الرئيسية بلوق الصفحة 162

القوات المسلحة اليمنية تجدّد العهد بالجاهزية القصوى: “أيدينا على الزناد” والميدان سيفاجئ الأعداء بما يكسر شوكتهم

القوات المسلحة اليمنية تجدّد العهد بالجاهزية القصوى: “أيدينا على الزناد” والميدان سيفاجئ الأعداء بما يكسر شوكتهم

جدّدت القوات المسلحة اليمنية، عبر وزير الدفاع اللواء الركن محمد العاطفي ورئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن يوسف المداني، عهد الولاء والوفاء لـ السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، مؤكدة أنها ستظل “السيوف البتارة” و“الأرواح المبذولة في سبيل الله”، وأنها ماضية بثبات لا يعرف التراجع حتى “يكتب الله الفتح المبين ويحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين”.

وفي برقية رفعت إلى الرئيس مهدي المشاط، شدّد وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان على أن القوات المسلحة ستبقى “السد المنيع والدرع الحصين واليد الضاربة” التي تحمي الدين والوطن والكرامة، مؤكدين أن القوات في أعلى درجات التأهب والاستعداد لمواجهة مختلف التحديات، وأنها ماضية في تلقين الأعداء أقسى الدروس، استنادًا إلى الإيمان والثقة بوعد الله.

وفي سياق متصل، رفع وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان برقية تهنئة ومعايدة إلى المقاتلين الأبطال المرابطين في مختلف الجبهات والمواقع بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك، ناقلين إليهم تحيات السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، الذي ثمّن تضحياتهم الكبيرة، واعتبر أن هذا العطاء المتجدد هو “فاتحة الفرج والفتح المبين”، وأن المجاهدين جسّدوا عمليًا معنى الثبات الإيماني والاصطفاف في مواجهة قوى الباطل.

وأكدت البرقية أن هذه المناسبة تأتي في وقت تغرق فيه قوى الاستكبار العالمي، أمريكا وربيبتها “إسرائيل”، في طغيانها وإجرامها، مدعومة بما وصفته البرقية بـ“انبطاح أنظمة عربية باعت دينها وأمتها”، مشيرة إلى أن كل هذا الحشد والتهديد والوعيد لم يزد المجاهدين إلا ثباتًا ويقينًا بأن الرهان الحقيقي هو على الله أولًا ثم على الرجال المرتبطين بالله المتوكلين عليه.

كما شددت قيادة وزارة الدفاع وهيئة الأركان على أن القوات المسلحة مستمرة في إعداد ما تستطيع إعداده، وأنها بلغت أتم الجاهزية النفسية والمعنوية والروحية لخوض الغمرات في ميدان الحق، مؤكدة أن “أيدينا على الزناد وجاهزيتنا في ذروتها”، وأن العدو سيجد في الميدان ما يذل كبرياءه ويحطم أوهامه على صخرة الوعي والبأس والإيمان.

وفي رسالة واضحة إلى الأعداء، أكدت البرقية أن الميدان سيفاجئهم بما يكسر شوكتهم، وأن مرحلة التهديدات الفارغة لن تغيّر من معادلة الصمود والاستعداد شيئًا، بل ستزيد القوات المسلحة تصميمًا على مواصلة الإعداد والمواجهة حتى يتحقق النصر.

الرئيس المشاط: العيد محطة لتجديد الوفاء لفلسطين وإيران.. واليمن ثابت في مواجهة مشروع الهيمنة الأمريكي الصهيوني

أكد رئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط أن حلول عيد الفطر المبارك يأتي هذا العام في سياق وطني وأممي بالغ الحساسية، حيث تمتزج مشاعر التهنئة الدينية بروح الثبات السياسي والالتزام المبدئي تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين وما تتعرض له شعوب المنطقة من عدوان أمريكي صهيوني متصاعد.

وفي كلمة له بهذه المناسبة، تقدم المشاط بالتهاني إلى أبناء الشعب اليمني في الداخل والخارج، وإلى السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، والمرابطين في الجبهات، والأسرى والجرحى وأسر الشهداء، كما وجّه التحية إلى مؤسسات الدولة والعلماء والمثقفين ومختلف شرائح المجتمع، مشيدًا بالأدوار الاجتماعية والإنسانية التي برزت خلال شهر رمضان، وفي مقدمتها جهود الهيئة العامة للزكاة التي قال إنها رسخت نموذجًا عمليًا في التكافل الاجتماعي والعدالة والمواساة، عبر مشاريع خيرية لامست احتياجات الفقراء والمحتاجين وعبّرت عن حضور المسؤولية في بعدها الإنساني والمؤسسي.

وفي البعد السياسي، شدد الرئيس المشاط على أن اليمن ينظر إلى العيد بوصفه مناسبة لا تنفصل عن هموم الأمة ومعاركها المصيرية، مؤكدًا أن فرحة العيد تبقى ناقصة ما دامت شعوب في غزة ولبنان والعراق وإيران تواجه آلة العدوان الأمريكي الصهيوني. واعتبر أن ما تتعرض له الجمهورية الإسلامية في إيران ليس سوى نتيجة مباشرة لموقفها الثابت في دعم فلسطين والقدس، وتمسكها بخيار مقاومة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، داعيًا شعوب الأمة وحكوماتها إلى الوقوف إلى جانب إيران وفاءً لمواقفها وتقديرًا لتضحياتها الممتدة على مدى عقود في مواجهة المشروع الصهيوني.

كما جدد المشاط التأكيد على أن الجمهورية اليمنية ستظل معبرة عن تطلعات شعبها ومواقفه الإيمانية والثابتة، وأنها ماضية في التزامها الديني والمبدئي والأخلاقي بنصرة الشعب الفلسطيني والدفاع عن مقدساته، وعلى رأسها المسجد الأقصى الشريف. وفي هذا السياق، أشاد بالخروج الشعبي الواسع في يوم القدس العالمي، معتبرًا أن المسيرات المليونية التي شهدتها صنعاء والمحافظات لم تكن مجرد فعاليات جماهيرية، بل مثلت موقفًا سياسيًا وإيمانيًا واضحًا يحمل رسالة ولاء للقضية الفلسطينية ويعكس حضور الوعي الشعبي في مواجهة مشاريع الهيمنة.

وتوقف المشاط عند انعقاد المؤتمر الدولي الرابع “فلسطين قضية الأمة المركزية” في العاصمة صنعاء، مشيرًا إلى أن هذه الفعالية تمثل امتدادًا لجهد رسمي وأكاديمي يسعى إلى ترسيخ مركزية القضية الفلسطينية في الوعي السياسي والثقافي للأمة، وإلى إبقاء بوصلة الصراع موجهة نحو العدو الحقيقي.

وفي ما يتعلق بالتطورات الإقليمية، أكد المشاط وقوف اليمن إلى جانب إيران وتأييد حقها في الدفاع عن نفسها في مواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني، داعيًا الدول العربية والإسلامية إلى إدانة هذا العدوان ومنع استخدام أراضيها أو مياهها أو أجوائها من قبل القوى المعتدية. واعتبر أن ما يسعى إليه العدو الأمريكي الصهيوني هو فرض معادلة استباحة شاملة على المنطقة، تتيح له الاعتداء على أي دولة وأي شعب في أي وقت، ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل المنطقة وفق ما يسمى “الشرق الأوسط الجديد” و“إسرائيل الكبرى”.

وأضاف المشاط أن القبول بهذه المعادلة لا يمثل مجرد خطأ سياسي، بل يشكل تهديدًا وجوديًا للأمة وانتقاصًا من كرامتها وسيادتها، لأنه يعني عمليًا التسليم بالظلم والطغيان والتخلي عن الحقوق والقيم الإنسانية. ومن هذا المنطلق، شدد على أن مسؤولية مواجهة هذا المشروع العدواني ليست مسؤولية طرف بعينه، بل مسؤولية جماعية تقع على عاتق شعوب الأمة وقواها الحية وحكوماتها، دفاعًا عن المستقبل والكرامة والسيادة.

وختم المشاط بدعوة صريحة إلى مراجعة المواقف وإعادة ترتيب الأولويات، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة ثمينة لأن تعيد شعوب الأمة وحكوماتها النظر في طبيعة الأخطار المحدقة بها، وأن تتجه نحو الوحدة ومعالجة الخلافات البينية التي يرى أن العدو الصهيوني كان وما يزال من أكبر المستفيدين من استمرارها. وبذلك، حملت كلمة المشاط في عيد الفطر رسالة سياسية واضحة مفادها أن اليمن ينظر إلى هذه المناسبة الدينية من زاوية أوسع، بوصفها لحظة لتجديد الهوية والموقف والاصطفاف في معركة الأمة ضد مشاريع العدوان والهيمنة.

اليوم العشرون من العدوان: إيران تُشعل قلب “تل أبيب” وتُحكم قبضة الردع في “هرمز” وسط اشعال جبهة الطاقة على المصالح الأمريكية

تكشف تطورات الساعات الأخيرة أن المواجهة دخلت طورًا أكثر خطورة واتساعًا، بعد أن انتقلت إيران من إدارة الاستنزاف العسكري إلى ترسيخ معادلة ردع شاملة تضرب في وقت واحد العمق الصهيوني، والقواعد الأمريكية، والملاحة النفطية، والجبهة الأمنية الداخلية للعدو. ووفق المعطيات الواردة، فإن الصواريخ الإيرانية الانشطارية واصلت الوصول إلى “تل أبيب الكبرى” ومحيطها، وسط فشل واضح في منظومات الاعتراض، حيث تحدثت وسائل إعلام العدو عن سقوط رؤوس متفجرة وشظايا صاروخية في عدد من المناطق، وسقوط قتيل وجرحى، إضافة إلى اندلاع حرائق ووجود عالقين داخل مبانٍ متضررة. كما أقرت إذاعة جيش العدو بإصابة عدد من الأشخاص في جلجولية، بينما أكدت القناة 14 مقتل شخص إثر سقوط رأس متفجر في الوسط، في مشهد يعكس أن العمق الصهيوني لم يعد بمنأى عن النار الإيرانية، بل بات يعيش تحت وطأة القصف المباشر والمتكرر.

وفي الشمال الفلسطيني المحتل، تواصل حزب الله فرض معادلة النار اليومية، مستهدفًا تجمعات الجنود في كفر جلعادي وشمال مشروع الطيبة وحي الزقاق في عيترون، كما ارتفع عدد الدبابات المستهدفة خلال الليلة إلى ست دبابات، في مؤشر على أن الجبهة اللبنانية لا تزال تمسك بزمام الاستنزاف البري والمدفعي والصاروخي للعدو، فيما واصلت صفارات الإنذار دويها في المطلة ونهاريا والجليل الغربي والجليل الأعلى، وسط اعترافات عبرية بأن الشمال عاش ليلة بلا نوم حتى الصباح. ويعني ذلك أن الاحتلال بات يواجه ضغطًا مزدوجًا: من إيران في العمق والوسط، ومن حزب الله على الجبهة الشمالية، بما يضاعف الكلفة العسكرية والنفسية والسياسية.

وفي المقابل، واصلت بحرية الحرس الثوري الإيراني نقل المواجهة إلى القواعد الأمريكية والبنية الحيوية المرتبطة بها، معلنة تدمير أهداف رئيسية في قواعد “مناهَد” و”الظفرة” و”العديري” و”مينا سلمان”، بما في ذلك رادارات الإنذار المبكر، وخزانات الوقود، ومباني القيادات، والمنصات الرئيسية، ومستودعات المعدات. وهذا التطور يؤكد أن إيران لا تكتفي بإرسال رسائل ردع، بل تمضي في إضعاف القدرة العملياتية للقواعد الأمريكية نفسها، وتحويلها من نقاط انطلاق للهجوم إلى أهداف مكشوفة ومهددة بشكل دائم. كما شددت بحرية الحرس على أنها جاهزة بكل قوة للدفاع عن المياه الإقليمية للجمهورية الإسلامية ومواجهة أي مؤامرة محتملة في مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، بدا مضيق هرمز أكثر من أي وقت مضى ساحة سيادة إيرانية مباشرة. فقد أعلن الحرس الثوري إجبار ناقلة نفط عملاقة ترفع علم باربادوس على الانسحاب قبل دخول المضيق، مؤكدًا أن أي عبور يتم ضمن القواعد التي تحددها طهران، وأن المبادرة بيد إيران بينما يضطر الطرف المقابل إلى الانسحاب حتى بأكبر قدراته اللوجستية. ولم يعد هذا الموقف مجرد تهديد سياسي أو عسكري، بل ترجم نفسه فورًا إلى قفزات حادة في أسعار النفط والغاز، إذ ارتفع خام برنت إلى 110.88 ثم 114.83 دولارًا للبرميل، بينما تجاوزت أسعار الغاز في أوروبا 850 دولارًا لكل ألف متر مكعب، مع ارتفاع العقود الآجلة للغاز في أمريكا بنسبة 6.3%، وقفزة أوروبية تجاوزت 30%. كما برز اتجاه أمريكي لفرض تأمين حكومي خاص على السفن التي ترافقها البحرية الأمريكية في هرمز، في اعتراف ضمني بأن المضيق لم يعد منطقة عبور طبيعية بل منطقة مخاطر مكلفة ومفتوحة على الاضطراب.

وفي البعد الاقتصادي الأوسع، يتأكد أن الحرب لم تعد معركة عسكرية فقط، بل تحولت إلى أزمة طاقة ونقل ومالية عالمية. فقد أعلنت أبوظبي تعليق العمليات في منشآت للغاز، فيما أصيبت سفن قرب خورفكان ورأس لفان، وبدأت مؤسسات الطاقة والتمويل تسجل تداعيات متسارعة؛ إذ أعلن الرئيس التنفيذي لشركة إنرجين أن حالة القوة القاهرة تنطبق على الإنتاج في “إسرائيل”، في حين قفزت المخاوف الغربية من الركود، وتحدثت الإيكونوميست عن أن الحرب غير الشعبية وتكاليف الوقود الباهظة قد تُعرقل رئاسة ترامب، بينما كشفت واشنطن بوست أن البنتاغون طلب من البيت الأبيض الموافقة على طلب للكونغرس يزيد عن 200 مليار دولار لتمويل الحرب على إيران. وإلى جانب ذلك، أظهرت البيانات الأمريكية أن الدين الحكومي الأمريكي تجاوز 39 تريليون دولار لأول مرة في التاريخ، بما يعمّق صورة الحرب كعبء استراتيجي واقتصادي خانق على واشنطن.

سياسيًا، جاء الموقف العماني لافتًا ومحمّلًا بدلالات كبيرة، إذ أكد وزير الخارجية العماني أن على أصدقاء الولايات المتحدة مساعدتها على الخروج من حرب غير قانونية، وأن الرد الإيراني كان الخيار العقلاني الوحيد تقريبًا في ظل حرب تهدف إلى إنهاء الجمهورية الإسلامية، مضيفًا أن دول الخليج باتت ترى التعاون الأمني مع واشنطن مصدر ضعف يهدد أمنها وازدهارها. هذه التصريحات تعكس تصدعًا متزايدًا في صورة الحماية الأمريكية داخل المنطقة، وتؤشر إلى أن الحرب بدأت تولد تحولات سياسية في بيئة الحلفاء أنفسهم، لا في جبهة الخصوم فقط.

وفي الداخل الإيراني، تواصلت حرب التطهير الأمني ضد شبكات الاختراق والتجسس. فقد أعلنت الأجهزة الأمنية الإيرانية اعتقال 41 عميلًا في البرز، ثم كشفت وزارة الاستخبارات عن اعتقال 97 خائنًا وعميلًا للكيان الصهيوني ومقتل عنصر إجرامي خطير، مع تفكيك 5 خلايا مسلحة في خوزستان واعتقال 13 جاسوسًا في الجنوب الشرقي. كما أعلن حرس الثورة اعتقال 178 خائنًا ومرتزقًا منذ بداية العدوان، بعضهم أرسل مراكز طبية ونقاط تفتيش ومواقع حساسة إلى استخبارات العدو، إلى جانب ضبط رعايا أجانب بحوزتهم معدات عسكرية وتقنية وأجهزة تحديد مواقع واتصالات خاصة. وهذا يعني أن طهران لا تدير الحرب فقط في الجو والبحر، بل تخوض في الوقت نفسه معركة أمن داخلي واسعة لإغلاق الثغرات ومنع العدو من تحويل الاختراق الاستخباراتي إلى إنجاز ميداني.

أما على مستوى الخطاب الاستراتيجي، فقد أكد عباس عراقجي أن الرد الإيراني على استهداف البنية التحتية لم يستخدم إلا جزءًا يسيرًا من القوة الإيرانية، محذرًا من أنه لن يكون هناك أي ضبط للنفس إذا استُهدفت البنية التحتية مرة أخرى. وهذه الرسالة بالغة الأهمية، لأنها تعني أن ما استُخدم حتى الآن ليس كامل الجعبة، وأن الانتقال إلى مستوى أعلى من الهجوم يظل خيارًا مفتوحًا إذا واصل العدو توسيع ضرباته ضد المنشآت الحيوية الإيرانية.

وخلاصة المشهد أن اليوم العشرين من الحرب يؤكد بوضوح أن إيران لم تعد تتحرك فقط بمنطق الرد على العدوان، بل بمنطق إعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة كلها: العمق الصهيوني تحت النار، القواعد الأمريكية تحت الاستنزاف، مضيق هرمز تحت السيادة الإيرانية الفعلية، وأسواق الطاقة العالمية في حال ارتباك شديد. وفي المقابل، تبدو واشنطن والاحتلال في وضع أكثر ارتباكًا وتكلفةً وانكشافًا، مع تعاظم الإنفاق، واضطراب الحلفاء، وتراجع اليقين بإمكانية الحسم. وبذلك، فإن الحرب التي أريد لها أن تكون وسيلة لإخضاع إيران تتحول تدريجيًا إلى ساحة تعيد فيها طهران فرض معادلات ردع جديدة، ميدانيًا واقتصاديًا وسياسيًا.

من وهم الحسم إلى معادلة الاستنزاف: كيف أعادت إيران ضبط إيقاع الحرب في الشرق الأوسط؟

“خاص”

في التقييمات الأولية، بدا أن الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران تهدف إلى فرض صدمة استراتيجية سريعة تُفضي إلى شلّ البنية العسكرية الإيرانية وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية خلال فترة زمنية قصيرة. غير أن التطورات الميدانية والسياسية اللاحقة كشفت أن هذه الفرضية لم تصمد طويلًا أمام واقع أكثر تعقيدًا.

فبدلًا من الانهيار المتوقع، أظهرت إيران قدرة ملحوظة على امتصاص الضربة الأولى وإعادة تماسك منظومتها القيادية والعسكرية، ما حوّل مسار المواجهة من محاولة حسم سريع إلى صراع مفتوح محكوم بعوامل الزمن والكلفة والتدرج في التصعيد.

من التفوق الناري إلى معادلة الصمود

تعكس المؤشرات الميدانية أن التفوق الجوي والتقني الذي تمتلكه الولايات المتحدة و”إسرائيل” لم يترجم إلى نتيجة استراتيجية حاسمة. فعلى الرغم من كثافة الضربات، بقيت القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية فاعلة، واستمرت طهران في تنفيذ ردود محسوبة على أهداف عسكرية ومصالح مرتبطة بالخصوم.

هذا التباين بين التفوق العسكري التكتيكي والنتيجة الاستراتيجية يسلّط الضوء على واحدة من أبرز سمات الحروب الحديثة:
أن القدرة على التدمير لا تعني بالضرورة القدرة على الحسم.

في هذا السياق، يبدو أن طهران نجحت في فرض معادلة بديلة تقوم على إدارة الصراع بدل حسمه، عبر توزيع قدراتها، وتجنب الانجرار إلى مواجهة شاملة في توقيت غير مناسب، مع الاحتفاظ بهوامش تصعيد مدروسة.

البعد الاقتصادي كأداة ردع موازية

أحد أهم التحولات التي أبرزتها المواجهة يتمثل في انتقال الصراع إلى المجال الاقتصادي، حيث برز مضيق هرمز كعامل حاسم في حسابات جميع الأطراف.

فإيران، رغم عدم إغلاق المضيق، نجحت في ترسيخ حقيقة استراتيجية مفادها أن:
أي تهديد وجودي لها يمكن أن يقابله اضطراب واسع في تدفقات الطاقة العالمية.

هذا التوازن غير المباشر خلق حالة من الردع الاقتصادي المتبادل، حيث باتت الأسواق العالمية، وأسعار النفط، وسلاسل الإمداد جزءًا من معادلة الصراع، وليس مجرد انعكاس جانبي له.

كما أن استمرار التوتر في هذا الممر الحيوي يرفع من احتمالات حدوث أزمة طاقة عالمية، مع تأثيرات متسلسلة تمتد إلى الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي في مناطق متعددة من العالم.

اتساع رقعة الصراع خارج الجغرافيا الإيرانية

لم تبقِ المواجهة ضمن حدود إيران، بل سرعان ما اتخذت طابعًا إقليميًا مع دخول فاعلين غير دولتيين على خط الأحداث.

في لبنان، أعادت المواجهات فرض معادلات ردع جديدة، بينما برزت الجبهات الأخرى بوصفها أدوات ضغط إضافية تُعقّد حسابات التصعيد لدى “إسرائيل” وحلفائها.

هذا التمدد الجغرافي يعكس تحولًا مهمًا:
أن أي مواجهة مع إيران لم تعد ثنائية، بل باتت شبكية متعددة المستويات، تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية.

تردد أوروبي ومراقبة آسيوية حذرة

على المستوى الدولي، لا يبدو أن هناك إجماعًا غربيًا كاملًا على إدارة الحرب. فبينما تمضي واشنطن في التصعيد، تظهر عواصم أوروبية حذرًا واضحًا تجاه الانخراط في مواجهة مفتوحة، خاصة في ظل غياب مخرج سياسي واضح.

في المقابل، تراقب الصين وروسيا تطورات الصراع من زاوية المصالح الاستراتيجية، خصوصًا ما يتعلق بأمن الطاقة واستقرار الأسواق، ما يضفي على الأزمة بعدًا دوليًا يتجاوز حدود الشرق الأوسط.

كما أن دول الخليج، التي تقع في قلب هذه التفاعلات، تواجه معضلة مزدوجة:
الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة من جهة، والتعرض المباشر لتداعيات التصعيد من جهة أخرى.

حرب لم تُحسم ومسار مفتوح على احتمالات متعددة

في المحصلة، تشير مجمل المؤشرات إلى أن الحرب دخلت مرحلة الاستعصاء الاستراتيجي، حيث لم يعد أي طرف قادرًا على تحقيق نصر حاسم دون تكاليف باهظة وغير مضمونة النتائج.

الولايات المتحدة و”إسرائيل” تواجهان تحدي تحويل القوة العسكرية إلى مكسب سياسي مستدام، بينما تراهن إيران على الصمود طويل الأمد وتوسيع كلفة الصراع بما يكفي لإعادة ضبط شروط المواجهة.

وبين هذين المسارين، يتشكل واقع جديد: صراع لا تحكمه الضربات الأولى، بل القدرة على الاستمرار وإدارة المخاطر وفرض الإيقاع.

الأداء العسكري الإيراني في مواجهة العدوان

شكّلت الحرب العدوانية على إيران اختباراً عملياً عميقاً للعقيدة العسكرية التي بنتها طهران على مدى عقود من الصراع غير المباشر مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ولم يكن هذا الاختبار متعلقاً فقط بقدرتها على تنفيذ ردود عسكرية أو إطلاق الصواريخ والمسيّرات، بل شمل بصورة أساسية قدرتها على البقاء كفاعل عسكري منظم بعد الضربة الأولى، وعلى منع الحرب من التحول إلى عملية حسم سريعة تستهدف تفكيك بنيتها الدفاعية والسياسية، وقد أظهرت تطورات المواجهة أن الأداء العسكري الإيراني لا يمكن قراءته ضمن نموذج الحرب التقليدية القائمة على التفوق الجوي والحسم المباشر، بل ضمن نموذج مركّب يعتمد على المرونة العملياتية، وتوزيع القوة، وإدارة التصعيد وفق حسابات زمنية وسياسية دقيقة، وهو نموذج تشكل تدريجياً نتيجة خبرات سابقة في الحروب غير المتكافئة والعقوبات الطويلة والضغوط الإقليمية المستمرة.

امتصاص الضربة الأولى والانتقال إلى الهجوم

شكّلت الأيام الأولى للحرب اختباراً حاسماً لقدرة إيران على الصمود أمام محاولة المعتدين تحقيق “صدمة استراتيجية” عبر ضربات جوية وصاروخية مكثفة استهدفت منشآت عسكرية وبنى تحتية حساسة ومواقع يُعتقد أنها مرتبطة بمنظومة القيادة والسيطرة والقدرات الصاروخية. وكان الهدف العملياتي الظاهر لهذه الضربات المعادية إرباك آلية اتخاذ القرار العسكري، وإضعاف القدرة على الرد المنظم، بما يفتح المجال أمام فرض إيقاع سريع للحرب يقود إلى حسم مبكر أو على الأقل إلى تقليص هامش المناورة الإيرانية في المرحلة الأولى من المواجهة.

غير أن التطورات الميدانية كشفت عن قدرة نسبية على امتصاص الصدمة الأولية، إذ لم يطرأ انهيار شامل على بنية الدفاع أو على منظومة القيادة، ولم يحدث شلل كامل في قدرات الرد، يعود ذلك إلى مجموعة من العوامل البنيوية والتنظيمية، من أبرزها الانتشار الجغرافي الواسع للمنشآت العسكرية ومنظومات التسليح، الأمر الذي صعّب تحقيق إصابة حاسمة بضربة مركزة، إضافة إلى اعتماد بنية دفاعية متعددة الطبقات لا تقوم على مركز واحد يمكن تعطيله بسهولة. كما لعبت اللامركزية النسبية في بعض وحدات القيادة العملياتية دوراً في ضمان استمرار العمل الميداني حتى في حال تعرض بعض المرافق للضرر.

إلى جانب ذلك، أسهمت الخبرة المؤسسية المتراكمة في إدارة الأزمات الأمنية والعسكرية، الناتجة عن عقود من التوترات والعقوبات والاحتكاكات الإقليمية، في تسريع عملية استيعاب الضربة وإعادة تنظيم الجهود الدفاعية، فقد جرى الانتقال -خلال فترة قصيرة نسبياً- من حالة الدفاع تحت وقع المفاجأة إلى مرحلة إعادة التوازن العملياتي، التي شملت إعادة توزيع الموارد، وتعزيز الجاهزية في بعض الجبهات الحساسة، وتفعيل قنوات اتصال بديلة لضمان استمرارية التنسيق بين الوحدات المختلفة.

ومع استعادة الحد الأدنى من الاستقرار في بنية القرار العسكري، بدأت إيران في التحول التدريجي من وضعية الامتصاص إلى وضعية الرد المدروس. اتخذ هذا الرد أشكالاً متعددة، من بينها استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف أهداف عسكرية أو لوجستية مرتبطة بالخصم، إضافة إلى تحريك أدوات ضغط غير مباشرة عبر ساحات إقليمية متداخلة. لم يكن الهدف من هذه الخطوات تحقيق نصر سريع بقدر ما كان إعادة تشكيل معادلة الحرب نفسها عبر إظهار القدرة على الإيلام ورفع كلفة الاستمرار في العمليات.

في هذا السياق، يمكن القول إن نجاح إيران في تجاوز مرحلة الصدمة الأولى منحها هامشاً زمنياً وسياسياً لإعادة صياغة مسار مقاومة العدوان والهجوم المضاد، إذ تحولت الحرب من محاولة فرض إيقاع أحادي من قبل الطرف المهاجم إلى صراع أكثر توازناً من حيث القدرة على الرد والتأثير.

الردّ المنظّم وأدوات الحرب غير المتكافئة

بعد تجاوز مرحلة امتصاص الضربة الأولى، اتجهت إيران إلى بناء نمط ردّ عسكري منظّم ومتدرّج يهدف إلى إعادة تشكيل طبيعة الحرب نفسها، لا إلى تحقيق حسم عسكري سريع أو تقليدي. وقد اعتمد هذا الردّ بصورة رئيسية على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات المركّبة متعددة الموجات، وهي أدوات تسمح بإحداث تأثير عسكري وسياسي ملموس.

تميّزت هذه العمليات بقدر من الانضباط العملياتي والتدرّج في مستوى التصعيد، إذ لم تُنفّذ الضربات بشكل عشوائي، بل استهدفت أهدافاً ذات دلالة استراتيجية، مثل القواعد العسكرية والبنى المرتبطة بالدفاع الجوي والراداري ومراكز الدعم اللوجستي، وقد ساهم هذا النمط في خلق حالة من الضغط المستمر على الخصم، لأن الضربات المتقطعة والمتكررة تجبر أنظمة الدفاع على البقاء في حالة استنفار دائم، كما تدفع إلى توزيع القدرات الدفاعية على مساحات جغرافية أوسع، وهو ما يقلل من كثافتها في بعض النقاط الحساسة.

ومن أبرز الأمثلة على هذا الردّ الموجات الصاروخية والمسيّرة التي استهدفت العمق الإسرائيلي، حيث سُجلت إصابات في مناطق داخل وسط “إسرائيل”، الأمر الذي أظهر قدرة نسبية على اختراق جزئي للمظلة الدفاعية متعددة الطبقات. لم يكن الهدف من هذه الضربات تحقيق تدمير واسع بقدر ما كان إيصال رسالة ردعية مفادها أن الحرب لن تبقى محصورة في الأطراف أو في ساحات بعيدة عن المراكز السكانية والاقتصادية. وقد انعكس ذلك في اضطرابات متكررة في حركة الطيران والإنذار المبكر داخل كيان الاحتلال، إضافة إلى الضغط النفسي والسياسي الناتج عن تعرّض العمق لضربات مباشرة.

أما على مستوى الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، فقد اتخذ الردّ الإيراني طابعاً أكثر تعقيداً من مجرد استهداف القواعد كمبانٍ ثابتة، إذ ركزت بعض العمليات على البنية الرادارية ومنظومات الإنذار المبكر التي تشكّل العمود الفقري للدفاع الجوي الحديث. وتشير تقارير مفتوحة المصدر وتحليلات صور الأقمار الاصطناعية إلى تعرّض مواقع مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في دول مثل الأردن وقطر والبحرين والإمارات والعراق لضربات دقيقة، ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة لأن تعطيل الرادارات أو إضعافها -حتى بشكل مؤقت- يمكن أن يفتح نافذة زمنية تسمح بمرور موجات لاحقة من الصواريخ أو المسيّرات باحتمالات نجاح أعلى.

كما برزت محاولات استهداف أو تهديد منشآت قريبة من المطارات والموانئ ومحاور الطاقة في الخليج، وهو ما يعكس انتقال الحرب من مستوى المواجهة العسكرية المباشرة إلى مستوى الضغط الاقتصادي واللوجستي؛ فمجرد تعرّض هذه المرافق للتهديد يؤدي إلى رفع كلفة التأمين والشحن وتعطيل بعض الأنشطة الحيوية، وهو ما يوسّع دائرة التأثير لتشمل الاقتصاد الإقليمي والدولي، لا الجبهة العسكرية فقط.

ويكشف هذا النمط من العمليات عن منطق الحرب غير المتكافئة الذي تعتمد عليه إيران، إذ تقوم الاستراتيجية هنا على الجمع بين وسائل هجومية منخفضة الكلفة نسبياً ووسائل دفاعية لدى الخصم مرتفعة الكلفة (آلاف الدولارت مقابل ملايين الدولارات)، ما يخلق حالة استنزاف تدريجية؛ فإطلاق عدد كبير من المسيّرات أو الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى قد يفرض على الطرف المقابل استخدام منظومات اعتراض متطورة ومكلفة مالياً وصناعياً، وهو ما يؤدي -بمرور الوقت- إلى رفع كلفة الدفاع إلى مستويات قد تفوق كلفة الهجوم ذاته.

ولا تقتصر قيمة هذا الردّ على الأثر المادي المباشر للضربات، بل تمتد إلى إعادة صياغة طبيعة الصراع، إذ تحوّلت الحرب من محاولة فرض إيقاع سريع وحسم مبكر إلى صراع مفتوح الكلفة ومتعدد الجبهات. ففي ظل هذا الواقع، لم يعد المعتدي قادراً على الاكتفاء بالدفاع عن جبهة واحدة أو قاعدة واحدة، بل أصبح مضطراً لإدارة شبكة واسعة من التهديدات المتزامنة تشمل المجال الجوي والبحري والاقتصادي والسيبراني.

في المحصلة، يُظهر الردّ الإيراني المنظّم أن الهدف الأساسي منع الحسم السريع من قبل العدو، وفرض منطق الاستنزاف والردع المتبادل، وقد نجحت هذه الاستراتيجية في إطالة أمد المواجهة وتعقيد حسابات العدو، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح الباب أمام مخاطر تصعيد أوسع إذا خرجت بعض العمليات عن نطاق الضبط، أو إذا أدت إلى تدخلات دولية إضافية، وبذلك يصبح هذا النمط من الردود جزءاً من صراع طويل الأمد تُدار فيه الكلفة المالية بقدر ما تُدار العمليات العسكرية نفسها.

البعد الاقتصادي للحرب العسكرية

لم يقتصر الأداء العسكري الإيراني على العمليات الميدانية المباشرة، بل شمل أيضاً استخدام أدوات ضغط غير مباشرة ترتبط بالاقتصاد والممرات الحيوية، ففي ظل الاعتماد العالمي على استقرار أسواق الطاقة والملاحة البحرية، يمكن لأي توتر في هذه المجالات أن ينعكس سريعاً على حسابات الحكومات والشركات والأسواق المالية، وقد أدى هذا البعد إلى توسيع مفهوم المواجهة، بحيث لم تعد مقتصرة على تبادل الضربات العسكرية، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع يتعلق بكلفة الحرب واستمرار الخسائر المالية. ويُعد هذا العامل مهماً في فهم كيفية إدارة الصراع، إذ إن رفع الكلفة الاقتصادية قد يكون وسيلة لتعويض الفجوة في بعض مجالات التفوق التكنولوجي أو العسكري.

نقاط القوة وحدود القدرة

كشف الأداء العسكري الإيراني خلال مجريات الحرب عن مجموعة من عناصر القوة البنيوية والعملياتية التي ساهمت في منع تحقيق حسم سريع ضدها، إذ برزت أولاً قدرة واضحة على امتصاص الضربة الأولى والمحافظة على تماسك منظومة القيادة والسيطرة، وهو عامل حاسم في الحروب الحديثة، حيث يؤدي انهيار هذه المنظومة غالباً إلى تفكك الجبهة العسكرية والسياسية معاً. كما أظهرت طهران مستوى ملحوظاً من المرونة العملياتية في إدارة الرد، من خلال الجمع بين الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية والضغط غير المباشر عبر ساحات إقليمية متداخلة، الأمر الذي أسهم في تعقيد حسابات الطرف المقابل وإطالة أمد المواجهة.

إلى جانب ذلك، لعب العمق الجغرافي الإيراني دوراً مهماً في تعزيز القدرة الدفاعية، إذ يصعب استهداف بنية عسكرية منتشرة على مساحة واسعة ومتنوعة التضاريس مقارنة بدول ذات جغرافيا محدودة، كما ساعد تعدد مسارات الإمداد والتصنيع المحلي في تقليل تأثير الضربات الأولية على القدرة القتالية. كذلك، مكّن الاعتماد على منظومات تسليحية ذات قيمة مالية منخفضة، مثل المسيّرات والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، من خلق معادلة استنزاف اقتصادي وعسكري للطرف المقابل الذي يعتمد بدرجة أكبر على منظومات اعتراض كلفتها المالية مرتفعة.

غير أن هذه العناصر الإيجابية لا تلغي وجود حدود موضوعية للقدرة الإيرانية، إذ كشفت الحرب في الوقت نفسه عن تحديات مرتبطة بالقدرة على تحمّل مواجهة طويلة في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الممتدة منذ سنوات، وهو ما يفرض قيوداً على حجم الإنفاق العسكري واستدامة العمليات. كما برز التفوق التقني والاستخباراتي للطرف المقابل في مجالات مثل الاستطلاع الفضائي والحرب الإلكترونية والضربات الدقيقة بعيدة المدى، الأمر الذي مكّنه من استهداف مواقع حساسة أو قيادات ميدانية بصورة متقطعة لكنها مؤثرة.

في المحصلة، يظهر الأداء العسكري الإيراني مزيجاً من القدرة على التعطيل ومنع الحسم مقابل قيود تتعلق بالاستدامة والتفوق التقني للطرف المقابل، وهو ما يجعل مسار الحرب مفتوحاً على احتمالات متعددة تتراوح بين استمرار الاستنزاف المتبادل أو الانتقال إلى ترتيبات تهدئة تفرضها الكلفة المتزايدة على جميع الأطراف.

نموذج الحرب الطويلة والنجاح العسكري

تكشف الحرب أن إيران ومِن موقع المدافع لا تسعى إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي يقوم على فرض استسلام مباشر للطرف المعتدي، بل تركز على منع الحسم الأمريكي الصهيوني وإسقاط النظام أو الانتقال الأمريكي من العمليات الجوية إلى الغزو البري، ورفع كلفة العدوان بما يؤدي إلى فرض توازن ردع أو تسوية سياسية عادلة، مع أخذ ايران التعويض كما أكد المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ويقوم هذا النموذج على المزج بين الدفاع المرن والهجوم الدقيق، وبين العمليات العسكرية المباشرة والضغط الاقتصادي والسياسي بما في ذلك استخدام ورقة مضيق هرمز. وفي مثل هذا السياق يصبح مفهوم النجاح العسكري نسبياً ومشروطاً بقدرة كل طرف على تحمل الكلفة الزمنية والمالية والبشرية. ومع مرور الوقت قد تتحول الحرب إلى اختبار لإرادة الصمود بقدر ما هي اختبار لقدرات الجيوش.

الخلاصة

الخلاصة: في المحصلة، تكشف تجربة امتصاص الضربة الأولى والانتقال إلى الهجوم أن مرونة البنية الدفاعية والقدرة على إعادة التنظيم السريع لعبت دوراً حاسماً في منع الحسم المبكر للعدو، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع تقوم على الاستنزاف المتبادل وإدارة كلفة المواجهة، أكثر مما تقوم على تحقيق انتصار تقليدي واضح المعالم، فإيران بوصفها الطرف المُدافع والمُعتدى عليه، تظل مُنتصرة ما استمر النظام الوطني المستقل قائماً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنس القاضي

العدوان على “طاقة إيران” يُشعل أسواق العالم.. وطهران تفتح مرحلة جديدة بضرب المصالح النفطية المرتبطة بواشنطن

في تطور اقتصادي خطير يعكس اتساع كلفة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، دخلت الحرب مرحلة أكثر حساسية بعد استهداف منشآت رئيسية في حقل بارس الجنوبي ومنشآت طاقة إيرانية أخرى، وهو ما دفع طهران إلى إعلان أن العدو ارتكب خطأً كبيراً بمهاجمة البنية التحتية للطاقة، مؤكدة أن الرد بدأ بالفعل عبر استهداف منشآت نفطية مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن القصف الذي طال منشآت الغاز الإيرانية فجّر موجة اضطراب عالمية في أسواق النفط والطاقة والشحن والنقل، بعدما قفز خام برنت في البداية بنحو 6%، قبل أن تتواصل الارتفاعات لاحقاً ويتجاوز السعر 111 دولاراً للبرميل، في إشارة واضحة إلى أن المساس بقطاع الطاقة الإيراني لم يعد شأناً محلياً أو إقليمياً، بل تحول إلى صدمة مباشرة للاقتصاد العالمي.

وفي هذا السياق، أكد حرس الثورة الإسلامية أن الجمهورية الإسلامية لم تكن تسعى إلى توسيع نطاق الحرب ليشمل المنشآت النفطية أو الإضرار باقتصاد الدول الصديقة والمجاورة، لكن استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية أدخل المواجهة عملياً في مرحلة جديدة من الحرب، تفرض على طهران الدفاع عن منشآتها الحيوية عبر مهاجمة منشآت الطاقة المرتبطة بأمريكا والمساهمين الأمريكيين. وأوضح الحرس أن مجموعة من المنشآت النفطية التي تُعد من المصالح الأمريكية في المنطقة قد أُحرقت بالفعل رداً على العدوان، محذراً من أن الهجمات القادمة ستكون أعظم ولن تتوقف حتى التدمير الكامل إذا تكرر استهداف منشآت الطاقة الإيرانية.

هذا التحول الميداني انعكس فوراً على الأسواق الدولية، حيث بدا واضحاً أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت حرباً على شرايين الاقتصاد العالمي. ففي أوروبا، تراجعت الأسهم بعد الضربة على حقل الغاز الإيراني، بينما عادت المخاوف بقوة من أزمة طاقة كبرى قد تمتد آثارها إلى التضخم والنمو وسلاسل الإمداد. كما حذر مسؤولون روس من أن الصراع يفجر أسوأ أزمة طاقة منذ 40 عاماً، في ظل تأثيره على عشرات الملايين من براميل النفط ومشتقاته التي كانت تمر عبر مضيق هرمز.

وفي الخليج والمنطقة، اتسعت التداعيات سريعاً. فقد أعلنت وزارة الكهرباء العراقية توقف ضخ الغاز الإيراني بشكل كامل، بما تسبب في خسارة آلاف الميغاواطات من إنتاج الكهرباء، بينما تعرضت مدينة رأس لفان الصناعية في قطر لهجمات صاروخية ألحقت أضراراً جسيمة، في وقت تزايدت فيه التحذيرات من أن استهداف البنية التحتية للطاقة يهدد الأمن الطاقوي العالمي ويضع المنطقة كلها على حافة اضطراب اقتصادي واسع.

كما امتدت آثار التصعيد إلى قطاع الطيران والنقل الجوي، إذ بدأت شركات طيران دولية بتعليق أو تقليص رحلاتها إلى مدن رئيسية في المنطقة، مع ارتفاع متوقع في أسعار التذاكر وتكاليف الوقود، بينما دخلت حركة الملاحة والشحن في دائرة الارتباك، في مشهد يؤكد أن الحرب باتت تضرب الخدمات اللوجستية والتجارية العالمية إلى جانب النفط والغاز.

وفي الأسواق المالية، جاء الضغط من أكثر من اتجاه. وول ستريت أغلقت على انخفاض بعد تثبيت الفائدة الأمريكية، والذهب تراجع تحت ضغط قوة الدولار وتوقعات استمرار الفائدة المرتفعة، بينما بدت الأسواق الآسيوية والأوروبية والخليجية في حالة ترقب حذر لسيناريوهات أكثر خطورة، خاصة إذا استمر استهداف منشآت الطاقة أو اتسعت رقعة الضربات إلى خطوط الإمداد والممرات البحرية.

سياسياً، حملت طهران رسالتها بوضوح: استهداف منشآت الطاقة الإيرانية لن يمر بلا ثمن، وأن العدو الأمريكي الصهيوني انتقل بالحرب إلى مستوى أكثر خطورة حين قرر استهداف مصالح الشعب الإيراني الحيوية بهدف التضييق عليه. وفي المقابل، أكدت إيران أن الدفاع عن منشآتها ومواردها يفرض عليها الرد على المصالح النفطية الأمريكية، بما يعني أن واشنطن وتل أبيب لم تعودا تتحكمان وحدهما بسقف التصعيد، بل أصبحتا تواجهان معادلة ردع اقتصادية ونفطية مفتوحة.

وخلاصة المشهد أن العدوان على قطاع الطاقة الإيراني لم يحقق ضربة نظيفة كما أراده المعتدون، بل فتح أبواب أزمة اقتصادية دولية تتسع من النفط إلى الغاز، ومن الموانئ إلى المطارات، ومن التضخم إلى الأمن الطاقوي العالمي. وهكذا، تتحول الحرب يوماً بعد آخر من مغامرة عسكرية إلى عبء استراتيجي ثقيل على الأسواق والحلفاء والاقتصاد العالمي، فيما تؤكد طهران أن الرد جارٍ تنفيذه وأن مرحلة جديدة من الحرب قد بدأت بالفعل.

اليوم التاسع عشر: ثأرُ لاريجاني يشعل “تل أبيب”.. وحزب الله يوسّع “خيبر 1”.. وواشنطن تتهاوى تحت ضغط النار والانقسام

دخل العدوان يومه التاسع عشر على وقع تصعيد إيراني–لبناني متزامن قلب المشهد الميداني والسياسي، وأظهر أن جبهة العدوان الأمريكي–الصهيوني لم تعد تواجه ردودًا متفرقة، بل منظومة نار مترابطة تضرب في الوقت نفسه العمق الصهيوني، والقواعد الأمريكية، والبنية المعنوية للعدو. وفي هذا اليوم، تصدّر ثأر الشهيد علي لاريجاني واجهة الميدان، مع إعلان حرس الثورة تنفيذ الموجة الحادية والستين من عملية “الوعد الصادق 4”، مستخدمًا صواريخ خرمشهر 4 وقدر وعماد وخيبرشكن متعددة الرؤوس الحربية، ومؤكدًا أن الضربة أصابت أكثر من 100 هدف عسكري وأمني في قلب الأراضي المحتلة، في ظل ما وصفه بـانهيار منظومة الدفاع الجوي المتعددة الطبقات التابعة للكيان.

ولم تبقَ هذه الضربة في حدود البيان العسكري، بل ظهرت آثارها سريعًا في عمق الكيان، حيث تحدث الإعلام الصهيوني عن كارثة، وأظهرت المشاهد دمارًا هائلًا في تل أبيب ورامات غان وحولون، مع اندلاع حرائق في المباني والمركبات والمصانع، وسقوط قتيلين في رامات غان جنوب تل أبيب، ثم ارتفاع عدد المصابين المعلن من قبل العدو إلى 192 مصابًا خلال 24 ساعة فقط، وإجمالي 3727 مصابًا منذ بداية الحرب. كما أقر موقع واللا بإخلاء نحو 4000 شخص بعد تضرر منازلهم في منطقة الوسط، في مؤشر واضح على أن الضربات الإيرانية لم تعد تترك أثرًا نفسيًا فقط، بل تدفع نحو نزوح داخلي متسارع وتفكك الإحساس بالأمن في قلب الكيان.

وفي الوقت نفسه، كانت المقاومة الإسلامية في لبنان تدشن مرحلة أكثر اتساعًا من الضغط تحت عنوان “خيبر 1”، معلنة استهداف 12 مغتصبة شمال فلسطين المحتلة، إلى جانب قاعدة ميرون للمراقبة وإدارة العمليات الجوية، وقاعدة غيفع للتحكم بالمسيّرات شرق صفد، ومقر قيادة المنطقة الشمالية، وقاعدة عين زيتيم، وقاعدتي عميعاد وشمشون، ومنظومة الدفاعات الجوية في معالوت ترشيحا، وقاعدة حيفا البحرية، ثم تلتها عمليات على نهاريا، وأفيفيم، وكريات شمونة، وشوميرا، وشتولا، وزرعيت، فضلًا عن استهداف تجمعات وآليات العدو في الخيام والعديسة وحولا. هذه الرمايات الواسعة كشفت أن حزب الله لم يعد يكتفي بضرب خطوط التماس، بل بات يفكك مراكز الرصد والتحكم والدفاع والبحرية في الشمال، ويحوّل الجبهة الشمالية إلى منطقة نارية مفتوحة.

وقد انعكس ذلك مباشرة على المجتمع الصهيوني في الشمال، حيث تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن تذمر واسع بين رؤساء المجالس المحلية بسبب النقص الكبير في التحصين وشلل الاقتصاد، مع مطالبات بإخلاء مستوطنات بأكملها لفترة غير محددة. كما أقرت إذاعة جيش العدو بأن القوات المتمركزة على الحدود مع جنوب لبنان تعرضت في اليوم السابق لـوابل كثيف وغير مسبوق من الصواريخ، فيما أكدت القناة 12 أن حزب الله نجح في إعادة نشر واسعة لمنصاته الصاروخية في الميدان، وأن قدرته على مواصلة إطلاق النار لم تتراجع، بل ازدادت تنظيمًا واتساعًا. أما يديعوت أحرونوت فكشفت عن أزمة ثقة متصاعدة بين المستوطنين والمؤسسة العسكرية، مشيرة إلى أن ليلة الحادي عشر من مارس كانت نقطة تحول حين أمطر الحزب الشمال بنحو 200 صاروخ بعد طمأنة الجيش للمدنيين بعدم وجود تغيير في التعليمات.

وفي مقابل هذا الضغط على الكيان، واصلت إيران تطويق القواعد الأمريكية في المنطقة ضمن معادلة واضحة: كل قاعدة تُستخدم ضد إيران ستُضرب. فقد أعلنت القوة البحرية في الحرس الثوري تنفيذ عملية مركبة بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت حظائر المقاتلات الأمريكية في قاعدة الشيخ عيسى وقاعدة الظفرة، مؤكدة أن الظفرة كانت منطلقًا للهجمات الأمريكية على الجزر الإيرانية، وأن الضربات الأخيرة خفضت القدرة العملياتية للقاعدة بشكل كبير، مع تصاعد أعمدة الدخان من ورش الصيانة والمنشآت اللوجستية في الشيخ عيسى. كما جددت إيران نداءاتها للمدنيين بالابتعاد عن القواعد الأمريكية، ثم وسّعت التحذير ليشمل المصانع والمنشآت التي تمتلك فيها الولايات المتحدة أسهمًا، معلنة أن هذه المواقع ستتعرض لهجمات مباشرة خلال الساعات القادمة.

وفي تطور لافت، اعترف الجيش الأمريكي بإصابة 200 جندي خلال العدوان على إيران، بينما كشفت واشنطن بوست أن استقالة جو كينت، مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة “الإرهاب” وأحد أبرز مؤيدي ترامب، عرّت حجم الانقسام داخل الإدارة الأمريكية. وتزداد دلالة هذه الاستقالة حين تتزامن مع تقارير أمريكية تؤكد أن الحرب التي قُدمت على أنها ضربة خاطفة تحولت إلى انتحار استراتيجي، وأن الحلفاء الذين شجعتهم واشنطن على المضي في المواجهة تُركوا يواجهون الهجمات الإيرانية بمفردهم.

في البحر، بدت صورة القوة الأمريكية أكثر اهتزازًا. فقد كشفت نيويورك تايمز أن حريقًا اندلع في حاملة الطائرات “جيرالد فورد” قبل أيام، واستغرق إخماده 30 ساعة، وأن إصلاحها سيحتاج إلى أسبوع على الأقل، وهو تطور يضرب رمزًا مركزيًا من رموز الهيمنة الأمريكية البحرية. وفي السياق نفسه، أعلن الجيش الإيراني أنه استهدف حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” بصواريخ بر–بحر أجبرتها على الانسحاب والابتعاد عن المنطقة، مؤكدًا أن العملية جاءت ردًا على الجرائم الأمريكية وبالتزامن مع تشييع شهداء الفرقاطة دنا. وبهذا، لم تعد حاملات الطائرات الأمريكية أدوات فرض ردع، بل تحولت إلى أهداف ثقيلة تحت الضغط.

وفي ملف الطاقة والبحر، تعمقت أزمة مضيق هرمز أكثر. فقد أكد الجيش الإيراني وقاليباف وعراقجي أن الأوضاع في المضيق لن تعود إلى سابق عهدها مع استمرار الوجود الأمريكي والصهيوني، وأن إيران تملك السيادة الكاملة على هذا الممر الحيوي، ولن تسمح للعدو بالاستفادة من مصالحه. كما شدد عراقجي على أن مضيق هرمز يقع على الحدود مع إيران، ومن الطبيعي ألا تسمح طهران لعدوها باستخدامه، داعيًا بعد انتهاء الحرب إلى وضع آليات جديدة لمسار السفن فيه. وقد بدأت نتائج هذه المعادلة تظهر بوضوح، مع تعليق ميناء الفجيرة عمليات تحميل النفط، وبدء اليابان السحب من احتياطياتها الاستراتيجية، وتحذيرات متزايدة من تفاقم أزمة الطاقة، فضلًا عن توقعات بارتفاع أسعار تذاكر الطيران الصيفية نتيجة القفزة الكبيرة في وقود الطائرات.

سياسيًا، واصلت طهران تثبيت روايتها بأن الحرب لم تبدأ منها، وأنها لن تنتهي إلا بإزالة التهديدات جذريًا. فقد قال الرئيس مسعود بزشكيان إنه أكد للرئيس الفرنسي أن إيران لم تبدأ هذه الحرب، وأن الدفاع في مواجهة العدوان حق طبيعي نجيده، مشددًا على ضرورة وقف استخدام القواعد الأمريكية في المنطقة ضد إيران. كما أكد أن الجمهورية الإسلامية لن تستسلم للمتغطرسين، وأن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا عبر تجاهل العدوان الأمريكي–الصهيوني. وفي الاتجاه نفسه، أعلن قاليباف أن إيران لم تعد تقبل بمعادلة “الحرب–وقف إطلاق النار–التفاوض”، بل تريد إزالة التهديد بشكل كامل، بينما طالب عراقجي الأمم المتحدة بإدانة العدوان ومحاسبة المعتدين وفق الفصل السابع، مؤكدًا أن طهران لا تسعى إلى وقف إطلاق نار هش يعيد إنتاج الحرب لاحقًا، بل إلى إنهاء دائم للصراع.

كما برز في هذا اليوم التلاحم السياسي والإقليمي مع إيران بصورة أوضح. فقد نعى المكتب السياسي لأنصار الله الشهيدين علي لاريجاني وغلام رضا سليماني، مؤكدًا أن هذه الدماء الزكية ستفجر طوفانًا يجرف المعتدين، وأن العدوان على إيران يأتي ضمن مخطط صهيوني للسيطرة المطلقة على المنطقة. كما نعت حماس والجهاد الإسلامي ولجان المقاومة وحركة المجاهدين الشهيد لاريجاني، مؤكدة أنه كان من أبرز الداعمين لفلسطين والمقاومة، وأن استمرار العدوان على إيران يمثل خطرًا على المنطقة بأسرها. ومن جهته، أدان الكرملين اغتيال كبار المسؤولين في إيران، فيما أبلغ عراقجي شكره إلى باكستان حكومةً وشعبًا على تضامنها الكامل مع الجمهورية الإسلامية.

في الداخل الإيراني، استمرت الأجهزة الأمنية في تفكيك شبكات التخريب والتجسس. فقد أعلن حرس الثورة في البرز اعتقال 75 عنصرًا رئيسيًا مرتبطين بجماعات إرهابية وشبكات معادية، وتفكيك مجموعة قرصنة إلكترونية مرتبطة بشبكات خارجية، فيما أعلنت الاستخبارات الإيرانية تفكيك 111 خلية “ملكية” مسلحة في 26 محافظة، إضافة إلى اعتقال جواسيس يعملون لصالح الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. هذا إلى جانب إعلانات سابقة عن توقيف 500 جاسوس في الداخل الإيراني. وهو ما يثبت أن الدولة الإيرانية لا تكتفي بإدارة الجبهة العسكرية، بل تخوض حربًا أمنية داخلية محكمة وتمنع العدو من تحقيق أي اختراق حاسم.

إنسانيًا، استمر العدوان الأمريكي–الصهيوني في استهداف القطاع الصحي والمدني في إيران ولبنان. فقد أعلنت وزارة الصحة الإيرانية استشهاد 18 من العاملين في القطاع الصحي وتضرر 180 مركزًا طبيًا منذ بدء الحرب، إضافة إلى استشهاد 206 أطفال وإصابة 1401 ممن تقل أعمارهم عن 18 عامًا. كما تضرر 8 مصانع أدوية وعدد من شركات التوزيع والصيدليات. وفي لبنان، ارتفعت حصيلة الغارات الإسرائيلية على جبشيت وحبوش وبعلبك ثم على البسطة وزقاق البلاط وصيدا إلى عشرات الشهداء والجرحى، فيما استشهد محمد شري، مدير البرامج السياسية في قناة المنار، مع زوجته في غارة على بيروت. هذه الجرائم تعزز الرواية الإيرانية بأن العدو، بعدما عجز عن كسر الجبهة العسكرية، انتقل إلى ضرب البنية المدنية والصحية والإعلامية.

وعلى ضوء كل هذه المعطيات، أكد الجيش الإيراني أنه نجح في ترسيخ معادلة ردع تضمن الأمن القومي بشكل كامل، وأن المواجهة الحالية ستكون محطة لرفع مستوى الجهوزية والقدرات العسكرية. كما شدد المتحدث باسم الجيش الإيراني على أن الأيام المقبلة ستشهد إدخال أسلحة أكثر تطورًا إلى ساحة المعركة، وأن الثأر لشهداء دنا قادم لا محالة، فيما أكد مجتبى خامنئي أن دماء علي لاريجاني وغلام رضا سليماني لن تزيد شجرة النظام الإسلامي إلا قوة، وأن لكل دم ثمنًا سيدفعه قتلة الشهداء قريبًا.

وعليه، فإن اليوم التاسع عشر لم يكن مجرد يوم آخر من أيام الحرب، بل كان يوم ترسيخ معادلات جديدة: العمق الصهيوني مكشوف، الشمال ينهار تحت نار حزب الله، القواعد الأمريكية تتآكل، حاملات الطائرات تحترق أو تنسحب، مضيق هرمز خرج من المنطق القديم، والحرب لم تعد وسيلة لإخضاع إيران بل مسارًا متسارعًا لتفكيك هيبة واشنطن والكيان معًا. لقد بات واضحًا أن محور المقاومة لا يخوض معركة رد محدود، بل معركة تغيير قواعد الإقليم وإنهاء مظلة الهيمنة الأمريكية–الصهيونية بالقوة والصبر وتراكم الضربات.

ثأرٌ صاروخي لـ”لاريجاني ورفاقه” يهزّ قلب الكيان.. حرس الثورة يدكّ “تل أبيب” باستهداف أكثر من 100 هدف عسكري وأمني

في ردٍّ ناري واسع حمل بصمة الثأر والردع، أعلن حرس الثورة الإسلامية في إيران تنفيذ عملية عسكرية مكثفة استهدفت عمق الكيان الصهيوني، ثأرًا لدماء الشهيد الدكتور علي لاريجاني ورفاقه.

وأوضح بيان صادر عن الحرس أن القوة الجوفضائية نفذت الموجة الحادية والستين من عملية “الوعد الصادق 4”، مستخدمة وابلًا من الصواريخ الباليستية المتطورة من طراز خرمشهر 4 وقدر متعددة الرؤوس الحربية، إضافة إلى صواريخ عماد وخيبرشكن، في واحدة من أعنف الضربات الصاروخية التي تطال الكيان منذ بدء المواجهة.

وأكد البيان أن العملية أصابت أكثر من 100 هدف عسكري وأمني في قلب الأراضي الفلسطينية المحتلة، مشيرًا إلى أن الضربات نُفذت في ظل انهيار كامل لمنظومات الدفاع الجوي الصهيونية متعددة الطبقات، وعجزها عن اعتراض الصواريخ أو الحد من فاعليتها.

وأشار حرس الثورة إلى أن “تل أبيب”، التي وصفها بأنها مركز الشر الصهيوني، تعرضت لضربات مباشرة بواسطة رؤوس حربية عنقودية اخترقت الدفاعات المعادية ووصلت إلى أهدافها بدقة عالية، في رسالة تؤكد أن العمق الصهيوني بات مكشوفًا بالكامل أمام نيران الرد الإيراني.

وبذلك، حملت هذه الموجة الصاروخية أبعادًا تتجاوز مجرد الرد العسكري، إذ قدّمت نفسها بوصفها ثأرًا مباشرًا لدماء القادة الشهداء، وإثباتًا جديدًا على امتلاك إيران زمام المبادرة النارية في مواجهة العدوان، مع تثبيت معادلة تقول إن استهداف القادة والمواقع الإيرانية سيقابله قصف موجع ومركز في قلب الكيان.

خيبر1 يزلزل الشمال المحتل.. “حزب الله” يدك القواعد والمغتصبات من ميرون إلى حيفا بعشرات الصواريخ الثقيلة

في تصعيد ميداني لافت على الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، أعلنت المقاومة الإسلامية في لبنان تنفيذ موجة عمليات جديدة تحت اسم “خيبر 1”، استهدفت خلالها 12 مغتصبة شمال فلسطين المحتلة، في مؤشر واضح على انتقال الرد من الضربات المتفرقة إلى رمايات واسعة ومنسقة تطال المستوطنات والقواعد العسكرية ومنظومات القيادة والدفاع الجوي في آن واحد.

وبحسب البيانات المعلنة، افتتحت المقاومة الموجة باستهداف قاعدة “ميرون” الخاصة بالمراقبة وإدارة العمليات الجوية شمال فلسطين المحتلة، قبل أن توسّع نطاق النار لتطال قاعدة “غيفع” للتحكم بالمسيّرات شرق صفد المحتلة، إلى جانب مقر قيادة المنطقة الشمالية وقاعدة عين زيتيم شمال صفد، في ما يعكس تركيزًا واضحًا على شل مراكز القيادة والتحكم والرصد الجوي التابعة لجيش الاحتلال.

وامتد القصف لاحقًا إلى قاعدة “عميعاد” شمال بحيرة طبريا وقاعدة “شمشون” غرب بحيرة طبريا بصليات صاروخية، قبل أن تضرب المقاومة منظومة الدفاعات الجوية في معالوت ترشيحا ومغتصبة نهاريا بالصواريخ والمسيّرات، في رسالة ميدانية تؤكد أن القدرات الدفاعية للاحتلال باتت تحت الاستهداف المباشر، وليس فقط مواقعه البشرية أو خطوطه الأمامية.

كما شملت العمليات قصف مغتصبات “شوميرا” و”شتولا” و”زرعيت” بقذائف المدفعية، بالتوازي مع استهداف تجمع لجنود العدو في خربة المنارة مقابل بلدة حولا الحدودية للمرة الثانية، ما يشير إلى استمرار الرصد والمتابعة وإعادة الضرب على الأهداف نفسها عند الحاجة. وفي ذروة هذه الموجة، أعلنت المقاومة قصف قاعدة حيفا البحرية بصلية من الصواريخ النوعية، في تطور يعكس اتساع بنك الأهداف ليشمل المنشآت البحرية الحساسة التابعة للاحتلال.

ويكشف هذا التسلسل من العمليات أن المقاومة تتجه نحو تصعيد مركب يجمع بين استهداف المغتصبات، والقواعد الجوية، ومراكز التحكم بالمسيّرات، ومنظومات الدفاع الجوي، والقواعد البحرية، بما يضع الجبهة الشمالية للاحتلال تحت ضغط ناري متواصل ومتعدد المستويات. كما أن تسمية الموجة بـ“خيبر 1” توحي بأن ما جرى ليس حدثًا معزولًا، بل بداية مسار عملياتي أوسع قد يحمل جولات لاحقة أشد كثافة واتساعًا.

إيران تعلن استشهاد قائد “الباسيج” و”علي لاريجاني” بعدوان إسرائيلي

في تصعيد جديد يكشف طبيعة العدوان الإسرائيلي الأمريكي المتواصل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أعلن الحرس الثوري الإيراني، الثلاثاء، استشهاد قائد قوات التعبئة “الباسيج” العميد غلام رضا سليماني، إثر عملية اغتيال نفذها كيان الاحتلال الإسرائيلي ضمن محاولاته ضرب البنية القيادية والرمزية للمؤسسة الثورية الإيرانية.

وأكد الحرس الثوري، في بيان، أن استهداف العميد غلام رضا سليماني يعكس الأهمية المحورية لقوات الباسيج في المعركة الدائرة مع العدو، ويؤكد أن الاحتلال يتعمد استهداف الرموز التي تمثل روح التعبئة والصمود والإسناد الشعبي في مواجهة مشاريع الهيمنة والعدوان على إيران والمنطقة.

ويُعدّ سليماني واحداً من أبرز قادة الحرس الثوري الإيراني، وقد تولى قيادة قوات الباسيج منذ عام 2019، وهي قوات شبه عسكرية تطوعية واسعة الانتشار تأسست بأمر من الإمام الخميني عقب انتصار الثورة الإسلامية، وتشكل أحد الأعمدة الأساسية في منظومة الدفاع الوطني والثوري في إيران.

وفي السياق ذاته، نعى المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني استشهاد علي لاريجاني، في تطور يعكس حجم الاستهداف الذي يطول القيادات الوطنية والسياسية والعسكرية في إطار الحرب المفتوحة التي يشنها العدو الإسرائيلي بدعم أمريكي على إيران، في محاولة فاشلة لكسر إرادتها وإرباك مؤسساتها.

ويأتي هذا التصعيد في وقت تؤكد فيه طهران أن سياسة الاغتيالات لن تغير موازين المواجهة، بل ستزيد الإصرار الإيراني على مواصلة الدفاع والرد، وأن استهداف القادة لن ينجح في إضعاف الجبهة الداخلية أو المساس بثبات الجمهورية الإسلامية في مواجهة العدوان.

وبحسب القراءة الإيرانية، فإن لجوء الاحتلال إلى الاغتيال المباشر يكشف عجزه عن تحقيق أهدافه في الميدان، ويدل على أن العدو بات يعتمد على الضربات الغادرة بعد فشله في فرض معادلات الحسم السريع، في حين تواصل إيران تأكيد أن دماء الشهداء ستتحول إلى قوة إضافية في مسار المواجهة.