الرئيسية بلوق الصفحة 163

المؤرخين الجدد من اليهود!

نشأ جيل جديد من المؤرخين الإسرائيليين اطلق عليهم ”المؤرخون الجدد” الذين شرعوا في كتابة التاريخ الحقيقي لإنشاء الكيان، وكشفوا فيه –لأول مرة من الجانب الإسرائيلي– عن كل الجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني قبل وبعد إنشاء الكيان.

أحدثت هذه الكتابات ضجة شديدة داخل الكيان، لأنها تكفلت لأول مرة بنزع الوعي الزائف الذي ساد بين المستوطنين، والذي ركز على شرعية إنشاء الكيان واخلاقيات سياساته، وإخفاء الجرائم التي ارتكبها الكيان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني.

هناك في هذه الكتابات دراسات تفصيلية عن المذابح الإسرائيلية ضد سكان عدد من القرى الفلسطينية، وعن عمليات التهجير القسري للسكان، وعن الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية عنوة واغتصابا. وهكذا في مقابل التاريخ الرسمي الصهيوني لابد أن نضع التاريخ غير الرسمي، أو لنقل التاريخ الحقيقي لكي نعرف ماذا حدث في التاريخ.

ونستطيع ان نضيف إلى جهود المؤرخين الجدد الإسرائيليين الذي ينبغي أن نترجم كتبهم إلى العربية، مذكرات بعض الساسة الإسرائيليين وعلى رأسهم “موشي شاريت”. وهي من أهم المذكرات السياسية الإسرائيلية، لأنها كتبت بدقة تاريخية نادرة من قبل زعيم صهيوني مرموق، كان له تاريخه الحافل، فضلاً عن كونه رئيسا لوزراء الكيان سابقاً في مرحلة حرجة.

وقد تسرب نبأ هذه المذكرات التي أوصى شاريت بألا تنشر إلا بعد وفاته إلى صحافية إيطالية اسمها “ليفيا روكاح”، نشرت مقتطفات منها بالإيطالية وترجمت إلى الإنجليزية، وقد أثار نشرها ضجة لكشفها عن الخطط الإسرائيلية المبكرة الهادفة إلى تقسيم لبنان، وكان ذلك في إحدى اجتماعات مجلس وزراء الكيان عام ١٩٥٠، في إطار مشروع لتقسيم الدول العربية وتشجيع الأقليات على الانفصال عن الدول الأم. ويلفت النظر بشدة ان الصحافية الإيطالية لقيت مصرعها في حادث غامض بعد فترة قصيرة من نشرها الكتاب.

وبعد سنوات من وفاة شاريت قام ابنه بإعداد المذكرات للنشر تنفيذا لوصية ابيه، غير ان الحكومة الإسرائيلية منعت نشر الكتاب. فما كان من الابن إلا أن رفع دعوى أمام محكمة إسرائيلية، ألغت قرار المنع وسمحت له بنشر الكتاب باللغة العبرية، ولم تصدر له أي ترجمة للغات الأجنبية، وقد صدرت له ترجمة عربية دقيقة.

ويمكن القول ان هذا الكتاب هو أخطر وثيقة إسرائيلية، تكشف عن أسرار العقل الاستراتيجي الإسرائيلي وكيف يعمل، ويفصل بالإضافة إلى ذلك في خلفيات القرارات العسكرية والسياسية الإسرائيلية. ويكشف الكتاب عن تأثير بن جوريون المطلق على إصدار القرار الاستراتيجي الإسرائيلي، بالرغم من اعتزاله السياسة وانعزاله في احد الكيبوتزات. كما يحكي عن أن الوزراء كانوا يحجون إليه لاستشارته في كل القرارات الأساسية، وكيف ان بن جوريون اعتمد على موشي دايان لتنفيذ قرارات عدوانية خطيرة موجهة ضد مصر، وضد جمال عبد الناصر وسياساته. وهي قرارات كانت تبادر بالعدوان بغير أي مبرر من سياسات مصرية ضد إسرائيل، ولعل أخطرها الغارة الإسرائيلية المفاجئة ضد غزة، والتي أدت إلى تحول خطير في السياسة المصرية، من ناحية ضرورة تسليح الجيش المصري بأحدث الأسلحة، التي كانت الخطوة العملية لها صفقة الأسلحة التشيكية الشهيرة.

يصور موشي شاريت نفسه في هذه المذكرات بكونه كان يهدف إلى تطبيق سياسة سلام مع مصر ومع العرب بشكل عام، غير انه جوبه بمعارضة شديدة من قبل بن جوريون، وصور باعتباره جبانا غير قادر على اتخاذ القرار. وأخضعوه لضغوط شديدة، انتهت بدفعه إلى الاستقالة حتى ينفرد الصقور بعملية اتخاذ القرار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علي رهيف الربيعي

“معاريف” تقرّ بفشل كسر الشمال: “حزب الله” ما يزال يُمسك كيان العدو من رقبته ويُربك مناورة التوسّع البري

صورة لمركز اتصالات الأقمار الصناعية جنوب تل أبيب بعد الهجوم الصاروخي لحزب الله عليه.

يكشف مقال للكاتب آفي أشكينازي في صحيفة “معاريف” العبرية حجم المأزق المتفاقم الذي يعيشه كيان العدو على الجبهة الشمالية، حيث يقرّ عمليًا بأن حزب الله ما يزال يحتفظ بقدرة ضغط نارية وميدانية تجعل “إسرائيل” في حالة اختناق أمني دائم، رغم اتساع العمليات البرية وتعدد الفرق العسكرية المشاركة فيها.

وبحسب ما أورده المقال، فإن جيش العدو أعلن، بعد يوم واحد فقط من بدء قوات الفرقة 91 عمليات برية في منطقة قرية الخيام، انضمام الفرقة 36 إلى توسيع نطاق التوغلات البرية في جنوب لبنان، ولا سيما في منطقة مرتفعات راميم. ويقول العدو إن الهدف من هذه العمليات هو إبعاد القدرات النارية لحزب الله عن إصبع الجليل، مع التركيز على المستوطنات الواقعة تحت ضغط النار والمسيّرات، وفي مقدمتها المطلة، والمنارة، ومرجليوت، ومسغاف عام، وكريات شمونة، وكفار يوفال، ودان، ودفنا.

غير أن المقال، رغم اللغة العسكرية الإسرائيلية الحذرة، يعكس بوضوح أن ما يجري ليس “تحسينًا أمنيًا” كما يحاول جيش الاحتلال تسويقه، بل محاولة يائسة لاحتواء تهديد لم ينجح العدو في كسره حتى الآن. فالجيش يتحدث عن “إقامة خط دفاع أمامي” و**”إزالة التهديدات”** و**”توفير طبقة إضافية من الأمن”**، ما يعني ضمنيًا أن المستوطنات الشمالية ما تزال مكشوفة، وأن حزب الله هو الطرف الذي يفرض الإيقاع ويجبر العدو على إعادة الانتشار والتوسع تحت الضغط.

ويشير المقال إلى تناقض واضح داخل خطاب العدو نفسه؛ ففي حين حاول الجيش إصدار بيانات معتدلة ومخففة حول هذه الخطوة، وصفها وزير الحرب الصهيوني يسرائيل كاتس بأنها “مناورة عسكرية”، بما يكشف أن الاحتلال يحاول التوفيق بين لغة التهوين الإعلامي وواقع التصعيد الميداني. كما أقر المقال بأن القوات الإسرائيلية سبقت دخولها إلى هذه المناطق بسلسلة هجمات مدفعية وجوية، في مؤشر على أن التقدم البري لا يتم من موقع ثقة، بل من موقع الخشية من الكمائن والنيران المباشرة.

ويحاول جيش العدو الترويج لأن المنطقة يجري إخلاؤها من السكان المدنيين حتى تتمكن قواته من العمل بحرية، إلا أن هذا الخطاب يخفي حقيقة أن الاحتلال يستعد لمعارك مفتوحة في بيئة ميدانية معقدة، يعلم جيدًا أن حزب الله يمتلك فيها أفضلية التضاريس، والتمويه، والقدرة على المبادرة بالنار.

ويؤكد المقال أن جيش الاحتلال يعتزم خلال الأيام المقبلة توسيع تحركاته نحو مناطق إضافية في القطاعين الأوسط والغربي، بهدف تعزيز الأمن في مستوطنات الجليل الأوسط والغربي، بما فيها ماليكيا، وأفيفيم، وبرعام، ودوفيف، وروش هانيكرا، وأخزيف، وزرعيت، وأداميت. لكن اللافت أن المقال يعترف في الوقت نفسه بأن صورة التقدم ما تزال غير محسومة، وأنه لا يوجد وضوح بشأن ما إذا كان الجيش سيتقدم نحو مرتفعات ساؤول غرب القطاع، وهي منطقة يسيطر عليها حزب الله ويستخدمها في إطلاق الطائرات المسيّرة مستفيدًا من وعورة التضاريس وقربها من الخط الأزرق.

وما بين سطور هذا التقدير العبري، تبدو الحقيقة أوضح من أي وقت مضى: العدو لا يهاجم من موقع الحسم، بل من موقع القلق، وحزب الله ما يزال يمسك الجبهة الشمالية بقبضة ضاغطة، ويمنع كيان الاحتلال من استعادة ما يسميه “الأمن” في المستوطنات. فالمقال نفسه، بعنوانه ودلالاته، يقرّ بأن نقاط الضعف في الشمال لم تُغلق، وأن حزب الله ما يزال يمسك “إسرائيل” من رقبتها، رغم كل ما يملكه العدو من طيران ومدفعية وفرق نخبة.

وبذلك، فإن توسيع العمليات البرية لا يعكس قوة إسرائيلية صاعدة، بقدر ما يعكس تورطًا متزايدًا في ساحة لم تنجح آلة الحرب الصهيونية في إخضاعها، ويؤكد أن المقاومة ما تزال الطرف القادر على إبقاء الشمال في حالة استنزاف وخوف وارتباك دائم.

اليوم الثامن عشر: ترامب في مأزق “هرمز” واستقالةٌ من قلب “الأمن الأمريكي” وسط توسيع ضربات إيران الاستنزافية على القواعد الأمريكية والكيان

في اليوم الثامن عشر من العدوان، لم يعد مأزق واشنطن محصورًا في الميدان فقط، بل تمدد إلى التحالفات الدولية والمؤسسة الأمنية الأمريكية نفسها. فقد فشل دونالد ترامب في حشد قوة بحرية واسعة لفرض أمر واقع في مضيق هرمز، بعدما امتنعت أو رفضت دول عدة، بينها ألمانيا واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، إرسال قطع عسكرية إلى المضيق، بينما أظهر الموقف الأوروبي والآسيوي أن الولايات المتحدة لم تستطع بناء المظلة البحرية التي كانت تراهن عليها. هذا الرفض دفع ترامب إلى مهاجمة الحلفاء علنًا، ولوّح بأن مستقبل الناتو سيكون سيئًا إذا لم يساعد في فتح هرمز، في اعتراف واضح بأن واشنطن تواجه عزلة عملياتية متزايدة في أكثر ساحات الحرب حساسية.

ولم تتوقف الضربة عند حدود الخارج، بل جاءت من داخل المنظومة الأمريكية نفسها. فقد أعلن جو كينت، مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، استقالته من منصبه، مؤكدًا أنه لا يستطيع بضمير حي أن يؤيد الحرب الدائرة على إيران، وأن إيران لم تشكل تهديدًا وشيكًا للولايات المتحدة، وأن الحرب بدأت تحت ضغط إسرائيلي ولوبيها النافذ في واشنطن. وتمثل هذه الاستقالة أول انشقاق رفيع بهذا المستوى داخل الإدارة على خلفية الحرب، وتكشف أن الرواية الأمريكية الرسمية نفسها باتت تتآكل من الداخل، لا سيما مع تصاعد الجدل حول دوافع الحرب وكلفتها الحقيقية.

هذا الانكشاف السياسي تزامن مع استمرار إيران في فرض معادلة الردع الهجومي. فقد أعلنت الموجة 57 من عملية “الوعد الصادق 4” ضد أهداف في قلب الأراضي المحتلة شملت البنى التحتية للقيادة والسيطرة والدفاع الصاروخي، مع استهداف قاعدة العديد بصواريخ ذو الفقار وقيام وطائرات مسيّرة هجومية، ثم جاءت الموجة 58 ضد أهداف في شمال ووسط الأراضي المحتلة وقواعد أمريكية في فيكتوريا وعلي سالم والخرج والأسطول البحري الخامس باستخدام صواريخ خرمشهر برأس حربي يزن طنين وصواريخ قادر وفتح وخيبر شكن. وبعدها أعلنت طهران تنفيذ الموجة 59 ضد أهداف في بيت شيمش ويافا والقدس المحتلتين، إلى جانب قواعد أمريكية في العديد، وعلي السالم، والفجيرة، والشيخ عيسى، وأربيل، مؤكدة أنها بدأت مرحلة جديدة من الضربات المؤثرة ضد العدو الأمريكي الصهيوني. وفي وقت لاحق، أفادت تقارير إيرانية باستخدام صاروخ “حاج قاسم” المتطور للمرة الأولى، بما يؤكد أن بنك الأسلحة النوعية الإيرانية ما يزال يتسع داخل المعركة.

وفي عمق الكيان، استمرت صفارات الإنذار من الشمال حتى الوسط والقدس، وسُجلت إصابات وأضرار مباشرة، بينها مبنى في نهاريا انتُشل منه عالقون، في وقت أقرت فيه معاريف بأن الصواريخ الإيرانية ذات الرؤوس المتشظية أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه الدفاعات الجوية الإسرائيلية، إذ يحمل كل صاروخ منها عشرات القذائف ويوسع دائرة الإصابة إلى مساحات كبيرة. كما أقرت وسائل إعلام الاحتلال بأن الحرب دخلت نمط الاستنزاف، وأن إيران لا تظهر مؤشرات على الانكسار، بل تبدو وكأنها تتعافى وتعيد تموضعها وتواصل التصعيد.

وفي الجبهة الأمريكية الإقليمية، واصلت إيران الضغط على القواعد التي تشكل مفاصل القيادة والسيطرة والدعم اللوجستي للعدوان. فقد أكدت القوة البحرية في الحرس الثوري تنفيذ عملية مركبة بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت حظائر المقاتلات في قاعدة الشيخ عيسى وقاعدة الظفرة، موضحة أن الظفرة كانت منطلقًا للهجمات الأمريكية على الجزر الإيرانية خلال الأيام الماضية، وأن الضربات الأخيرة خفضت القدرة العملياتية للقاعدة بشكل كبير. كما أعلنت طهران أنها ستواصل الهجمات حتى إخلاء وتدمير القواعد التابعة للقوات الأمريكية، وطلبت من المدنيين الابتعاد عنها حفاظًا على سلامتهم. وتدعم هذه الوقائع ما أقر به الجيش الأمريكي نفسه من إصابة نحو 200 جندي خلال العدوان، في حين نقلت واشنطن بوست عن مسؤول خليجي أن الولايات المتحدة بدأت الحرب من أجل إسرائيل ثم تركت الحلفاء يواجهون الضربات بمفردهم.

وعلى الجبهة اللبنانية، واصل حزب الله رفع الكلفة على الاحتلال، معلنًا تنفيذ 47 عملية نوعية خلال 24 ساعة، بينها استهداف قاعدة ميرون للمراقبة وإدارة العمليات الجوية مرتين، وقصف كريات شمونة وأفيفيم، وتدمير جرّافة D9 ودبابات ميركافا، وضرب رامات دافيد ومواقع الرادارات وغرف التحكم فيها، إلى جانب استهدافات متتالية في الخيام والعديسة ومحيط الحدود. وقد أقرت صحف وقنوات عبرية بأن قدرات الحزب على إيذاء الجبهة الداخلية فاقت تقديرات الاستخبارات، وأن الشمال الإسرائيلي بات يعيش حالة شلل متراكمة.

وفي العراق، اتسعت رقعة الضربات ضد الوجود الأمريكي مع استهداف معسكر الدعم اللوجستي الأمريكي بمحيط مطار بغداد ثم السفارة الأمريكية في بغداد بصواريخ ومسيّرات، وهو ما أكدته رويترز نقلًا عن مصادر أمنية عراقية. هذا التطور يعكس أن القواعد والمقار الأمريكية في العراق لم تعد مواقع خلفية، بل صارت خط تماس مباشرًا في الحرب الإقليمية المفتوحة.

سياسيًا، رفعت طهران سقف خطابها الاستراتيجي. فقد أكد محمد باقر قاليباف أن إيران لم تعد تقبل بمعادلة “الحرب–وقف إطلاق النار–التفاوض”، وأن سياستها المقبلة ستركز على محو أثر التهديد تمامًا لا مجرد إدارته أو تأجيله. كما شدد على أن الأمن الإقليمي يجب أن ينبع من دول المنطقة لا أن يُفرض من الخارج، وأن الوجود الأمريكي لا يحقق الاستقرار بل يقوضه، وأن أوضاع مضيق هرمز لن تعود إلى سابق عهدها مع استمرار الوجود الأمريكي والصهيوني. وانسجم ذلك مع موقف الرئيس مسعود بزشكيان الذي أكد أن على العدو أن يحمل معه إلى القبر حلم استسلام أبناء إيران، ومع مطالبة عراقجي للأمم المتحدة بإدانة العدوان الأمريكي–الصهيوني ومحاسبة المعتدين.

أما في ملف هرمز والطاقة، فقد باتت الورطة الأمريكية أكثر وضوحًا. فإيران تؤكد أنها تسيطر على حركة المرور في المضيق، وأن تعطيل الملاحة هو نتيجة مباشرة للحرب المفروضة من واشنطن وتل أبيب. وقد انعكست هذه المعادلة على الأسواق فورًا، مع ارتفاع أسعار النفط وتزايد القلق العالمي، وبدء دول مثل اليابان بالسحب من احتياطياتها النفطية، وتراجع بورصات الخليج، وتعليق عمليات تحميل النفط في ميناء الفجيرة. كما رأت المفوضية الأوروبية أن الوقت حان لإنهاء الحرب بسبب تداعياتها الاقتصادية الهائلة، في اعتراف بأن كلفة المواجهة لم تعد إقليمية فقط، بل عالمية البعد.

وخلاصة هذه الإضافة أن اليوم الثامن عشر كشف ثلاث حقائق كبرى دفعة واحدة: أولًا، أن ترامب فشل في جرّ حلفائه إلى هرمز ووقع في ورطة تحالفية؛ وثانيًا، أن الشرخ داخل المؤسسة الأمريكية نفسها اتسع مع استقالة مدير مكافحة الإرهاب واتهامه الحرب بأنها ضُغطت من إسرائيل ولوبيها؛ وثالثًا، أن إيران لا تزال تمسك بزمام التصعيد، توسّع ضرباتها على القواعد الأمريكية والعمق الصهيوني، وتحوّل الحرب من محاولة لعزلها إلى مأزق أمريكي–صهيوني مركب سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. بهذا المعنى، لم تعد المعركة مجرد حرب على إيران، بل أصبحت حرب انكشاف الهيمنة الأمريكية وتآكل قدرتها على فرض الطاعة حتى على حلفائها.

لاريجاني للعالم الإسلامي: إيران تقاتل أمريكا و”إسرائيل” في الميدان.. فأين تقفون؟

علي لاريجاني

وجّه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني رسالة شديدة اللهجة إلى العالم الإسلامي، دعا فيها إلى حسم الموقف من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، مؤكداً أن الجمهورية الإسلامية ماضية في طريق المواجهة والمقاومة، وأن اللحظة الراهنة لم تعد تحتمل الحياد أو المواقف الرمادية.

وأوضح لاريجاني أن إيران تعرّضت لـعدوان أمريكي صهيوني مخادع وقع أثناء مسار التفاوض، وكان يستهدف تفكيك الدولة الإيرانية وكسر إرادتها، مشيراً إلى أن هذا العدوان أدى إلى استشهاد قادة ومدنيين وعسكريين، لكنه قوبل في المقابل بـمقاومة وطنية وإسلامية صلبة من الشعب الإيراني، أفشلت أهداف المعتدين ودفعتهما إلى مأزق استراتيجي خانق.

وانتقد لاريجاني ضعف الموقف الإسلامي الرسمي، مؤكداً أن غالبية الدول الإسلامية لم تقف إلى جانب إيران إلا في حدود ضيقة وضمن بيانات سياسية محدودة، رغم أن المعركة ليست معركة إيران وحدها، بل مواجهة مفتوحة بين أمريكا و”إسرائيل” من جهة، وإيران المسلمة وقوى المقاومة من جهة أخرى.

وفي لهجة مباشرة، تساءل لاريجاني عن موقف بعض الحكومات الإسلامية التي اعتبرت إيران عدواً لها بسبب استهدافها قواعد ومصالح أمريكية وإسرائيلية على أراضيها، قائلاً إن السؤال الحقيقي هو: هل يُطلب من إيران أن تبقى مكتوفة الأيدي بينما تُستخدم تلك القواعد للاعتداء عليها؟ معتبراً أن مثل هذه المبررات ليست سوى ذرائع واهية لا تصمد أمام حقيقة الصراع القائم.

كما استحضر لاريجاني البعد الديني والأخلاقي للمواجهة، مشيراً إلى الحديث النبوي: “من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم”، في رسالة أراد منها وضع العالم الإسلامي أمام اختبار سياسي وأخلاقي وتاريخي، عنوانه: هل يقف إلى جانب الأمة في مواجهة العدوان، أم يكتفي بالمراقبة والصمت؟

وأكد لاريجاني أن إيران لا تسعى إلى الهيمنة على أحد، بل توجه نصيحة صريحة لدول المنطقة بأن أمريكا لا وفاء لها، وأن “إسرائيل” عدوٌ لا يهدد إيران وحدها، بل يستهدف المنطقة بأسرها. ودعا إلى التأمل في مستقبل العالم الإسلامي في ظل الأطماع الأمريكية والإسرائيلية، مشدداً على أن وحدة الأمة الإسلامية إذا تحققت بصدق وقوة، فهي وحدها القادرة على ضمان الأمن والتقدم والاستقلال لجميع شعوبها ودولها.

ضربة فرنسية تهز “إرث عفاش” المالي.. محكمة فرنسية تجمد 13 مليون دولار بعد محاولة سحبها بذريعة “توزيع صدقات رمضانية” باليمن

في تطور قضائي لافت، وجّه القضاء الفرنسي ضربة جديدة إلى شبكة الثروة المرتبطة بإرث سلطة عفاش في اليمن، بعدما رفض الإفراج عن 13 مليون دولار سعى أحمد وخالد عفاش إلى سحبها تحت عنوان “توزيع صدقات رمضانية” داخل اليمن، في حين ظل الملف محاطًا بشبهات ثقيلة تتعلق بـالنهب وغسل الأموال والتحويلات المشبوهة والعقارات الفاخرة.

ورفضت المحكمة الفرنسية التعامل مع الطلب بوصفه إجراءً إنسانيًا خالصًا، بل نظرَت إليه ضمن سياق مالي وقانوني معقّد يرتبط بمصدر الأموال وطبيعة تحركاتها والاشتباه في كونها جزءًا من ثروة مثيرة للجدل تراكمت خلال سنوات الحكم. ولهذا لم يُقرأ قرار الرفض كخطوة إجرائية عابرة، بل كمؤشر واضح على أن الملف ما يزال مثقلًا بالشبهات، وأن الرواية المقدمة تحت لافتة العمل الخيري لم تنجح في تبديد الأسئلة الكبرى المتعلقة بمصدر تلك الأموال ووجهتها الحقيقية.

وتكشف هذه القضية أمام الرأي العام مشهدًا بالغ الحساسية: أموال محل نزاع قانوني وشبهة فساد، في مقابل محاولة إضفاء طابع إنساني عليها عبر بوابة الصدقات والمساعدات. وهذه المفارقة منحت القضية بعدًا أخلاقيًا وسياسيًا واسعًا، لأن المسألة لم تعد تتعلق فقط بمبلغ مجمد أو بطلب رُفض أمام القضاء، بل أصبحت جزءًا من سجال أكبر حول ما إذا كان توظيف شعار الإغاثة والعمل الخيري يمثل فعلًا إنسانيًا صادقًا، أم مجرد غطاء ناعم لتخفيف وطأة ماضٍ مالي مثقل بالاتهامات.

سياسيًا، يعيد القرار الفرنسي فتح واحد من أثقل ملفات الثروة والنفوذ المرتبطة بالدائرة الضيقة المحيطة بإرث علي عبد الله عفاش، وهو الملف الذي ظل حاضرًا لسنوات في النقاشات العامة والتقارير والتحقيقات بوصفه عنوانًا بارزًا لأسئلة الفساد وتراكم الثروة واستغلال السلطة. ومن هنا، فإن أهمية القضية لا تكمن فقط في قيمة المبلغ المجمد، بل في أنها تُعيد إحياء ملف ظل يلاحق رموز النظام السابق، وتؤكد أن الواجهة الخيرية لا تكفي لإسقاط الشبهات عندما تكون الأموال نفسها موضع مساءلة قانونية وسياسية.

ويبدو أن قرار القضاء الفرنسي لا يوجّه ضربة مالية فحسب، بل يحمل دلالة أعمق تتعلق بإعادة طرح ملف الثروة المنهوبة على الطاولة من جديد، ووضعه في مواجهة أسئلة مشروعة حول المصدر والمشروعية والمآلات، في وقت لا يزال فيه اليمنيون يرزحون تحت أعباء حرب وحصار وانهيار اقتصادي، فيما تواصل بعض الأسماء المرتبطة بإرث السلطة القديمة الظهور في ملفات مالية خارجية شديدة الحساسية.

تل أبيب وسط الجحيم وواشنطن تبحث عن مخرج: “الضربة الخاطفة تتحول إلى انتحار استراتيجي”

كانت حسابات الولايات المتحدة ومعها إسرائيل بسيطة إلى حد السذاجة السياسية حين قررتا فتح جبهة مباشرة مع إيران، كان التصور في غرف القرار أن المسألة لن تتجاوز ضربة خاطفة، ضربات جوية مركّزة على إيران، أيام قليلة من القصف المكثف ثم إعلان “الانتصار” أمام الكاميرات.

هكذا اعتادت واشنطن وتل أبيب في حروب سابقة: ضربة سريعة، بيان ناري، ثم مؤتمر صحفي يتحدث عن الردع والقوة، وهكذا تخيلتا أن الشرق الأوسط سيصفق لانتهاء المعركة قبل أن يبدأ الغبار بالجلوس.

لكن ما حدث على الأرض كان مختلفًا تمامًا، ولم يكن في الحسابات أن الطرف المقابل لن يلعب الدور الذي رُسم له، فجأة تحولت الحرب التي كان يُراد لها أن تكون استعراض قوة إلى مأزق ثقيل، وبدلاً من أن تنتهي في يوم أو يومين، وجدت أمريكا وإسرائيل نفسيهما أمام معركة مفتوحة الإيقاع، لا تُدار من غرفة عمليات في واشنطن، بل باتت إيقاعاتها تُفرض من طهران من دون شروط مسبقة.

مع تصاعد المواجهة، بدأت الوقائع العسكرية تعيد رسم المشهد. فالقوة البحرية التابعة لـ الولايات المتحدة، التي اعتادت الاقتراب من مناطق النزاع لفرض الهيمنة، وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تموضع حاملات الطائرات بعيدًا مئات الكيلومترات في المحيط الهندي، في محاولة لتقليل خطر الاستهداف بالصواريخ بعيدة المدى. هذا التحرك لم يكن تفصيلاً عسكريًا عابرًا، بل رسالة واضحة بأن ساحة المعركة لم تعد كما كانت في الحروب السابقة.

وفي الشرق الأوسط، تعرضت عدة قواعد عسكرية أمريكية لضربات صاروخية استهدفت منظومات الرادار والإنذار المبكر، وهو ما فتح نقاشًا داخل الدوائر العسكرية الغربية حول مدى قدرة واشنطن على حماية انتشارها العسكري الواسع في المنطقة إذا استمرت الحرب بالوتيرة نفسها.

أما داخل إسرائيل، فقد تحولت الجبهة الداخلية إلى مصدر ضغط حقيقي مع استمرار سقوط الصواريخ والطائرات المسيّرة. ومع دخول صواريخ متطورة، بعضها يوصف بـ الفرط صوتي، تصاعد القلق حول قدرة منظومات الدفاع الجوي على اعتراض موجات الهجوم المتلاحقة، الأمر الذي وضع القيادة الإسرائيلية أمام معادلة صعبة بين التصعيد العسكري وتحمّل كلفته الداخلية.

وفي البعد الاستراتيجي الأوسع، أصبح مضيق هرمز محور القلق العالمي. فاضطراب الملاحة البحرية وتهديد السفن التجارية أدخلا أسواق الطاقة في حالة توتر حاد، خصوصًا في أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على استقرار طرق الإمداد القادمة من الخليج. وهنا لم تعد الحرب مسألة إقليمية فحسب، بل تحولت إلى أزمة تمس الاقتصاد العالمي بأكمله.

وهكذا، تحولت الحرب التي ظنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل معركة أيام، وضربة خاطفة، إلى مأزق استراتيجي مفتوح واختبار قاسٍ لحسابات القوة في المنطقة، فبدلاً من مشهد الحسم السريع، برز واقع أكثر تعقيدًا: تصعيد متبادل، اقتصاد عالمي مضطرب، ومخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

فالحروب، كما يثبت التاريخ مرارًا، لا تُحسم دائمًا بـ التفوق التكنولوجي ولا بـ عدد الطائرات والسفن، بل بـ قدرة الأطراف على تحمّل الصراع الطويل وفرض الإيقاع السياسي والعسكري.

وفي هذه اللحظة من الصراع، تبدو الحقيقة السياسية أكثر وضوحًا: من أشعل الحرب ظن أنه يتحكم بنهايتها، لكن الوقائع على الأرض تقول إن قرار استمرارها أو إيقافها لم يعد بيد من بدأها. وفي الشرق الأوسط، حين تنقلب المعادلات بهذه الطريقة، لا يكون ذلك مجرد تفصيل عسكري… بل تحول في ميزان القوة كله.

اليوم السابع عشر للعدوان: رفضٌ غربي وآسيوي يورّط “ترامب” في هرمز.. وإيران تُحكم الطوق الناري على “القواعد الأمريكية والكيان”

في اليوم السابع عشر من الحرب، دخلت المواجهة مرحلة أكثر حساسية، بعدما تحولت أزمة مضيق هرمز إلى ورطة استراتيجية كبرى لواشنطن. فبينما حاول دونالد ترامب دفع حلفائه وشركائه لإرسال سفن حربية إلى المضيق وتأمين عبء الحرب الذي أشعلته واشنطن وتل أبيب، جاءت الردود الدولية باردة أو رافضة. ألمانيا رفضت الانخراط العسكري وأكدت أن الحرب على إيران لا تدخل ضمن التزامات الناتو، كما أبدت عدة دول ترددًا أو رفضًا للمشاركة العسكرية، بينها اليابان وأستراليا، فيما أظهرت مواقف أوروبية أوسع أن واشنطن لم تنجح في بناء مظلة بحرية جماعية كما كانت تريد. بل إن ترامب نفسه لوّح بأن مستقبل الناتو سيكون “سيئًا للغاية” إذا لم يساعد في فتح المضيق، في اعتراف ضمني بأن الولايات المتحدة فشلت في حشد التحالف الذي كانت تراهن عليه.

هذا الإخفاق الدولي تزامن مع تصاعد الضغوط الإيرانية الميدانية، بحيث لم تعد المعركة مجرد رد على غارات جوية، بل معركة إعادة تشكيل ميزان القوة في الخليج وغرب آسيا. فمنذ الساعات الأولى، أكد مقر خاتم الأنبياء أن العدو المهزوم لجأ إلى المكر والخداع ومحاولة تصنيع ذرائع لتأليب دول الجوار على إيران، بل واستنساخ مسيّرات تحمل بصمات مشابهة للقدرات الإيرانية بهدف تنفيذ هجمات تخريبية غير مشروعة في المنطقة وتشويه طبيعة الرد الإيراني. وشدد المقر على أن أي هجوم تشنه إيران يُعلن عنه رسميًا وتتحمل مسؤوليته كاملة، نافيًا صلتها بالهجمات التي استهدفت مراكز في تركيا والكويت والعراق، ومؤكدًا أن العقيدة الدفاعية الإيرانية تستهدف حصراً مصالح أمريكا والكيان الصهيوني.

وفي الميدان، واصلت الجمهورية الإسلامية فرض إيقاعها الناري بوتيرة تصاعدية. فقد أعلن حرس الثورة الإسلامية تنفيذ الموجة 52 من عملية “الوعد الصادق 4” ضد مراكز القيادة والسيطرة الإقليمية وإدارة الجبهة الداخلية للكيان الصهيوني، إلى جانب قاعدة الظفرة الأمريكية، باستخدام 10 صواريخ فرط صوتية من طرازي “فاتح” و”قدر” وسرب من الطائرات المسيّرة الانتحارية. ثم جاءت الموجة 53 بذات الثقل، قبل أن تصل العمليات إلى مستوى نوعي جديد مع الموجة 54 التي شهدت إطلاق صاروخ “سجيل” الباليستي لأول مرة منذ بدء الحرب، مستهدفة البنى التحتية للصناعات العسكرية والدفاعية ومواقع تجمع القوات الصهيونية في قلب الأراضي المحتلة. وبعدها أُعلنت الموجة 55 ضد مراكز إنتاج الأسلحة العسكرية الجوية والفضائية (IAI)، ومراكز التزود بالوقود الجوي في تل أبيب ومطار بن غوريون، إضافة إلى قواعد أمريكية في الظفرة والجفير والشيخ عيسى، بواسطة صواريخ فتاح وعماد وقدر ومسيرات انتحارية.

وبموازاة ذلك، كانت تل أبيب وحيفا والجليل والنقب وإيلات تتلقى الضربات تباعًا. فقد دوت صفارات الإنذار مرات متكررة، واندلعت الحرائق في تل أبيب الكبرى، وظهرت مشاهد الدمار في أحياء ومستوطنات متعددة، بينما اعترف إعلام العدو بأن هذا اليوم بدا من أكثر الأيام تعرضًا للقصف الإيراني كثافة. كما أكدت القوات الإيرانية أن الضربات طالت مراكز الاستخبارات العسكرية “أمان” ووحدات 8200 السيبرانية ومواقع تمركز المقاتلات، بما يعني أن النيران الإيرانية لم تعد موجهة فقط إلى القواعد التقليدية، بل إلى العصب الاستخباري والتقني والعملياتي للعدو.

أما القواعد الأمريكية، فقد تحولت إلى ميدان استنزاف دائم. ووفق التقارير، تعرضت قاعدة الأمير سلطان في السعودية لضربات ألحقت أضرارًا بعدة طائرات تزويد بالوقود، بينما تكررت الضربات على الظفرة والعديد والشيخ عيسى وعلي السالم والجفير والأسطول الخامس. وفي هذا السياق، أكد قائد مقر خاتم الأنبياء اللواء عبد اللهي أن إيران عازمة على استخدام كل قدراتها الجيوسياسية، وفي مقدمتها إدارة والسيطرة على حركة المرور في مضيق هرمز، وأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض الأمن أو الهيمنة كما كانت تفعل. كما شدد على أن إيران لم تبدأ الحرب، لكنها هي التي ستحدد نهايتها.

ومن النقاط الأخطر في اليوم السابع عشر، ما كشفه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن الهجوم على جزيرة خارك شُن من أراضي جيران إيران، موضحًا أن القوات الأمريكية أطلقت صواريخ هيمارس من دول الجوار، وأن الضربات انطلقت من رأس الخيمة ومكان قريب من دبي. وهذا يعني أن طهران باتت تتعامل مع بعض منصات الجوار بوصفها منصات عدوان فعلية لا مجرد ساحات محايدة. وعليه، جدد عراقجي التحذير من أن أي استهداف لمنشآت الطاقة الإيرانية سيُقابل باستهداف منشآت لشركات أمريكية في المنطقة، في تثبيت واضح لمعادلتي الطاقة مقابل الطاقة والمنصة المعتدية مقابل الضربة المقابلة.

وفي ملف مضيق هرمز، أكدت طهران أنها لم تغلقه إغلاقًا عسكريًا كاملًا، لكنها باتت تتحكم فيه تحكمًا ذكيًا. فإيران ترى أن المضيق مفتوح لغير الأعداء، لكنه ليس ممرًا مجانيًا لسفن الولايات المتحدة وحلفائها. وبهذا المعنى، تحوّل هرمز من مجرد ممر مائي إلى أداة سيادية–عسكرية–اقتصادية تستخدمها إيران لإعادة صياغة قواعد الحركة والطاقة والردع. وقد بدأت الأسواق تدفع الثمن، مع ارتفاع خام برنت إلى 106.50 دولارات للبرميل، وصدور تحذيرات من شركات النفط، وبدء اليابان السحب من احتياطياتها النفطية، وتراجع بورصات الخليج، وارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة.

وعلى الجبهة اللبنانية، واصل حزب الله توسيع دائرة الضغط، معلنًا تنفيذ 47 عملية نوعية خلال 24 ساعة، بينها استهداف قاعدة ميرون مرتين، وقصف كريات شمونة وأفيفيم ونهاريا، وضرب الدبابات والتجمعات العسكرية في الخيام والعديسة ومحيط الحدود، ما دفع الإعلام العبري إلى الإقرار بأن الحياة اليومية في الشمال لم تعد طبيعية، وأن قدرات حزب الله على الإضرار بالجبهة الداخلية تفوق ما قدّرته الاستخبارات الإسرائيلية. وفي العراق، واصلت المقاومة الإسلامية ضرب القواعد الأمريكية بعشرات المسيّرات والصواريخ، في مشهد يؤكد أن الحرب لم تعد محصورة بين إيران والكيان، بل أصبحت حرب استنزاف إقليمية متعددة الجبهات.

وفي الداخل الإيراني، واصلت الدولة ضرب شبكات الاختراق والتجسس، مع إعلان اعتقال 500 جاسوس بحسب قائد قوى الأمن الداخلي، إلى جانب عشرات العملاء والخلايا المرتبطة بالعدو. كما استمرت الدفاعات الإيرانية في إسقاط المسيّرات الأمريكية والصهيونية، بما يعزز صورة الفشل المعادي في فرض سيادة جوية أو تحقيق اختراق آمن داخل العمق الإيراني.

وعليه، فإن إدماج عامل رفض حلفاء واشنطن إرسال سفن إلى هرمز في صورة اليوم السابع عشر يكشف جوهر المأزق: ترامب لم يورّط إيران، بل ورّط نفسه وحلفه. فلا الناتو تحرك كما يريد، ولا الشركاء الآسيويون اندفعوا خلف مغامرته، ولا القواعد الأمريكية بقيت آمنة، ولا الكيان الصهيوني استطاع وقف الرشقات أو حماية جبهته الداخلية. في المقابل، تبدو إيران أكثر ثباتًا وقدرة على إدارة النار والسياسة والطاقة والممرات في آن واحد. وهكذا، لم تعد الحرب حربًا لعزل طهران، بل تحولت إلى حرب عزلة أمريكية–صهيونية متصاعدة تحت ضغط الصواريخ والسيادة وفشل التحالفات.

في ليلة القدر.. الاحتلال يغلق الأقصى ويحوّل القدس إلى ثكنة عسكرية

واصلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، لليوم السادس عشر على التوالي، إغلاق المسجد الأقصى المبارك ومنع الصلاة فيه، بالتزامن مع ليلة السابع والعشرين من رمضان، في واحدة من أكثر الليالي قداسة لدى المسلمين، بينما حوّلت البلدة القديمة ومحيط المسجد إلى ثكنة عسكرية مغلقة تحت حصار أمني مشدد.

وأكدت محافظة القدس أن قوات الاحتلال نشرت مئات الجنود في محيط البلدة القديمة، وأغلقت أبوابها ومداخلها، ومنعت وصول المصلين إلى المسجد الأقصى، ما اضطر مئات المقدسيين إلى أداء صلاتي العشاء والتراويح في باب الساهرة وباب العمود وفي الشوارع المحيطة، وسط انتشار كثيف للقوات الإسرائيلية وإجراءات قمعية مشددة.

وجاء هذا التصعيد بالتزامن مع دعوات شعبية عبر مواقع التواصل لكسر الحصار المفروض على المسجد الأقصى، وإحياء ليلة القدر في رحابه أو في أقرب نقطة يمكن الوصول إليها، في ظل استمرار الإغلاق الذي تفرضه سلطات الاحتلال منذ 28 فبراير بذريعة ما تسميه حالة الطوارئ ومنع التجمعات، بالتزامن مع العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران.

وفي وقت اعتاد فيه الفلسطينيون إحياء ليلة 27 رمضان بالاعتكاف والصلاة والدعاء وقراءة القرآن حتى الفجر في المسجد الأقصى، بدا المشهد هذا العام مختلفاً وقاسياً؛ إذ غابت خيام الاعتكاف وامتلأت الساحات المحيطة بالحواجز والجنود بدل المصلين، بعدما كان الأقصى قد استقبل في العام الماضي نحو 180 ألف مصلٍّ في الليلة نفسها.

وأشار مركز معلومات وادي حلوة إلى أن قوات الاحتلال كثفت من نشر الحواجز في البلدة القديمة، وأوقفت الوافدين، ومنعت دخول المقدسيين من غير سكان المنطقة، ما أدى أيضاً إلى شلل اقتصادي واسع داخل أسواق البلدة القديمة التي بدت شبه خالية، فيما أُغلقت معظم المتاجر في موسم يعد من أهم المواسم التجارية المقدسية.

وعلى المستوى الرسمي، أدانت جامعة الدول العربية بأشد العبارات استمرار إغلاق أبواب المسجد الأقصى، ومنع إقامة الصلاة والشعائر الدينية فيه، خاصة خلال شهر رمضان والعشر الأواخر، واعتبرت ذلك انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، واعتداءً مباشراً على الوضع القانوني والتاريخي القائم في المسجد الأقصى المبارك، إلى جانب كونه استفزازاً لمشاعر المسلمين وتقويضاً لحرية العبادة.

وفي الشق الإنساني، عبّر مقدسيون عن ألم بالغ وقهر عميق جراء حرمانهم من الاعتكاف وإحياء ليلة القدر داخل الأقصى. وروت الشابة المقدسية شيماء عبد كيف تحوّل الاعتكاف في الأقصى خلال السنوات الماضية إلى جزء من روحها وحياتها الرمضانية، قبل أن تجد نفسها هذا العام خلف الأبواب المغلقة، تراقب الغياب القسري للمكان الذي اعتادت أن تجد فيه السكينة والطمأنينة.

أما المقدسية تيماء أبو ليلى، فوصفت ما جرى بأنه انقطاع قهري عن عبادة ارتبطت في وعيها بالأقصى وحده، مؤكدة أن الاعتكاف في رحابه لم يكن مجرد طقس سنوي، بل مساحة روحانية استثنائية فقدها المقدسيون هذا العام تحت وقع الإغلاق والقمع والتضييق.

وفي مشهد لا يقل وجعاً، قال المقدسي زهدي عليان، الذي يواظب على الاعتكاف في الأقصى منذ أكثر من عقدين، إن إغلاق المسجد في ليلة القدر بدا بالنسبة إليه كفاجعة شخصية، مضيفاً أن المقدسيين يقفون يومياً قبالة الأقصى، ينظرون إليه من بعيد ويبكون حرقة على أبوابه المغلقة.

هكذا مرّت ليلة القدر هذا العام في القدس بلا اعتكاف، بلا خيام، بلا أمواج بشرية كانت تملأ الساحات والمصليات، وبلا ذلك المشهد الإيماني الذي طالما جعل الأقصى قلب رمضان وروحه. وبدلاً من أصوات الدعاء والقرآن والسحور قبيل الفجر، ارتفع صوت الحواجز والجنود والإغلاق، في صورة تلخص حجم العدوان على القدس ومقدساتها، وتكشف كيف يواصل الاحتلال استهداف الهوية الدينية والوطنية للمدينة في أكثر اللحظات حساسية وقداسة.

رحيل جمال ريان.. صوت فلسطيني بارز طبع الشاشة العربية منذ انطلاقة الجزيرة

توفي الإعلامي الفلسطيني البارز جمال ريان، أحد أبرز الوجوه الإخبارية في شبكة الجزيرة منذ تأسيسها، بعد مسيرة إعلامية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، رسخ خلالها حضوره كواحد من أشهر مقدمي الأخبار والبرامج السياسية في الإعلام العربي. وقد أكدت الجزيرة خبر وفاته، مشيرة إلى أنه كان أول وجه ظهر على شاشة القناة عند انطلاقتها عام 1996.

ويُعد ريان من الأسماء التي ارتبطت بذاكرة المشاهد العربي على مدى سنوات، إذ لم يكن مجرد مذيع أخبار، بل صوتًا إعلاميًا حاضرًا في تغطية أبرز التحولات السياسية والحروب والأزمات في المنطقة، من الحروب الأمريكية في المنطقة إلى الانتفاضات العربية، وهو ما منحه مكانة خاصة لدى جمهور واسع في العالم العربي.

بدأ الراحل مسيرته الإعلامية في الإذاعة والتلفزيون الأردني عام 1974، قبل أن ينتقل للعمل في عدد من المؤسسات الإعلامية العربية والدولية، من بينها هيئة الإذاعة الكورية الجنوبية وتلفزيون الإمارات وهيئة الإذاعة البريطانية BBC عربي، ثم التحق بشبكة الجزيرة مع انطلاقتها، حيث أسهم في تثبيت هويتها الإخبارية في سنواتها الأولى.

وينحدر جمال ريان من مدينة طولكرم الفلسطينية، وبقي اسمه مرتبطًا بالقضية الفلسطينية وبالحضور الإعلامي المهني الصلب، ما جعله يحظى باحترام واسع بين زملائه ومتابعيه. ومع إعلان وفاته، امتلأت منصات التواصل بعبارات النعي والوفاء، في وداع قامة إعلامية تركت أثرًا واضحًا في مسيرة الخبر التلفزيوني العربي.

اليوم السادس عشر للعدوان: صواريخ إيران “الجديدة” تفرض معادلة النار الشاملة من “الظفرة إلى تل أبيب”

في اليوم السادس عشر من العدوان، اتضح أن مسار المواجهة دخل مرحلة الضغط الإيراني المتواصل واسع النطاق، وأن العدو الأمريكي–الصهيوني بات يواجه واقعًا ميدانيًا أكثر قسوة مما توقعت غرفه السياسية والعسكرية. فمنذ الساعات الأولى، أكد مقر خاتم الأنبياء أن العدو المهزوم لجأ إلى المكر والخداع عبر محاولات تشكيل تحالفات سياسية ضد إيران، وذهب إلى حد استنساخ مسيّرة “شاهد 136” باسم “لوكاس” لمهاجمة أهداف غير مشروعة في دول المنطقة بهدف إثارة الفتنة بين إيران وجيرانها وتشويه طابع الرد الإيراني المشروع.

وفي هذا الإطار شدد المقر على أن أي هجوم تشنه إيران تعلن عنه رسميًا وتتحمل مسؤوليته كاملة، نافيًا أي صلة لطهران بالهجمات التخريبية التي استهدفت مراكز في تركيا والكويت والعراق، ومؤكدًا أن العقيدة الدفاعية الإيرانية تستهدف حصراً مصالح أمريكا والكيان الصهيوني.

وعلى مستوى الميدان، واصلت إيران فرض إيقاعها الناري، حيث أعلن التلفزيون الإيراني إطلاق موجة جديدة من الصواريخ باتجاه إيلات والأراضي الفلسطينية المحتلة، قبل أن تدوي صفارات الإنذار في تل أبيب ومحيطها، وتظهر مشاهد مرور الصواريخ الإيرانية فوق طوباس ومناطق عدة في الضفة الغربية باتجاه العمق المحتل. وأقرت وسائل إعلام العدو بسقوط شظايا صاروخية واندلاع حرائق في مناطق مختلفة بوسط إسرائيل، مع دمار هائل في تل أبيب الكبرى من الموجة الأخيرة. ولم تعد الضربات مجرد ضغط ناري متقطع، بل تحولت إلى موجات ثقيلة متصاعدة؛ إذ أعلن حرس الثورة الإسلامية تنفيذ الموجة 52 من عملية “الوعد الصادق 4” ضد مراكز القيادة والسيطرة الإقليمية وإدارة الجبهة الداخلية للكيان الصهيوني، إلى جانب قاعدة الظفرة التابعة لجيش العدو الأمريكي، مستخدمًا 10 صواريخ فرط صوتية من طرازي “فاتح” و”قدر” وسربًا من الطائرات المسيّرة الانتحارية، مع التأكيد أن الهجمات ستستمر بوتيرة تصاعدية ونطاق أوسع حتى استسلام المعتدي ومعاقبته بالكامل.

ثم تلتها الموجة 53 التي نُفذت إحياءً لذكرى 84 شهيدًا من طاقم المدمرة دنا التابعة للقوات البحرية الإيرانية، واستهدفت مجددًا قاعدة الظفرة ومراكز القيادة والسيطرة التابعة للكيان، مستخدمة 10 صواريخ فرط صوتية من طراز فتاح وقدر مع طائرات مسيّرة. ولم تتوقف وتيرة التصعيد عند ذلك، بل بلغت مستوى نوعيًا جديدًا مع إعلان إطلاق الموجة 54 من عملية “الوعد الصادق 4″، واستخدام صاروخ سجيل الباليستي لأول مرة منذ بدء الحرب، حيث استهدفت الموجة البنى التحتية للصناعات العسكرية والدفاعية ومواقع تجمع القوات الصهيونية في قلب الأراضي المحتلة. وفي وقت لاحق، اعترف إعلام العدو بأن اليوم السادس عشر يبدو ثالث أكثر يوم تعرضًا للقصف الإيراني منذ بداية الحرب، رغم أن الوقت لم يكن قد تجاوز الظهيرة بعد، وهو اعتراف واضح بأن وتيرة النيران الإيرانية باتت تثقل الجبهة الداخلية للكيان على نحو غير مسبوق.

وفي موازاة الضربات على الكيان، استمرت إيران في استهداف القواعد الأمريكية التي تشكل عصب العدوان المباشر على أراضيها. فقد شدد حرس الثورة على أن استهداف قاعدة الظفرة جاء بسبب كونها مركزًا للإدارة والسيطرة ودعم العمليات الصهيونية ضد مراكز القيادة الإيرانية. كما أكد أن الموجات الإيرانية ستواصل ضرب الأهداف والمراكز والمصالح الأمريكية والصهيونية بقوة وبنطاق أوسع. وفي السياق ذاته، قال قائد مقر خاتم الأنبياء اللواء عبد اللهي إن زمام المعركة بات بيد القوات المسلحة الإيرانية، وإن الولايات المتحدة يجب أن تدرك أن زمن نهب الشعوب وسلبها قد انتهى، مؤكدًا أن إيران عازمة على استخدام جميع قدراتها الجيوسياسية، بما في ذلك إدارة والسيطرة على حركة المرور في مضيق هرمز الاستراتيجي، وأن العدو لن يكون أمامه سوى الاستسلام أمام اقتدار إيران. كما شدد على أن إيران لم تبدأ أي حرب، لكنها إذا تعرضت لأي اعتداء فهي التي ستحدد نهاية الحرب.

وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن لا مبادرة مطروحة حاليًا لإنهاء الحرب، لكنه رحب بأي مبادرة إقليمية تؤدي إلى حل عادل. وأوضح أن احتلال جزيرة خرج سيكون خطأ أكبر من الهجوم عليها، مؤكدًا أن الاتصالات الدبلوماسية مع قطر والسعودية وعُمان ودول الجوار مستمرة، وأن إيران مستعدة لتشكيل لجنة تحقيق مع دول المنطقة بشأن الأهداف التي تعرضت لهجمات، في إشارة واضحة إلى سعي طهران لإفشال محاولات العدو إفساد علاقاتها مع جيرانها عبر ضربات غامضة أو منتحلة. كما جدد عراقجي التحذير بأن أي استهداف لمنشآت الطاقة الإيرانية سيقابله استهداف لمنشآت تابعة لشركات أمريكية في المنطقة، ما يرسخ معادلة الطاقة مقابل الطاقة. وفي الميدان الإعلامي والدبلوماسي، سخر عراقجي من محاولات تبرئة واشنطن، مؤكدًا أن المظلة الأمنية الأمريكية التي رُوّج لها لسنوات مليئة بالثغرات، وأن الأولوية الوحيدة للقوات الخارجية في الدول المجاورة هي الدفاع عن “إسرائيل”، داعيًا أشقاء إيران إلى طرد هذه القوات المعتدية من أراضيهم.

ومن جهة أخرى، واصلت طهران تعزيز الجبهة الداخلية وإحباط محاولات الاختراق. فقد أعلنت وكالة تسنيم عن اعتقال 20 شخصًا في أرومية لارتباطهم بالكيان الصهيوني، ثم كشفت الاستخبارات الإيرانية عن اعتقال 23 عميلاً في ثلاث خلايا في مازندران وخراسان وخوزستان، كما أعلن استخبارات حرس الثورة إلقاء القبض على 33 عميلاً في طهران وهمدان عملوا على رفع معلومات عن المراكز العسكرية والأمنية إلى الأعداء. وإلى جانب ذلك، أعلنت الشرطة الإيرانية توقيف 54 شخصًا كانوا يخططون لأعمال شغب، بما يؤكد أن إيران تدير الحرب على مستويين متوازيين: سحق العدوان الخارجي، وتفكيك شبكات الاختراق الداخلي.

وفي السماء، استمرت إيران في إسقاط المسيّرات الأمريكية والصهيونية بوتيرة لافتة، ما يعزز صورة فشل العدو في تحقيق السيادة الجوية الكاملة. فقد سبق أن أعلن الحرس تدمير 112 مسيّرة، ثم ارتفع الرقم إلى 114، في وقت أكد مقر خاتم الأنبياء أن إسقاط المسيّرات المتعددة دليل إضافي على أن عصر الهيمنة الدولية انتهى، وأن إيران لا تتوانى عن توجيه ضربات قاسية ومتتالية للعدو. كما شدد على أن دماء الشهداء أمانة وأن كل ضرر لحق بالمجتمع الإيراني سيُقابل برد مدمر، وأن القادة الأمريكيين والصهاينة لن يجدوا ملاذًا لا في الأرض ولا في السماء.

أما على الجبهة اللبنانية، فقد واصل حزب الله تصعيده النوعي، معلنًا تنفيذ 47 عملية نوعية في عمق الكيان وضد قوات العدو خلال 24 ساعة، في رقم يكشف أن جبهة الشمال لم تعد جبهة إسناد محدودة بل جبهة استنزاف هجومية شاملة. وأعلن الحزب قصف نهاريا ومنظومة الدفاعات الجوية في معالوت ترشيحا، إلى جانب استهداف تجمعات وآليات العدو في خلة العقصى، والعديسة، والحمامص، ومحيط معتقل الخيام، ومشروع الطيبة، ومشروع الطيبة، وخلة المحافر، ومحيط بلدية مدينة الخيام. كما أكد تدمير دبابة ميركافا بصاروخ موجه أثناء تقدمها نحو الطيبة، واستهداف مركز التأهيل والصيانة (7200) جنوب حيفا بسرب من المسيّرات الانقضاضية. ووفق هآرتس ويديعوت أحرونوت، فإن قدرات حزب الله على إلحاق الضرر بالجبهة الداخلية أعلى بكثير من تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية، وأن الجيش الإسرائيلي تفاجأ برد الحزب وكان يتوقع تدخلًا محدودًا فقط، فيما بدأ القادة السياسيون يبيعون أوهامًا جديدة لجمهور يزداد غضبه ومرارته مع اتساع المواجهة.

وفي العراق، واصلت المقاومة الإسلامية – سرايا أولياء الدم هجماتها على القواعد الأمريكية، ما يثبت أن الوجود الأمريكي في المنطقة بات تحت ضرب متزامن من أكثر من محور. وبذلك، فإن ما يجري لم يعد مجرد ردود متفرقة، بل تنسيق ناري إقليمي متدرج يضع القواعد الأمريكية في الخليج والعراق والأردن وسواها تحت تهديد دائم ومباشر.

وعلى الصعيد الدولي، بدأت تتسع هوة الشك في القرار الأمريكي. فقد كشفت وول ستريت جورنال أن ترامب مضى في الهجوم على إيران رغم تحذيرات رئيس هيئة الأركان من رد طهران بإغلاق مضيق هرمز، وأنه أقر بخطورة هذه الخطوة لكنه افترض أن إيران ستستسلم قبل الإقدام عليها. كما أكدت الصحيفة نفسها أن رهان ترامب و”إسرائيل” على إسقاط النظام الإيراني عبر الضربات الجوية هو وهم يفتقر للواقعية، وأن إيران تتعامل مع المواجهة الحالية على أنها معركة وجودية استعدت لها منذ عقود. وأضافت أن غياب الإجماع يهدد التعاون الأمريكي الأوروبي، وأن أغلب حلفاء واشنطن لا يؤيدون التصعيد الحالي. وفي السياق ذاته، نقلت هيئة الإذاعة اليابانية عن مصادر رسمية أن قرارات طوكيو سيادية وأنها لن ترسل سفنًا إلى مضيق هرمز لمجرد “طلب” من ترامب، ما يعكس بداية تصدع في الانضباط الدولي خلف واشنطن.

اقتصاديًا، استمرت ارتدادات الحرب في التصاعد. فقد أعلنت جمعية السيارات الأمريكية أن متوسط أسعار البنزين بلغ 3.70 دولارات للغالون بزيادة 24% منذ بداية الحرب مع إيران، فيما قررت فلاي دبي إلغاء جميع رحلاتها إلى “إسرائيل” حتى نهاية أبريل، في إشارة إلى التدهور الحاد في البيئة الأمنية للكيان. كما كشفت هآرتس عن إخلاءات سكانية في شلومي بالجليل الغربي، وأقر إعلام العدو بأن عمليات إطلاق الصواريخ مستمرة بلا توقف طوال النهار والليل باتجاه بلدات الشمال وحتى مدينة حيفا. كل ذلك يوضح أن الضربات الإيرانية وضربات المقاومة بدأت تعطل إيقاع الحياة داخل الكيان وتدفعه تدريجيًا نحو حالة اختناق أمني ومعنوي واقتصادي.

وفي الداخل الفلسطيني، واصل الاحتلال جرائمه الممنهجة، حيث استشهد الأب والأم وطفلان من عائلة واحدة في طوباس بينما كانوا في طريقهم لشراء ملابس العيد، وأصيب طفلان آخران، في جريمة تعكس الطبيعة الوحشية للعدو. كما صعد الاحتلال جرائمه في الضفة الغربية، وهو ما دفع حماس إلى التأكيد على أن مجزرة طمون جريمة حرب جديدة، وأن نهج الاحتلال في سفك الدم الفلسطيني وقتل النساء والأطفال لن يفلح في كسر إرادة الشعب، بل سيزيده إصرارًا وغضبًا ومواجهة. وفي غزة، ارتفع عدد الشهداء مجددًا بعد قصف استهدف مركز شرطة وخيمة نازحين وسط القطاع، ما أدى إلى استشهاد 12 شخصًا بينهم 8 من عناصر الشرطة.

إن خلاصة اليوم السادس عشر تكشف أن إيران لم تعد تتحرك وفق منطق امتصاص الضربة والرد المحدود، بل باتت تدير الحرب على قاعدة الضغط التصاعدي المتواصل، وفتح جبهات الاستنزاف، وتفكيك المظلة الأمريكية، وفرض معادلات سيادية جديدة في البحر والجو والطاقة والعمق الإقليمي. في المقابل، تبدو واشنطن وتل أبيب في مأزق مركب: عجز عن الحسم، وخسائر متراكمة، وحلفاء مرتبكون، وداخل صهيوني يشتعل بالنار والحرائق والإنذارات، وأسواق تتوتر، وشرعية سياسية تتآكل. لقد بات واضحًا أن الحرب لم تعد حربًا على إيران، بل حرب سقوط المشروع الأمريكي–الصهيوني تحت وطأة الصمود الإيراني واتساع نار المقاومة في كل الساحات.