تكشف الحصيلة الميدانية والعسكرية لكل التطورات المرسلة خلال الأيام الماضية أن العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية فشل في تحقيق هدفه المركزي المعلن والمضمر، أي كسر بنية القرار الإيراني وإسقاط النظام أو إدخاله في حالة ارتباك استراتيجي، وأن النتيجة الفعلية جاءت معاكسة تمامًا: إيران امتصّت الضربة الافتتاحية، حافظت على تماسكها السياسي والعسكري، ونقلت مركز الثقل من أراضيها إلى القواعد الأمريكية في الخليج والعمق الإسرائيلي وممرات الطاقة والبحر، فارضةً على واشنطن وتل أبيب حربًا طويلة، متعددة الجبهات، باهظة الكلفة، ومفتوحة على استنزاف متصاعد.
منذ الساعات الأولى، بَدا أن العدوان الأمريكي–الإسرائيلي التأسيسية بُنيَ على رهان كلاسيكي يقوم على “قطع الرأس لإرباك الجسد”: استهداف القيادة العليا، خلق فراغ في مركز القرار، ثم استثمار الصدمة في الداخل الإيراني لفتح مسار سياسي–أمني نحو تغيير النظام. لكن ما حدث ميدانيًا أجهض هذا التصور بسرعة. فبدل أن يدخل النظام الإيراني في طور الشلل، أظهرت المعطيات التي تلت الاغتيالات أن مؤسسات القيادة استمرت بالعمل، ومجلس القيادة المؤقت انعقد بشكل منتظم، واتُخذت قرارات دعم وتعزيز للقوات المسلحة، وبدأ التمهيد القانوني والمؤسسي لاستكمال ترتيبات القيادة العليا. بهذا المعنى، فإن محاولة “كسر الرأس” تحولت إلى عامل تعبئة وتماسك لا إلى مدخل انهيار.
العنصر الحاسم في قلب المشهد لم يكن فقط بقاء القرار الإيراني، بل شكل الرد الإيراني. فإيران لم ترد بانفعال فوضوي أو بإطلاق نار رمزي، بل دشّنت منذ الأيام الأولى إيقاعًا عملياتيًا منظمًا جمع بين السرعة، الاتساع، الدقة، والتدرج المدروس في استخدام القوة. وهذا ما جعل الضربات الإيرانية، وفق مجمل البيانات التي وردت، تأخذ طابع الحملة العسكرية الشاملة لا مجرد الردود المتفرقة. فعمليات “الوعد الصادق 4” توالت بموجات متصاعدة بلغت على الأقل الموجات 16، 17، 18، 19، 20، 21، و22، مستخدمة مزيجًا من الصواريخ الباليستية، صواريخ الكروز، الصواريخ الفرط صوتية، الصواريخ الانشطارية، وطائرات مسيّرة هجومية وانقضاضية، مع انتقال واضح من الضربات المحدودة إلى الهجمات المركّبة الكثيفة متعددة الاتجاهات.
أبرز ما فرض نفسه في هذا المسار هو أن إيران لم تحصر ردها داخل إطار “الرد على إسرائيل فقط”، بل أعادت تعريف المعركة بوصفها مواجهة مع منظومة العدوان كلها: الكيان الصهيوني، القواعد الأمريكية، البنية الرادارية والاعتراضية، المراكز اللوجستية، ممرات الملاحة، وسلاسل الإسناد. ولذلك برزت جبهة القواعد الأمريكية في الخليج بوصفها الجبهة الأكثر حساسية في الحرب.
فحسب المعطيات المرسلة، استهدفت إيران على نحو متكرر العديد في قطر، الظفرة والمنهاد وزايد في الإمارات، علي السالم والعديري وعريفجان في الكويت، الجفير وميناء سلمان ومواقع الأسطول الخامس في البحرين، ومواقع أمريكية مرتبطة بمطار بغداد وأربيل وقرب مطارها، فضلًا عن أهداف في المحيط الهندي وبحر عمان. وهذا الاستهداف لم يكن دعائيًا، إذ ترافق مع تقارير عن قتلى أمريكيين، وتعليق عمليات السفارة الأمريكية في الكويت، وإخلاءات جزئية، وهروب الجنود إلى الفنادق والمنشآت المدنية، ورفع مستويات التحذير في عدد من الدول، وتعاظم الضغط على واشنطن لتعويض مخزوناتها الدفاعية.
والأخطر عسكريًا أن الضربات الإيرانية لم تقتصر على مبانٍ أو مدارج أو تجمعات، بل استهدفت ما هو أهم: شبكة “العين والأذن” الأمريكية في المنطقة. فقد تكررت الإعلانات والقرائن حول تدمير أو إعطاب رادارات ومنظومات إنذار مبكر ومنظومات “ثاد” أمريكية في قطر والإمارات والأردن، بما فيها الحديث عن رادار FPS-132 في قطر، ومنظومات AN/TPY-2 ومبانٍ مرتبطة بـTHAAD في الرويس وسدر وأم دهال وقاعدة السلطي، إضافة إلى رادارات متطورة في الظفرة وعلي السالم. وإذا صحّت هذه المعطيات الميدانية التي تعززها بعض الصور وتقارير إعلامية دولية، فإن ذلك يعني أن إيران لم تكن تستهدف “الجلد الخارجي” للانتشار الأمريكي، بل العمود الفقري لشبكة الاعتراض والإنذار والسيطرة. وهذا يفسر تصاعد الحديث الأمريكي عن نقص مخزونات الدفاع الجوي، والحاجة إلى أموال طارئة، وتسريع الإنتاج، وإعادة ترتيب الأولويات الدفاعية وفق معادلة “إسرائيل أولًا”.
في المقابل، لم يكن العمق الإسرائيلي بمنأى عن هذا الإيقاع، بل كان المسرح الثاني المكمل. فالضربات الإيرانية طالت وفق المعطيات تل أبيب، القدس، يافا، بئر السبع، حيفا، الجليل، عسقلان، بني براك، بيتح تكفا، بئر السبع، مواقع في هكريا، مطار بن غوريون، مجمعات اتصالات ومقار استخبارية وعسكرية ومراكز حكومية. وتظهر الرسائل الإيرانية هنا بوضوح: لا حصانة للعمق الإسرائيلي، ولا قدرة للدفاعات على منع الاختراقات المتكررة، ولا إمكانية لإبقاء الجبهة الداخلية خارج المعركة. وقد عزز ذلك حديث إعلام العدو عن تعطل الملاحة في بن غوريون، صفارات إنذار شبه متواصلة، أضرار مباشرة، مئات ومئات الإصابات، إجلاء آلاف المستوطنين من منازلهم، وخسائر اقتصادية يومية بمليارات الدولارات. وبرز في هذا الإطار الاستخدام الإيراني لصواريخ “خرمشهر 4” ذات الرؤوس الحربية الثقيلة، والصواريخ الانشطارية، فضلًا عن الحديث عن اختراق سبع طبقات من الدفاع الجوي وظهور فشل واضح في بعض الضربات التي وصلت دون إنذار أو رغم الإنذار.
على المستوى البحري، اتخذت الحرب بعدًا استراتيجيًا إضافيًا. فالمعطيات المرسلة تُظهر أن إيران لم تتعامل مع هرمز كممر محايد، بل كساحة سيطرة واشتباك مباشر. وقد تكررت التصريحات الإيرانية التي تؤكد أن مضيق هرمز بات “منطقة عمليات”، وأن المرور فيه يخضع لشروط زمن الحرب، وأن السفن المرتبطة بالولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي وبعض الحلفاء لن يُسمح لها بالعبور غير القانوني. وعمليًا، ترافق ذلك مع تقارير عن استهداف ناقلات نفط وسفن دعم وقطع بحرية، واحتراق بعضها، وتوقف نحو 300 ناقلة في الخليج، وانهيار حركة المرور قرب المضيق، وارتفاع شديد في تكاليف الشحن والتأمين، وبلوغ خام برنت 90 ثم 93 دولارًا، وتقديرات بارتفاع العقود الآجلة للغاز الأوروبي بأكثر من 60%، وتعطل إنتاج قطري جزئيًا وتحركات خليجية لتحويل مسارات النفط. بهذا المعنى، فإن إيران نجحت في تحويل البحر والطاقة إلى جبهة ضغط عالمية، لا إقليمية فقط.
أما في الدفاع الجوي الإيراني، فتُظهر المعطيات المتكررة أن إيران لم تكن فقط هدفًا للغارات، بل ساحة اشتباك جوي فعلي. فقد تكررت الإعلانات عن إسقاط طائرات مسيّرة من طراز هيرمس 900، هيرون، MQ-9 في أصفهان، كرمان، طهران، همدان، خوزستان، لرستان، بوشهر، شيراز، وأماكن أخرى، مع الإعلان أيضًا عن إسقاط مقاتلات F-15 في أكثر من مناسبة، بعضها فوق أو قرب الحدود الجنوبية الغربية، وبعضها في البرز أو في محيط الكويت وفق روايات متعددة. وبغض النظر عن مساحة التحقق، فإن تكرار هذه المعطيات وتواترها يعني أن السماء الإيرانية لم تُفتح مجانًا للخصم، وأن العدوان الجوي يواجه طبقات دفاعية فعالة وقابلة للتكيّف.
الأثر العسكري الأعمق للحرب لم يقتصر على إيران وحدها، بل تجسد في دخول محور المقاومة في خط الاشتباك بشكل متدرج ومتكامل. حزب الله انتقل من الرد التحذيري إلى ضرب قواعد ومقار نوعية: قاعدة حيفا البحرية، قاعدة غيفع للتحكم بالمسيّرات، قاعدة دادو، مجمع رفائيل للصناعات العسكرية، ثكنة يعرا، قواعد في الجولان، مراكز تجمع للقوات، مواقع مطلة وكفركلا والخيام والحمامص ووادي العصافير ورويسات العلم، إضافة إلى ضربات بالصواريخ والمسيّرات الانقضاضية وتدمير آليات وإصابة تجمعات وإجبار قوات إسرائيلية على التراجع. ورافق ذلك اعترافات إسرائيلية بإصابات مباشرة في صفوف الجنود والضباط، وبعضها خطير. هذا يعني أن الجبهة الشمالية تحولت إلى جبهة إيلام مستمر، لا إلى جبهة إزعاج فقط.
في العراق، بدورها، دخلت المقاومة الإسلامية على نحو واضح، مع بيانات عن 16 عملية ثم 27 عملية خلال 24 ساعة، وضرب قواعد في العراق والمنطقة، واستهداف أربيل ومطار بغداد وفندق تستخدمه القوات الأمريكية، وعمليات سرايا أولياء الدم وكتائب أخرى، بينما ظل الخطاب الميداني والسياسي يؤكد أن الوجود الأمريكي بات هدفًا مباشرًا ومفتوحًا. وهنا يتضح أن الولايات المتحدة لم تعد تواجه جبهة واحدة، بل نظام ضغط مركب يمتد من طهران إلى الخليج إلى العراق فلبنان وفلسطين المحتلة.
سياسيًا، لا تقل نتائج الحرب أهمية عن نتائجها العسكرية. فكل ما أُرسل من مواقف وتصريحات يشير إلى أن رهان “الاصطفاف العربي والإسلامي الكامل” خلف واشنطن لم يتحقق، وأن هناك تباينات متصاعدة. صحيح أن بعض الأنظمة واصلت حماية القواعد الأمريكية أو حاولت صدّ بعض الضربات الإيرانية، لكن في المقابل ظهرت مواقف دولية وإقليمية مختلفة: الصين انخرطت في وساطة وأعلنت دعم إيران في سيادتها، وروسيا وصفت الحرب بأنها تهديد عالمي، وإسبانيا رفضت استخدام قواعدها، وإيطاليا عدّت الهجوم متجاوزًا للقانون الدولي، وفرنسا أعلنت أنها لن تشارك في أي عملية ضد إيران. وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها، تصاعدت أصوات معارضة للحرب من بيرني ساندرز وآخرين، مع احتجاجات في المدن الأمريكية، وتقارير عن غياب مؤشرات على انتفاضة أو انشقاق داخل إيران في الأيام الأولى، بما يسقط إحدى أهم فرضيات العدوان.
داخليًا، تشير المعطيات الإيرانية إلى أن الجبهة الداخلية لم تنكسر. فقد خرج الشعب الإيراني لأيام متتالية في الساحات والميادين دعمًا للرد الإيراني، وظهرت مسيرات في العشائر العربية في إيلام ومناطق أخرى، بينما واصل مجلس القيادة المؤقت اجتماعاته، وصدر تفويض له من مجمع تشخيص مصلحة النظام في ملفات عزل وتعيين القادة وإعلان الحرب، وتأكد أن القيادة السياسية–العسكرية الإيرانية تتصرف بعقلية “الحرب المستمرة” لا “إدارة الأزمة المؤقتة”.
وفي اليمن، حضرت الجبهة الشعبية والسياسية بوصفها رصيدًا تعبويًا واستراتيجيًا إضافيًا. فخطابات قائد أنصار الله السيد عبدالملك الحوثي، ثم مليونيات “مع إيران ولبنان نحيي يوم الفرقان” في صنعاء والمحافظات، أكدت أن “الأيدي على الزناد” وأن اليمن يعتبر ما يجري “معركة الأمة كلها”، ويقف مع إيران ولبنان والعراق وفلسطين في مواجهة مشروع “إسرائيل الكبرى”. وهذا البعد ليس رمزيًا فحسب، بل يدخل في ميزان الحرب بصفته احتياطًا تعبويًا وعسكريًا مفتوحًا.
اقتصاديًا، كشفت الأيام الأولى من الحرب أن المعركة لم تعد محصورة في القواعد والمطارات والعمق العسكري، بل انتقلت بسرعة إلى شرايين الاقتصاد الإقليمي والعالمي، مع تحوّل الخليج ومضيق هرمز إلى ساحة ضغط مباشر على أسواق الطاقة والشحن والتأمين. فقد أدى تصاعد الاستهدافات وتعطل المرور البحري ووقوف مئات ناقلات النفط بعيدًا عن هرمز إلى قفزات حادة في أسعار الخام والغاز، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري إلى مستويات غير مسبوقة، بالتوازي مع اضطراب سلاسل الإمداد، وتعطل آلاف الرحلات الجوية، وتزايد خسائر المرافق الاقتصادية في كيان العدو يوميًا. كما بدأت آثار الحرب تمتد إلى الداخل الأمريكي والغربي عبر صعود أسعار الوقود، وتزايد المخاوف من عودة التضخم، واستنزاف المخزونات العسكرية بمليارات الدولارات، وهو ما يعني أن إيران لم تنجح فقط في نقل المعركة إلى الميدان العسكري للخصم، بل فرضت أيضًا معادلة استنزاف اقتصادي ثقيل تجعل كلفة استمرار العدوان أعلى من قدرة واشنطن وتل أبيب وحلفائهما على الاحتمال السياسي والمالي.
الخلاصة العسكرية الشاملة لكل ما أُرسل هي أن هذه الحرب، بعد أسبوع من اندلاعها، لم تعد حرب إسقاطٍ خاطف بل حرب استنزافٍ مركب. الولايات المتحدة والكيان الصهيوني أخفقا في تحقيق الشلل القيادي والسياسي داخل إيران، وفشلا في منع انتقال المعركة إلى قواعدهما ومصالحهما، ولم ينجحا في تحييد الجبهات المساندة، بينما نجحت إيران في فرض عدة حقائق مركزية: العمق الإسرائيلي قابل للاختراق، القواعد الأمريكية في الخليج ليست محمية، منظومات الإنذار والدفاع قابلة للتعطيل، هرمز ورقة ضغط حية، الأسواق والطاقة تتفاعل فورًا مع النار، ومحور المقاومة قادر على العمل التزامني من أكثر من جبهة.
وبصياغة عسكرية صرفة: المبادرة لم تعد في يد من بدأ الحرب، بل في يد من نجح في تفكيك أهدافها، ونقل نيرانها، ورفع كلفتها، وتحويل تفوق الخصم التقني إلى عبء تشغيلي وسياسي واقتصادي يومي. لذلك فإن أخطر ما يواجه واشنطن وتل أبيب الآن ليس مجرد الصواريخ أو المسيّرات، بل استمرار هذه المعادلة لأيام وأسابيع إضافية؛ لأن كل يوم إضافي في هذه الحرب يعني مزيدًا من الاستنزاف في الذخائر، وانكشافًا أكبر للحلفاء، واضطرابًا أوسع في الطاقة والشحن، وتآكلًا في صورة الردع، واتساعًا في دائرة الخسارة.