الرئيسية بلوق الصفحة 166

المحرقة الكبرى: لحظة اللاعودة وسقوط الهيمنة الأمريكية

الحرب المستعرة التي أشعلها الحلف التلمودي الأميركي الصهيوني في المنطقة لا تتوقف عند استهداف الجمهورية الإسلامية في إيران وإسقاط نظامها وإخضاعها، بل تتّسع في أهدافها لإلغاء كل دولة عربية أو إسلامية من سواحل البحر المتوسط حتى تخوم الشرق اللصيق بروسيا والصين، وتدمير مقوّمات وجودها التي تجعل منها أنظمةً قادرةً على تهديد مشروع الهيمنة الغربية على العالم.

ولئن أطنب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كعادته، في رفع الأسقف الهمايونية لأهداف الحرب المنسلخة عن الواقع الميداني، تتصاعد في أروقة القرار الصهيوني نبرةٌ عسكريةٌ تتحدث عن “عام الحسم”، وتأخذ الصورة إلى مدياتٍ أعمق بكثير من مجرد تحركاتٍ ميدانية.

برز في هذا السياق تصريح رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير الذي قال إن “المعركة ستستمر وقتًا طويلًا، وهي حاسمةٌ ومصيريةٌ وستحدد مستقبلنا وأمننا هنا لسنواتٍ طويلةٍ قادمة”، فيما تعكس تحليلاتٌ استراتيجيةٌ ينشرها الإعلام الصهيوني محاولةً لهندسة وعيٍ مزدوج: واحدٌ يستهدف استحضار الدعم الوجودي من الغرب، وآخر يهدف إلى ترميم الذات المتآكلة في الداخل، لتكشف عن مآلات الصراع في الذهن “الإسرائيلي” بأن الحرب الدائرة تضع “إسرائيل” في لحظة اللاعودة. ولم يعد الحديث في” تل أبيب” يدور حول “جولات تصعيد” أو “أيام قتالية”، بل انتقل القاموس السياسي والعسكري إلى مصطلحاتٍ أكثر حدةً وقتامةً على غرار “حرب الجيل” و”المعركة المصيرية”.

ارتباك استراتيجي

هذا التحول البنيوي في الخطاب يستبطن تحديد ملامح الأمن “الإسرائيلي” لعقودٍ قادمة، ولكن خلف ما يظهر على أنه لغةٌ واثقةٌ ووعدٌ بالحسم يكمن ارتباكٌ استراتيجيٌ عميقٌ يحاول مسؤولو العدو صياغته ضمن سرديةٍ مزدوجةٍ توازن بدقة بين “الخطر الوجودي” لاستدرار الدعم الغربي، و”الفخر العسكري” لترميم التصدّعات في الجبهة الداخلية.

فتصريح زامير بالهروب إلى الحسم الهش ليس مجرد تقديرٍ عسكريٍ نابعٍ من معطيات الميدان، بل هو بيانٌ سياسيٌ بامتياز موجّهٌ بعنايةٍ إلى ثلاث جهاتٍ مختلفة:

الأولى: إلى الداخل الإسرائيلي المنهك، حيث يهدف الخطاب إلى طمأنة المجتمع الصهيوني الذي يعيش تحت وطأة استنزافٍ غير مسبوقٍ ونقصٍ حادٍ في القوة البشرية المقاتلة فرضته ظروف المواجهة الشاملة على محوري إيران ولبنان حتى الآن. وهو يحاول تسويق فكرة أن التضحيات الهائلة الحالية هي الثمن الأخير الواجب دفعه لضمان “الأمن الأبدي”، سعيًا لرفع الروح المعنوية في ظل تقهقر القدرات العسكرية للعدو والاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي وتصاعد القلق الوجودي.

الثانية: إلى الإدارة الأميركية، حيث يهدف إلى الإيحاء بأن “إسرائيل” تنهي المهمة، وأن كسر “المحور الإيراني” يحتاج من واشنطن استمرار الغطاء الدبلوماسي والإمداد الحربي واللوجستي غير المحدود، والخوف من إقدام ترامب على وقف إطلاق النار في اللحظات الأخيرة.

الثالثة: إلى محور المقاومة، حيث يحاول زامير ترميم ميزان الردع الذي تآكل بشكلٍ خطير، عبر الحديث عن استمرار أمد الحرب بأدواتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، ويوحي بأن التفوق التكنولوجي “الإسرائيلي” قادرٌ على حسم معركة الجيل.

النصر: أزمة في التعريف والتحقق

في السياق ذاته، يمارس العدو عبر وسائل الضغط السياسي والدعائي سياسةً تحريضيةً تهدف إلى دفع الولايات المتحدة للانتقال من سياسة “الردع عن بُعد” إلى الانخراط المباشر والشامل في الحرب، سواء عبر تكريس مبدأ المصير المشترك أو عبر ما يمكن تسميته “دبلوماسية الترهيب”، من خلال استخدام فزاعة انضمام روسيا والصين إلى الصراع.

وعلى خطٍ موازٍ، يجهد الخطاب الصهيوني إلى شيطنة إيران وحلفائها وتصويرها كقوةٍ انتحاريةٍ غير عقلانيةٍ تتحرك بدافع اليأس وغير قابلةٍ للتفاوض، سعيًا إلى تسويغ خيار الاستئصال.

وهنا تنشأ أزمة تعريف “النصر” لدى واشنطن وتل أبيب معًا: فهل النصر هو تدمير المفاعل النووي الإيراني؟ أم إزالة إيران الدولة والنظام الإسلامي؟ أم تحقيق نبوءة “إسرائيل الكبرى” وتغيير “الشرق الأوسط” على حد زعم نتنياهو؟ وفي كل الأحوال، هل هناك قدرةٌ فعليةٌ على تحقيق هذه الأهداف مجتمعةً أو هدفٍ واحدٍ منها وفقًا للتطورات الميدانية المستجدة؟

إن استمرار الحرب لسنواتٍ كما يتحدث مسؤولو العدو يعني اعترافًا واضحًا بأن “إسرائيل” ما هي إلا ثكنةٌ عسكريةٌ دائمةٌ سوف تفقد مصداقيتها كـ“دولة ديمقراطية” أو “واحة سلام” أو ساحةٍ اقتصاديةٍ مثمرةٍ في المنطقة. ناهيك عن مؤثرات استمرار الحرب على الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي للدول العربية، ولا سيما في منطقة الخليج التي يبدو أن ترامب يستخدمها “كبش محرقة” لتغذية طموحاته الديكتاتورية في الهيمنة والاستعمار.

روسيا والصين والاستنزاف الأمريكي

في “لحظة اللاعودة” الأمريكية-“الإسرائيلية” يبدو أن الدور الروسي والصيني قد بدأ ينتقل من المراقب الحذر والداعم الخفي إلى “اللاعب الاستراتيجي” الذي يسهم بشكلٍ مباشرٍ في تشكيل النظام العالمي الجديد مستغلًا الغرق الأميركي في رمال المنطقة.

فبالنسبة لموسكو، هذه الحرب هي “هديةٌ جيوسياسيةٌ” لفك الحصار عنها في أوكرانيا، حيث تتحرك روسيا وفق استراتيجية تشتيت الانتباه الأميركي. فكل صاروخٍ يوجَّه نحو “إسرائيل” يعدّ استنزافًا للمخزون التسليحي الأميركي الذي كان مقدّرًا له الذهاب إلى كييف.

وتشير المعطيات إلى أن روسيا تقوم بتزويد إيران ببيانات أقمارٍ صناعيةٍ حيةٍ حول تحركات الأساطيل الأميركية، فضلًا عما قيل عن فتح مخازنها لتزويد المحور الإيراني بأنظمة دفاعٍ جويٍ متطورةٍ وصواريخ مضادةٍ للسفن لرفع كلفة أي تدخلٍ بحريٍ أميركي.

ويهدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من وراء ذلك إلى وضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مر: إما إنقاذ أوكرانيا أو إنقاذ “إسرائيل”، مع علمه أن ترامب لا يستطيع خوض حربين استنزافيتين في آنٍ واحد.

أما بالنسبة للصين فإن بكين تؤدي دورًا أكثر دهاءً؛ فهي لا تريد التدخل لحسم الحرب عسكريًا، بل تريد فرض التفوق اقتصاديًا والاستمرار في سياسة ضرب الدولار كعملةٍ تجاريةٍ-مالية، وفي الوقت نفسه تقدّم نفسها قوةَ سلامٍ عاقلةً مقابل فوضى الانحياز الأميركي، وبذلك تقوّي اتجاهاتها العملية في سبيل إنهاء الهيمنة الغربية.

إيران.. عقيدة الدفاع وحرب الوجود

تشير المعطيات الميدانية وقراءة العقيدة العسكرية الإيرانية (الدفاع الهجومي) إلى أن طهران تدير المعركة اليوم وفق منظورٍ مختلف، فهي لا تهدف إلى تحقيق انتصارٍ عسكريٍ تقليديٍ في معركةٍ مفتوحة، بل تسعى إلى جعل كلفة الحرب أعلى من قدرة “إسرائيل” والغرب على التحمل.

فالجبهات في لبنان واليمن والعراق ليست مجرد أطراف، بل هي خطوط دفاعٍ استراتيجية، ويعتمد التكتيك الإيراني على “التفعيل المتزامن” لكافة الساحات لضرب أنظمة الاعتراض الجوية “الإسرائيلية” (القبة الحديدية، مقلاع داوود، ثاد)، ليسهل على الصواريخ الدقيقة والمدمّرة ضرب أهدافٍ استراتيجيةٍ عسكريةٍ وحيويةٍ على مساحة الكيان الصهيوني.

كما ترى في تهديد الملاحة الدولية سلاحًا نوويًا اقتصاديًا (إغلاق مضيق هرمز، استهداف منشآت النفط..) ما يؤدي إلى تضخمٍ عالميٍ يكسر عنجهية الاندفاعة الأمريكية-“الإسرائيلية” ويعيد خلط الأوراق في معادلة الحرب وأكلافها القاتلة. والرؤية الإيرانية بسيطةٌ ومرعبةٌ مفادها: “إذا لم نبع نفطنا، فلن يبيعه أحد”. وهذا السيناريو يعدّ منعطفًا خطيرًا قد يجر العالم إلى حربٍ عالميةٍ ثالثة.

حرب الاستنزاف.. فييتنام الجديدة

تراهن طهران على أن النفس الطويل هو نقطة ضعف المجتمعات الليبرالية، وعلى رأسها إدارة ترامب الجامحة والمتهورة، وترى أن التحول إلى حرب عصاباتٍ صاروخيةٍ طويلة الأمد سيؤدي إلى كسر الجبهة الداخلية الإسرائيلية عبر التهجير المستدام للمستوطنين في شمال فلسطين المحتلة أو حتى في الداخل، فضلًا عن ضرب قطاع التكنولوجيا (الهايتك) الذي يمثل عصب الاقتصاد الصهيوني ويعتمد في تفعيل استثماره على الاستقرار الأمني، وبالتالي تحويل “إسرائيل” إلى بيئةٍ غير مؤهلةٍ للاستثمار والعيش.

مآلات الحرب.. إلى أين؟

إن استمرار الحرب في وتيرتها الراهنة يضع “إسرائيل” والولايات المتحدة أمام مآلاتٍ معقدة، فحتى لو تعرضت إيران لضرباتٍ مؤلمةٍ فإن الحسم النهائي بعيد المنال وفق أجندة الأهداف الأميركية-“الإسرائيلية”، ما يؤدي إلى سقوط المشروع العتيد في تغيير “الشرق الأوسط” والهيمنة على المنطقة.

ويبقى سيناريو التسوية المفروضة، بحيث تدرك إدارة ترامب المهووسة بالحرب التلمودية، بفعل نتائج الحرب وتحت ضغط الاستنزاف الروسي-الصيني، أن “النصر الحاسم” الذي وعد به نتنياهو وأركان حكومته ما هو إلا وهم، فلا تجد بدًا من الذهاب إلى صفقةٍ إقليميةٍ كبرى تشرعن نفوذ القوى الإقليمية وتمنح إيران دورًا معترفًا به، أي نهايةً للمشروع الصهيوني.

ويبقى السيناريو الأخطر في الانزلاق الشامل والمنعطف الخطر بتصعيدٍ أميركيٍ غير معهودٍ للحرب، من شأنه أن يدفع إيران لتفعيل خياراتها الوجودية، ما قد يجر المنطقة والعالم إلى فوضى عسكرية، فتصبح “لحظة اللاعودة” نذير إلغاءٍ وجوديٍ كاملٍ وشاملٍ لـ”إسرائيل”.

وعليه، فالمنطقة الآن أمام خيارين قاسيين:

إما اتفاقٌ مؤلمٌ يعيد تخجيم وزن “إسرائيل” في المنطقة،

أو انزلاقٌ نحو حربٍ كبرى قد تكون المسمار الأخير في نعش الهيمنة الغربية المطلقة على الشرق الأوسط.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد الحسيني

هرمز يقرر مصير الحرب

هل تضعف حادثة الطائرة صورة القوة الإيرانيّة؟

منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على ايران كان السؤال عن سبب استخفاف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالعقدة التي كان يعتبرها أسلافه من الرؤساء مستعصية في طريق قرار الحرب، الذي أتيح لهم في ظروف كانت إيران أضعف بكثير ومنعهم عن ذلك القلق ما ينجم عن إغلاق مضيق هرمز، ووضعت خطط كثيرة للاستغناء عن عبور النفط من هرمز من خط نابوكو من كازاخستان إلى تركيا ثم الرهان على خط قطري تركي إلى أوروبا عبر سورية، قيل إن رفض الرئيس السوري السابق له كان أحد أسباب الحرب عليه، ثم الرهان على نفط وغاز شرق المتوسط، لكن الرئيس ترامب كان واثقاً من قدرته على حسم الحرب قبل أن يستفيق هرمز، والخطة هي قطع الرؤوس واغتيال المرشد الأعلى واغتيال عشرات القادة، فيتفكك النظام ثم يخرج الشعب ليسقط النظام، خلال أيام، لكن هذا التخيّل السحريّ لم يحدث وحدث العكس، تماسك النظام وتمسك الشعب بالنظام وبدأ جرح هرمز يلتهب.

استفاق العالم في اليوم العاشر للحرب، الاثنين في 9 آذار 2026 وبرميل نفط برنت يسجل سعر 119.5 دولارًا للبرميل في ذروة التداول، مع قفزة يومية كبيرة وعودة الأسعار إلى مستويات لم تُسجَّل منذ 2022، قبل أن تشهد بعض التذبذب لاحقًا. هذا يعني أن السوق انتقل من تسعير “مخاطر سياسية” إلى تسعير “نقص إمداد محتمل أو قائم”، ما وضع العالم على فوهة بركان نفطي سريع الانفجار، فهل يحدث ذلك، وما هي عناصر صناعة المشهد النفطي في العلم وكيف تشتغل؟

وفقاً لتقارير وكالة الطاقة الدولية يتشكل السوق النفطي في العالم من 108 ملايين برميل يوميًا في تقديرات شباط، لكن ما يهم في صدمة هرمز هو الجزء البحريّ المتداول، “سوق التسعير” أصغر كثيرًا من الاستهلاك الكلي، وأن أي نقص في الممرات البحرية يضرب السوق المؤثرة في السعر لا الاقتصاد النفطي كله دفعة واحدة. ومن أصل 108 ملايين برميل يعبر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات، أي حوالي 25% من كميات النفط المنتجة للاستهلاك عالميًا، وتقدّر وكالة الطاقة الدولية القدرة البديلة خارج هرمز عبر السعوديّة من خلال البحر الأحمر والإمارات من خلال بحر عمان بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يوميًا فقط. المعنى المباشر: إذا تعطّل هرمز تعطل معه جزء لا يمكن تعويضه سريعًا، لأن البدائل لا تغطي سوى جزء محدود من التدفقات.

لكن الأهم من كون الكتلة الفائتة عن السوق بإقفال هرمز 15 مليون برميل، هو أن السوق إذا تمّ حساب الكميات التي تشتريها الدول التي تستورد أغلب حاجاتها النفطية، سوف نجد أن الـ 15 مليون برميل هي ثلث ما يجري تداوله تجارياً، حيث جزء كبير من النفط يُنتج ويُستهلك داخل الدولة نفسها ولا يعبر الحدود، مثل جزء كبير من إنتاج الولايات المتحدة وروسيا والصين.

لذلك فإن النفط الذي يدخل فعلياً في التداول التجاري الدولي أقل بكثير من الإنتاج الكلي، ويقدَّر بحوالي 45 إلى 50 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات. هذا هو الحجم الذي تتحرك فيه الأسعار العالمية.

الأكثر انكشافًا في السوق واعتماداً على الاستيراد هي آسيا خصوصاً الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، لأن الجزء الأكبر من نفط الخليج المتجه إلى السوق يذهب شرقًا، ولأن الدول الآسيوية المستوردة هي الأكثر اعتمادًا على الخام الخليجي والغاز القطري.

أوروبا تتأثر أيضًا، لكن انكشافها في النفط أقلّ من آسيا بسبب تنوّع مصادرها، بينما يظهر تأثرها بقوة في الغاز وأسعار الصناعة. أما الولايات المتحدة فتتأثر عبر السعر والتضخم والأسواق أكثر من تأثرها كـ“مستورد خليجي صافٍ”.

وهذا ما يفسر لماذا بدت الصين وأميركا معًا في قلب القلق العالمي: الصين لأن أمن الطاقة يضغط على نموها الصناعي، وأميركا لأن النفط المرتفع يضغط على التضخم والأسهم والسياسة الداخلية.

السؤال هو ماذا يحدث مع نقص كميات تعادل ثلث التداول التجاري، والجواب هو أن البيع المؤجل ينتظر أفضل الأسعار فتتم عملية التسابق على حجز الكميات بعرض أسعار أفضل، وهكذا يتحرك سلم التسعير بجنون، وعند عتبة معينة من السعر لا تستطيع الصناعات الأكثر اعتماداً على الطاقة مواصلة الشراء وتبدأ بالخروج من السوق، ويقفل أغلبها ويعلن الإفلاس كثير منها، لكن عندما يخرج من السوق ما يقارب الكمية التي توقفت عن التداول يبدأ السعر بالاتجاه إلى الهدوء ويحل انكماش اقتصادي خطير، لكن بعد إعصار يأخذ في طريقه صناعات وبعدها صناعات تعتمد عليها مثل صناعة السيارات وعلاقتها بصناعة الصلب والحديد والألمنيوم، أما القطاعات الأكثر تعرّضًا فهي تلك التي تدخل الطاقة في تكوين سعرها بنسبة مرتفعة، ولا سيما عندما تتجاوز نحو 20% من كلفة الإنتاج وعلى رأسها: البتروكيماويات، الأسمدة، الألمنيوم، الصلب، الإسمنت، الزجاج، الورق، الشحن البحري، والطيران.

أبرز الشركات العالمية في هذه القطاعات مثل BASF وDow وLyondellBasell في الكيماويات، وArcelorMittal وNippon Steel وU.S. Steel في الصلب، وAlcoa وRusal في الألمنيوم، وMaersk وMSC في الشحن، وAmerican Airlines وUnited وLufthansa في الطيران، تمثل نماذج مباشرة لقطاعات تصبح فيها الطاقة عاملاً حاسمًا في الربحيّة. وهي تغطي مبيعات مجمعة بنحو 723 مليار دولار سنويًا وتوظف قرابة مليون عامل مباشرة، مع أثر غير مباشر أكبر بكثير عبر سلاسل التوريد، وأغلب هذه الشركات أميركية، لذلك فإن آلية الانهيار ليست “تباطؤًا هادئًا”، بل سلسلة عدوى.

تبدأ بارتفاع النفط والغاز، ثم ترتفع كلفة النقل والتأمين والتمويل، فتخسر الصناعات كثيفة الطاقة هوامش ربحها وتبدأ الإغلاقات وخفض الإنتاج.

بعدها تهبط أسعار أسهم الشركات المعرضة، وتحاول الإدارات الدفاع عن أسعار الأسهم عبر السيولة أو إعادة شراء الأسهم أو تسييل الأصول، ثم ينتقل الخلل إلى الديون والضمانات، فتظهر الخسائر في المصارف المقرضة وشركات التمويل وتجارة السلع. عند هذه النقطة لا يصبح “تدمير الطلب” مجرد خفض استهلاك، بل إفلاسات وإغلاقات فعلية. وهو ما حذرت منه تغطيات مالية حديثة ربطت بين قفزة النفط والضغط على الأسهم والسندات والعملات والتضخم في أكثر من سوق.

العدوى لا تبدأ من البنوك، لكنها قد تنتهي إليها. البنوك الأكثر عرضة هي تلك المرتبطة بتمويل الصناعة الثقيلة، تجارة الطاقة والسلع، النقل والشحن، وأسواق المشتقات.

سياسيًا وماليًا، هذا يفسر حساسية وول ستريت ومراكز المال في نيويورك وواشنطن وشيكاغو، لأن ارتفاع النفط لا يضغط فقط على الشركات المنتجة والمستهلكة بل على الائتمان، الضمانات، تمويل التجارة، والتسعير المستقبلي.

ولذلك ظهرت سريعًا دعوات لمناقشة السحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية على مستوى مجموعة السبع، وذُكرت دعوات من قيادة ديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي لطرح هذا الخيار، ما يعكس إدراكًا بأن انتقال الصدمة من الطاقة إلى المال بدأ فعلاً في حسابات القرار.

سياسيًا، الدول الأكثر معنيّة بالضغط لوقف النزف هي: الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية، دول الاتحاد الأوروبيّ، والولايات المتحدة.

لكن الوزن السياسي الحاسم يبقى لأميركا، لا لأنها الأكثر اعتمادًا على نفط الخليج كمستورد صافٍ، بل لأنها ما تزال بيضة القبان في ثلاث دوائر معًا: القرار العسكري، النظام المالي، وسوق الدولار والاحتياطيات.

فإذا تحركت أميركا باتجاه إطفاء الحرب ارتفع احتمال التهدئة، وإذا أبقت الحرب مفتوحة بقي العالم كله يدفع الثمن. في المقابل، الصين تملك دافعًا قويًا أيضًا لأنها أكبر مستورد نفطي وأكبر ورشة صناعيّة في العالم.

في أميركا القطاعات المهدّدة بالإفلاس تملك أصواتاً سياسية يجب أن نراقب متى تبدأ برفع صوتها لوقف الحرب لنعلم أن الأزمة بدأت تدخل مرحلة الخطر، وهذه الأصوات داخل الكونغرس تعود لمشرعين جمهوريين وديمقراطيين، وفي مجلس الشيوخ الأميركي الحالي، الأغلبية للجمهوريين 53 مقعدًا مقابل 45 للديمقراطيين و2 مستقلين، مثلاً في ولايات الطاقة يبرز جمهوريون مثل تيد كروز وجون كورنين عن تكساس، جون كينيدي وبيل كاسيدي عن لويزيانا، وشيلي مور كابيتو وجيم جستِس عن فرجينيا الغربية.

في الولايات الصناعيّة والمالية والتكنولوجية تبرز أسماء مثل إليسا سلوتكن وغاري بيترز عن ميشيغان، ديف ماكورميك وجون فيترمان عن بنسلفانيا، تشاك شومر وكيرستن جيلبراند عن نيويورك، آدم شيف وأليكس باديّا عن كاليفورنيا، ماريا كانتويل وباتي موراي عن واشنطن، ومارك وارنر وتيم كين عن فرجينيا، إضافة إلى برني مورينو وجون هوستِد عن أوهايو.

هذه الخريطة مهمة لأن ولايات الطاقة تميل مبدئيًا إلى خطاب الردع والقوة، بينما ولايات الصناعة والمال والتكنولوجيا تصبح أكثر حساسيّة عندما يرتفع النفط ويقترب الخطر من الوظائف والأسهم والتضخم.

هرمز يمسك العالم من عنقه ويضغط بقوة بكلتي اليدين فمتى نبدأ بسماع الصراخ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

ناصر قنديل

إيران تُحبط اختراقًا أمنيًا واسعًا وتُفكك شبكة تجسس مرتبطة بواشنطن وتل أبيب

أعلنت الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية نجاحها في تفكيك شبكة تجسس وتخريب داخلية، مؤكدة توقيف 30 عميلاً خلال الأيام الماضية، قالت إنهم يرتبطون بصورة مباشرة بـ الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، في واحدة من أبرز الضربات الأمنية التي تكشف حجم النشاط المعادي الساعي لاختراق الجبهة الداخلية الإيرانية في ظل التصعيد القائم.

وأكدت الاستخبارات الإيرانية أن الشبكة المضبوطة كانت تعمل على جمع معلومات شديدة الحساسية تتصل بـ الأمن القومي الإيراني والصناعات الدفاعية والمشاريع الاستراتيجية الحيوية، مشيرة إلى أن كشفها جاء نتيجة عمليات رصد ومتابعة وتحليل دقيقة لتحركات العناصر المشتبه بها، قبل أن تتم الإطاحة بها بشكل كامل.

وبحسب البيان، فإن المتهمين لم يقتصر دورهم على التجسس ونقل المعلومات، بل كانوا يخططون أيضًا لتنفيذ أنشطة تخريبية تستهدف مشاريع ومنشآت حيوية داخل البلاد، إلا أن يقظة الأجهزة الأمنية الإيرانية وسرعة تحركها حالت دون وصول هذه المخططات إلى مرحلة التنفيذ.

وشددت طهران على أن هذه العملية تعكس الجاهزية العالية للمؤسسات الأمنية والاستخباراتية، وقدرتها على إحباط محاولات الاختراق الأمريكية–الصهيونية ومواجهة أي مساعٍ تستهدف السيادة الوطنية أو القدرات الدفاعية للجمهورية الإسلامية. كما أكدت أن التنسيق المستمر بين مختلف الأجهزة المختصة أسهم في إسقاط الشبكة قبل أن تتمكن من إحداث أي ضرر ميداني أو استخباراتي.

وأضافت الاستخبارات الإيرانية أن أي جهة تحاول العبث بأمن إيران أو التسلل إلى منظوماتها الحساسة ستواجه ملاحقة صارمة وردعًا حاسمًا، مؤكدة أن هذه العملية ليست حدثًا معزولًا، بل تأتي ضمن حرب استخباراتية مفتوحة تخوضها الجمهورية الإسلامية لحماية الداخل الإيراني من محاولات التخريب والتجسس التي تقف خلفها واشنطن وتل أبيب.

وفي القراءة السياسية والأمنية، يبرز هذا التطور بوصفه رسالة واضحة بأن الجبهة الداخلية الإيرانية ما تزال متماسكة ومحصنة، وأن مؤسسات الدولة قادرة على كشف الشبكات المعقدة وإسقاطها رغم شدة الضغوط والعدوان الخارجي، بما يعزز صورة إيران كدولة تملك أدوات الردع الأمني والاستخباراتي إلى جانب أدواتها العسكرية.

هرمز تحت قبضة النار: الحرس الثوري يتوعّد بسحق أي “اختراق أمريكي” ويؤكد أن طهران وحدها من سترسم نهاية الحرب

في تطور يعكس تصاعد الثقل البحري في المواجهة الجارية، أكدت إيران أن طهران باتت تمسك بزمام المرحلة العسكرية والسياسية، وأن نهاية الحرب لن تُكتب في واشنطن أو تل أبيب، بل ستُفرض من الميدان وفق معادلات الردع التي أرستها الجمهورية الإسلامية خلال الأيام الأخيرة، وعلى رأسها معادلة السيطرة النارية على مضيق هرمز وخطوط العبور الاستراتيجية في الخليج.

وأوضح الحرس الثوري الإيراني، في بيان صدر فجر الثلاثاء، أن الأمن في المنطقة لم يعد قابلاً للتجزئة، وأن الصيغة القائمة أصبحت واضحة: إما أمن للجميع أو انعدامه عن الجميع. وفي هذا السياق، جدد قائد القوة البحرية في الحرس الثوري الأدميرال علي رضا تنكسيري التأكيد على أن أي سفينة مرتبطة بالدول المعتدية على إيران لا يحق لها عبور مضيق هرمز، موجهاً رسالة مباشرة بأن من يشك في جدية هذا القرار عليه أن يقترب من المضيق ويختبر الوقائع على الأرض بنفسه.

ويكتسب هذا الموقف أهمية مضاعفة بعدما سقطت الرواية الأمريكية بشأن مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق. فقد نفت مصادر أمريكية ووسائل إعلام أمريكية صحة الأنباء التي تحدثت عن عبور ناقلة نفط تحت حماية الجيش الأمريكي، إذ نقلت رويترز عن مسؤول أمريكي أن الجيش لم يرافق أي سفينة عبر المضيق حتى الآن، كما أكدت فوكس نيوز أن الحديث عن مرافقة البحرية الأمريكية لناقلة نفط غير صحيح. ويعني هذا النفي، في القراءة السياسية والعسكرية، أن واشنطن عجزت حتى الآن عن ترجمة تهديداتها إلى واقع ميداني، وأن ما رُوّج له عن فرض هيبة بحرية أمريكية في هرمز لم يتجاوز حدود الحرب النفسية ومحاولة التأثير على الأسواق.

وفي المقابل، شددت قيادة الحرس الثوري على أن الحديث عن عبور ناقلة تحت مرافقة أمريكية محض افتراء، مؤكدة أن أي تحرك للأسطول الأمريكي أو حلفائه في مضيق هرمز سيُواجَه بالقوة الصاروخية، وأنه لن تجرؤ أي سفينة أمريكية على الاقتراب من بحر عمان ومياه الخليج والمضيق في ظل المعادلة الجديدة التي فرضتها إيران. كما اتهم الحرس الثوري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإطلاق ادعاءات مضللة عن قدرة السفن الأمريكية على مواصلة العبور والسيطرة على المضيق، موضحًا أن القطع البحرية الأمريكية ابتعدت فعلياً أكثر من ألف كيلومتر خشية الاستهداف.

وفي تصعيد إضافي، أشارت طهران إلى أنها تترقب قدوم البحرية الأمريكية إلى هرمز، بما في ذلك وصول حاملة الطائرات جيرالد فورد، بما يعني أن إيران تنظر إلى أي محاولة أمريكية جديدة في هذا الاتجاه باعتبارها اختباراً مباشراً لإرادة الاشتباك والسيطرة البحرية، لا مجرد مناورة رمزية. كما نقلت وكالة فارس عن مسؤول عسكري إيراني أن طهران لن تسمح، حتى إشعار آخر، بتصدير لتر واحد من النفط في المنطقة إلى العدو وحلفائه، وهو تصريح يكشف اتجاهاً إيرانياً واضحاً إلى ربط المعركة البحرية بشرايين الطاقة العالمية، ونقل الردع من المجال العسكري المباشر إلى قلب السوق النفطي العالمي.

وجاء هذا التطور رداً على تصريحات ترامب الذي أعلن رغبته في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، بل ولوّح بالتفكير في السيطرة عليه، مهدداً إيران بضربة أشد “بعشرين ضعفاً” إذا أقدمت على أي خطوة توقف تدفق النفط عبر المضيق، ومتوعداً بما سماه “الموت والنار والغضب”. غير أن الرد الإيراني بدا حاسماً في التأكيد أن لغة التهديد الأمريكية لم تعد تنتج ردعاً، بل تدفع إلى مزيد من التحدي والتصعيد المقابل، خصوصاً بعد اتساع مؤشرات الإرباك الأمريكي في البحر والجو والاقتصاد.

عسكرياً، أعلن الحرس الثوري أن قواته نجحت في تدمير 10 رادارات أمريكية فائقة التطور في أنحاء مختلفة من المنطقة، إلى جانب عدد كبير من الطائرات المسيّرة الباهظة الثمن، معتبراً أن العدو بدأ يعاني من استنزاف في الذخائر والقدرات وأن واشنطن تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه بعد تعثر رهاناتها. كما شدد على أن الحديث الأمريكي عن تراجع وتيرة الصواريخ الإيرانية يناقض الواقع، موضحاً أن إيران باتت تطلق صواريخ أشد قوة وبرؤوس حربية يفوق وزنها الطن.

وفي السياق ذاته، أفادت تقارير بأن عدد الإصابات في صفوف الجيش الأمريكي في الحرب مع إيران بلغ نحو 150 جندياً حتى الآن، وهو رقم يعكس حجم الكلفة البشرية المتزايدة للمواجهة، ويدعم الرواية الإيرانية القائلة إن الولايات المتحدة لم تعد تخوض حرباً منخفضة الكلفة أو مضمونة النتائج، بل انزلقت إلى صراع استنزافي تتسع تداعياته ميدانياً واستراتيجياً.

وفي البعد السياسي الداخلي، اعتبر الحرس الثوري أن اختيار السيد مجتبى خامنئي قائداً جديداً للبلاد، بالتوازي مع الإدارة الفعالة للحرب، شكّل ضربة مباشرة لمساعي ترامب الرامية إلى إسقاط الثورة من الداخل. وأضاف أن الولايات المتحدة فشلت في إحداث انهيار اجتماعي داخل إيران أو دفع الشارع الإيراني إلى الانقلاب على النظام، كما أخفقت في فرض استسلام سريع ومنخفض الكلفة عبر الاغتيالات واستهداف مراكز القرار.

وخلاصة المشهد أن إيران لم تعد تتعامل مع مضيق هرمز بوصفه مجرد ممر ملاحي دولي، بل باعتباره ورقة سيادية وردعية كبرى، ومركز ثقل في إدارة الحرب وفرض شروط النهاية. أما الولايات المتحدة، فبينما تتراجع رواياتها الميدانية تحت ضغط النفي والوقائع، تجد نفسها أمام حقيقة أكثر صلابة: طهران لا تنتظر نهاية تُفرض عليها، بل تعمل على فرض النهاية التي تراها متناسبة مع تضحياتها ومصالحها ومعادلاتها الاستراتيجية.

مستجدات العدوان: إيران تُحكم “قبضة الردع” وتُغرق العدوان “الأمريكي–الصهيوني” في مستنقع الاستنزاف الشامل

صورة لمركز اتصالات الأقمار الصناعية جنوب تل أبيب بعد الهجوم الصاروخي لحزب الله عليه.

في اليوم الحادي عشر من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، اتضح أكثر فأكثر أن معركة الاستنزاف انقلبت على المعتدين أنفسهم، وأن طهران لم تعد تتعامل مع الحرب كجولة رد مؤقت، بل كمسار مفتوح تُدار نهايته من موقع الصمود والردع والسيادة. فمنذ الساعات الأولى، واصلت جبهات المقاومة الضغط على الكيان الصهيوني، حيث سقطت صواريخ حزب الله في كريات شمونة، فيما أكدت التطورات اللاحقة أن الشمال الفلسطيني المحتل بقي تحت النار، مع استمرار صفارات الإنذار في الجليل والمطلة ومسكاف عام وشتولا، وتسجيل إصابات مباشرة في الأراضي المحتلة، إلى جانب حالة هروب وارتباك واسعة بين المستوطنين بمجرد سماع الإنذارات.

في المقابل، رفعت طهران سقف رسائلها السياسية والعسكرية بشكل واضح. قائد القيادة المركزية في مقر خاتم الأنبياء اللواء الطيار علي عبد اللهي أكد أن الوضع لم يعد يسمح لأمريكا والكيان الصهيوني بشن حرب على إيران وإنهائها متى شاءا، مشدداً على أن إرادة القيادة والشعب والقوات المسلحة في الثأر من الأعداء أقوى من أي وقت مضى، وأن على واشنطن وتل أبيب الكف عن تهديد دول غرب آسيا. هذا الموقف وجد صداه لاحقاً في تصريح المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني التي أكدت أن إيران لم تبدأ الحرب لكنها هي من ستنهيها، وأن العدوان يهدف إلى تجزئة إيران ونهب ثرواتها، مضيفة أن طهران تمكنت خلال 24 ساعة فقط من ترميم النقص في الوقود الناتج عن استهداف مستودعات النفط، في رسالة واضحة بأن قدرة الدولة الإيرانية على امتصاص الضربات وإعادة تشغيل بنيتها الحيوية ما زالت عالية.

العدو، في المقابل، بدأ يعترف بصورة غير مباشرة بصعوبة المعركة. صحيفة واشنطن بوست كشفت أن الحرب الأمريكية على إيران استهلكت آلاف صواريخ الدفاع الجوي عالية الكلفة وكميات كبيرة من الذخائر المتطورة، وأن البنتاغون يستهلك مخزونه من الأسلحة الدقيقة بسرعة كبيرة بعد أقل من أسبوع على بدء الضربات الواسعة. ونقلت عن مسؤول أمريكي أن أي حملة طويلة ضد إيران لن تترك ما يكفي من الذخائر لمواجهة تهديدات أخرى، فيما أكد مسؤولون أن وزارة الحرب الأمريكية بدأت السحب من مخزونات صواريخ باتريوت المخصصة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. هذا الاستنزاف العسكري ترافق مع تصدع سياسي داخل المعسكر الأمريكي نفسه، إذ نقلت وول ستريت جورنال أن مستشاري ترامب باتوا يحثونه على إيجاد مخرج للحرب، بينما ذهبت هآرتس الصهيونية إلى حد القول إن ترامب ونتنياهو يكذبان على الجمهور وإن سجلهما ضد إيران سيئ.

ميدانياً، واصلت إيران تثبيت قدرتها الدفاعية والهجومية معاً. حرس الثورة الإسلامية أعلن إسقاط مسيرات معادية من طراز هيرمس 900 في بروجرد وسيروان، كما أسقطت الدفاعات الجوية الإيرانية لاحقاً مسيرتي هيرمس 900 في لرستان وقم، إضافة إلى تدمير طائرة هيرون تي بي قرب طهران وأخرى من الطراز نفسه في محيط محافظة مركزي. وبالتوازي، كشفت الاستخبارات الإيرانية القبض على 30 جاسوساً وعميلاً داخلياً يتبعون للعدو الأمريكي الصهيوني خلال الأيام القليلة الماضية، في تأكيد على أن طهران لا تواجه فقط عدواناً جوياً وصاروخياً، بل أيضاً حرب اختراق وتجسس يجري التعامل معها بفاعلية.

وعلى مستوى الرد الهجومي، أعلنت القوات الإيرانية استهداف مصفاة النفط والغاز وخزانات الوقود الصهيونية في حيفا بالطائرات المسيّرة، رداً على العدوان على مستودعات النفط الإيرانية. كما أكد متحدث مقر خاتم الأنبياء أن الرد الإيراني شمل تدمير مركز اتصالات الأقمار الصناعية “هائلا” جنوب تل أبيب، وهو مركز رئيسي للربط بين القواعد والمقاتلات الإسرائيلية، ضمن الموجة الثالثة والثلاثين، إضافة إلى استهداف قاعدة “حرير” الأمريكية في إقليم كردستان بخمسة صواريخ. ومع حلول المساء، أعلن حرس الثورة انطلاق الموجة الخامسة والثلاثين من عملية “الوعد الصادق 4”، بإطلاق صواريخ استراتيجية من طراز فتاح وعماد وخيبر وقدر باتجاه أهداف في يافا المحتلة وبيت شيمش والقدس المحتلة، إضافة إلى قواعد أمريكية، مؤكداً أن حالة الإنذار المتواصل، والهروب إلى الملاجئ، والتدافع لمحاولة الفرار تعكس الواقع الذي يعيشه الصهاينة والجنود الأمريكيون.

ومن الجبهة اللبنانية، واصلت المقاومة الإسلامية تعميق الضغط على العدو. فإلى جانب سقوط صواريخ حزب الله في كريات شمونة، أعلن الحزب لاحقاً استهداف قاعدة “شمشون” غرب بحيرة طبريا بسرب من المسيّرات الانقضاضية، وقصف تجمعات لجنود العدو في موقع الحمامص المستحدث، وشرق معتقل الخيام، ووادي العصافير جنوب مدينة الخيام، فيما أصاب صاروخ مضاد للدروع دبابة ميركافا كانت محملة على ناقلة، في إشارة إلى أن الجبهة الشمالية لم تعد مجرد جبهة إسناد، بل ساحة استنزاف فعلية للآلة البرية الإسرائيلية. وبالتوازي، واصل الطيران الإسرائيلي ارتكاب الجرائم في لبنان عبر استهداف بيت ليف والعباسية وحاروف وأنصارية والمجادل والضاحية الجنوبية لبيروت، في محاولة يائسة لاحتواء نار المقاومة بالنار على المدنيين والبنية السكنية.

اقتصادياً، بدأت الحرب تكشف كلفتها العالمية المتزايدة. وكالة إنترفاكس نقلت عن الرئيس الروسي أن إنتاج النفط المرتبط بمضيق هرمز قد يتوقف بالكامل في وقت مبكر من الشهر المقبل، فيما أعلنت بلومبرغ أن السعودية والعراق والإمارات والكويت خفضت إنتاج النفط بنحو 6.7 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب ثلث الإنتاج. رئيس أرامكو حذر بدوره من أن العواقب على أسواق النفط العالمية قد تكون كارثية إذا استمر إغلاق ممر هرمز، بينما أكدت الصين أن الأولوية يجب أن تكون للمساعدة في وقف الصراع وأن تصاعد التوتر ليس في مصلحة أي طرف. كما أظهرت مشاهد تكدس السفن بانتظار العبور عبر مضيق هرمز، في وقت قال قائد القوة البحرية لحرس الثورة الأدميرال علي رضا تنكسيري بلهجة لا تحتمل التأويل: لا يحق لأي سفينة مرتبطة بالمعتدين على إيران عبور المضيق، متحدياً الجميع بالاقتراب والتجربة إذا كان لديهم شك.

انعكاسات الحرب لم تتوقف عند النفط فقط، بل امتدت إلى معيشة الدول والأسواق. فقد أعلنت الرابطة الأمريكية للسيارات أن سعر غالون البنزين ارتفع بنسبة 16.4% خلال عشرة أيام فقط من العمليات العسكرية ضد إيران، بينما بدأت شركات الطيران رفع أسعار التذاكر بسبب ارتفاع الوقود، ودعت وزارة التجارة الفيتنامية موظفي الشركات إلى العمل من المنزل توفيراً للوقود في ظل اضطراب الإمدادات. كما رفعت مصر أسعار الوقود بزيادة 3 جنيهات لكل لتر بسبب الظروف الاستثنائية في أسواق الطاقة، وهو ما يعكس أن قرار الحرب على إيران لم يعد عبئاً على جبهات القتال فقط، بل بات ضاغطاً على الاقتصاد العالمي برمته.

في الداخل الصهيوني، تتزايد مؤشرات الخسارة والإنهاك. يديعوت أحرونوت أقرت بمقتل إسرائيلي متأثراً بجروحه إثر القصف الصاروخي على وسط فلسطين المحتلة في اليوم السابق، كما نعت منصات للمستوطنين نجل وزير المالية في حكومة العدو بعد وفاته متأثراً بجراح أصيب بها بنيران حزب الله. وذهب الكيان إلى فرض عقوبة سجن تصل إلى خمس سنوات على أي شخص ينشر صوراً أو مقاطع فيديو لضربات الصواريخ الإيرانية، في محاولة لفرض تعتيم شامل على حجم الدمار والإخفاقات. وفي الوقت نفسه، أعلنت وزارة المالية في حكومة العدو نيتها زيادة ميزانية الدفاع بنحو 13 مليار دولار لتمويل الحرب مع إيران، ما يكشف أن الكيان لم يعد يتحدث عن معركة خاطفة، بل عن حرب استنزاف باهظة الكلفة.

إنسانياً، تستمر حصيلة العدوان في الارتفاع. منظمة الطوارئ في إيران أعلنت أن عدد الشهداء بلغ 1348 شهيداً وأكثر من 17 ألف جريح منذ بدء العدوان الأمريكي الإسرائيلي، فيما أكدت فاطمة مهاجراني أن 193 طفلاً استشهدوا حتى الآن. كما أعلن التلفزيون الإيراني أسماء أربعة دبلوماسيين إيرانيين استشهدوا في العدوان، ما يضيف بعداً سيادياً وقانونياً آخر إلى الجرائم المرتكبة. وفي العراق، أفادت مصادر باستشهاد خمسة وإصابة العشرات جراء استهداف مقر لواء 40 في الحشد الشعبي شمال غرب كركوك، بينما اعترف متحدث جيش العدو بقتل ثلاثة فلسطينيين في شمال غزة بذريعة اجتياز “الخط الأصفر”، في استمرار لمسار الدم المفتوح من إيران إلى العراق ولبنان وفلسطين.

سياسياً، صدر موقف يمني لافت من وزارة الخارجية والمغتربين شدد على أن استهداف إيران للقواعد العسكرية في عدد من الدول العربية يأتي في إطار حقها المشروع في الدفاع عن النفس، وأن من يهدد السلم والأمن الإقليمي والدولي وحرية الملاحة وأمن الطاقة هو العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، محذراً الدول العربية من الانجرار وراء المخطط الأمريكي الإسرائيلي الرامي إلى الزج بها في مواجهة مباشرة مع الجمهورية الإسلامية، وداعياً إلى إعادة النظر في وجود القواعد الأمريكية على أراضيها.

مجمل هذه التطورات يكشف أن اليوم الحادي عشر لم يكن يوماً عادياً في مسار الحرب، بل محطة أظهرت بوضوح أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي دخل مرحلة الإنهاك المركب. فإيران لم تكتفِ بالصمود، بل أثبتت أنها تحتفظ بقدرتها على الضرب العميق، وعلى التحكم بإيقاع الرد، وعلى توسيع كلفة الحرب من القواعد الأمريكية إلى البنى الحيوية في الكيان، ومن أسواق الطاقة إلى الممرات البحرية. وفي المقابل، يتراكم على معسكر العدوان العجز العسكري، والاستنزاف المالي، والاضطراب السياسي، والقلق الاقتصادي العالمي. ومع كل موجة صاروخية جديدة، وكل مسيّرة تُسقطها الدفاعات الإيرانية، وكل صفارة إنذار تدوي في الشمال والوسط الفلسطيني المحتل، يتأكد أن الحرب لم تعد حرب فرض إرادة على إيران، بل حرب سقوط تدريجي لأوهام الهيمنة الأمريكية والصهيونية في غرب آسيا.

اليوم الحادي عشر: طهران تُكذّب أوهام “الحسم الأمريكي” وتوسّع دائرة الرد من “هرمز إلى حيفا وبغداد”

في اليوم الحادي عشر من المواجهة، حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسويق صورة نصرٍ حاسم ومكتمل على الجمهورية الإسلامية، مدّعياً أن واشنطن “قضت على القدرات النووية الإيرانية” و“أنهت البحرية الإيرانية” وقلّصت القدرة الصاروخية إلى 10% وخفّضت إطلاق المسيّرات بنسبة 83%، ومهدداً بأن الحرب لن تتوقف حتى “الهزيمة الكاملة للعدو”.

غير أن هذه الرواية الأميركية بدت، منذ لحظة إطلاقها، أقرب إلى حرب نفسية مضطربة منها إلى توصيفٍ ميداني واقعي، خصوصاً مع تزامنها المباشر مع موجات صاروخية ومسيرات إيرانية متواصلة ضربت قلب الكيان الصهيوني والقواعد الأميركية في المنطقة، ومع اعترافات متلاحقة من داخل معسكر العدوان نفسه بحجم الاستنزاف والخسائر.

الرد الإيراني جاء سريعاً وحاسماً، إذ أكد المتحدث باسم حرس الثورة الإسلامية أن ترامب “يحاول فرض ضغط نفسي على إيران عبر الأكاذيب والخداع”، مشدداً على أن القوات المسلحة الإيرانية تواصل الحرب بكل قوتها وأن إيران هي من ستحدد نهاية الحرب، لا البيت الأبيض. كما أوضح أن الأسطول البحري الأمريكي وحاملة الطائرات “جيرالد فورد” تحت المراقبة في مضيق هرمز، وأن ردود إيران تركت ترامب في حالة ارتباك وعجز بعد أن بدأ الحرب بالكذب على شعبه. وفي الميدان، لم تكتفِ طهران بتفنيد رواية “الانهيار“، بل واصلت تثبيت معادلة الردع بالنار، لتؤكد أن العدوان لم ينجح في شل القدرات الإيرانية، بل دفعها إلى توسيع مسرح العمليات وتعميق كلفة الحرب على المعتدين.

عملياً، كشفت معطيات الساعات الماضية أن إيران واصلت تنفيذ موجات هجومية ثقيلة ضمن عملية “الوعد الصادق 4”، مستخدمة صواريخ ثقيلة ذات رؤوس حربية تزن طناً واحداً، بينها صواريخ “خيبر” العاملة بالوقود الصلب. ووفق المعطيات الميدانية، تعرضت “تل أبيب” لأكثر من 10 صواريخ خيبر خلال إحدى الموجات، فيما استُهدفت القاعدة الخامسة للبحرية الأمريكية وأصابت الصواريخ أهدافها بدقة. كما أعلن التلفزيون الإيراني إطلاق دفعات جديدة من الصواريخ باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، بينما أظهرت مشاهد إطلاق الصواريخ الإيرانية الثقيلة في الموجة الثالثة والثلاثين من العمليات، بما يؤكد أن ما يسميه ترامب “تدميراً للقدرات” لا يجد ما يسنده على الأرض.

وفي السياق نفسه، أعلن مقر خاتم الأنبياء تنفيذ عملية مشتركة بطائرات مسيّرة هجومية وصواريخ كروز استهدفت قاعدة “العُديري” الأميركية في الكويت، مؤكداً إصابة 11 هدفاً عسكرياً مهماً داخل القاعدة، بينها خزانات وقود ومنصات مروحيات ومرافق لوجستية وبنى تحتية، مع رصد انسحاب القوات الأميركية من أجزاء من القاعدة بعد الضربات الدقيقة. كما أعلنت الدفاعات الجوية الإيرانية إسقاط مسيّرتين أمريكيتين من طراز MQ-9 في مدينتي جم وخورموج بمحافظة بوشهر، واعتراض صواريخ كروز في سماء طهران، إضافة إلى إسقاط مسيّرة صهيونية في منطقة برندك.

وفي تطور موازٍ، أفادت تقارير عن استهداف برج في البحرين يتواجد بداخله ضباط أمريكيون، كما أعلنت المقاومة الإسلامية في العراق – سرايا أولياء الدم تنفيذ هجوم بسرب من الطائرات المسيّرة استهدف قاعدة “فكتوريا” الأميركية في مطار بغداد، في تأكيد إضافي على أن القواعد والمنشآت الأمريكية باتت تحت النار من أكثر من جبهة.

أما على جبهة الشمال الفلسطيني المحتل، فقد استمرت المقاومة الإسلامية في لبنان في رفع وتيرة الضغط الناري، حيث أعلنت استهداف قاعدة “تسيبوريت” شرق حيفا بسرب من المسيّرات الانقضاضية، ثم استهداف تجمع جنود وآليات الاحتلال في موقع العبّاد مقابل بلدة حولا بصلية صاروخية، تلاها قصف مغتصبة “مسكاف عام”، ثم تنفيذ ضربات جديدة على الشمال المحتل بالتزامن مع الموجات الإيرانية. وأقرت القناة 12 الصهيونية بأن 30 صاروخاً وصل خلال ساعة ونصف من لبنان وإيران باتجاه الشمال، بينما أشارت وسائل إعلام العدو إلى أن الدفعات الأخيرة وصلت بشكل متزامن من الجبهتين الإيرانية واللبنانية، في مشهد يكشف أن وحدة الساحات لم تعد شعاراً سياسياً فقط، بل باتت واقعاً عملياتياً يربك حسابات العدو ويضاعف الضغط على منظوماته الدفاعية.

وترافقت هذه العمليات مع حالة ذعر واسعة في الداخل الصهيوني، حيث دوّت صفارات الإنذار في حيفا والجليل الأعلى وصفد ومحيطها، وأفادت وسائل إعلام العدو بسماع ما لا يقل عن 10 انفجارات في الشمال، إضافة إلى اختراق طائرات مسيّرة أجواء المنطقة وإصدار توجيهات بالدخول الفوري إلى الملاجئ. كما تحدثت التقارير عن فرار الصهاينة من مطار “بن غوريون”، وهو ما استثمره متحدث مقر خاتم الأنبياء سياسياً ونفسياً، مؤكداً أن هذا المشهد يدل على “حالة البؤس وعجز الكيان الصهيوني”، وموجهاً رسالة مباشرة للمغتصبين بأن “النيران الكثيفة ستظل تمطر فوق رؤوسكم باستمرار” وأن الخناق سيضيق أكثر حتى يصبح الهروب إلى الملاجئ عادة يومية.

وفي موازاة التطورات الميدانية، اتخذ الموقف السياسي الإيراني منحى أكثر صراحة وحسماً. فقد أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أنه “لا يعتقد أن الحوار مع الأمريكيين سيبقى مطروحاً على جدول الأعمال”، في إشارة واضحة إلى أن استمرار العدوان الأمريكي–الصهيوني يقوّض ما تبقى من جدوى المسار التفاوضي. كما شكر القيادة المركزية للجيش الأميركي على اعترافها باستخدام أراضي بعض الجيران لإطلاق صواريخ قصيرة المدى ضد الشعب الإيراني، مضيفاً أن الهجوم على محطة تحلية المياه في قشم يبدو أنه نُفذ أيضاً باستخدام أراضي الجوار، ومؤكداً أن “إذا قامت صواريخنا القوية بتدمير هذه المنظومات أينما وجدت رداً على ذلك فلا ينبغي لأحد أن يشتكي”.

هذه الرسالة اكتسبت بعداً استراتيجياً إضافياً مع تصريح رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بأن وجود القواعد الأمريكية في المنطقة هو السبب في غياب السلام، وأن العدوان على محطة تحلية المياه في قشم تم بدعم من قاعدة جوية في إحدى دول الجوار، ما يعني أن إيران باتت تتعامل مع المنصات الإقليمية للعدوان كأهداف مشروعة إذا ثبت انخراطها المباشر.

وفي الوقت ذاته، حرصت طهران على الفصل بين الدول الجارة وبين المنصات العسكرية المستخدمة ضدها، مؤكدة أن عملياتها لا تستهدف سيادة الدول بل الأدوات التي تحولت إلى رؤوس حربة للعدوان الأمريكي–الصهيوني. وهذا ما أعاد التأكيد عليه خطاب حرس الثورة، الذي شدد على أن القوات المسلحة الإيرانية على أهبة الاستعداد لحماية النفط وأمن المنطقة، بما ينسف السردية الأمريكية التي تحاول تصوير إيران كتهديد شامل للممرات الإقليمية، بينما الوقائع الميدانية تظهر أن واشنطن هي من وسعت الحرب ودفعت المنطقة كلها نحو حافة الاشتعال.

وعلى الجانب الأمريكي، بدأت مؤشرات الإنهاك تظهر بشكل أوضح. فقد نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين أن وزارة الحرب أهدرت ذخائر بقيمة 5.6 مليار دولار خلال أول يومين فقط من الهجوم على إيران، وهي أرقام تكشف الحجم المهول للاستنزاف في مواجهة خصم لم يُكسر ولم يتراجع. كما أن خطاب ترامب نفسه، رغم نبرته المتغطرسة، حمل تناقضاً واضحاً؛ فهو يعلن من جهة أنه “سحق إيران تماماً” وأن الحرب أوشكت على النهاية، ثم يعود ليقول إنه “حقق انتصارات كثيرة ولكنها غير كافية”، وأنه “لن يتوقف حتى الهزيمة الكاملة للعدو”، مع إبقاء خيار تدمير محطات الكهرباء والبنية التحتية كمرحلة لاحقة إذا لزم الأمر. هذا التناقض يكشف أن ما يجري ليس خطاب قوة واثقة، بل محاولة تعويض الفشل العملياتي بتصعيدٍ لفظي يهيئ الرأي العام الأميركي لمزيد من التورط.

في المقابل، أظهرت جبهات المقاومة المساندة أن العدوان على إيران بات يُقرأ في المنطقة باعتباره مشروع إخضاع شامل للأمة. فقد اعتبر الأمين العام لحزب العمل التونسي حمّة الهمامي أن العدوان يستهدف إخضاع الأمة والهيمنة عليها استكمالاً للمخطط الأميركي–الإسرائيلي، داعياً القوى التحررية إلى الوقوف إلى جانب إيران وحزب الله لإفشال هذا المشروع. كما أن تزامن الصواريخ الإيرانية واللبنانية فوق شمال فلسطين المحتلة، وتوسع دائرة استهداف القواعد الأميركية من الكويت إلى بغداد وربما البحرين، يثبت أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة ثنائية، بل اشتباك إقليمي متعدد الجبهات يتقدم فيه محور المقاومة من موقع الفعل لا رد الفعل.

والخلاصة أن الليلة العاشرة – الحادية عشرة من الحرب كشفت بوضوح أن خطاب النصر الأمريكي لا يصمد أمام وقائع الميدان. فإيران لم تُسحق، ولم تُشل، ولم تتراجع إلى موقع الدفاع السلبي، بل واصلت إطلاق الصواريخ الثقيلة، وأسقطت المسيّرات المعادية، وضربت القواعد الأميركية، وأبقت الداخل الصهيوني في حالة استنزاف دائم. أما الكيان الصهيوني، فبات يواجه قصفاً متزامناً من إيران ولبنان، واضطراباً متزايداً في جبهته الداخلية، فيما تزداد كلفة العدوان على واشنطن مالياً وعسكرياً وسياسياً. وهكذا، فإن ما أراده ترامب “حرباً قصيرة للحسم” يتحول أكثر فأكثر إلى حرب استنزاف مفتوحة، تكتب فيها طهران معادلتها بوضوح: إيران لا تستجدي نهاية الحرب، بل تفرض شروطها عليها بالنار والسيادة والثبات.

السيد مجتبى خامنئي.. القائد الثالث للجمهورية الإسلامية الإيرانية وامتداد نهج الثورة

السيد مجتبى خامنئي

يُعدّ السيد مجتبى خامنئي من الشخصيات الدينية والسياسية البارزة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد برز اسمه في المرحلة الحساسة التي أعقبت استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي، ليُنتخب قائدًا ثالثًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية بقرار صادر عن مجلس خبراء القيادة، في خطوة عكست تماسك مؤسسات النظام الإسلامي وقدرته على إدارة أخطر اللحظات بثبات وحسم.

وُلد السيد مجتبى خامنئي في 7 سبتمبر/أيلول 1969 بمدينة مشهد شمال شرقي إيران، ونشأ في بيت علم وجهاد، في مرحلة كانت إيران تعيش فيها مخاض المواجهة مع نظام الشاه، وكان والده في قلب الحراك الإسلامي الثوري الذي مهّد لانتصار الثورة الإسلامية. ومنذ سنواته الأولى، تكوّنت شخصيته في بيئة دينية وسياسية مشبعة بقيم الثبات، والاستقلال، ومقارعة الهيمنة.

بعد إنهائه دراسته الثانوية، التحق السيد مجتبى بالحوزة العلمية في مدينة قم، أحد أهم مراكز العلوم الدينية في العالم الإسلامي الشيعي، حيث تلقى علومه على أيدي عدد من كبار العلماء، وتدرّج في دراسة الفقه والعلوم الإسلامية ضمن المسار الحوزوي التقليدي، حتى نال مرتبة آية الله. وتؤكد مصادر إيرانية أنه واصل نشاطه العلمي والتدريسي في الحوزة، بما يعكس حضوره الجاد في الحقل الديني والعلمي، إلى جانب مكانته المعنوية داخل الأوساط الثورية.

وفي الجانب العملي، ارتبط اسم السيد مجتبى مبكرًا بروح التضحية والدفاع عن الوطن، إذ شارك في شبابه في الحرب العراقية الإيرانية، في تجربة صقلت وعيه المبكر بطبيعة الصراع مع قوى العدوان، ورسخت في شخصيته معاني الصبر، والانضباط، والالتزام بخط الثورة. كما ظل حاضرًا، خلال العقود اللاحقة، في المشهد العام الإيراني بوصفه شخصية قريبة من دوائر القرار والثورة، ومواكبة للتحولات الكبرى التي مرت بها البلاد.

ومع استشهاد الإمام السيد “علي الخامنئي” في العدوان الأمريكي الإسرائيلي، برز السيد “مجتبى خامنئي” بوصفه خيارًا طبيعيًا لامتداد خط القيادة الثورية، ليس فقط لما يمثله من انتماء إلى مدرسة الإمام الخميني والإمام الخامنئي، بل لما يتمتع به من معرفة عميقة بأوضاع البلاد، وإدراك لطبيعة التحديات، وخبرة متراكمة في أجواء الثورة والدولة والمواجهة. ولهذا جاء انتخابه من قبل مجلس خبراء القيادة ليؤكد أن الجمهورية الإسلامية لم تدخل فراغًا سياسيًا أو اضطرابًا بنيويًا، بل انتقلت بسرعة وثقة إلى مرحلة جديدة من الثبات المؤسسي والقيادي.

وقد عكس هذا الانتخاب رسالة واضحة إلى الداخل والخارج، مفادها أن إيران الثورة ليست دولة أشخاص بقدر ما هي دولة مؤسسات ونهج وعقيدة سياسية راسخة، وأن العدوان الذي استهدف رأس النظام لم يتمكن من كسر الإرادة الوطنية أو إرباك بنية القيادة. بل على العكس، جاء اختيار السيد “مجتبى خامنئي” ليجسد استمرارية النهج الإسلامي الثوري، ويعزز الثقة بقدرة الدولة الإيرانية على مواصلة المواجهة وحماية السيادة الوطنية.

ويمثل السيد “مجتبى خامنئي”، في نظر قطاعات واسعة داخل إيران، امتدادًا لمدرسة القيادة الجهادية والسياسية التي أرستها الثورة الإسلامية منذ انتصارها، بما تحمله من تمسك بالاستقلال، ورفض للهيمنة، ودفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. كما ينظر إليه باعتباره شخصية نشأت في قلب التجربة الثورية، وعاشت مراحلها المختلفة، من سنوات المواجهة والتأسيس إلى سنوات التحدي والحصار والعدوان.

وفي هذه اللحظة المفصلية، يأتي حضوره في قيادة الجمهورية الإسلامية باعتباره عنوانًا للوحدة والثبات واستمرار المسار، في وقت تخوض فيه إيران معركة مفتوحة دفاعًا عن سيادتها وكرامتها وحقها في تقرير مصيرها بعيدًا عن الإملاءات الأمريكية والصهيونية. وبذلك، فإن انتخاب “السيد مجتبى خامنئي” لا يُقرأ فقط كإجراء دستوري، بل كحدث سياسي–تاريخي يؤكد أن الجمهورية الإسلامية قادرة على تجديد قيادتها من داخل بنيتها الثورية نفسها، ومواصلة طريقها بثقة وصلابة.

اليوم العاشر من العدوان: إيران تُحكم القبضة على مسار المعركة وتُغرق “القواعد الأمريكية والعمق الإسرائيلي” تحت وابل النار الثقيلة

في اليوم العاشر من الحرب، اتجه المشهد العام إلى تثبيت حقيقة أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي لم ينجح في شلّ بنية القرار الإيراني ولا في تفكيك منظومة القيادة والسيطرة، بل دفع طهران إلى الانتقال نحو مرحلة أشد تنظيمًا في إدارة الحرب، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. فقد افتتح هذا اليوم بإعلان مجلس خبراء القيادة تعيين السيد مجتبى خامنئي قائدًا جديدًا للبلاد، في خطوة سريعة هدفت إلى قطع الطريق على رهانات الفراغ والاضطراب بعد اغتيال القائد السابق، وترافقت مع مبايعات متتالية من هيئة الأركان، الحرس الثوري، وزارة الدفاع، وزارة الاستخبارات، ومجلس الدفاع الإيراني، إلى جانب تظاهرات واحتفالات في المدن الإيرانية دعماً للقيادة الجديدة، ورسائل سياسية داخلية وخارجية تؤكد أن مؤسسات الدولة واصلت عملها تحت النار، وأن مسار القيادة لم ينكسر رغم ظروف الحرب.

عسكريًا، اتسم اليوم العاشر بوضوح انتقال إيران إلى تكثيف الضغط الصاروخي والمسيّر على نحو أكثر اتساعًا وتدميرًا. فقد أعلن الحرس الثوري تنفيذ الموجات 30 و31 و32 من عملية “الوعد الصادق 4”، مستخدمًا صواريخ خرمشهر وفتح وخيبر وقدر وعماد، إلى جانب المسيّرات الاستراتيجية، ومؤكدًا أن الضربات استهدفت قواعد أمريكية في المنطقة وشمال ووسط الأراضي المحتلة. كما شدد قادة القوة الجوفضائية على أن الرؤوس الحربية من الآن فصاعدًا لن تقل عن طن واحد، وأن كثافة الرشقات واتساعها سيتزايدان في الساعات والأيام التالية.

وفي عمق العدو الإسرائيلي، تحدثت وسائل إعلام العدو عن ليلة نارية في الوسط، ووصفت بعض الرشقات بأنها “مطر من الصواريخ”، مع سقوط صواريخ انشطارية على تل أبيب وبيت يام واللد وريشون لتسيون وأور يهودا، وإصابة ستة مواقع في الوسط، وانقطاع واسع للتيار الكهربائي في ضواحي تل أبيب، إلى جانب قتيلين وعدة إصابات وجروح خطيرة، بينما أقر إسعاف العدو بأنه تعامل خلال اليوم مع 41 مصابًا بعضهم نتيجة الشظايا والبقية نتيجة التدافع إلى الملاجئ.

ومن الناحية التقنية، عززت إيران في هذا اليوم خطابها القائم على أنها نجحت في تقويض شبكة الرادارات والإنذار الأمريكية التي كانت تمثل العمود الفقري للدرع الصاروخي في المنطقة. فقد تحدثت البيانات الإيرانية عن تدمير أربع رادارات متطورة للغاية تابعة لمنظومة “ثاد” خلال الساعات الماضية في الربة والرويس والخرج والأزرق، وأكدت أن هذه الرادارات كانت تزود شبكة الدفاع الأمريكية والإسرائيلية بالمعلومات اللحظية.  كما أشارت تصريحات الحرس إلى أن تدمير هذه المنظومات جعل إصابة الأهداف أسهل وأدق، وهو ما يتطابق مع تذمر الإعلام الإسرائيلي من تقلص وقت الإنذار وتزايد صعوبة اعتراض الموجات الجديدة. كما أعلنت طهران استهداف رادار تجسس قرب الحدود الغربية بطائرة انتحارية، واستهداف محطة رادار إنذار مبكر تابعة للقاعدة الأمريكية 512 في الكيان، مع استمرار إسقاط المسيّرات المعادية داخل الأجواء الإيرانية، إذ أُعلن عن إسقاط MQ-9 إضافية ومسيّرات هيرمس 900 في بوشهر وطهران ومحافظة مركزي وخوزستان ورباط كريم، فيما نقلت CBS أن الجيش الأمريكي فقد 11 طائرة MQ-9 منذ بداية الحرب.

على جبهة القواعد الأمريكية، بدا أن إيران واصلت منهج استنزاف البنية العسكرية الأمريكية في الخليج وما حوله. فقد أعلن الجيش الإيراني استهداف مراكز وقواعد أمريكية في الكويت بالمسيّرات، كما تحدّث الحرس عن ضرب خمس قواعد أمريكية استراتيجية في المنطقة بصواريخ قدر وخرمشهر وخيبرشكن، بالإضافة إلى استهداف الأسطول الخامس وقواعد مرتبطة بالتمركز الأمريكي. وذكرت التقارير أن العمليات الإيرانية شملت قاعدة مروحيات أمريكية في “العديدري” بالكويت، حيث قيل إن الصواريخ دمرت مراكز تجهيز وإصلاح المروحيات وخزانات الوقود ومبنى القيادة. وفي الإطار نفسه، استهدفت المقاومة العراقية القواعد الأمريكية عبر 26 عملية خلال أربع وعشرين ساعة، واستخدمت عشرات المسيّرات والصواريخ، فيما وردت أنباء عن هجوم قرب أربيل وسقوط طائرة مسيّرة جنوب بغداد. وتظهر هذه التطورات أن واشنطن لم تعد تواجه صواريخ إيران فقط، بل مسارح نار متعددة من الخليج إلى العراق.

وفي لبنان، تواصلت الجبهة الشمالية للاحتلال على إيقاع نار كثيف ومتزامن. فقد أعلن حزب الله تنفيذ 18 عملية نوعية خلال 24 ساعة، استهدفت تجمعات وقوات ومواقع وقواعد للعدو، من مركبا ورب الثلاثين والعديسة وعيترون والبغدادي إلى كريات شمونة ومرغليوت ونهاريا، وصولًا إلى أهداف أعمق مثل قاعدة الرملة، وقاعدة حيفا البحرية، وقاعدة زائيف للدفاع الجوي، ومحطة الأقمار الصناعية التابعة لشركة SES في بيت شيمش، ومحطة الاتصالات الفضائية التابعة لشعبة الاتصالات والدفاع السيبراني في وادي إيلا. كما أعلنت المقاومة رصد 15 مروحية إسرائيلية حاولت تنفيذ إنزال في منطقة النبي شيت عبر سهل سرغايا السوري الحدودي، مؤكدة أن مقاتليها تصدوا للقوة المتقدمة وللمروحيات، فيما اعترف العدو بسقوط قتلى في جنوب لبنان وإصابات مباشرة في صفوف قواته. وفي المقابل، صعّد الاحتلال غاراته على الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات الجنوب، ما أسفر عن شهداء وجرحى في الغازية وطيردبا وجويا وصور وغيرها، إلى جانب استهداف المسعفين والمناطق المدنية.

اقتصاديًا، كان اليوم العاشر يوم الانفجار الأكبر في أسواق الطاقة. فقد تجاوز خام برنت 108 دولارات أولاً، ثم 114 دولارًا، ثم 118 دولارًا للبرميل وفق تحديثات الأسواق، بعدما كان قرب 70 دولارًا قبل العدوان، أي بزيادة تقارب 69%. كما ارتفعت أسعار خام غرب تكساس بأكثر من 25%، فيما حذرت فايننشال تايمز من أن السوق يستعد لسيناريو 100 دولار وما فوق، وذهبت وول ستريت جورنال إلى أن بلوغ 215 دولارًا لم يعد مستبعدًا في أسوأ السيناريوهات.

كما نقلت الصحف الاقتصادية أن الحرب على إيران أوجدت أكبر اضطراب في قطاع النفط في التاريخ، ورفعت أسعار الغاز في أوروبا بنحو 30%، ودَفعت مجموعة السبع إلى البحث في الإفراج المشترك عن نفط من الاحتياطيات الطارئة. وفي الولايات المتحدة نفسها، حاول ترامب ومسؤولوه تهدئة المخاوف من أسعار الوقود، بينما أقرت CNN أن سبب الارتفاع هو مشكلة عبور وشحن عبر مضيق هرمز، وأشارت تقديرات دولية إلى أن استمرار هذه الأسعار سيضغط على التضخم الأمريكي والنمو العالمي بشدة.**

سياسيًا، رسّخ هذا اليوم الانطباع بأن الرهان الأمريكي الإسرائيلي على انهيار النظام الإيراني أو خروج الشارع ضده قد فشل. فقد أكدت الإيكونوميست أن الإيرانيين لم يتأثروا بدعوات ترامب إلى “الاستسلام غير المشروط” أو بالمشاركة في اختيار القائد القادم، وأنه لا توجد أي مؤشرات على انتفاضة شعبية. كما رأت فايننشال تايمز ووول ستريت جورنال أن إعلان مجتبى خامنئي قائدًا جديدًا، في ذروة الحرب، يمثل تحديًا مباشرًا لترامب ودليلًا على أن إيران لن تتراجع، بل ستواصل مسيرة المقاومة وتماسك مؤسساتها. وظهرت تهاني ودعم خارجي من بوتين، ومواقف صينية تؤكد أن اختيار القيادة شأن إيراني دستوري، وأن الحرب ما كان ينبغي أن تقع أصلًا. كما صدرت مواقف من اليمن تؤكد أن اختيار القائد الجديد صفعة لقوى العدوان ورسالة بأن رهان إسقاط إيران سقط كليًا.

في المقابل، شددت طهران على أن الحرب لم تعد بالنسبة لها مجرد رد على ضربة عسكرية، بل معركة على السيادة والكرامة والموارد. فقد أكد عباس عراقجي أن إيران لن تستسلم أبدًا، وأنها تدافع عن أرضها وشعبها وكرامتها، وأن الكرامة غير قابلة للتفاوض، كما حذر من أن الولايات المتحدة تخطط لاستهداف المواقع النفطية والنووية الإيرانية لاحتواء الصدمة التضخمية العالمية، مضيفًا أن لدى إيران الكثير من المفاجآت. كما قالت الخارجية الإيرانية إن إيران مقبرة للمعتدين، وإن الهدف الحقيقي للعدوان هو نهب موارد إيران النفطية، بينما أوضح إسماعيل بقائي أن تصريحات ليندسي غراهام حول تقاسم نفط إيران وفنزويلا كشفت بصراحة أن القضية هي النفط لا الديمقراطية، وأن واشنطن تستخدم المياه الإقليمية والمجال الجوي للدول المجاورة لشن العدوان، بما يعرّض الأمن الإقليمي للخطر.

وعسكريًا أيضًا، كشفت إيران في هذا اليوم عن تصعيد نوعي في المواصفات، لا في الكم فقط. فقد أكدت مصادرها أن الهجوم السابق كان الأكبر منذ بداية الحرب، وأنه استُخدمت فيه لأول مرة كمية كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى برؤوس تفوق الطن وبسرعة 17 ماخ، وهي سرعة قالت طهران إنها جعلت الأعداء عاجزين عن رصدها قبل إصابة أهدافها. وإلى جانب ذلك، أعلن حرس الثورة أن الأيام المقبلة ستشهد اتساع نطاق العمليات أكثر، فيما خاطب المستوطنين بأن الإنذار المتواصل والظروف الصعبة لن تنتهي وأن وابل النار سيستمر.

في المحصلة، أظهر اليوم العاشر أن الحرب انتقلت من طور “الضغط لإخضاع إيران” إلى طور “صراع الإرادات المفتوح” الذي تتزايد فيه كلفة العدوان على واشنطن وتل أبيب يومًا بعد آخر. فإيران نجحت في تثبيت القيادة الجديدة بسرعة، وقطع رهانات الفراغ، وتوسيع الجبهة الصاروخية، وتعميق إصابة العمق الإسرائيلي، واستنزاف القواعد الأمريكية، وفرض هزة نفطية عالمية، والحفاظ على التماسك الداخلي. وفي المقابل، بدا العدو غارقًا في حرب طويلة تتسع نيرانها من تل أبيب وحيفا إلى الجليل والحدود اللبنانية والخليج ومضيق هرمز، وسط تزايد الخسائر، وتآكل هيبة الردع، وتصاعد الضغط الاقتصادي العالمي. اليوم العاشر، بهذا المعنى، لم يكن مجرد استمرار للمواجهة، بل يوم تثبيت المعادلة الجديدة: القيادة الإيرانية استقرت، والردع المعادي يتآكل، والحرب تتحول تدريجيًا إلى عبء استراتيجي ثقيل على من بدأها.

إيران تُعلن تعيين “مجتبى خامنئي” قائداً جديداً وتفتتح مرحلة جديدة من “الوعد الصادق 4” تحت قيادة ميدانية وسياسية موحدة

أعلن مجلس خبراء القيادة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فجر اليوم الإثنين، تعيين السيد مجتبى خامنئي قائداً جديداً للجمهورية الإسلامية، في خطوة وُصفت داخل إيران بأنها حسم سريع لملف القيادة وإغلاق لباب الرهانات الأمريكية–الإسرائيلية على إحداث فراغ سياسي أو اضطراب في بنية النظام بعد اغتيال الإمام السيد علي الخامنئي.

وأوضح بيان المجلس أن القرار جاء بعد مداولات واسعة ودراسات دقيقة، وأن أعضاء المجلس صوّتوا بأغلبية حاسمة لصالح تعيين السيد مجتبى خامنئي قائداً ثالثاً للجمهورية الإسلامية. وتزامن الإعلان مع تأكيد رسمي على مواصلة نهج الثورة والثبات في مواجهة العدوان الأمريكي–الإسرائيلي، إلى جانب تجديد التعزية باستشهاد الإمام الخامنئي والقادة العسكريين وعدد من المدنيين، وبينهم ضحايا مدرسة الشجرة الطيبة في ميناب.

وعقب إعلان القرار، شهدت مدن إيرانية عدة مسيرات جماهيرية واسعة أعلنت البيعة للقيادة الجديدة، في مشهد أرادت طهران من خلاله توجيه رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل، ومفادها أن الانتقال القيادي تم بسرعة ومن دون ارتباك، والثانية إلى الخارج، وتحديدًا إلى واشنطن وتل أبيب، بأن رهان إسقاط النظام عبر الاغتيال أو الفوضى قد سقط.

وفي السياق نفسه، أعلنت مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية اصطفافها الكامل خلف القيادة الجديدة. فقد أكد الحرس الثوري الإيراني دعمه لقرار مجلس خبراء القيادة، معلنًا الطاعة الكاملة والاستعداد للتضحية دفاعًا عن الجمهورية الإسلامية وتنفيذًا لتوجيهات القائد الجديد. كما شددت هيئة الأركان الإيرانية على أنها ستواصل، تحت إمرة السيد مجتبى خامنئي، جعل الولايات المتحدة وسائر الأعداء “يندمون” على أي عدوان، فيما أعلنت القوات المسلحة وقيادة الشرطة الولاء والاستعداد الكامل لتنفيذ الأوامر والتعليمات الصادرة عن القيادة الجديدة.

سياسيًا، اعتبر رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أن انتخاب السيد مجتبى خامنئي بدد آخر آمال أعداء إيران في استثمار مرحلة ما بعد الاغتيال لإضعاف النظام، واصفًا القائد الجديد بأنه “أمين، ثوري، شعبي، شجاع، ومدرك لطبيعة المرحلة وأعداء إيران”، داعيًا إلى تعزيز الوحدة الداخلية لحماية مبادئ الثورة وتعظيم قوة الدولة.

ميدانيًا، لم يفصل الإيرانيون بين تثبيت القيادة واستمرار الحرب، إذ أعلن التلفزيون الإيراني انطلاق موجة صاروخية جديدة وصفها بأنها الأولى تحت قيادة السيد مجتبى خامنئي، فيما أكد حرس الثورة الإسلامية بدء الموجة التاسعة والعشرين من عملية “الوعد الصادق 4” باستخدام صواريخ الجيل الجديد التابعة للقوة الجوفضائية. ووفق البيانات الإيرانية، استهدفت هذه الموجة تل أبيب، وصحراء النقب، وقاعدة جوية أمريكية في المنطقة، تحت شعار “يا علي بن أبي طالب”، في رسالة تعكس المزج بين البعد التعبوي والرد العسكري المباشر.

وتفيد القراءة السياسية والعسكرية لهذا التطور بأن طهران أرادت ربط شرعية القيادة الجديدة مباشرة بـاستمرارية القتال، بما يمنح انتقال السلطة طابعًا تعبويًا لا بروتوكوليًا فقط، ويؤكد أن المؤسسة الإيرانية لم تدخل مرحلة دفاع مرتبك، بل انتقلت إلى مرحلة قيادة موحدة لحرب مفتوحة.

وفي موازاة ذلك، واصل حزب الله لليوم السابع على التوالي عملياته ضد مواقع وتجمعات الاحتلال في الأراضي المحتلة، عبر الصليات الصاروخية والقذائف المدفعية والطائرات المسيّرة، في حين استمرت فصائل المقاومة العراقية والحشد الشعبي في استهداف القواعد الأمريكية في العراق والمنطقة لليوم الثامن على التوالي، ما يعكس بوضوح أن الحرب لم تعد محصورة بين إيران والكيان الإسرائيلي فقط، بل تحولت إلى مواجهة إقليمية مترابطة الجبهات.

وبذلك، فإن تعيين السيد مجتبى خامنئي لا يظهر بوصفه حدثًا داخليًا منفصلًا، بل كجزء من إعادة تثبيت مركز القرار الإيراني في قلب الحرب، وإعلان أن الجمهورية الإسلامية انتقلت من مرحلة امتصاص الصدمة إلى مرحلة إعادة إنتاج القيادة وتوسيع النار في وقت واحد. وفي الحسابات الاستراتيجية، تبدو هذه الخطوة ضربة سياسية مباشرة لمحاولة العدو إسقاط النظام من أعلى، فيما تتولى صواريخ “الوعد الصادق 4” توجيه الرسالة العسكرية المقابلة: القيادة استقرت، والقرار مستمر، والحرب لم تُكسر بل انتقلت إلى طور أشدّ اتساعًا وحسمًا.

اليوم الثامن من المواجهة: إيران تكسر هيبة الردع الأمريكي–الإسرائيلي وتحوّل الخليج وفلسطين المحتلة إلى ساحات استنزاف مفتوحة وسط تصاعد الانهيار الاقتصادي والأمني في معسكر العدوان

الوعد الصادق 4

في اليوم الثامن من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، اتسعت رقعة المواجهة بشكل غير مسبوق لتشمل جبهات متعددة من الخليج إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة مرورًا بلبنان والعراق، في مشهد عسكري وسياسي يعكس انتقال المعركة إلى مرحلة استنزاف واسعة للوجود الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة. وعلى الرغم من استمرار الغارات الأمريكية والصهيونية على المدن والمنشآت المدنية داخل إيران، فإن مسار العمليات خلال هذا اليوم أظهر بوضوح أن الرد الإيراني ومحور المقاومة نجحا في فرض معادلة اشتباك جديدة نقلت المعركة إلى عمق الكيان الإسرائيلي والقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

ميدانيًا، واصلت إيران تنفيذ موجات متتالية من الضربات ضمن عملية “وعد صادق 4” حيث أعلن الحرس الثوري تنفيذ الموجة السادسة والعشرين والسابعة والعشرين من العمليات المركبة باستخدام صواريخ باليستية دقيقة التوجيه وطائرات مسيّرة هجومية استهدفت مواقع عسكرية واستراتيجية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأكدت البيانات العسكرية استخدام الجيل الجديد من صواريخ “عماد” و“قدر” وصواريخ “خيبر” متعددة الرؤوس الحربية، فيما تحدثت وسائل إعلام العدو عن سقوط صواريخ ثقيلة وانشطارية في تل أبيب ونتانيا وحيفا مع دوي صفارات الإنذار في معظم المدن الشمالية والوسطى. كما أعلن الجيش الإيراني تنفيذ هجمات واسعة بالطائرات المسيّرة على حيفا وتل أبيب مؤكداً استمرار العمليات حتى تحقيق أهدافها العسكرية.

وفي موازاة الضربات الصاروخية، أشارت تقارير إيرانية إلى أن تدمير عدد من الرادارات ومنظومات الإنذار المبكر المعادية في الموجات السابقة أدى إلى تسهيل إصابة الأهداف داخل الأراضي المحتلة، الأمر الذي انعكس في ارتفاع عدد الضربات الدقيقة التي طالت مواقع عسكرية ومراكز قيادة للعدو. كما أعلنت القوات الإيرانية إسقاط طائرة استطلاع صهيونية من طراز “هرمس” في محافظة همدان في مؤشر إضافي على قدرة الدفاعات الجوية الإيرانية على مواجهة التفوق الجوي المعادي.

في الجبهة اللبنانية، شهدت المعركة تصعيدًا لافتًا مع اندلاع اشتباكات واسعة في البقاع اللبناني وبلدة النبي شيت بعد محاولة إنزال نفذتها قوات الاحتلال بواسطة أربع مروحيات عسكرية، حيث اشتبكت قوات المقاومة الإسلامية والأهالي مع القوة المتسللة قبل أن يلجأ العدو إلى تنفيذ عشرات الغارات الجوية لتغطية انسحاب قواته. وأسفرت الغارات الإسرائيلية على النبي شيت والبلدات المجاورة عن 41 شهيدًا و40 جريحًا بينهم أطفال ونساء، فيما أعلن الجيش اللبناني استشهاد ثلاثة عسكريين نتيجة القصف. في المقابل، نفذت المقاومة اللبنانية سلسلة عمليات نوعية استهدفت مواقع وتجمعات عسكرية للعدو، حيث جرى قصف قاعدة دادو مقر قيادة المنطقة الشمالية لجيش الاحتلال، وقاعدة عين زيتيم قرب صفد، وموقع بلاط المستحدث، وتجمعات آليات في كفركلا وبوابة فاطمة إضافة إلى إطلاق صواريخ كورنيت وصليات صاروخية مكثفة باتجاه الجليل الأعلى.

كما توسعت عمليات المقاومة لتشمل ضربات بعيدة المدى، حيث أعلنت استهداف مدينة نهاريا المحتلة بسرب من الطائرات المسيّرة الانقضاضية، إضافة إلى قصف قاعدة تل هشومير شرق تل أبيب بصاروخ نوعي بعيد المدى، الأمر الذي أكد دخول الجبهة اللبنانية مرحلة جديدة من التصعيد العسكري. وأقرت وسائل إعلام العدو بأن حيفا تعرضت لأوسع قصف صاروخي من لبنان منذ بداية المواجهة مع استمرار دوي صفارات الإنذار في الجليل وصفد والمطلة وكريات شمونة.

وفي البحر والخليج، واصلت إيران توجيه ضربات إلى المصالح الأمريكية والمنشآت العسكرية المرتبطة بها، حيث أعلنت قيادة مقر خاتم الأنبياء المركزي سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف القوات الأمريكية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية بينهم عناصر من الأسطول الخامس، إضافة إلى وقوع نحو 200 قتيل وجريح في قاعدة الظفرة الأمريكية. كما أعلنت القوات البحرية للحرس الثوري استهداف ناقلة النفط Louise P في الخليج بطائرة مسيّرة، بينما أفادت تقارير بوقوع حادث أمني قرب ميناء الجبيل السعودي. وفي السياق ذاته أعلنت القوات الإيرانية استهداف وحدة قيادة الأسطول الخامس الأمريكي وملاجئ الدعم العسكري في ميناء سلمان، إضافة إلى ضرب مواقع عسكرية أمريكية قرب منشآت مدنية في المنطقة.

كما كشفت تقارير ملاحية دولية عن أن نحو مئة سفينة حاويات أصبحت عالقة في مياه الخليج وغير قادرة على المغادرة بسبب المخاطر الأمنية، في مؤشر واضح على التأثير المباشر للحرب على حركة الملاحة العالمية في مضيق هرمز. وتزامن ذلك مع تصاعد الأزمة الاقتصادية العالمية المرتبطة بالحرب، حيث ارتفع سعر خام برنت من 70 دولارًا قبل العدوان إلى نحو 93 دولارًا للبرميل بزيادة بلغت 33%، فيما أعلنت شبكة CNBC ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنسبة 8.5% خلال ثلاثة أيام مع تزايد القلق في الأسواق المالية الأمريكية.

في الداخل الإيراني نفسه، لم تظهر مؤشرات الانهيار التي بشّرت بها واشنطن وتل أبيب، بل على العكس، تواصلت التظاهرات والفعاليات الشعبية المؤيدة للدولة والقوات المسلحة في طهران وكرمانشاه وبوشهر وغيرها، في موازاة ارتفاع منسوب التعبئة الوطنية بعد استهداف المدنيين والبنية التحتية. كما اكتسبت الرواية الإيرانية زخمًا إضافيًا مع تزايد التقارير الدولية التي تتحدث عن ضرب مدارس ومنشآت صحية ومدنية، ومع بروز انتقادات متصاعدة داخل الغرب نفسه للعدوان وتداعياته القانونية والإنسانية والاقتصادية.

على المستوى الإنساني، تواصلت الغارات الأمريكية والإسرائيلية على المدن الإيرانية، حيث أعلنت محافظة أصفهان استشهاد ثمانية مدنيين في غارات استهدفت عدة مدن، بينما كشفت وزارة التربية والتعليم الإيرانية عن استشهاد 192 طالبًا ومعلمًا وإصابة 154 آخرين نتيجة استهداف المدارس والمنشآت التعليمية، إضافة إلى تضرر 66 مدرسة في مختلف أنحاء البلاد. كما اتهمت وزارة الخارجية الإيرانية الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب عبر استهداف البنية التحتية المدنية ومنها محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم مما أثر على إمدادات المياه في عشرات القرى.

سياسيًا، أكدت القيادة الإيرانية أن عملياتها العسكرية موجهة حصراً ضد القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية التي انطلقت منها الهجمات ضد إيران، مشددة على أن طهران لم تستهدف الدول المجاورة التي لم تشارك في العدوان. وأكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن العمليات الدفاعية الإيرانية تستهدف مصادر العدوان فقط وأن إيران حريصة على الحفاظ على علاقات حسن الجوار مع دول المنطقة. وفي المقابل شدد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف على أن وجود القواعد الأمريكية في المنطقة هو السبب الرئيسي لعدم الاستقرار وأن هذه القواعد تحولت إلى منصات للاعتداء على شعوب المنطقة.

وفي الأراضي المحتلة، كشفت وسائل الإعلام العدو الإسرائيلي عن تظاهرات داخل تل أبيب احتجاجًا على استمرار الحرب، بينما دوت صفارات الإنذار في معظم المدن الشمالية والوسطى مع سقوط صواريخ ومسيرات متتالية. كما اعترف جيش الاحتلال بإصابة جنديين من لواء غفعاتي بصاروخ مضاد للدروع في جنوب لبنان، في حين طلب من المستوطنين عدم تصوير أماكن سقوط الصواريخ لأن ذلك “يساعد العدو”.

في المجمل، أظهر اليوم الثامن من الحرب أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي فشل في تحقيق أهدافه الأساسية المتمثلة في كسر إرادة إيران أو عزلها إقليميًا، بل أدى إلى توسيع نطاق المواجهة وفتح جبهات متعددة في لبنان والعراق والخليج. كما برز بوضوح أن الضربات الإيرانية ومحور المقاومة نجحت في نقل المعركة إلى عمق الكيان الإسرائيلي وإرباك الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، في وقت بدأت فيه التداعيات الاقتصادية والعسكرية للحرب تضرب أسواق الطاقة العالمية وحركة الملاحة الدولية، ما يعزز التقديرات بأن الصراع يتجه نحو مرحلة استنزاف استراتيجية طويلة قد تعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط.