا.

وتكشف الأرقام الصادرة من داخل الكيان عن تصاعد الكلفة الداخلية للحرب؛ إذ جرى تسجيل أكثر من 14 ألف طلب تعويض عن الأضرار، مع إجلاء 4200 شخص إلى 32 فندقًا، فيما أقر الإعلام العبري بتضرر 278 شقة في ديمونا وعراد، وبأن مخزون صواريخ الاعتراض بات موضع قلق حقيقي، إلى حد أن الرقابة منعت الحديث عن حجمه. كما كشفت “نيويورك تايمز” أن المدير العام لوزارة الحرب الصهيونية سافر إلى واشنطن لطلب مزيد من الصواريخ الاعتراضية والذخائر، دون وضوح ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة أصلًا على تلبية هذا الطلب، وهو ما يعكس أزمة ثقة متفاقمة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وقدرتها على الاستمرار في حرب طويلة من هذا النوع.

وعلى الجبهة الشمالية، واصل حزب الله دفع الجبهة الصهيونية إلى مزيد من الإنهاك، عبر قصف متكرر ومتصاعد طال كريات شمونة، ومركبا، وميرون، والمطلة، ومسكاف عام، وأفيفيم، وثكنة بيت هلل، وموقع هضبة العجل، وإبل القمح، والناقورة، وتلّة العويضة، ومرتفعات يارون ومارون الراس والطيبة، مستخدمًا الصليات الصاروخية والمسيّرات الانقضاضية وقذائف المدفعية. وقد أقر جيش العدو بإصابة 7 جنود خلال 24 ساعة على الحدود مع لبنان، فيما اضطر إسحاق هرتسوغ نفسه إلى دخول الملاجئ أثناء وجوده في كريات شمونة، في مشهد يختصر حجم الضغط الميداني والنفسي على الشمال المحتل. كما تحدث الإعلام العبري عن قصف كثيف من لبنان وطلب من سكان الشمال البقاء قرب الملاجئ حتى إشعار آخر.

في موازاة ذلك، واصلت الفصائل العراقية تصعيدها ضد الوجود الأمريكي، مع إعلان المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ 21 عملية نوعية ضد القواعد الأمريكية داخل العراق والمنطقة خلال 24 ساعة، بينما تعرّضت طبابة قيادة عمليات الجزيرة في ناحية جرف النصر إلى عدوان جديد بأربع غارات، في مؤشر على أن الجبهة العراقية ما تزال عنصر استنزاف ثابت ومفتوح، يربك الانتشار الأمريكي ويمنع أي استقرار لوجستي أو عملياتي للقوات الأمريكية في غرب آسيا.

أما في الخليج، فقد أخذت المواجهة بعدًا أخطر مع تزايد المؤشرات على تآكل المظلة الأمريكية التي طالما قُدمت بوصفها ضمانة لحماية الحلفاء. فقد كشفت رويترز أن التحليل الفني لانفجار البحرين الذي أسفر عن إصابة 32 مدنيًا وتدمير منازل في حي المهزة يرجح أن يكون ناتجًا عن صاروخ باتريوت أمريكي أُطلق من بطارية قرب الرفاع، لا عن مسيّرة إيرانية كما زعمت الرواية الرسمية البحرينية، وهو ما يفتح الباب أمام تشكيك واسع في صدقية الخطاب الأمني الخليجي وفي كفاءة أنظمة الدفاع الأمريكية. كما تزامن ذلك مع إعلان قطر مقتل 7 عسكريين بينهم 3 أتراك في حادث سقوط مروحية في البحر، في وقت أصابت فيه مقذوفات مجهولة سفينة قرب الشارقة، وتعطلت حرية الحركة الجوية تدريجيًا مع زيادة القيود على الرحلات في “إسرائيل”، ثم نقل السفارة الأمريكية رعاياها بالحافلات إلى مطار عمّان بعد توقف مطار بن غوريون.

اقتصاديًا، اتضح أن الحرب دخلت صلب معركة الطاقة العالمية. فقد ارتفع خام برنت إلى 114 دولارًا للبرميل، فيما حذّر المدير العام لوكالة الطاقة الدولية من أن الوضع في الشرق الأوسط أصبح أسوأ من أزمتي النفط في السبعينيات مجتمعتين، مؤكدًا أن 40 منشأة طاقة على الأقل تضررت بشدة جراء الحرب. كما أفادت رويترز أن أرامكو السعودية خفضت إمدادات الخام للمشترين الآسيويين للشحن في أبريل، فيما تراجعت بورصات دولية وتضررت سلاسل الطيران والشحن، حتى اضطرت لوفتهانزا إلى تعليق رحلاتها إلى دبي وتل أبيب لفترات طويلة. وفي الداخل الأمريكي، ارتفع سعر البنزين بنسبة 32.2% منذ بدء الحرب، ما يؤكد أن تداعيات المعركة لم تعد بعيدة عن الشارع الأمريكي نفسه.

في هذا السياق، كررت طهران رسم خطوطها الحمراء بوضوح. فقد أكد عباس عراقجي أن مضيق هرمز ليس مغلقًا، وأن توقف السفن يعود إلى خوف شركات التأمين من “الحرب الاختيارية” التي بدأتها واشنطن، لا إلى قرار إيراني، مشددًا على أن حرية الملاحة لا تنفصل عن حرية التجارة. وفي المقابل، لوّح مقر خاتم الأنبياء بأن أي استهداف أمريكي لمحطات الطاقة الإيرانية سيقود فورًا إلى إغلاق كامل لمضيق هرمز، ولن يُعاد فتحه حتى تُعاد بناء المنشآت المتضررة، مع توسيع دائرة الرد لتشمل محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة وتقنية المعلومات التابعة للكيان، والشركات ذات المساهمين الأمريكيين، بل وحتى محطات الطاقة في الدول التي تستضيف قواعد أمريكية. وبهذا، تكون طهران قد نقلت الحرب من منطق الرد العسكري المحدود إلى معادلة ردع اقتصادي–استراتيجي مفتوح.

إلى جانب ذلك، برز تطور نوعي في الميدان العسكري الإيراني مع الحديث عن استخدام طائرات “آرش 2” الهجومية ضد مركز صناعات الفضاء الجوي الصهيوني قرب بن غوريون وضد مواقع تمركز طائرات الاستطلاع الأمريكية في قاعدة الأمير سلطان، وكذلك استهداف قاعدة تل نوف الجوية ومواقع وجود مقاتلات F-35 وF-15 في قاعدة الأزرق. كما أعلن الجيش الإيراني إسقاط 127 طائرة مسيّرة معادية منذ بداية العدوان، بينها مسيّرات في أجواء طهران وجنوب شرق إيران، بما في ذلك طائرة أمريكية من طراز “لوكاس”. هذا التطور يؤكد أن إيران لم تعد تخوض المعركة بمنطق الصمود الدفاعي فقط، بل باتت تتحرك وفق عقيدة هجومية أعلنها صراحة قائد مقر خاتم الأنبياء حين قال إن القوات المسلحة تحولت من الدفاع إلى الهجوم، وغيّرت تكتيكات ساحة المعركة بما ينسجم مع هذا التحول.

في المقابل، تشير اعترافات العدو نفسه إلى عمق المأزق. فقد أقرت “هآرتس” بأن الدفاع محدود وليس مخزنًا لا ينفد، وأن الحرب الحالية كشفت تقديرًا خاطئًا لقدرات إيران ونواياها، وأن الحملة الجوية “المبهرة” لم تغيّر الواقع كما كان مأمولًا. كما نقلت “نيوزويك” أن الحرب قد تنتهي في وضع تعتقد فيه إيران أنها انتصرت، وأن هذا التقدير ليس مبالغًا فيه، في ظل القلق المتزايد من استنزاف الصواريخ الاعتراضية. أما “بلومبرغ” فذهبت إلى أن نتنياهو وروبرت مردوخ دفعا ترامب إلى الحرب، في حين تحدثت “نيويورك تايمز” عن فشل خطة الموساد لإشعال الداخل الإيراني.

داخليًا، بدت الدولة الإيرانية أكثر تماسكًا على المستوى الأمني والسيبراني. فقد أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية اعتقال 23 عميلًا أرسلوا إحداثيات مواقع عسكرية وأمنية في محافظة مركزي، فيما كشفت تسنيم القبض على المسؤول الرئيسي المرتبط بشبكة تجسس صهيونية في تشهارمحال وبختياري، بينما دعت قيادة الأمن السيبراني الإيرانية المواطنين إلى إزالة التطبيقات غير الرسمية وإيقاف أجهزة الإنترنت في أوقات عدم الاستخدام تحسبًا للاعتداءات السيبرانية. وفي المقابل، أعلنت مجموعة “حنظلة” نشر خرائط البنية التحتية للمياه والكهرباء التابعة للكيان والمنطقة، في إشارة إلى انتقال جزء من الحرب إلى الجبهة السيبرانية والبنى الحرجة.

إنسانيًا، استمرت الكلفة في التصاعد على أكثر من ساحة. ففي غزة ارتفعت الحصيلة إلى 72,263 شهيدًا و171,944 جريحًا، مع سقوط ضباط شرطة ومواطنين خلال أيام عيد الفطر، فيما تجاوز عدد شهداء لبنان 1039 شهيدًا و2876 جريحًا منذ بدء العدوان، وتواصل قصف الجسور والبلدات والضاحية الجنوبية بما يشير إلى توجه صهيوني نحو التدمير المنهجي للبنية التحتية اللبنانية. كما كشفت السلطات الإيرانية أن العدو استهدف حتى الآن 5 منشآت مائية و275 مركزًا صحيًا و498 مدرسة و43 سيارة إسعاف، ما يعكس اتساع الاعتداء ليطال القطاعات المدنية والإنسانية بصورة مباشرة.

سياسيًا، نفت طهران بشكل قاطع أي حديث عن مفاوضات مع واشنطن. فقد أكد وزير الخارجية العماني عدم صحة ما قاله ترامب بشأن وجود مفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران متمسكة برفض أي حوار قبل تحقيق أهدافها من الحرب. كما شدد قاليباف والمتحدث باسم الخارجية الإيرانية وإبراهيم رضائي على أنه لم تجر أي مفاوضات، وأن الأخبار المتداولة ليست سوى حرب نفسية للتلاعب بأسواق الطاقة والمال والهروب من المأزق الأمريكي–الإسرائيلي. وفي الاتجاه نفسه، أعلن محسن رضائي أن الحرب ستستمر حتى تعويض جميع خسائر إيران ورفع العقوبات الاقتصادية والحصول على ضمان قانوني دولي بعدم التدخل الأمريكي، محذرًا من أن أي استهداف جديد للبنى التحتية الإيرانية لن يقابل برد “عين بعين”، بل بضربة تُصيب “عينًا ورأسًا ويدًا وقدمًا” وتشُل أمريكا بالكامل.

وفي المحصلة، تكشف تطورات هذا اليوم أن المعركة تجاوزت إطار “جولة تصعيد” أو “ردود متبادلة”، وأصبحت صراعًا على شكل النظام الإقليمي نفسه. إيران لم تعد تدير الحرب بوصفها دفاعًا عن حدودها فقط، بل كجزء من معركة استراتيجية على السيادة والطاقة والممرات والردع. والكيان الصهيوني لم يعد يواجه خطر الصواريخ فحسب، بل تآكل الثقة الداخلية واستنزاف الدفاعات واهتزاز صورة الحسم السريع. أما واشنطن، فتجد نفسها أمام حرب أرادت منها تأديب إيران، فإذا بها تتحول إلى مستنقع إقليمي مفتوح تتآكل فيه قواعدها، وترتفع فيه أسعار الطاقة، وتتراجع فيه فاعلية تحالفاتها. وبذلك، فإن الساعات الأخيرة لم تثبت فقط أن الحرب تتوسع، بل أكدت أن معادلاتها الأساسية بدأت تميل ضد من بدأها.