الرئيسية بلوق الصفحة 167

“حزب الله” يفشل “إنزالاً إسرائيليًا” في البقاع ويفرض اشتباكًا نارياً واسعًا على قوة متسللة

كشفت المقاومة الإسلامية في لبنان “حزب الله”، في بيان عسكري صدر السبت 7 مارس/آذار 2026، تفاصيل عملية تصدٍّ ميدانية قالت إنها أحبطت خلالها محاولة تسلل وإنزال جوي نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في منطقة البقاع، مؤكدة أن القوة المعادية وقعت تحت الرصد المبكر ثم الاشتباك المباشر، قبل أن يضطر العدو إلى تغطية انسحابه بعشرات الغارات والأحزمة النارية.

وأوضح البيان أن مجاهدي المقاومة رصدوا عند الساعة 10:30 من مساء الجمعة تحرك أربع مروحيات إسرائيلية قدمت من الاتجاه السوري، ونفذت عملية إنزال لقوة مشاة في مثلث جرود يحفوفا والخريبة ومعربون. ووفق البيان، تقدمت القوة المتسللة لاحقًا باتجاه الحي الشرقي لبلدة النبي شيت، وتحديدًا حي آل شكر، قبل أن تصل إلى محيط المقبرة عند الساعة 11:30، حيث باغتتها مجموعة من مجاهدي المقاومة باشتباك مباشر باستخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

وأشار البيان إلى أن الاشتباك تطور سريعًا بعد انكشاف القوة الإسرائيلية، ما دفع جيش الاحتلال إلى اللجوء إلى تصعيد ناري كثيف لتأمين سحب عناصره، عبر تنفيذ نحو أربعين غارة شارك فيها الطيران الحربي والمروحي، في محاولة واضحة لفتح ممر انسحاب تحت الغطاء الجوي.

وفي المقابل، أكدت المقاومة أن سلاح المدفعية تدخل بشكل مركز، مستهدفًا محيط منطقة الاشتباك وخطوط انسحاب القوة المعادية، بما ضاعف الضغط على القوة المتوغلة وأربك حركتها. كما لفت البيان إلى أن أهالي القرى المجاورة شاركوا في الإسناد الناري، في مشهد يعكس اتساع حالة الاستنفار الميداني والشعبي في مواجهة أي توغل إسرائيلي.

ويُظهر هذا التطور، وفق مضمون البيان، أن محاولة الإنزال الإسرائيلي لم تحقق أهدافها الميدانية، وأن القوة المتسللة وجدت نفسها في مواجهة سريعة ومباشرة مع المقاومة، قبل أن تضطر للانسحاب تحت نيران كثيفة وبرعاية جوية واسعة، وهو ما يعكس تصاعد مستوى الاشتباك على الجبهة اللبنانية وانتقاله إلى عمليات أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الإنزالات الجوية، والاشتباكات البرية، والإسناد المدفعي، والمساندة الشعبية.

كمين البقاع: قوات الرضوان تُحاصر “وحدة إسرائيلية” وتفشل عملية إنقاذ جوية تحت نيران مكثفة

تشير التطورات الميدانية الواردة من جبهة جنوب لبنان والبقاع إلى وقوع قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي في كمين مركّب نفذته قوات الرضوان التابعة لحزب الله، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة استمرت لساعات في محيط قرية جبانة النبي شيت ومنطقة الخيام، وسط محاولات إسرائيلية متكررة لإنقاذ القوة المحاصرة عبر الإسناد الجوي والإنزال العسكري.

وبحسب المعلومات الأولية، فقد بدأ الحدث عندما كشفت المقاومة تحرك قوة للاحتلال الإسرائيلي خاصة داخل الأراضي اللبنانية، لتتعرض هذه القوة سريعًا لإطلاق نار كثيف أدى إلى محاصرتها داخل نطاق الاشتباك. ومع تصاعد الاشتباكات، حاولت قوات الاحتلال تنفيذ عملية إنقاذ عاجلة عبر مروحيات أباتشي وإنزال وحدات إضافية من المظليين لإخراج القوة العالقة من منطقة الكمين.

غير أن قوات الرضوان كثّفت نيرانها بشكل كبير لمنع المروحيات من الهبوط أو تنفيذ عملية الإخلاء، ما أدى إلى فشل محاولة الإنقاذ الأولى، وتحوّل المنطقة إلى ساحة اشتباك مفتوحة بين الطرفين. وتشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى حالة فوضى ميدانية داخل القوة الإسرائيلية، مع محاولات متكررة للانسحاب بعد انكشاف النشاط العسكري للقوات المتوغلة.

وفي موازاة الاشتباكات الأرضية، شنّ طيران الاحتلال الإسرائيلي غارات جوية على قرية النبي شيت ومناطق في البقاع في محاولة لتأمين انسحاب القوة المحاصرة وتخفيف الضغط عنها، إلا أن الاشتباكات استمرت، مع ورود أنباء أولية عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الإسرائيلية.

كما أفادت التقارير بأن قوات الاحتلال حاولت إنزال قوة إضافية بعيدة عن خط الاشتباك لإعادة تنظيم عملية الإنقاذ، إلا أن هذه القوة تم رصدها أثناء مرورها قرب منطقة الخيام، لتندلع اشتباكات جديدة معها قبل وصولها إلى موقع القوة المحاصرة.

وفي سياق التصعيد، استخدمت المقاومة اللبنانية صواريخ كورنيت المضادة للدروع لاستهداف آليات عسكرية إسرائيلية قرب مستوطنة مرجليوت، ما أدى إلى إصابة عدد من الآليات وتعطيلها، في حين أعلنت المقاومة أيضًا قصف مستوطنة المطلة بصاروخ “بركان” وإصابته هدفه بدقة.

وتشير المعطيات الميدانية المتداولة إلى أن الجيش اللبناني شارك في التصدي للتوغّل الإسرائيلي في بعض نقاط البقاع، ما زاد من تعقيد المشهد العسكري على الأرض.

وتعكس هذه الاشتباكات تصعيدًا نوعيًا في الجبهة اللبنانية، حيث لم يعد الاشتباك يقتصر على تبادل القصف عبر الحدود، بل تطور إلى كمائن واشتباكات مباشرة ومحاولات إنزال وإنقاذ تحت النار، وهو نمط عملياتي يعيد إلى الواجهة تكتيكات حرب العصابات والكمائن المضادة التي طالما استخدمتها المقاومة في مواجهة القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.

وفي حال تأكدت الخسائر الإسرائيلية ونجاح المقاومة في إفشال عمليات الإنقاذ الجوية، فإن هذا الاشتباك قد يشكل أحد أبرز الأحداث الميدانية في المواجهة الحالية، لما يحمله من دلالات على قدرة المقاومة على كشف التحركات الخاصة للعدو، ومحاصرته، وفرض الاشتباك في توقيت ومكان تختاره هي.

ميدل إيست آي: “العدوان على إيران” قد يتحول إلى شرارة انهيار النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط

أكد موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، في تحليل استراتيجي موسّع لرئيس تحريره ديفيد هيرست، أن العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يبدو قادراً على كسر الهوية الإيرانية أو تحطيم إرادة المواجهة، بل قد يدفع المنطقة إلى مسار معاكس تماماً لما تريده واشنطن وتل أبيب، عبر تسريع تآكل الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط.

ويرى هيرست أن التحول الأبرز في الأداء الإيراني تمثل في نقل مركز الثقل من استهداف العمق الإسرائيلي وحده إلى ضرب الوجود والمصالح الأمريكية في الخليج العربي، انطلاقاً من تقدير استراتيجي مفاده أن قدرة الكيان الإسرائيلي على مواصلة الحرب والاحتمال مرهونة بالكامل باستمرار الدعم الأمريكي المباشر. ومن هذا المنظور، لم تعد طهران ترى المعركة مواجهةً مع “إسرائيل” فقط، بل مع البنية الأمريكية الحامية لها، ولهذا اتجهت إلى توسيع نطاق الاشتباك بما يجعل حرب ترامب مرتفعة الكلفة على الاقتصاد العالمي وعلى موقع الولايات المتحدة ذاته.

ويشير التحليل إلى أن آثار الحرب ظهرت خلال وقت قياسي، عبر تعطل الملاحة في مضيق هرمز، واضطراب منشآت الطاقة، وتصاعد النيران في السفن عند مدخل الخليج، وتعرض قواعد ومواقع غربية في المنطقة للتهديد أو الاستهداف، الأمر الذي انعكس فوراً على أسعار الطاقة، وحركة الملاحة، والرحلات الجوية، وسلاسل الإمداد. ووفق هذا التصور، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجد نفسه سريعاً في موقع “الحلقة الأضعف” داخل حرب استنزاف لم تكن – كما يقول هيرست – حرباً تحتاجها الولايات المتحدة بقدر ما كانت تلبيةً خالصةً للرغبة الصهيونية.

وفي قراءة أكثر عمقاً، يعتبر هيرست أن اغتيال المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي – الذي ظن الأمريكيون والإسرائيليون أنه سيُنتج صدمة مزلزلة داخل إيران – انقلب إلى نتيجة معاكسة، إذ تحوّل إلى شرارة لتجديد التعبئة الوطنية والقومية، ومنح الثورة الإيرانية عنواناً أكثر وضوحاً في المواجهة. وبحسب التحليل، فإن ما قُدّم بوصفه “نصراً استخبارياً” سرعان ما أصبح عبئاً استراتيجياً على ترامب نفسه، وعلى التيار اليميني الأمريكي الذي رفع شعارات محاربة “الدولة العميقة” ورفض الحروب، قبل أن يجد نفسه – عملياً – ينفذ مشروع بنيامين نتنياهو الذي ظل يسعى إلى هذه الحرب منذ عقود.

ويذهب هيرست إلى أن جوهر المشروع الإسرائيلي لا يتوقف عند الملف النووي الإيراني، بل يتجاوزه إلى محاولة إزالة إيران كقوة إقليمية مانعة، باعتبارها – في نظره – العقبة الأخيرة أمام المشروع التوسعي للكيان. ويحذر من أن أي نجاح في إضعاف الجمهورية الإسلامية أو دفعها نحو الانهيار لن يصنع استقراراً، بل سيفتح الباب أمام كارثة إقليمية شاملة، تبدأ بتفكيك موازين القوى القائمة، وتمر باضطرابات ونزوح واسع وصراعات داخلية تمتد آثارها إلى العالم العربي وأوروبا.

كما يؤكد التحليل أن الأسلوب الإسرائيلي في قصف المدارس والمستشفيات والمدنيين داخل إيران ليس معزولاً، بل هو امتداد مباشر للنمط نفسه الذي استُخدم في غزة ولبنان، ويقوم على تحطيم البنية الوطنية والاجتماعية وتحويل الدول المركزية إلى كيانات ضعيفة ومنهكة. ومن هنا، يربط هيرست بين ما يجري في إيران وبين الخطر الذي قد يطال لاحقاً الدول الخليجية نفسها، إذا تُرك المشروع الإسرائيلي ليتقدم بلا رادع.

وفي سياق التحذير الاستراتيجي، يشير هيرست إلى أن نتنياهو يراهن على “رئيس أمريكي مطيع”، وأنه لن يتردد – إذا سنحت الظروف – في نقل عدوانه نحو دول أخرى في المنطقة، تحت ذرائع أمنية أو دينية مشابهة، بما فيها تركيا مستقبلاً. ومن هذه الزاوية، يصبح صمود إيران واستنزاف الولايات المتحدة اقتصادياً وسياسياً العقبة الأساسية أمام تحويل الشرق الأوسط إلى فضاء مفتوح للهيمنة الصهيونية المباشرة.

ويلفت التحليل كذلك إلى أن الكيان الإسرائيلي يعمل تدريجياً على بناء بدائل استراتيجية تقلل اعتماده على العمق العربي، ومن ذلك تعزيز الشراكة مع الهند في مجالات العمالة والسلاح والتكامل السياسي، بما يعني – وفق هيرست – أن “إسرائيل” في حال نجاحها بتدمير إيران لن تعود ترى نفسها مضطرة لمراعاة أي عاصمة عربية، بل ستتعامل مع المنطقة باعتبارها ساحة مفتوحة لمشروعها التوسعي.

ويخلص ديفيد هيرست إلى أن المجتمع الصهيوني يعيش اليوم حالة “سُكر توسعي”، لكنه يحذر من أن هذه اللحظة قد لا تدوم، لأن الحرب التي أشعلها ترامب ونتنياهو قد لا تنتهي بتكريس الهيمنة الأمريكية، بل قد تتحول إلى بداية النهاية لهذا النفوذ، وإلى حريق واسع لن يسلم من نتائجه كل من ظن أن تدمير إيران سيجلب له الأمن أو السلام.

ناصر قنديل: الاغتيالات والصراع على مستقبل المنطقة: بين مشروع المقاومة ومعركة الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران برز اسم السيد علي الخامنئي كركن بارز في بناء نموذج الجمهورية الإسلامية التي أسسها الإمام الخميني، ومساعد مقرّب موثوق للإمام. وقد لعب دوراً محورياً في صياغة الخطاب السياسي للثورة والجمهورية عندما تولّى مهمة إمام جمعة طهران، حيث تحوّل من مجرد خطيب إلى أحد أبرز صانعي الرؤية السياسية للثورة في مراحلها الأولى.

كما ساهم في بناء الهيكلية العسكرية للجمهورية الإسلامية من خلال دوره كممثل للإمام في المجلس الأعلى للدفاع طوال فترة الحرب العراقية على إيران، وهو الدور الذي وضعه في قلب صناعة القرار الأمني والعسكري في البلاد.

وبعد انتهاء تلك المرحلة، تولّى رئاسة الجمهورية وساهم في تثبيت ركائز مؤسسات الدولة وإدارة شؤونها في مرحلة حساسة من تاريخها، قبل أن يصبح مرشداً للثورة والجمهورية كخليفة للإمام الخميني. ومن موقعه هذا، لعب دور الراعي الاستراتيجي لخط المقاومة في المنطقة، مستنداً إلى معادلة تقوم على تحرير المنطقة من الهيمنة الأميركية ورفع شأن القضية الفلسطينية لتكون في المرتبة الأولى من اهتمامات شعوب المنطقة ونخبها.

دور المقاومة وبروز قيادة السيد حسن نصرالله

في قلب هذا المشروع الذي بشّر به الإمام الخامنئي، والذي وضعت إيران قدراتها العسكرية والتقنية والمالية في خدمته تحت عنوان المقاومة، برز السيد حسن نصرالله كقائد عربي يتمتع بكاريزما استثنائية ومؤهلات قيادية تاريخية في حركات المقاومة. وقد جاء حضوره في سياق مواجهة المشروع الصهيوني الذي يحتل فلسطين ويهجّر شعبها ويتخذها قاعدة للهيمنة على المنطقة بدعم أميركي غير محدود، باعتباره ركناً أساسياً من المشروع الأميركي العالمي.

وخلال قيادته، تحققت إنجازات مفصلية كان أبرزها تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي من دون تفاوض ومن دون قيد أو شرط، في سابقة تاريخية تعدّ الأولى من نوعها في العالم العربي.

كما أسهم في بناء قدرة ردع حقيقية منحت لبنان حماية دفاعية لم تتحقق في أي بلد عربي آخر، واستمرّت هذه المعادلة نحو سبعة عشر عاماً، كانت خلالها “إسرائيل” تحسب ألف حساب لأي خطوة عسكرية أو أمنية يمكن أن تكسر توازن الردع الذي فرضته المقاومة.

طوفان الأقصى والتحولات الكبرى في المنطقة والعالم

شكّل طوفان الأقصى لحظة تاريخية فاصلة على صعيد المنطقة والعالم، إذ ترتبت على الحرب الأميركية الإسرائيلية الشاملة على قوى المقاومة وإيران مجموعة واسعة من النتائج التي كشفت حقائق عميقة وأحدثت تحولات كبرى في المشهدين الإقليمي والدولي.

فمن جهة، ظهر أن حجم التفاعل مع القضية الفلسطينية على المستوى العربي والإسلامي قد تراجع كثيراً عما كان عليه قبل عقدين خلال انتفاضة الأقصى، حيث نجحت التعبئة والتموضعات المذهبية في نقل هذا الاهتمام من حالة الانخراط الفعلي إلى مجرد تعاطف صامت في كثير من المجتمعات.

وفي سياق التحولات ذاتها، برز إسقاط النظام في سورية لصالح بديل منفتح على حماية أمن “إسرائيل” والتخلي عن القضية الفلسطينية والانخراط في منظومة التبعية للسياسات الأميركية، بوصفه هدفاً سياسياً متقدماً وقضية جاذبة استطاعت استقطاب غالبية شعبية وازنة.

وفي المقابل، حدث في العالم وخصوصاً في الغرب ما يشبه الزلزال المعاكس، إذ خسرت “إسرائيل” ومعها السياسات الأميركية تعاطف الشارع الغربي، وبرز شارع غربي ناشط يعيد طرح السؤال حول شرعية وجود “إسرائيل”.

ومن جهة ثالثة، أظهرت قوى المقاومة التي دفعت أثماناً باهظة لوقوفها في وجه الحرب الأميركية الإسرائيلية مستويات عالية من البسالة والشجاعة، وقدرة على الحفاظ على وجود دفاعي يعطل تقدم المشروع الأميركي الإسرائيلي، الأمر الذي جعل المعركة مع إيران تبدو بوصفها المعركة الفاصلة في صراع الهيمنة الأميركية الإسرائيلية.

الاغتيالات وتداعياتها الاستراتيجية

بمثل ما كان اغتيال السيد حسن نصرالله ذروة الهجوم على قوى المقاومة، جاء اغتيال الإمام الخامنئي ليشكّل ذروة الهجوم على إيران. وكما نجحت المقاومة في لبنان في إفشال الحلقة الأخطر في الحرب الأميركية الإسرائيلية بعد اغتيال نصرالله، والمتمثلة في محاولة الاجتياح البري لجنوب لبنان رغم حرب الستين يوماً المتواصلة، تبدو إيران بدورها جاهزة لفعل المثل وربما أكثر.

غير أن الفارق بين الاغتيالين يحمل دلالات محورية، إذ نجح المشروع الأميركي الإسرائيلي في تحويل اغتيال نصرالله إلى نقطة تحوّل لإنتاج معادلة سياسية جديدة للحكم في لبنان، جاءت على خلفية إدانة حرب الإسناد التي خاضتها المقاومة لأجل فلسطين. أما اغتيال الخامنئي فيأتي في سياق مختلف، حيث كانت إيران تستعد لحل دبلوماسي لملفها النووي، ما يجعل الحدث محفزاً لتوحّد الإيرانيين حول هدف الانتقام لدم القائد الذي بنى دولتهم الحديثة المستقلة.

مستقبل الصراع ومعادلات القوة

مدى صحة استنساخ الاغتيال في الخطة الأميركية والرهان على مفعول مماثل في الحالتين سوف يكون نقطة الفصل في رسم مستقبل المنطقة والحرب الأميركية الإسرائيلية، وربما أيضاً مصير الحكم في واشنطن وتل أبيب.

فالمشهد يقف بين فرضيتين أساسيتين: إما تداعيات تنتهي بتصدع الحكم والقيادة في إيران، أو تداعيات تنتهي بفشل الحرب الأميركية الإسرائيلية بما يقود إلى تصدّع الحكم في كل من واشنطن وتل أبيب.

ويظل المعيار الحاسم في هذا السياق هو مدى قدرة إيران، رغم الحرب والضربات، على مواصلة إطلاق الصواريخ كماً ونوعاً بصورة لا تستطيع الولايات المتحدة و”إسرائيل” مجاراتها، سواء من حيث المخزون الهجومي الإيراني مقابل المخزون الدفاعي الأميركي الإسرائيلي، أو من حيث القدرة على تحمّل أمد الحرب الطويل، وكذلك القدرة على استيعاب التداعيات التي قد تنعكس على الاقتصادين الإقليمي والعالمي. ويبقى السؤال المفتوح: هل سينجح الخامنئي ونصرالله في مواصلة كتابة تاريخ المنطقة، أم ستنجح واشنطن وتل أبيب في طي صفحة نصف قرن من المقاومة وإدخال المنطقة في زمن العبودية والاستتباع؟

__

ناصر قنديل

بعد أسبوعٍ من العدوان: “إيران” تنقل الحرب إلى “عمق العدو” وتُسقط منظومات الردع الأمريكية–الإسرائيلية في معركة استنزاف مفتوحة

تكشف الحصيلة الميدانية والعسكرية لكل التطورات المرسلة خلال الأيام الماضية أن العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية فشل في تحقيق هدفه المركزي المعلن والمضمر، أي كسر بنية القرار الإيراني وإسقاط النظام أو إدخاله في حالة ارتباك استراتيجي، وأن النتيجة الفعلية جاءت معاكسة تمامًا: إيران امتصّت الضربة الافتتاحية، حافظت على تماسكها السياسي والعسكري، ونقلت مركز الثقل من أراضيها إلى القواعد الأمريكية في الخليج والعمق الإسرائيلي وممرات الطاقة والبحر، فارضةً على واشنطن وتل أبيب حربًا طويلة، متعددة الجبهات، باهظة الكلفة، ومفتوحة على استنزاف متصاعد.

منذ الساعات الأولى، بَدا أن العدوان الأمريكي–الإسرائيلي التأسيسية بُنيَ على رهان كلاسيكي يقوم على “قطع الرأس لإرباك الجسد”: استهداف القيادة العليا، خلق فراغ في مركز القرار، ثم استثمار الصدمة في الداخل الإيراني لفتح مسار سياسي–أمني نحو تغيير النظام. لكن ما حدث ميدانيًا أجهض هذا التصور بسرعة. فبدل أن يدخل النظام الإيراني في طور الشلل، أظهرت المعطيات التي تلت الاغتيالات أن مؤسسات القيادة استمرت بالعمل، ومجلس القيادة المؤقت انعقد بشكل منتظم، واتُخذت قرارات دعم وتعزيز للقوات المسلحة، وبدأ التمهيد القانوني والمؤسسي لاستكمال ترتيبات القيادة العليا. بهذا المعنى، فإن محاولة “كسر الرأس” تحولت إلى عامل تعبئة وتماسك لا إلى مدخل انهيار.

العنصر الحاسم في قلب المشهد لم يكن فقط بقاء القرار الإيراني، بل شكل الرد الإيراني. فإيران لم ترد بانفعال فوضوي أو بإطلاق نار رمزي، بل دشّنت منذ الأيام الأولى إيقاعًا عملياتيًا منظمًا جمع بين السرعة، الاتساع، الدقة، والتدرج المدروس في استخدام القوة. وهذا ما جعل الضربات الإيرانية، وفق مجمل البيانات التي وردت، تأخذ طابع الحملة العسكرية الشاملة لا مجرد الردود المتفرقة. فعمليات “الوعد الصادق 4” توالت بموجات متصاعدة بلغت على الأقل الموجات 16، 17، 18، 19، 20، 21، و22، مستخدمة مزيجًا من الصواريخ الباليستية، صواريخ الكروز، الصواريخ الفرط صوتية، الصواريخ الانشطارية، وطائرات مسيّرة هجومية وانقضاضية، مع انتقال واضح من الضربات المحدودة إلى الهجمات المركّبة الكثيفة متعددة الاتجاهات.

أبرز ما فرض نفسه في هذا المسار هو أن إيران لم تحصر ردها داخل إطار “الرد على إسرائيل فقط”، بل أعادت تعريف المعركة بوصفها مواجهة مع منظومة العدوان كلها: الكيان الصهيوني، القواعد الأمريكية، البنية الرادارية والاعتراضية، المراكز اللوجستية، ممرات الملاحة، وسلاسل الإسناد. ولذلك برزت جبهة القواعد الأمريكية في الخليج بوصفها الجبهة الأكثر حساسية في الحرب.

فحسب المعطيات المرسلة، استهدفت إيران على نحو متكرر العديد في قطر، الظفرة والمنهاد وزايد في الإمارات، علي السالم والعديري وعريفجان في الكويت، الجفير وميناء سلمان ومواقع الأسطول الخامس في البحرين، ومواقع أمريكية مرتبطة بمطار بغداد وأربيل وقرب مطارها، فضلًا عن أهداف في المحيط الهندي وبحر عمان. وهذا الاستهداف لم يكن دعائيًا، إذ ترافق مع تقارير عن قتلى أمريكيين، وتعليق عمليات السفارة الأمريكية في الكويت، وإخلاءات جزئية، وهروب الجنود إلى الفنادق والمنشآت المدنية، ورفع مستويات التحذير في عدد من الدول، وتعاظم الضغط على واشنطن لتعويض مخزوناتها الدفاعية.

والأخطر عسكريًا أن الضربات الإيرانية لم تقتصر على مبانٍ أو مدارج أو تجمعات، بل استهدفت ما هو أهم: شبكة “العين والأذن” الأمريكية في المنطقة. فقد تكررت الإعلانات والقرائن حول تدمير أو إعطاب رادارات ومنظومات إنذار مبكر ومنظومات “ثاد” أمريكية في قطر والإمارات والأردن، بما فيها الحديث عن رادار FPS-132 في قطر، ومنظومات AN/TPY-2 ومبانٍ مرتبطة بـTHAAD في الرويس وسدر وأم دهال وقاعدة السلطي، إضافة إلى رادارات متطورة في الظفرة وعلي السالم. وإذا صحّت هذه المعطيات الميدانية التي تعززها بعض الصور وتقارير إعلامية دولية، فإن ذلك يعني أن إيران لم تكن تستهدف “الجلد الخارجي” للانتشار الأمريكي، بل العمود الفقري لشبكة الاعتراض والإنذار والسيطرة. وهذا يفسر تصاعد الحديث الأمريكي عن نقص مخزونات الدفاع الجوي، والحاجة إلى أموال طارئة، وتسريع الإنتاج، وإعادة ترتيب الأولويات الدفاعية وفق معادلة “إسرائيل أولًا”.

في المقابل، لم يكن العمق الإسرائيلي بمنأى عن هذا الإيقاع، بل كان المسرح الثاني المكمل. فالضربات الإيرانية طالت وفق المعطيات تل أبيب، القدس، يافا، بئر السبع، حيفا، الجليل، عسقلان، بني براك، بيتح تكفا، بئر السبع، مواقع في هكريا، مطار بن غوريون، مجمعات اتصالات ومقار استخبارية وعسكرية ومراكز حكومية. وتظهر الرسائل الإيرانية هنا بوضوح: لا حصانة للعمق الإسرائيلي، ولا قدرة للدفاعات على منع الاختراقات المتكررة، ولا إمكانية لإبقاء الجبهة الداخلية خارج المعركة. وقد عزز ذلك حديث إعلام العدو عن تعطل الملاحة في بن غوريون، صفارات إنذار شبه متواصلة، أضرار مباشرة، مئات ومئات الإصابات، إجلاء آلاف المستوطنين من منازلهم، وخسائر اقتصادية يومية بمليارات الدولارات. وبرز في هذا الإطار الاستخدام الإيراني لصواريخ “خرمشهر 4” ذات الرؤوس الحربية الثقيلة، والصواريخ الانشطارية، فضلًا عن الحديث عن اختراق سبع طبقات من الدفاع الجوي وظهور فشل واضح في بعض الضربات التي وصلت دون إنذار أو رغم الإنذار.

على المستوى البحري، اتخذت الحرب بعدًا استراتيجيًا إضافيًا. فالمعطيات المرسلة تُظهر أن إيران لم تتعامل مع هرمز كممر محايد، بل كساحة سيطرة واشتباك مباشر. وقد تكررت التصريحات الإيرانية التي تؤكد أن مضيق هرمز بات “منطقة عمليات”، وأن المرور فيه يخضع لشروط زمن الحرب، وأن السفن المرتبطة بالولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي وبعض الحلفاء لن يُسمح لها بالعبور غير القانوني. وعمليًا، ترافق ذلك مع تقارير عن استهداف ناقلات نفط وسفن دعم وقطع بحرية، واحتراق بعضها، وتوقف نحو 300 ناقلة في الخليج، وانهيار حركة المرور قرب المضيق، وارتفاع شديد في تكاليف الشحن والتأمين، وبلوغ خام برنت 90 ثم 93 دولارًا، وتقديرات بارتفاع العقود الآجلة للغاز الأوروبي بأكثر من 60%، وتعطل إنتاج قطري جزئيًا وتحركات خليجية لتحويل مسارات النفط. بهذا المعنى، فإن إيران نجحت في تحويل البحر والطاقة إلى جبهة ضغط عالمية، لا إقليمية فقط.

أما في الدفاع الجوي الإيراني، فتُظهر المعطيات المتكررة أن إيران لم تكن فقط هدفًا للغارات، بل ساحة اشتباك جوي فعلي. فقد تكررت الإعلانات عن إسقاط طائرات مسيّرة من طراز هيرمس 900، هيرون، MQ-9 في أصفهان، كرمان، طهران، همدان، خوزستان، لرستان، بوشهر، شيراز، وأماكن أخرى، مع الإعلان أيضًا عن إسقاط مقاتلات F-15 في أكثر من مناسبة، بعضها فوق أو قرب الحدود الجنوبية الغربية، وبعضها في البرز أو في محيط الكويت وفق روايات متعددة. وبغض النظر عن مساحة التحقق، فإن تكرار هذه المعطيات وتواترها يعني أن السماء الإيرانية لم تُفتح مجانًا للخصم، وأن العدوان الجوي يواجه طبقات دفاعية فعالة وقابلة للتكيّف.

الأثر العسكري الأعمق للحرب لم يقتصر على إيران وحدها، بل تجسد في دخول محور المقاومة في خط الاشتباك بشكل متدرج ومتكامل. حزب الله انتقل من الرد التحذيري إلى ضرب قواعد ومقار نوعية: قاعدة حيفا البحرية، قاعدة غيفع للتحكم بالمسيّرات، قاعدة دادو، مجمع رفائيل للصناعات العسكرية، ثكنة يعرا، قواعد في الجولان، مراكز تجمع للقوات، مواقع مطلة وكفركلا والخيام والحمامص ووادي العصافير ورويسات العلم، إضافة إلى ضربات بالصواريخ والمسيّرات الانقضاضية وتدمير آليات وإصابة تجمعات وإجبار قوات إسرائيلية على التراجع. ورافق ذلك اعترافات إسرائيلية بإصابات مباشرة في صفوف الجنود والضباط، وبعضها خطير. هذا يعني أن الجبهة الشمالية تحولت إلى جبهة إيلام مستمر، لا إلى جبهة إزعاج فقط.

في العراق، بدورها، دخلت المقاومة الإسلامية على نحو واضح، مع بيانات عن 16 عملية ثم 27 عملية خلال 24 ساعة، وضرب قواعد في العراق والمنطقة، واستهداف أربيل ومطار بغداد وفندق تستخدمه القوات الأمريكية، وعمليات سرايا أولياء الدم وكتائب أخرى، بينما ظل الخطاب الميداني والسياسي يؤكد أن الوجود الأمريكي بات هدفًا مباشرًا ومفتوحًا. وهنا يتضح أن الولايات المتحدة لم تعد تواجه جبهة واحدة، بل نظام ضغط مركب يمتد من طهران إلى الخليج إلى العراق فلبنان وفلسطين المحتلة.

سياسيًا، لا تقل نتائج الحرب أهمية عن نتائجها العسكرية. فكل ما أُرسل من مواقف وتصريحات يشير إلى أن رهان “الاصطفاف العربي والإسلامي الكامل” خلف واشنطن لم يتحقق، وأن هناك تباينات متصاعدة. صحيح أن بعض الأنظمة واصلت حماية القواعد الأمريكية أو حاولت صدّ بعض الضربات الإيرانية، لكن في المقابل ظهرت مواقف دولية وإقليمية مختلفة: الصين انخرطت في وساطة وأعلنت دعم إيران في سيادتها، وروسيا وصفت الحرب بأنها تهديد عالمي، وإسبانيا رفضت استخدام قواعدها، وإيطاليا عدّت الهجوم متجاوزًا للقانون الدولي، وفرنسا أعلنت أنها لن تشارك في أي عملية ضد إيران. وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها، تصاعدت أصوات معارضة للحرب من بيرني ساندرز وآخرين، مع احتجاجات في المدن الأمريكية، وتقارير عن غياب مؤشرات على انتفاضة أو انشقاق داخل إيران في الأيام الأولى، بما يسقط إحدى أهم فرضيات العدوان.

داخليًا، تشير المعطيات الإيرانية إلى أن الجبهة الداخلية لم تنكسر. فقد خرج الشعب الإيراني لأيام متتالية في الساحات والميادين دعمًا للرد الإيراني، وظهرت مسيرات في العشائر العربية في إيلام ومناطق أخرى، بينما واصل مجلس القيادة المؤقت اجتماعاته، وصدر تفويض له من مجمع تشخيص مصلحة النظام في ملفات عزل وتعيين القادة وإعلان الحرب، وتأكد أن القيادة السياسية–العسكرية الإيرانية تتصرف بعقلية “الحرب المستمرة” لا “إدارة الأزمة المؤقتة”.

وفي اليمن، حضرت الجبهة الشعبية والسياسية بوصفها رصيدًا تعبويًا واستراتيجيًا إضافيًا. فخطابات قائد أنصار الله السيد عبدالملك الحوثي، ثم مليونيات “مع إيران ولبنان نحيي يوم الفرقان” في صنعاء والمحافظات، أكدت أن “الأيدي على الزناد” وأن اليمن يعتبر ما يجري “معركة الأمة كلها”، ويقف مع إيران ولبنان والعراق وفلسطين في مواجهة مشروع “إسرائيل الكبرى”. وهذا البعد ليس رمزيًا فحسب، بل يدخل في ميزان الحرب بصفته احتياطًا تعبويًا وعسكريًا مفتوحًا.

اقتصاديًا، كشفت الأيام الأولى من الحرب أن المعركة لم تعد محصورة في القواعد والمطارات والعمق العسكري، بل انتقلت بسرعة إلى شرايين الاقتصاد الإقليمي والعالمي، مع تحوّل الخليج ومضيق هرمز إلى ساحة ضغط مباشر على أسواق الطاقة والشحن والتأمين. فقد أدى تصاعد الاستهدافات وتعطل المرور البحري ووقوف مئات ناقلات النفط بعيدًا عن هرمز إلى قفزات حادة في أسعار الخام والغاز، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري إلى مستويات غير مسبوقة، بالتوازي مع اضطراب سلاسل الإمداد، وتعطل آلاف الرحلات الجوية، وتزايد خسائر المرافق الاقتصادية في كيان العدو يوميًا. كما بدأت آثار الحرب تمتد إلى الداخل الأمريكي والغربي عبر صعود أسعار الوقود، وتزايد المخاوف من عودة التضخم، واستنزاف المخزونات العسكرية بمليارات الدولارات، وهو ما يعني أن إيران لم تنجح فقط في نقل المعركة إلى الميدان العسكري للخصم، بل فرضت أيضًا معادلة استنزاف اقتصادي ثقيل تجعل كلفة استمرار العدوان أعلى من قدرة واشنطن وتل أبيب وحلفائهما على الاحتمال السياسي والمالي.

الخلاصة العسكرية الشاملة لكل ما أُرسل هي أن هذه الحرب، بعد أسبوع من اندلاعها، لم تعد حرب إسقاطٍ خاطف بل حرب استنزافٍ مركب. الولايات المتحدة والكيان الصهيوني أخفقا في تحقيق الشلل القيادي والسياسي داخل إيران، وفشلا في منع انتقال المعركة إلى قواعدهما ومصالحهما، ولم ينجحا في تحييد الجبهات المساندة، بينما نجحت إيران في فرض عدة حقائق مركزية: العمق الإسرائيلي قابل للاختراق، القواعد الأمريكية في الخليج ليست محمية، منظومات الإنذار والدفاع قابلة للتعطيل، هرمز ورقة ضغط حية، الأسواق والطاقة تتفاعل فورًا مع النار، ومحور المقاومة قادر على العمل التزامني من أكثر من جبهة.

وبصياغة عسكرية صرفة: المبادرة لم تعد في يد من بدأ الحرب، بل في يد من نجح في تفكيك أهدافها، ونقل نيرانها، ورفع كلفتها، وتحويل تفوق الخصم التقني إلى عبء تشغيلي وسياسي واقتصادي يومي. لذلك فإن أخطر ما يواجه واشنطن وتل أبيب الآن ليس مجرد الصواريخ أو المسيّرات، بل استمرار هذه المعادلة لأيام وأسابيع إضافية؛ لأن كل يوم إضافي في هذه الحرب يعني مزيدًا من الاستنزاف في الذخائر، وانكشافًا أكبر للحلفاء، واضطرابًا أوسع في الطاقة والشحن، وتآكلًا في صورة الردع، واتساعًا في دائرة الخسارة.

مليونيات اليمن تُؤكد “الأيدي على الزناد”: صنعاء والمحافظات تعلن “حربًا مفتوحة” على أعداء الأمة وتؤكد الجهوزية الكاملة إسنادًا لإيران ولبنان

default

شهدت العاصمة صنعاء وساحات عدد من المحافظات اليمنية، اليوم الجمعة، خروجًا مليونياً واسعاً تحت شعار “مع إيران ولبنان نحيي يوم الفرقان”، في مشهد جماهيري حاشد تزامن مع ذكرى غزوة بدر الكبرى، وحمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة تؤكد ثبات الموقف الشعبي اليمني في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني، والاستعداد للمضي في معركة الإسناد ضمن “معركة الأمة كلها”.

وأكد بيان المسيرات أن هذه الذكرى العظيمة، ذكرى بدر الكبرى “يوم الفرقان”، تذكّر الأمة بحقيقة راسخة هي حتمية انتصار الحق على الباطل، مجدداً العهد لله ورسوله على الثبات في خط الجهاد في سبيل الله، والتمسك بالموقف الإسلامي في مواجهة “طاغوت العصر” المتمثل في الصهيونية العالمية بأذرعها أمريكا وكيان العدو الصهيوني.

وشدد البيان على أن الحشود الشعبية خرجت وهي تعلن بوضوح استعدادها التام، وأن “الأيدي على الزناد” في ما يتعلق بأي تصعيد أو تحرك عسكري قد تفرضه التطورات، معتبرة أن المرحلة الراهنة ليست حدثاً معزولاً أو معركة تخص بلداً بعينه، بل مواجهة شاملة مع مخطط “إسرائيل الكبرى” الذي يراد عبره فرض الهيمنة الصهيونية على شعوب المنطقة وإخضاعها بالقوة والإرهاب والحروب المفتوحة.

وفي موقف لافت، أكد المشاركون أنهم يعتبرون أنفسهم في حرب مفتوحة مع الأعداء، معلنين وقوفهم الكامل إلى جانب الشعب الإيراني ونظامه الإسلامي الثابت وجيشه وحرسه الثوري المجاهد، ومشيدين بما وصفوه بـالبطولات العظيمة والضربات المنكلة التي تنفذها إيران وحزب الله ضد كيان العدو والقواعد الأمريكية في المنطقة، إلى جانب الإشادة بالعمليات التي تنفذها المقاومة العراقية.

كما وجّه البيان نداءً مباشراً إلى بعض الأنظمة العربية والإسلامية التي فتحت أراضيها للقواعد الأجنبية، داعياً إياها إلى “إعلان التوبة إلى الله” من جريمة تمكين الأعداء وجعل بلدانها متارس لحماية العدوان، مؤكداً أن القواعد الأمريكية في المنطقة تحولت إلى عبء وعار، وأن الواجب يقتضي طردها من بلاد الإسلام باعتبارها أدوات عدوان لا عناصر حماية.

وأدان البيان ما يقوم به اليهود الصهاينة والأمريكيون من استهداف لأهداف مدنية في بعض دول المنطقة، معتبراً أن تلك الضربات تأتي في إطار محاولات التوريط والدفع نحو إشراك مزيد من الدول في القتال ضد إيران، بما يخدم توسيع الحرب وتفجير الإقليم لصالح المشروع الأمريكي–الإسرائيلي.

وختمت الجماهير المحتشدة بيانها بالدعوة إلى رفع مستوى الوعي الشعبي بحجم الأخطار المحدقة بالأمة، والتحرك الجاد والمسؤول في مواجهتها، مع التوكل على الله والثقة بوعده ونصره، في رسالة بدت حاسمة بأن اليمن الشعبي والرسمي المقاوم ماضٍ في موقفه الثابت، وأن مليونيات يوم الفرقان ليست مجرد فعالية رمزية، بل إعلان تعبئة وجاهزية وموقف لا يقبل التراجع.

يومُ الفرقان يعودُ في الميدان: السيد الحوثي يعلنها “حربٌ مفتوحة”.. موقف إيران قوي جدا و”أيدينا على الزناد” حتى تُكسَر معادلة الاستباحة

يومُ الفرقان يعودُ في الميدان: السيد الحوثي يعلنها "حربٌ مفتوحة".. موقف إيران قوي جدا و"أيدينا على الزناد" حتى تُكسَر معادلة الاستباحة

في خطابٍ اتكأ على رمزية ذكرى غزوة بدر الكبرى – يوم الفرقان، وقرأ المشهد من زاوية “الاشتباك الوجودي” بين الأمة وطغاة العصر، قدّم قائد أنصار الله السيد عبدالملك الحوثي، اليوم الخميس، 16 رمضان، رواية سياسية–عسكرية متماسكة لما يجري في المنطقة، مؤكدًا أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران لم تُنتج ما أراده المعتدون من اهتزاز داخلي أو انهيارٍ في القرار، بل أظهرت صلابة الدولة والشعب والمؤسسة العسكرية في الجمهورية الإسلامية، واتساع دائرة الفعل المقاوم في أكثر من ساحة، مقابل ارتباكٍ واضح في صفوف القوات الأمريكية وحلفائها.

ومن قلب المعركة، شدد السيد الحوثي على أن “موقف الجمهورية الإسلامية في إيران قوي جدًا رسميًا وشعبيًا”، وأن ما يقوم به الحرس الثوري والجيش الإيراني هو “دور فعال جدًا.. وهم ينكّلون بالأعداء”، معتبرًا أن الوقائع الميدانية تكشف فشل الرهان على كسر الإرادة الإيرانية أو فرض شروطٍ سياسية عبر النار. وفي المقابل، أشار إلى مظاهر ذعر في الجانب الأمريكي، قائلًا إن “الأمريكيين هربوا إلى الفنادق من القواعد العسكرية.. وبعضهم يغادرون المنطقة كلها وهم في حالة ذعر ورعب”، في توصيفٍ يذهب إلى أن القواعد لم تعد “مناطق طمأنينة” للوجود الأمريكي، بل نقاط استنزافٍ مفتوحة تحت الضغط.

وبالتوازي، وضع السيد الحوثي عمليات الاستهداف باتجاه العمق المحتل في خانة الفعل المؤثر، مؤكدًا أن “العمليات في استهداف العدو الإسرائيلي عمليات قوية وفعّالة”، ومضيفًا أن ما يقدمه حزب الله في لبنان جاء كتحول ميداني أربك حسابات الاحتلال: “تحرك قوي فاجأ الأعداء الذين ظنوا أنهم قد أوصلوه إلى نقطة الصفر فإذا هو ينفّذ عملياته بفاعلية وقوة وعنفوان”، مع تثبيت شرعية هذا المسار بوضوح: “حزب الله له الحق المشروع.. لأن العدو الإسرائيلي لم يتوقف أبدًا عن اعتداءاته على لبنان”. كما أشار إلى أن الساحة العراقية حاضرة بقوة، معتبرًا أن “موقف الإخوة المجاهدين في العراق قوي جدًا وعملياتهم مستمرة في الليل والنهار”.

وفي ما يخص اليمن، أعاد السيد الحوثي تثبيت التموضع السياسي والعسكري لصنعاء داخل معادلة الإسناد، مؤكدًا “وقوفنا إلى جانب الجمهورية الإسلامية في إيران والشعب الإيراني المسلم”، وأن قرار التصعيد ليس شعارًا بل جاهزية فعلية: “أيدينا على الزناد في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك”. وهنا قدّم خلاصة حاكمة لقراءة الصراع، بوصفه ليس مواجهة حدود أو مصالح عابرة، بل “معركة الأمة كلها”، وأن العدو الصهيوني – “بكل أذرعه” – يسعى لفرض “معادلة الاستباحة” على شعوب المنطقة: حربٌ مفتوحة بلا ضوابط، تستهدف الأحرار أينما كانوا، وتريد للأمة أن تبقى مكبلة لا تفعل شيئًا بينما “يده مطلقة” في القتل والنهب وتدمير المجتمعات.

ومن داخل هذه الفكرة، وسّع السيد الحوثي دائرة الاتهام السياسي إلى مناخ عربي رسمي وصفه بالتخاذل، بل وبالتحول إلى أدوات حماية للوجود الأمريكي–الإسرائيلي، معتبرًا أن بعض الأنظمة لا تكتفي بالصمت، بل “تجعل من نفسها مترسًا” في عمليات الاعتراض للصواريخ والمسيّرات، وأن “عدة أنظمة وحكومات كل همها وشغلها… حماية القواعد الأمريكية” التي شاركت – بصورة مباشرة – في العدوان على إيران، ثم تذهب إلى وصف الرد الإيراني على القواعد الأمريكية بأنه “اعتداء على بلدانهم”.

وبحسب خطابه، فإن هذا الانحراف لا يقف عند حدود الدفاع السياسي والإعلامي، بل يصل إلى محاولة جرّ بعض العواصم إلى مستوى المشاركة العلنية، حيث تحدث عن “سعي حثيث… للوصول ببعض الأنظمة العربية إلى مستوى أن يكونوا جنودًا صغارًا للمجرم نتنياهو”، محذرًا أن أي نظام يتورط في ذلك يدخل “الخيانة الكبرى” ويجمع بين الخسارة والعار والفضيحة.

وعلى مستوى المنطق الاستراتيجي، قدّم السيد الحوثي توصيفًا لمعادلة “التحضير” التي يعتمدها العدو، قائلًا إن الاحتلال بعد غزة ركّز على تأمين التمويل من “تريليونات العرب” وتعبئة مخازن السلاح، وانتظار اكتمال بنك الأهداف، ثم اختيار التوقيت المناسب لشن عدوانه. وبناء على ذلك، دعا إلى كسر قواعد اللعبة وعدم القبول بأن تكون الحرب في اتجاه واحد، مؤكدًا أن العدو طالما يخوض حربًا مفتوحة على الأمة، فيجب معاملته على هذا الأساس، ورفض بوضوح أوهام الاتكاء على المؤسسات الدولية بوصفها رادعًا، مشددًا أن خيارات الدبلوماسية والأمم المتحدة “جُرّبت كثيرًا دون جدوى”، وأن الاستكانة مع “شطب الجهاد” لا تُحق حقًا ولا تُبطل باطلًا أمام هجمة أهدافها “شيطانية”.

وفي ذروة البعد التعبوي للخطاب، ربط السيد الحوثي الحاضر بالموروث القرآني والتاريخي، معتبرًا أن تزامن ذكرى بدر هذا العام مع الأحداث الجارية يقدّم للأمة محطة إلهامٍ ضرورية في مواجهة “طغاة العصر”، داعيًا إلى اليقين بزوال الكيان وفق الوعد الإلهي: “وإن عدتم عدنا”، ومؤكدًا أن المواجهة الراهنة هي “مواجهة بين إسلام وكفر وحق وباطل.. ومعتدين ومظلومين”، وأن محاولات “التشويش والتلبيس” التي يمارسها المنافقون تهدف إلى تثبيط الشعوب وتصوير الصراع كصراع كيانات لا تعني الأمة، بينما الحقيقة – أن “التوجه الأمريكي أساسًا هو لتحقيق الأهداف الصهيونية”، وأن العدوان بدأ بـ “عدوان غادر ظالم” بلا حق، وأن جريمة اغتيال مرشد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي ومحاولات إسقاط النظام الإسلامي “محاولات فاشلة وستفشل بإذن الله”.

وختم السيد الحوثي بإطلاق نداءٍ جماهيري مباشر يرفع سقف الحشد الشعبي والسياسي في اليمن، داعيًا إلى الخروج المليوني يوم الجمعة 17 رمضان في صنعاء وبقية المحافظات، لإحياء ذكرى يوم الفرقان، وتأكيد الثبات على “الموقف الإسلامي في الجهاد”، وإعلان الوقوف الكامل مع إيران ولبنان وفلسطين، وإبراز الجهوزية لأي تطورات، معتبرًا أن “الخروج المليوني جزء من جهادنا وواجبنا الإسلامي.. ورسالة مهمة في توقيت مهم”، وأن المطلوب أن يكون هذا الحضور “عظيمًا” بحجم اللحظة والتهديد.

بعد اليوم السادس: “الوعد الصادق4” يرفع الوتيرة.. هرمز تحت القبضة، بن غوريون يتعطل، وواشنطن تُستنزَف من البحر إلى القواعد

مع دخول العدوان الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران منعطفًا جديدًا، تكشف حصيلة الساعات الأخيرة عن انتقالٍ واضح من مرحلة “الاختبار” إلى مرحلة رفع الإيقاع المنظم، حيث أعلنت طهران توالي موجات الضربات المركبة بالصواريخ والمسيّرات على قلب الأراضي المحتلة وعلى قواعد الوجود الأمريكي في المنطقة، بالتزامن مع تشديد قبضتها على مضيق هرمز وتصاعد ارتدادات الحرب سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا عبر أكثر من ساحة.

أول ملامح هذا التحول تمثل في إعلان حرس الثورة الإسلامية انطلاق الموجة 19 “مركبة من الصواريخ والطائرات المسيّرة” لاستهداف مواقع العدو الصهيوني في عمق فلسطين المحتلة وقواعد الأمريكيين في الإقليم، قبل أن تتبعها لاحقًا إفادة عن الموجة 20 بإجراءات “تركيبية ومتنوعة واسعة النطاق” ضد أهداف أمريكية وصهيونية.

وبين الموجتين، برزت رسائل عملياتية عالية السقف، أبرزها إعلان الحرس الثوري أن ضربة الموجة 19 شملت مطار بن غوريون و”القاعدة الجوية 27” داخله بصواريخ خرمشهر-4، مع التأكيد على إطلاق صاروخ برأس حربي بزنة طن، والقول إن الصواريخ اخترقت “سبع طبقات” للدفاع الجوي وأحدثت “جحيمًا” في مناطق الاستهداف، في وقت تحدث فيه إعلام العدو عن تعطل حركة الملاحة الجوية في بن غوريون جراء القصف.

في المقابل، لم تتوقف غارات العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على الداخل الإيراني، وسط تقارير عن شهداء وأكثر من 30 جريحًا من المدنيين في قصف استهدف غرب طهران صباحًا، وتأكيدات إيرانية على تضرر 11 مستشفى ومراكز طوارئ وسيارات إسعاف منذ بدء الحرب، مع استشهاد وإصابة كوادر صحية. كما أُشير إلى استهداف مدرستين جنوب غرب طهران، ما يعيد إلى الواجهة الطابع الإجرامي للعدوان حين يطاول منشآت مدنية وأهدافًا خارج أي ضرورة عسكرية.

وفي البحر، أخذت المعركة منحى أشد حساسية. فقد أعلن حرس الثورة أن قواته البحرية أصابت ناقلة نفط أمريكية في شمال الخليج وأنها “تحترق”، مع تأكيد أن إيران سترصد وتستهدف أي سفينة تحاول العبور بشكل غير قانوني من مضيق هرمز، وصدرت تصريحات تُقدَّم بوصفها مرجعية “قانون حرب” تعتبر أن المرور من مضيق هرمز يخضع لسيطرة إيران زمن الحرب وأن السفن التابعة للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي وبعض الدول الأوروبية وحلفائها لن يُسمح لها بالمرور. هذه الرسائل لا تنحصر في الردع البحري فحسب، بل تضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار مباشر: الطاقة والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد.

وعلى خط القواعد الأمريكية في الخليج، عادت إشارات الانفجارات والتحذيرات إلى الواجهة: دوي انفجارات في الدوحة وفق مصادر إعلامية، وتفعيل صفارات الإنذار في البحرين جراء تجدد الهجوم الإيراني على القواعد والمواقع العسكرية الأمريكية، إلى جانب تقارير عن انفجارات في عدة مدن بالإمارات بينها رأس الخيمة (وفق رويترز)، وإفادة التلفزيون الإيراني عن استهداف مقر القوات العسكرية الأمريكية في مطار زايد بأبو ظبي. وبذلك تتكرس معادلة تقول إن “الجبهة الخلفية” لحلفاء واشنطن لم تعد خلفية، بل صارت جزءًا من مسرح النار، وهو ما يفسر اتساع القلق في العواصم الخليجية مع كل موجة جديدة.

أما على جبهة لبنان، فقد تواصلت الغارات الصهيونية جنوبًا وبقاعًا وضاحيةً، مع تقارير عن قصف بالفوسفور المحرم دوليًا على أطراف يحمر الشقيف، وسلسلة استهدافات طالت بلدات متعددة، في مقابل استمرار فعل المقاومة: من صليات صاروخية نحو إصبع الجليل إلى استهداف مواقع عسكرية، وصولًا إلى إعلان حزب الله استهداف مجمع الصناعات العسكرية (رفائيل) جنوب عكا بصلية صاروخية، واستهداف ثكنة يعرا بمسيّرات انقضاضية، في مشهد يتجه أكثر نحو تزامن الجبهات وإشغال العدو على أكثر من محور.

وفي الداخل الأمريكي والغربي، بدأت ارتدادات الاستنزاف تظهر بوضوح في السياسة. فقد حذر بيرني ساندرز من أن واشنطن قدمت للبنتاغون تريليون دولار ثم طُلبت زيادات إضافية، والآن يراد المزيد لحرب بدأت دون موافقة الكونغرس، بينما نقلت تصريحات إيرانية — على لسان قاليباف — أن نقص مخزونات أنظمة الدفاع أجبر الأمريكيين على ترتيب الأولويات وفق استراتيجية “إسرائيل أولاً”، محذرًا من أن ترك مصالح الولايات المتحدة وجنودها بلا دفاع لن تقتصر عواقبه على الشرق الأوسط فقط.

دوليًا، أخذ خط الوساطة والتشقق السياسي يتقدم. الصين أعلنت انخراطًا “مكثفًا” في جهود الوساطة، وأنها سترسل الدبلوماسي تشاي جون إلى الشرق الأوسط قريبًا لـ”تهدئة التوتر”. وروسيا، عبر لافروف، اعتبرت الصراع تهديدًا للاستقرار والاقتصاد العالميين، وتحدثت عن نقاش داخل الولايات المتحدة حول الأهداف الحقيقية للعملية، مشيرًا إلى أن من أهداف العدوان كان زرع التفرقة بين دول الشرق الأوسط وأن هناك مساعٍ لجر الناتو إلى المواجهة. كما شددت موسكو رسميًا على أن الولايات المتحدة و”إسرائيلتعمدتا استفزاز إيران لجر العرب إلى حرب تخدم مصالحهما، مع التحذير من غياب مؤشرات على “حكمة أمريكية” توقف العدوان.

في السياق ذاته، أكدت طهران — عبر عراقجي — أنها لم تطلب وقف إطلاق النار وترفض أي مفاوضات مع واشنطن، معتبرة أن الهجوم وقع “في خضم المفاوضات” ونسف الثقة بأي مسار تفاوضي لاحق، بينما أعلنت الخارجية الإيرانية أن مجلس القيادة المؤقت مستمر في إدارة شؤون البلاد حتى تعيين مرشد جديد، وأن إيران تمارس “أقصى درجات الحذر” عند استهداف القواعد الأمريكية لتجنب أضرار المدنيين، في محاولة لإظهار الفصل بين ضرب “العدوان” وبين تجنب الانزلاق إلى استهداف الشعوب.

بهذه الصورة، لا تبدو الحرب متجهة إلى “كسر سريع” كما أُريد لها، بل إلى معادلة تصاعدٍ تراكمي: موجات صاروخية ومسيرات مركبة تعطل مطارات وتضغط على الدفاعات، اشتباك بحري يهدد شريان الطاقة العالمي، قواعد أمريكية تُستهدف على امتداد الخليج، وتزامن ناري متزايد بين إيران ومحور المقاومة يوسّع نطاق الاستنزاف. وفي المقابل، تواصل واشنطن وتل أبيب القصف داخل إيران، لكنهما تفتحان — مع كل يوم — على نفسيهما أسئلة أكبر من “الضربة”: إلى أي مدى يمكن استمرار حرب تُحاصرها الكلفة وتفضحها الوقائع وتوسّعها الجبهات؟

اليوم الخامس يُوسّع دائرة النار: تهديد ديمونا وارتدادات على تركيا وهرمز.. ورسالة بحرية إيرانية لترامب: “الآن وقت اللزوم”

دخل العدوان الأمريكية–الإسرائيلية على إيران يومه الخامس على وقع تصعيدٍ غير مسبوق اتسعت معه ساحات الاشتباك من الداخل الإيراني إلى المجال الإقليمي والدولي، في مؤشرٍ إضافي على أن معركة “الحسم السريع” التي راهنت عليها واشنطن وتل أبيب تتبدد أمام واقع حربٍ مفتوحة تتدحرج نحو مزيد من المخاطر.

وفي التطور الأبرز، نقلت مصادر إعلامية عن مسؤول عسكري إيراني تحذيره من أن أي مسعى أمريكي–إسرائيلي لـ“قلب النظام عبر الفوضى المسلحة” سيقابَل بردٍّ مباشر، يشمل استهداف مفاعل ديمونا، مع التأكيد على أن الانتقال إلى هذا المستوى مرهون بتوسيع العدو لرهانه على “الإسقاط” بدل الاكتفاء بالحرب العسكرية المباشرة. وفي السياق ذاته، أُشير إلى أن تفعيل خطط إسقاط الدولة سيدفع إلى توسيع بنك الأهداف ليطال “البنى التحتية للطاقة في المنطقة”، ما يضع حلفاء واشنطن أمام كلفة تتجاوز قدرتهم على الاحتمال.

وبالتوازي، ظهرت تركيا — العضو في حلف شمال الأطلسي — في قلب ارتدادات الحرب، بعدما أعلنت الخارجية التركية استدعاء السفير الإيراني للاحتجاج على إطلاق صاروخ باليستي قالت أنقرة إنه جرى اعتراضه قبل دخوله أجواءها، فيما تحدثت وزارة الدفاع التركية عن اعتراضه فوق ولاية هاتاي عبر منظومات دفاع جوي تابعة للناتو، مع تأكيد أن أنقرة “تحتفظ بحق الرد” وتنسّق مع قيادة الحلف والحلفاء لتقدير تداعيات الحادث. هذا المسار يشي بأن مسرح الحرب لم يعد محصورًا بين طهران وتل أبيب، بل بات يلامس خطوط تماس حساسة مع دول كبرى في الإقليم.

وعلى خط الاشتباك البحري، زعم “الجانب الأمريكي” أن غواصة أمريكية أغرقت سفينة حربية إيرانية بطوربيد موجّه في المياه الدولية قبالة سواحل سريلانكا. وفي رواية موازية، تحدثت السلطات السريلانكية عن انتشال عشرات الجثث وإنقاذ عدد من أفراد الطاقم، مع استمرار البحث عن مفقودين، في واقعة تعكس انتقال واشنطن إلى رفع سقف المواجهة خارج الخليج وإرسال رسالة بأن الحرب “لن تبقى على حدود الجغرافيا الإيرانية”.

إلا أن طهران، في المقابل، دفعت بالمعركة البحرية إلى واجهتها الأكثر حساسية: هرمز والخليج. فقد أعلن الحرس الثور فرض “سيطرة كاملة” على مضيق هرمز، مع حديثٍ عن تغيير قواعد الحركة الملاحية واستهداف ناقلات قال إنها لم تلتزم بالتحذيرات.

وفي امتدادٍ لهذا الخطاب، نقلت وكالة ميزان عن أحد كبار قادة القوة البحرية التابعة لحرس الثورة رسالة مباشرة للولايات المتحدة مفادها أن الخليج “منطقة عملياتنا” وأن على الأمريكيين مغادرته، مشددًا على أن إيران “في اليوم الرابع فقط” ولم تكشف بعد عن كثير من خططها، وأنها باستثناء الصواريخ والمسيّرات لم تُظهر “أي شيء آخر” في البحر. وقال إن لدى طهران “خططًا جيدة جدًا للاشتباك المباشر” وقد تقع أحداث أكبر بكثير للأمريكيين، في لهجة هدفت إلى تكريس معادلة ردع بحرية تتجاوز الاستهدافات المحدودة.

وذهب القائد الإيراني إلى تحدي رواية ترامب، قائلاً إن الأخير ادعى تدمير القوة البحرية الإيرانية، “لكن المعادلة في البحر واضحة الآن”، مضيفًا أن الولايات المتحدة لا تستطيع مرافقة السفن للخروج من مضيق هرمز ولا يملك ترامب القدرة على إرسال أسطوله لإخراج العالقين من الخليج أو فتح المضيق، قبل أن يختم بعبارة لافتة: “ترامب يقول سنرافق السفن إذا لزم الأمر… الآن هو وقت اللزوم يا سيد ترامب.. فتعال ورافق هذه السفن”.

ميدانيًا على جبهة فلسطين المحتلة، تحدثت وسائل إعلام عبرية عن هجمات متزامنة بين “إيران وحزب الله” تكررت خلال وقت قصير، عبر إطلاق صواريخ إيرانية باتجاه “تل أبيب” والقدس بالتزامن مع رشقات كثيفة من جنوب لبنان طالت “تل أبيب” وحيفا والشمال. وتقرأ دوائر مراقبة هذا التزامن بوصفه محاولة لإرهاق منظومات الدفاع الجوي وتشتيت قدرتها على التقاط وإدارة موجات متزامنة من أكثر من اتجاه، بما يرفع كلفة الاعتراض ويزيد فرص الاختراق.

وفي سياق “تثبيت الإيقاع” لا مجرد الرد، نقلت إفادات منسوبة لحرس الثورة الإسلامية أن المرحلة الـ17 شهدت اختراق صواريخ فرط صوتية وطائرات مسيّرة هجومية لمنظومة “ثاد” الأمريكية، مع استهداف مواقع وُصفت بالاستراتيجية، بينها مبنى وزارة الحرب الصهيونية ومطار بن غوريون، إلى جانب الإعلان عن تدمير أكثر من 7 رادارات فائقة التطور ضمن الموجة نفسها من عملية “الوعد الصادق 4”.

كما اعتبر الحرس أن دوي صافرات الإنذار المتواصل وبقاء السكان لفترات طويلة في الملاجئ خلال الـ100 ساعة الماضية كشفا “الإيقاع المنظم” لإطلاق الصواريخ الإيرانية، متوعدًا بأن الهجمات ستشتدّ ويتوسع نطاقها خلال الأيام المقبلة، وبأن ما وصفه باختباء المنشآت العسكرية للعدو داخل الطبقات المدنية لن يمنع اكتشافها واستهدافها.

سياسيًا، تزامن هذا التصعيد مع انكشاف حساسيات داخل المعسكر الغربي نفسه. فقد جدّد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز رفض بلاده الانخراط في الحرب، ردًا على تهديدات أمريكية بتقليص العلاقات التجارية بسبب رفض مدريد استخدام قواعدها لشن هجمات على إيران، مؤكدًا أن موقف حكومته يقوم على رفض الحرب وعدم التورط في مسار “يضر بالعالم ويتعارض مع القيم والمصالح”.

بهذه المحصلة، يقدّم اليوم الخامس صورة حربٍ تتسع بدل أن تنكفئ: تهديدات تمس ديمونا، ارتدادات نحو تركيا والناتو، اشتباك بحري يتجاوز الخليج وصولًا إلى المحيط الهندي، تشديد إيراني على هرمز مقرونًا بتحدٍ مباشر لواشنطن، وتزامن ناري بين إيران ومحور المقاومة على جبهة فلسطين المحتلة. وبينما يرفع الأمريكي والإسرائيلي سقف المواجهة بحثًا عن “كسرٍ سياسي” من بوابة الإسقاط، تدفع إيران نحو تثبيت قاعدة ردع تقول إن البحر لم يُفتح بعد بالكامل، وإن “وقت اللزوم” الذي يلوّح به ترامب بات حاضرًا الآن، بما يعني أن الأيام المقبلة مرشحة لمرحلة أشدّ حساسية في ميزان القوة والإرادة.

بعد 96 ساعة: إيران تُفشل “كسر الرأس” وتفرض معادلة حربٍ طويلة على “واشنطن وتل أبيب”

بعد مرور أربعة أيام كاملة (96 ساعة) على اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، بات واضحًا أن المشهد الميداني والسياسي يتجه بعكس الرهان الذي بُنيت عليه الضربة الافتتاحية: “قطع الرأس” لإرباك الجسد، ثم فتح نافذة قصيرة لتأجيج الداخل وإعلان “سقوط النظام” كعنوانٍ حاسم. غير أن ما تَشكّل على الأرض – بحسب سلسلة البيانات والتطورات المتلاحقة – هو صورة مختلفة تمامًا: تماسكٌ مؤسساتي سريع، انتقالٌ من منطق “رد الفعل” إلى “إدارة حرب”، واتساعٌ مدروس لساحات الاشتباك من العمق الإيراني إلى القواعد الأمريكية في الإقليم والعمق الإسرائيلي والممرات البحرية.

منذ الساعات الأولى، تراجع عمليًا هدف “تغيير النظام” من واجهة المشهد، وحلّت مكانه أسئلة أثقل على واشنطن وتل أبيب: كلفة الاستمرار، خطر تعدد الجبهات، استنزاف الدفاعات والذخائر، وتداعيات الاقتصاد والطاقة والشحن التي بدأت تضرب الحلفاء قبل الخصوم. وبدا أن الحرب التي أُريدت “خاطفة” تتدحرج – باندفاعة متسارعة – نحو معادلة حرب طويلة تُدار على إيقاع الصواريخ والمسيرات والموانئ والقواعد… لا على إيقاع المؤتمرات الصحفية.

وخلافًا لتوقعات “فراغ القيادة”، ظهر أن المنظومة الحاكمة في طهران انتقلت بسرعة إلى ترتيبات انتقالية؛ إذ أُعلن عن هيئة قيادة مؤقتة تتولى إدارة المرحلة وفق آليات دستورية، في مؤشرٍ يُراد له أن يقول إن “الاغتيال لا يعني انهيار الدولة”. بالتوازي، خرجت رسائل داخلية تعبئةً وحشدًا – من بينها دعوات رسمية وشعبية لتثبيت الجبهة الداخلية – ما أغلق سريعًا الرهان على اهتزازٍ داخلي واسع يمكن استثماره.

أما الضربة الافتتاحية نفسها، وبرغم ثقلها، فقد اصطدمت بأول ارتدادٍ سياسي–أخلاقي كبير: ملف استهداف المدنيين الذي تصاعدت حوله تحقيقات وتقارير إعلامية، وفي طليعتها قضية مدرسة “ميناب” التي رجّحت تحقيقات صحفية أنها تعرضت لضربة مباشرة، وهو ما منح إيران – على مستوى السردية – مادةً إضافية لتثبيت روايتها بأن ما يجري عدوانٌ لا يميّز بين منشآت عسكرية ومدنية.

المنعطف الحاسم لم يكن في “حجم القوة” فقط، بل في “شكل استخدامها”. فقد جاء الرد الإيراني – وفق ما أعلنته جهات رسمية إيرانية وتقارير متقاطعة – بمزيجٍ نادر جمع بين السرعة، واتساع النطاق، والدقة دون الإفراط في الاستهلاك. ومع كل موجة صاروخية ومسيرة، كانت الرسالة تتكرر بصيغة واحدة: المعركة لن تبقى داخل إيران، والقواعد الأمريكية في الإقليم ليست خارج الحساب. وبدل أن يفرض نتنياهو وترامب عنوان “سقوط النظام”، فرضت الحرائق والإنذارات وبلاغات السفارات والقواعد عنوانًا آخر: “المنطقة تشتعل… والحرب خرجت عن الإطار المريح للحلفاء”.

وخلال اليومين الثالث والرابع، اتسعت خارطة الاشتباك بشكلٍ لافت، إذ تتابعت – بحسب بيانات معلنة وتقارير إعلامية – ضربات على قواعد أمريكية في أكثر من ساحة، وصولًا إلى إعلان إصابة مواقع حساسة، من بينها ما قيل إنه تعرض قاعدة “العديد” في قطر لإصابة بصاروخ باليستي، ومعه الحديث عن استهداف منظومات دفاعية متقدمة من طراز THAAD في الإمارات وخارجها. كما برز تطور نوعي في “حرب العيون”: تقارير عن تعطيل/تدمير رادار إنذار مبكر استراتيجي (FPS-132) في قطر بعد إصابات متتابعة، في إشارة – إن تأكدت – إلى محاولة ضرب طبقة الإنذار الأولى التي يعتمد عليها تموضع القواعد ومنظومات الاعتراض.

وفي المقابل، بدأت واشنطن تُظهر ملامح ضغطٍ مزدوج: خسائر ميدانية واستنزاف مخزون الذخائر. فإلى جانب إعلانات عن قتلى في صفوف القوات الأمريكية في الكويت، نُقلت تقارير عن توجه وزارة الحرب لطلب ميزانية إضافية كبيرة لتعويض الأسلحة المستهلكة، مع ضغوط على شركات التصنيع لتسريع الإنتاج. وفي السياق نفسه، تسرّبت أحاديث إعلامية أمريكية عن انخفاض مخزونات صواريخ رئيسية بفعل وتيرة المواجهات، بما يعيد إلى الواجهة سؤال القدرة على مواصلة حرب كثيفة الوتيرة دون دفع أثمان استراتيجية.

وفي موازاة الجبهة الإيرانية–الإسرائيلية، أخذت الجبهة اللبنانية منحى تصاعديًا. فبعد استهدافات إسرائيلية طالت الضاحية الجنوبية ومناطق في الجنوب والبقاع وجبل لبنان – مع ارتفاع حصيلة الشهداء والجرحى وفق وزارة الصحة اللبنانية – جاءت بيانات المقاومة لتؤكد أنها تتحرك ضمن عنوان “الدفاع والرد” لا “الاستدراج”.

وفي هذا السياق، برز خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بنبرة حاسمة، مؤكدًا أن “لصبرنا حدود” وأن الصواريخ هي “رد على 15 شهرًا من الانتهاكات والعدوان”، وأن العدو “لم يلتزم ببند واحد” من تفاهمات وقف إطلاق النار، وأن استهداف مؤسسات مدنية وإعلامية مثل قناة المنار وإذاعة النور يندرج ضمن مشروع عدواني أوسع، لا ضمن ردٍّ موضعي. كما تتابعت بيانات عن عمليات طالت قواعد ومواقع عسكرية إسرائيلية (منها رامات دافيد، ميرون، “نفح”، ومرافق صناعات جوية)، في إشارة إلى أن الجبهة الشمالية لم تعد هامشًا يمكن تحييده.

وعلى خطٍ موازٍ، ظهرت ساحة العراق كجزء من “الاشتباك الإقليمي” عبر بيانات فصائل مقاومة تحدثت عن عشرات العمليات بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد مواقع وقواعد أمريكية، إضافة إلى تقارير عن ضربات طالت محيط مطار أربيل ومواقع أخرى. ومع كل ذلك، يتضخم خطر تعدد الجبهات؛ وهو السيناريو الذي يشكّل تقليديًا الكابوس الأكبر لأي حملة أمريكية تريد “حسمًا سريعًا”، لأن تعدد المسارح يعني: استنزاف، وتشتت، وارتفاع تكاليف السياسة والاقتصاد والأمن معًا.

على مستوى “العمق الإسرائيلي”، لم يتوقف إيقاع الضربات عند موجات الإنذار الطويلة، بل ترافق مع تقارير عن إصابات في مناطق حساسة قرب “تل أبيب”ومحيط منشآت ومقار عسكرية وأمنية، ووردت بيانات عن استهداف مواقع قيادية (مثل “هكريا”) وبنى تحتية في محيط “بني براك” و“بيتح تكفا” ومناطق شمالية. وفي كل مرة، يعود المعنى نفسه: الرد ليس عرضًا رمزيًا، بل ضغطٌ تراكميّ يهدف إلى إنهاك الجبهة الداخلية للعدو وإرباك القرار السياسي والعسكري.

اقتصاديًا، دخلت الحرب في يومها الرابع وهي تسحب خلفها موجات اضطراب تتجاوز الجغرافيا. فقد رافقت التطورات الميدانية تقارير عن قفزات في أسعار النفط والغاز، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري، وإضافة مناطق خليجية إلى قوائم “المخاطر العالية”، فضلًا عن أحاديث عن توقفات أو اضطرابات في بعض منشآت الطاقة وما تبعها من قلق عالمي من موجة تضخم ونقص إمدادات. وبذلك لم تعد الحرب “ملفًا عسكريًا”، بل تحولت إلى قضية أسواق وإمداد وطاقة تضغط على العواصم الكبرى من بوابة المصالح لا بوابة البيانات.

وفي الخليج تحديدًا، تتكون العقدة الأخطر لواشنطن: إيران – وفق بيانات مسؤوليها – تقول إنها تستهدف القوات المعتدية لا مصالح الجوار، لكن الوقائع على الأرض تجعل الحلفاء يعيشون ارتداد المعركة داخل جغرافيتهم. ومع تزايد البلاغات عن انفجارات وهجمات وحرائق قرب مواقع حساسة، ومع رفع مستويات التحذير وإغلاق أو تقليص عمل بعض البعثات، تتشكل أزمة ثقة صامتة عنوانها: هل ما زالت “معادلة الحماية مقابل النفط” تعمل كما كانت؟. وهذا السؤال وحده – أكثر من أي خطاب – يفتح شرخًا طويل الأمد في هندسة التحالفات.

خلاصة الصورة بعد 96 ساعة لا تُكتب بعنوان واحد هو “من انتصر؟” بل بعنوانين متلازمين: إيران نجحت في إفشال رهان “كسر الرأس” بتحويل الاغتيال إلى وقود صمودٍ وتماسكٍ مؤسسي، ونجحت – في الوقت نفسه – في دفع واشنطن وتل أبيب إلى مربع الحرب الطويلة عبر توسيع ساحات الاشتباك ورفع كلفة الإقليم والطاقة والشحن والأمن. ومع استمرار الموجات الصاروخية واتساع الاشتباك البحري وتزايد ضغط الأسواق وتململ الحلفاء، يصبح السؤال المركزي الآن ليس: “متى يسقط النظام؟” بل: إلى أي سقف يمكن أن ترتفع فاتورة هذه الحرب قبل أن تُفرض معادلة جديدة في الإقليم… تُكتب بالنار لا بالشعارات؟