تشهد الساحة السياسية البريطانية أعنف هزّاتها منذ عقود بعد أن تحولت فضيحة إبستين إلى أزمة سياسية–أخلاقية عابرة للأطلسي وصلت إلى قلب الحكومة، ووضعت رئيس الوزراء كير ستارمر في مواجهة مأزق غير مسبوق.
الحكومة التي رفعت شعار “استعادة النزاهة والنظام” وجدت نفسها غارقة في فضيحة كشفت هشاشة القيادة وضيق دائرة القرار واعتمادها على شخصيات أصبحت عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا. كشف تورط بيتر ماندلسون الموثق بإبستين وظهور أسماء بارزة مثل الأمير البريطاني السابق أندرو عن شبكة فساد ممتدة أجبرت ستارمر على اتخاذ قرارات عاجلة لمحاولة احتواء الانهيار الحتمي.
في ضربة مباشرة، دعا ستارمر السفير البريطاني السابق بيتر ماندلسون إلى الاستقالة من عضوية مجلس اللوردات، وتقديم شهادة أمام الكونغرس الأمريكي، بعد ظهور وثائق تكشف تلقيه مدفوعات مالية من إبستين بقيمة 75 ألف دولار بين 2003 و2004، إضافة إلى اتهامات بتسريب معلومات حساسة خلال توليه مناصب وزارية سابقة. وأكد بيان رئاسة الوزراء أن ماندلسون لم يكن ينبغي أن يبقى في أي منصب رسمي، وأن الأزمة تتطلب إجراءات انضباطية صارمة على مستوى مجلس اللوردات.
استقالة ماندلسون من حزب العمال لم تُخفف من الأزمة، بل تركت الحكومة مكشوفة سياسيًا وأخلاقيًا، بعد أن اعترف ستارمر علنًا بندمه على تعيينه ووصف ما كشف عنه بأنه خيانة صريحة للبرلمان وللحزب، فيما تصاعد غضب الرأي العام ووسائل الإعلام البريطانية.
وضع الإعلام البريطاني ستارمر في “أخطر لحظة” منذ توليه السلطة، حيث وصفت هيئة الإذاعة البريطانية المشهد بأنه سيولة سياسية كاملة، وأصبح كل السيناريوهات ممكنة، من التمسك المؤقت بالسلطة إلى الاستقالة القسرية. ونقلت بلومبيرغ عن مقربين من رئيس الوزراء أن فرص بقائه باتت متساوية مع فرص سقوطه، في ظل تحركات داخلية لإعادة ترتيب موازين القوى استعدادًا لمرحلة ما بعده.
في قلب هذا المشهد، برزت أسماء لخلافته، تتقدمها أنجيلا راينر كنائبة لرئيس الوزراء ومرشحة أوفر حظًا، إلى جانب أسماء ثقيلة مثل إد ميليباند وشخصيات أخرى، وسط انقسام حاد داخل الحزب، خاصة في جناحه اليميني الذي يخشى فقدان السيطرة. وترافقت هذه الصراعات مع تحذيرات من تداعيات اقتصادية خطيرة في حال تغيير القيادة دون تفويض شعبي، ما فتح باب الحديث عن انتخابات مبكرة كخيار قاسٍ لكنه محتمل.
سياسيًا، تحوّلت الأزمة إلى مادة استثمار للمعارضة، حيث احتفل المحافظون بما اعتبروه بداية انهيار حزب العمال، بينما برز نايجل فاراج وحزب الإصلاح الشعبوي كمستفيدين مباشرين من انهيار الثقة بالأحزاب التقليدية، مع تصدرهم بعض استطلاعات الرأي، في مؤشر على تحول عميق محتمل في انتخابات 2029 إن استمرت الفوضى.
الإعلام البريطاني لم يكن أقل قسوة، إذ وصفت صحيفتا فايننشال تايمز وآي بيبر ستارمر بأنه “رجل ميت يمشي“، مؤكدة أن استقالة ماكسويني لم تنهِ الأزمة بل كشفت ستارمر سياسيًا وجعلته أكثر هشاشة، مع اقتراب انتخابات فرعية ومحلية قد تتحول إلى استفتاء مباشر على بقائه. وحذرت الصحيفتان من أن نشر آلاف الوثائق الحكومية المرتقبة بشأن تعيين ماندلسون قد يدفع الأزمة إلى منعطف أخطر.
على صعيد آخر، تأثرت العائلة المالكة مباشرة، حيث اضطر الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن وندسور إلى مغادرة منزله في قلعة وندسور والانتقال إلى مقر مؤقت في نورفولك، وسط ضغوط لتقديم توضيحات حول ظهوره في ملفات إبستين التي تتضمن رسائل وصورًا تكشف عن تواصله مع إبستين في سياقات جنسية مثيرة للجدل. وقد سبق للأمير أندرو أن أبرم تسوية مالية مع إحدى ضحايا إبستين عام 2022، لكنه يواصل نفي ارتكاب أي مخالفة، وسط إعادة فتح ملف الفضائح الملكية.
ولم تقتصر تداعيات الفضيحة على الحكومة والعائلة المالكة، بل شملت المؤسسات الأكاديمية الدولية، حيث قررت جامعة الملكة في بلفاست إزالة اسم السيناتور الأمريكي السابق جورج ميتشل من معهد السلام والأمن والعدالة، فيما أعادت منظمات أخرى تسمية برامجها التعليمية لتجنب أي صلة بإبستين، في مؤشر على الهزات الأخلاقية العالمية التي أحدثتها الفضيحة.
في الداخل، تعيش بريطانيا أعمق أزمة سياسية منذ تولي ستارمر السلطة، مع تراجع شعبيته الحاد داخل حزب العمال وتصاعد المطالب الداخلية بخلافته. استقالة مورغان ماكسويني، الذراع اليمنى لستارمر، وظهور علاقات ماندلسون المشبوهة كشفا ضعف القيادة وأهمية الدور المركزي لماكسويني في إدارة الحكومة اليومية، ما يجعل رئيس الوزراء أكثر هشاشة في مواجهة انتخابات فرعية ومحلية قد تتحول إلى استفتاء على بقائه.
الضغوط لم تتوقف، إذ باشرت الشرطة البريطانية تحقيقات جنائية في مزاعم تسريب ماندلسون لمعلومات حساسة على مدى أكثر من عقد، في وقت يسعى ستارمر إلى فصل ماندلسون من مجلس اللوردات وحزب العمال واحتواء الغضب الشعبي والسياسي.
إضافة لذلك، تواجه الحكومة البريطانية موجة انتقادات من المعارضة والبرلمان، حيث طالبت زعيمة حزب المحافظين بالكشف الكامل عن المعلومات التي كانت بحوزة الحكومة قبل تعيين ماندلسون، معتبرة أن تأخر ستارمر في اتخاذ إجراءات صارمة أدى إلى تدهور الثقة العامة في الحكم وارتفاع شعور الفوضى السياسية.
في المحصلة، تؤكد أزمة إبستين أن الزلزال السياسي والأخلاقي لم يعد مجرد فضيحة فردية، بل أصبح اختبارًا لقدرة الحكومة البريطانية على الصمود أمام فضائح الشخصيات البارزة، الانقسامات الداخلية، وضغوط الرأي العام. وحزب العمال، وسط هذا الهشاشة، يواجه اختبارًا مصيريًا قد يعيد تشكيل المشهد السياسي في بريطانيا بالكامل، بينما تلوح في الأفق فرص محتملة لتغير القيادة أو حتى انتخابات مبكرة.









