الرئيسية بلوق الصفحة 97

وَحدة الساحات ووحدة البحار: تكامل الموقف وتعزيز معادلات الردع

إن وَحدة الساحات في جوهرها تعبيرٌ عن وحدة القضية ووحدة الهدف ووحدة المصير، وهي رؤية استراتيجية تؤكّـد أن قوة الأُمَّــة تكمن في تماسكها وقدرتها على تجاوز الخلافات الثانوية والتركيز على التحديات الكبرى التي تستهدف حاضرها ومستقبلها.

كما أنها تمثل نموذجًا عمليًّا لتحويل المبادئ والقيم المشتركة إلى مواقف مؤثرة على أرض الواقع، بما يسهم في تعزيز قدرة شعوب المنطقة على الدفاع عن حقوقها وصون سيادتها وحماية مقدساتها.

وحدة الساحات رؤية استراتيجية يمنية

وعندما يترجم اليمن مفهومَ وَحدة الساحات إلى مواقفَ عملية وسياسات ميدانية، فإنه لا ينطلق من اعتبارات سياسية أَو عسكرية فحسب، هو يستند إلى رؤية وموقف ديني وأخلاقي.

فاليمن يعتبر الوقوف إلى جانب قضايا الأُمَّــة والتصدي للعدوان والظلم واجبًا دينيًّا وإنسانيًّا، ينسجم مع التوجيهات الإلهية التي تدعو إلى نصرة المستضعفين والتعاون على البر والتقوى والتكاتف في مواجهة قوى الاستكبار والهيمنة.

ومن هذا المنطلق، فإن أي عدوان يستهدف إيران أَو العراق أَو لبنان أَو فلسطين يُنظر إليه؛ باعتبَاره استهدافًا مباشرًا لليمن أَيْـضًا؛ لأن مصدر العدوان واحد، وأهدافه الاستراتيجية تتجاوز حدود دولة بعينها لتطال المنطقة بأسرها.

المفهوم الأعمق لوحدة الساحات

ويعبر مفهوم وحدة الساحات عن فهم عميق لطبيعة الصراع القائم في المنطقة، فالمعركة أصبحت معركة مترابطة تتداخل فيها الجبهات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والثقافية.

ولذلك فإن نجاح أي طرف في مواجهة التحديات يسهم في تعزيز قوة بقية الأطراف، كما أن استهداف أي طرف ينعكس سلبًا على الجميع.

ومن هنا جاءت الحاجة إلى بناء حالة من التنسيق والتكامل تقوم على أَسَاس وحدة الهدف ووحدة الرؤية والمصير.

استراتيجية وحدة الموقف لدول المحور

ولا تقتصر وحدة الساحات على الجانب العسكري، رغم أهميّة هذا الجانب في معادلة الردع والمواجهة، فهو تشمل أَيْـضًا أبعادًا سياسية وإعلامية واقتصادية وشعبيّة.

فهي تعبر عن وحدة الموقف تجاه القضايا المصيرية للأُمَّـة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تمثل محور الصراع وجوهره.

كما تعكس حالة من التضامن الشعبي والرسمي بين شعوب ودول المحور، بما يعزز القدرة على مواجهة الضغوط والحصار والعقوبات والحملات الإعلامية التي تستهدف إرادَة هذه الشعوب وخياراتها المستقلة.

وحدة البحار كأحد أوراق دول المحور

وفي هذا السياق، برز مفهوم “وحدة البحار”؛ باعتبَاره امتدادًا طبيعيًّا لمفهوم وَحدة الساحات، حَيثُ أصبحت المساحاتُ البحرية والممرات المائية جزءًا من معادلة المواجهة الشاملة.

فالبحار لم تعد مُجَـرّد ممراتٍ للتجارة الدولية أَو خطوط للنقل البحري، وإنما تحولت إلى ساحات تعبر من خلالها الشعوب الحرة عن مواقفها وتؤكّـد قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث الإقليمية والدولية.

ومن خلال هذا الترابط بين البر والبحر تتعزز معادلات الردع، وتتسع دائرة التأثير بما يخدم أهداف المقاومة ويحد من قدرة الخصوم على فرض إرادتهم.

ومن أهم النتائج التي أفرزها هذا المفهومُ أنه ساهَمَ في رفع مستوى الوعي بحقيقة الصراع الدائر في المنطقة، وكشف طبيعة المشاريع التي تستهدف استقلال الدول وقرارها السيادي وثرواتها ومقدساتها.

كما عزّز الشعور بالمسؤولية المشتركة بين شعوب المحور، ورسّخ قناعة مفادها أن الأمن والاستقرار لا يمكن تحقيقهما بصورة منفردة، وإنما من خلال التعاون والتضامن ومواجهة التحديات بروح جماعية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. شعفل علي عمير

الإنسان.. ساحة الصراع الأولى

كل يوم نسمع عن معركة جديدة، وعن تقدم هنا، وتراجع هناك.

لكن هناك معركة لا تظهر على الخرائط العسكرية، ولا تُذاع نتائجها في النشرات الإخبارية.

إنها الأهم، بل إنها الأَسَاس.

وهي التي ستقرّر كُـلّ المعارك الأُخرى.

فالذي يراقب ما يجري على حدود غزة، وفي سواحل اليمن، وفي جنوب لبنان، وفي جبال إيران، يظن أن الفصل الأخير من هذه المواجهة الطويلة سيكتب هناك.

ولكنه يغفل عن حقيقة قديمة، أثبتها القرآن قبل أن تثبتها الوقائع: أن المعركة الأولى والأخيرة تدور في مكان لا تصل إليه الصواريخ، ولا تخترقه الطائرات، ولا تراه أقمار التجسس.

تدور فيك أنت.

في قلبك.

في عقلك.

في زوايا روحك التي لا يطلع عليها إلا خالقك.

ليست القوة المادية وحدَها من تصنع النصر.

تأمل كيف انهارت حضاراتٌ كانت تضرب بها الأمثال في القوة.

عاد وثمود، وفرعون وجنوده، وأمم لم تكن يومًا قليلة العدد ولا ضعيفة الإمْكَانات.

لم يسقطوا لأن عدوهم كان أكثر عددًا، ولا لأن أسلحتهم كانت أقل تطورًا.

سقطوا لأنهم تآكلوا من الداخل.

سقطوا لأن بناءهم الإيماني والأخلاقي كان واهيًا، فلم يلبث أن انهار على أهله.

لقد نبهنا الله إلى هذه الحقيقة بوضوح في كتابه، حَيثُ قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنفسكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ}.

تأمل هذه الآية جيِّدًا.

هي تؤسِّس لمبدأ عظيم، تخفى على كثيرٍ من المصلحين والقادة، أن السلامة من ضرر الآخرين، والمنعة أمام المكائد، تنبع من استقامة النفس واهتدائها، قبل أن تنبع من أية تحصينات خارجية.

فالآية لم تقل: ائتلفوا مع القوى الكبرى.

قالت: {عَلَيْكُمْ أنفسكُمْ}.

لأنها إن صلحت، صلح بها كُـلّ شيء.

وإن فسدت، فسدت بإفسادها الأرض كلها.

العدوّ يستغل ثغراتنا، ولا يملك قوة ذاتية..

ونحن في خضم هذه المواجهة المفتوحة مع أعدائنا، نخطئ إذَا ظننا أنهم أقوياء بقوتهم.

القرآن يصور لنا، في قصص بني إسرائيل تحديدا، طبيعة هذا العدوّ.

إنه لا يملك قوة ذاتية مطلقة.

طريقته الأَسَاسية هي البحث عن الثغرات في نفوسنا، لينفذ منها ويحدث الخلل.

العدوّ، كما أراه الله لنا في كتابه، لا يستطيع أن يؤذينا إلا من حَيثُ نؤذن له.

حين يجد جدارنا الداخلي متماسكًا، وحين يرى أن قلوبنا معمورة بالإيمان، وأن عقولنا مضيئة بالبصيرة، وأن أخلاقنا محصنة بالتقوى، يقف عاجزًا.

سلاحُه الوحيدُ هو أن يجد فينا نقطة ضعف، فيوسعها وينفخ فيها حتى تصير هوة تسقط فيها الأُمَّــة.

لذلك هو يحاول اليوم أن يزرع اليأس في قلوب أمتنا، أن يشكك في ثوابتنا، أن يلهينا بصغائر الأمور عن كبائرها، أن يركز اهتمامنا على خلافات هامشية ليضيع الجهد في غير موضعه.

كُـلّ هذا لأنه يعلم أن الأُمَّــة متى تمسكت بجوهرها، متى اهتمت ببناء إنسانها أولا، فإنه يصبح عاجزًا.

لا سلاح لديه يخترق ذلك السور المنيع، سور القيم والأخلاق والإيمان.

لمّا قادت قلة البصيرة إلى هزيمة النفوس

وقد تصدق هذه الحقيقة أبشع صورها في تاريخنا، حينما لم يعد فسادُ البصيرة قاصرًا على الأُمَّــة العادية، فقد تعدى إلى جيش الإمام علي عليه السلام في معركة صفين.

كان جيش الحق بقيادة أمير المؤمنين على وشك إنهاء الشر إلى غير رجعة، بعد أن كاد يقتل معاوية وفلول جيشه.

وهنا أدرك عمرو بن العاص أنه لا مفرَّ من الهزيمة، فدبَّر خُدعةً ماكرة: أمر جندَه برفع المصاحف على أسنة الرماح، يصرخون: “كتاب الله حكم بيننا”.

هل كان هذا إلا خُدعةً حقيرة؟ بلى.

لكن العجب أن بعضَ جيش الإمام علي صدَّقها، وأصر على قبول التحكيم، رغم تحذيراته المتكرّرة صلواتُ الله عليه من أنها مكيدة.

لقد قال لهم: “هم يرفعون المصاحف استكبارًا لا استكانة، واستضعافًا لا استسلامًا”.

بل ذهب بعضهم كالأشعث بن قيس إلى حَــدِّ الخيانة، فأصر على أن يكون ممثلُ الإمام في التحكيم أبا موسى الأشعري، ليتواطأ مع عمرو بن العاص في إخراج النتيجة التي خذلت الحق وثبتت الباطل.

لماذا حدث هذا؟ لأن أُولئك القوم لم يكن في قلوبهم من البصيرة والوعي ما يكفي لصدِّ هذه المؤامرة.

لقد امتلكوا القوة المادية والسيطرة على أرض المعركة، لكنهم افتقدوا الجنديةَ الربانية، فانخدعوا بظواهر الأمور وتركوا جوهرها.

فكانت النتيجة خروج الخوارج الذين أضلوا الأُمَّــة، وتمكين معاوية وانتقال الخلافة إلى ملك عضوض، وكلها كوارث أتت من ثغرة داخلية في النفوس.

هذا هو الخطر الذي لا تراه الأسلحة.

إنها ثغرة صغيرة في فَهم الدين، أَو وهن في الإخلاص، أَو قلة في التربية الإيمانية، تجعل الفرد والمجتمع عرضة للانخداع بأبسط الحيل وأوهاها.

بين وعد الكوفة وغدرها.. حين يخون الإيمان

وتأتي الكوفة لتقدم لنا الدرس الأكثر إيلامًا.

حين بعث الإمامُ الحسين عليه السلام ابن عمه مسلم بن عقيل إليها، ليتفقد أنصارَها ويأخذ منهم البيعة، فإذا بهم يتدفّقون عليه كالسيل.

ثمانية عشر ألفًا بايعوه، أَو يزيدون، يصرخون: “يا منصور يا منصور!”، يملؤون الدارَ غصصًا، ويجدّدون العهود لنصرة أهل البيت.

ولكن! حين سمع والي الكوفة عُبَيد الله بن زياد بن أبيه بقدومه، دب الرعبُ في قلوبهم، فإذا بالذي كانوا يعدون بالآلاف يتسللون ليلًا، يتوارون في بيوتهم، يتركون مسلمًا وحيدًا في دار هانئ بن عروة.

فخرج مسلم وبيده سيفه، ليس معه إلا نفرٌ قليل، وقاتل حتى استشهد، بعد أن رفع صوتَه يائسًا: “يا لأهل الكوفة! أين الألوف؟ أين الثمانية عشر ألفًا؟ أين البيعة؟ أين العهود؟”

لم يقتل مسلمًا سيف ابن زياد، قتله غدر الكوفة.

قتله أن الجيش لم يكن يملك البصيرة التي تثبته عند البأس، ولا الإخلاص الذي يمنعه من الرضوخ للضغوط.

لقد كان بناؤهم الداخلي واهيًا، فلم يتحملوا لحظة واحدة من الضغط، وتنكروا لوعدهم، وخذلوا ابن عم نبيهم، ثم لم يلبثوا أن فعلوا نفس الشيء مع الحسين نفسه حين وصل إلى كربلاء.

خِذلان مسلم ثم الحسين لم يكنْ بسَببِ قلة العتاد، بل بسَببِ فساد البصائر، وضعف اليقين، وهشاشة البناء الإيماني والأخلاقي.

وبذلك أثبتوا لآخر الزمان أن الهزيمةَ تبدأ من داخل النفوس قبل أن تبدأ من أسوار المدائن.

البناء الداخلي.. هو الجهاد الأكبر

لقد فهم الأولياءُ هذه الحقيقة، فكانوا يبدأون بإصلاح وضعهم الداخلي قبل أن يخرجوا لإصلاح غيرهم.

كانوا يربون أنفسَهم على الجندية الربانية، فيصبح الواحد منهم جنديًّا لله في معركة إصلاح قلبه، قبل أن يخرجَ إلى ميدان الحياة.

وكانوا يعمقون بصيرتهم ووعيهم؛ لأن الهزائمَ التاريخية للأُمَّـة كانت بسَببِ ضعف البصيرة والإيمان الناقص الذي جعلها عاجزة عن قراءة السنن وفهم الواقع.

وكانوا ينطلقون من نظرة شاملة تكاملية للإسلام، رافضين الفهم التجزيئي الذي يفصل بين العبادة والجهاد، أَو بين الدعوة والعمل.

فالقرآن منهج حياة كامل يهدف إلى بناء الإنسان ليقيم القسط، وليس مُجَـرّد مجموعة عبادات منفصلة.

وهذا المنهج يكفي لهداية البشرية، كما قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}.

النصر يبدأ من الداخل

نحن اليوم في حاجة إلى إعادة تعريف النصر.

النصر الحقيقي أن تنشئ جيلًا لا يخشى الشهادة في سبيل الله، وليس أن تدمّـر دبابة العدوّ فقط.

النصر الحقيقي أن تمتلك قلوب أبنائك فلا يستطيع أحد اختطافها.

النصر الحقيقي هو أن تظل واقفًا على الحق حين يتخلى عنك الجميع، أن تنطق بالصدع حين يكلفك ثمنا غاليًا، أن تصون مبادئك حين تصبح السلعة الأغلى.

كل صاروخ يبنى، وكل طائرة تصنع، وكل خطة عسكرية ترسم، لا قيمة لها إذَا كان الجندي لا يعرف لماذا يقاتل، وَإذَا كان المجتمع لا يحمي ظهر جيشه، وَإذَا كان القاضي يظلم، والتاجر يغش، والإعلامي يكذب.

لأن المعركة تبدأ من هناك، من داخل كُـلّ واحد منا.

ومن هناك ستنتصر.

أَو تسقط.

فأيُّ الطريقين تختار؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بشير ربيع الصانع

الدفاع المدني ينتشل جثة القعقاع من فوهة بركانية في دمت بالضالع

تمكنت فرق الإنقاذ التابعة لمصلحة الدفاع المدني، بعون الله وتوفيقه، السبت، من انتشال جثة المواطن القعقاع عنتر العبسي، البالغ من العمر 30 عاماً، من إحدى الفوهات البركانية في مديرية دمت بمحافظة الضالع.

وأوضح مصدر في مصلحة الدفاع المدني أن عملية الانتشال نُفذت في ظروف بالغة الصعوبة، نتيجة وعورة الموقع وارتفاع الحرارة في منطقة الحرضة البركانية، مؤكداً أن فرق الغوص والإنقاذ تمكنت، بعد جهود ميدانية مكثفة، من الوصول إلى الجثمان وانتشاله.

وكانت المصلحة قد أعلنت في وقت سابق أن فرق الغوص والإنقاذ المائي بفرعها في الضالع باشرت عمليات البحث عن جثمان الشاب عنتر العبسي، الملقب بـ القعقاع عنتر، عقب سقوطه في حرضة دمت أثناء ممارسته رياضة التسلق والتمارين الرياضية على حافة جبل الحرضة.

وأشارت المصلحة إلى أن الفرق نفذت عمليات مسح ميداني في موقع الحادث والمناطق المحيطة به، كما جرى تعزيز جهود البحث بفريق متخصص من رئاسة المصلحة للمشاركة في عمليات الانتشال، نظراً لطبيعة الموقع الوعرة وصعوبة الوصول إلى بعض النقاط القريبة من مكان السقوط.

وأكدت مصلحة الدفاع المدني أهمية توخي الحذر أثناء ممارسة الأنشطة الرياضية في المناطق الجبلية والوعرة، داعية المواطنين إلى الالتزام بإجراءات السلامة وتجنب الاقتراب من المواقع الخطرة، بما يسهم في الحد من وقوع حوادث مماثلة.

وتأتي هذه الحادثة المؤلمة لتعيد التأكيد على خطورة ممارسة التسلق والأنشطة الرياضية في المناطق الوعرة دون احتياطات كافية، وعلى أهمية الاستجابة السريعة والتجهيزات المتخصصة في مثل هذه الحوادث الصعبة.

حزب الله يوثّق إسقاط “هيرون 1” بصاروخ مزوّد بكاميرا.. تصعيد نوعي يربك تفوق العدو الجوي

بثّت المقاومة الإسلامية في لبنان، اليوم السبت، مشاهد نوعية لعملية إسقاط طائرة مسيّرة تابعة لجيش العدو الإسرائيلي من نوع “هيرون 1” في أجواء بلدة نحلة في البقاع، في تطور لافت حمل بعداً عسكرياً وإعلامياً مهماً، خصوصاً أن عملية الاستهداف وُثقت من خلال كاميرا مثبتة في رأس الصاروخ الذي أصاب المسيّرة.

وتُظهر المشاهد، بحسب ما بثه حزب الله، لحظة تتبع المسيّرة الإسرائيلية وإصابتها، في رسالة مباشرة إلى جيش العدو بأن طائراته الاستطلاعية لم تعد تتحرك في الأجواء اللبنانية بأمان، وأن المقاومة باتت تمتلك قدرة متقدمة على الرصد والملاحقة والتوثيق في آن واحد.

وكان حزب الله قد أعلن، مساء الخميس، إسقاط مسيّرة إسرائيلية من نوع “هيرون 1” في أجواء منطقة نحلة بصاروخ نوعي، قبل أن يشن طيران العدو غارتين على مكان سقوطها في جرد نحلة ـ بعلبك شرق لبنان، في محاولة لمنع المقاومة من الوصول إلى حطام الطائرة أو كشف ما تحمله من أجهزة ومعدات.

وتُعد “هيرون 1”، المعروفة في الخدمة الإسرائيلية باسم “كوخاف”، من أبرز مسيّرات الاستطلاع والمراقبة لدى سلاح جو العدو، وطورتها شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية IAI، وتستخدم في مهام جمع المعلومات الاستخبارية، ومراقبة الحدود، والتوجيه المدفعي، والرصد الليلي والنهاري.

وتتميز هذه المسيّرة بقدرتها على التحليق لفترات طويلة قد تتجاوز 24 إلى 45 ساعة، وعلى ارتفاعات تصل إلى نحو 30 ألف قدم، كما تمتلك أنظمة اتصال عبر الأقمار الاصطناعية، وأجهزة استشعار ورادارات بحث وكاميرات رؤية ليلية، ما يجعل إسقاطها ضربة استخبارية ومعنوية للعدو قبل أن تكون مجرد خسارة جوية.

وجاء بث مشاهد الإسقاط ضمن يوم ميداني حافل بالعمليات، إذ أعلن حزب الله استهداف تجمعات وآليات لجيش العدو في عدة نقاط على امتداد الجبهة، بينها مجدل زون، كفرتبنيت، مارون الراس، جديدة ميس الجبل، الخيام، العديسة، وإقليم التفاح.

وفي مجدل زون، أعلن حزب الله استهداف تجمعات لآليات وقوات العدو بعدة صليات صاروخية، مؤكداً لاحقاً تنفيذ كمين ضد قوة صهيونية حاولت التوغل باتجاه البلدة، والاشتباك مع أفرادها وتدمير عدد من آلياتها، مشيراً إلى أن نيران الآليات المدمرة ظلت مشتعلة حتى صدور البيان.

كما استهدفت المقاومة آلية “نميرا” في تلة الحمامص جنوب مدينة الخيام بمحلّقة “أبابيل” الانقضاضية وحققت إصابة مؤكدة، إضافة إلى استهداف قوة إسرائيلية تموضعت داخل مبنى في مدينة الخيام بمحلقة انقضاضية أخرى.

وفي كفرتبنيت، أعلنت المقاومة استدراج قوة مشاة إسرائيلية حاولت التسلل ليلاً عبر طريق أرنون ـ الزفاتة باتجاه منطقة المعبر، قبل تفجير عبوات ناسفة بها والاشتباك معها، بالتزامن مع رمايات مدفعية مركزة أجبرت القوة على الانكفاء.

كما تصدى حزب الله لمسيّرة إسرائيلية من نوع “هرمز 450 ـ زيك” في أجواء إقليم التفاح بصاروخ أرض ـ جو، وأجبرها على التراجع، في مؤشر إضافي على تصاعد معركة الدفاع الجوي التي تخوضها المقاومة ضد طائرات الاستطلاع والهجوم التابعة للعدو.

وتكشف هذه العمليات أن الجبهة اللبنانية دخلت مستوى أكثر تعقيداً بالنسبة لجيش الاحتلال؛ فالمقاومة لا تكتفي باستهداف التجمعات والتحركات البرية، بل تلاحق المسيّرات، وتضرب منظومات الرصد، وتدير كمائن ميدانية، وتوثّق عملياتها بما يضرب صورة التفوق التقني الإسرائيلي.

صنعاء للأمم المتحدة: السلام يحتاج خطوات عملية لا ضغوطاً تمس السيادة

ارتباك سعودي أمام جهوزية صنعاء.. الرياض تستنفر الأمم المتحدة وبريطانيا لاحتواء معادلة كسر الحصار

دعت حكومة صنعاء الأمم المتحدة إلى الانتقال من البيانات والمواقف العامة إلى خطوات عملية وملموسة تدفع بمسار السلام في اليمن، وتساعد على بناء الثقة بين الأطراف، مؤكدة في الوقت ذاته رفضها للضغوط الدولية المرتبطة بملف موظفي المنظمة الدولية الموقوفين على ذمة قضية “شبكة التجسس”.

وأكد نائب وزير الخارجية في حكومة صنعاء عبد الواحد أبو راس، خلال لقائه مدير مكتب المبعوث الأممي محمد الغنام، أن التعامل مع ملف الموقوفين يتم وفق القوانين النافذة والإجراءات القضائية المعمول بها، وبما يضمن حماية سيادة البلاد وأمنها.

وشدد أبو راس على أن أي ضغوط خارجية أو بيانات صادرة عن مجلس الأمن أو الأمين العام للأمم المتحدة لا يمكن أن تغير المسار القانوني للقضية، محذراً من أن استمرار هذه الضغوط سينعكس سلباً على العلاقة مع المنظمة الدولية، وقد يقوض جهود بناء الثقة المتبادلة.

وجددت صنعاء التأكيد أن احترام السيادة الوطنية يمثل مدخلاً أساسياً لأي علاقة بناءة مع الأمم المتحدة، وأن الملفات الأمنية والقضائية لا يجوز تحويلها إلى أدوات ضغط سياسي أو مدخل لفرض إملاءات خارجية.

وفي ملف الأسرى، أشاد أبو راس بجهود مكتب المبعوث الأممي هانس غروندبرغ في إنجاح اتفاق تبادل الأسرى الأخير، مؤكداً التزام صنعاء بتقديم التسهيلات اللازمة لترجمة الاتفاق على أرض الواقع، باعتباره خطوة إنسانية مهمة يمكن البناء عليها في مسار التهدئة والسلام.

من جانبه، جدد مدير مكتب المبعوث الأممي التزام المكتب بمواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق تسوية سياسية شاملة في اليمن، وبما يسهم في دعم مسار السلام وتخفيف المعاناة الإنسانية.

طهران تقرأ ترامب نفسياً.. رسائل تفاوضية مصممة لإدارة اندفاع الرئيس الأمريكي

طهران تقرأ ترامب نفسياً.. رسائل تفاوضية مصممة لإدارة اندفاع الرئيس الأمريكي

كشف الصحفي الأمريكي جيريمي سكيل، من موقع “دروب سايت”، عن معطيات لافتة بشأن طريقة تعامل إيران مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال جولات التفاوض والتصعيد، مشيراً إلى أن طهران لم تتعامل معه كقائد سياسي تقليدي، بل كحالة شديدة التقلب تحتاج إلى قراءة نفسية دقيقة.

ونقل سكيل عن مصادر إيرانية قولها إن طهران استعانت بخبراء وأطباء نفسيين لإعداد ملف نفسي خاص بترامب، بعد تقييم خلص إلى أن قراراته وسلوكه السياسي يتأثران بدرجة كبيرة بالاندفاع، والتقلب، وحاجته المستمرة إلى الظهور بمظهر المنتصر.

وبحسب هذه المصادر، فإن الرسائل الإيرانية الموجهة إلى ترامب كانت تخضع لمراجعة مختصين نفسيين قبل إرسالها، بهدف صياغتها بطريقة تراعي طبيعة شخصيته وتؤثر على طريقة تفاعله مع ملفات الحرب والتفاوض والضغط العسكري.

وتشير هذه الرواية إلى أن إيران لم تكتفِ بإدارة المواجهة مع واشنطن عسكرياً وسياسياً، بل انتقلت إلى مستوى أعمق من إدارة الخصم، يقوم على فهم شخصية الرئيس الأمريكي واستثمار نقاط ضعفه النفسية في لحظات التصعيد والتهدئة.

وأضافت المصادر أن هذا الأسلوب بدأ يحقق نتائج ملموسة، إذ لاحظ الجانب الإيراني تقدماً في طريقة التعامل مع ترامب بعد اعتماد مقاربة نفسية دقيقة في صياغة الرسائل والمواقف، خصوصاً في المراحل التي كانت فيها واشنطن تتأرجح بين التهديد العسكري والعودة إلى التفاوض.

وفي تعليق ساخر، نقل سكيل عن أحد المسؤولين الإيرانيين قوله إنهم “لم يعودوا يتعاملون مع رئيس دولة بقدر ما يتعاملون مع حالة تحتاج إلى إدارة نفسية دقيقة”، في إشارة إلى تعقيد شخصية ترامب وانعكاساتها على قرارات البيت الأبيض.

وتكشف هذه المعطيات، إن صحت، جانباً جديداً من المواجهة بين طهران وواشنطن؛ فإيران التي فرضت معادلات الردع في الميدان، بدت أيضاً قادرة على قراءة غرفة القرار الأمريكية من الداخل، والتعامل مع ترامب بوصفه نقطة ضعف في بنية القرار لا مجرد رئيس يقود القوة الأكبر في العالم.

الفصائل الفلسطينية ترد على خارطة الطريق.. السلاح ملف سيادي وإدارة غزة بيد لجنة وطنية

فصائل المقاومة الفلسطينية تدين إعلان التطبيع بين النظام البحريني والعدو الإسرائيلي

سلّمت فصائل المقاومة الفلسطينية، السبت، ردها الرسمي على “خارطة الطريق” المقدمة من الوسطاء، والمكوّنة من 15 بنداً، واضعةً محددات سياسية وأمنية واضحة لملفي السلاح وإدارة قطاع غزة، بما يضمن عدم تحويل الترتيبات المقترحة إلى مدخل لنزع أوراق القوة الفلسطينية أو فرض وصاية خارجية على القطاع.

وبحسب الرد، وافقت الفصائل من حيث المبدأ على حصر وتخزين السلاح الثقيل وتحييد البنية التحتية العسكرية بصورة تدريجية ومرحلية، لكنها اشترطت أن يتم ذلك وفق جدول زمني متفق عليه، وبعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، بما يمنع الاحتلال من توظيف الملف الأمني للالتفاف على استحقاقات وقف إطلاق النار.

وربطت الفصائل أي خطوة في ملف السلاح باستكمال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بكافة بنودها، وفي مقدمتها الالتزام بخطوط الانسحاب، ووقف الاستهدافات والاغتيالات، وتطبيق البروتوكول الإنساني كاملاً، إضافة إلى انتشار قوة الاستقرار الدولية، ودخول اللجنة الوطنية الفلسطينية لممارسة مهامها، وتفكيك الميليشيات المسلحة.

وأكدت الفصائل أن تنفيذ هذه الترتيبات يجب أن يتم داخلياً عبر اللجنة الوطنية الفلسطينية وبالتنسيق مع التنظيمات، مشددة على رفضها القاطع تسليم أي سلاح للاحتلال الإسرائيلي أو لأي جهة غير فلسطينية، في تأكيد أن ملف السلاح يبقى شأناً وطنياً سيادياً لا يُدار بإملاءات خارجية.

كما ربط الرد الفلسطيني ملف السلاح بالأفق السياسي الأشمل، وفي مقدمته حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته، وفق القرارات الدولية وما ورد في الخطة المطروحة، بما يعني أن أي ترتيبات أمنية لا يمكن فصلها عن إنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وفي المسار الإداري الداخلي، تضمن رد حركة حماس آليات لنقل الحكم وإدارة قطاع غزة إلى “لجنة إدارة غزة”، مع الالتزام بعدم التدخل في شؤونها، وتحمل التبعات القانونية المترتبة على هذا الانتقال، بما يفتح الباب أمام إدارة فلسطينية منظمة للقطاع بعيداً عن الفوضى أو الفراغ الإداري.

كما شمل الرد نقل أسلحة جهاز الشرطة إلى اللجنة ودمج أفراده في الهياكل الأمنية وفق معايير مهنية، على أن يتم التحقق من التزامات كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية، مع التشديد على ضرورة الضغط لوقف العدوان أثناء التفاوض، وعدم السماح باستمرار القصف والاغتيالات تحت غطاء المحادثات.

وتكشف هذه المحددات أن الفصائل لم ترفض المسار السياسي، لكنها أعادت ضبط شروطه من زاوية فلسطينية، قائمة على الانسحاب الكامل، ووقف العدوان، ورفض تسليم السلاح للاحتلال، وحصر إدارة المرحلة الانتقالية بيد لجنة وطنية فلسطينية.

فورين أفيرز: إخفاق واشنطن أمام إيران يهدد معادلة القواعد الحليفة التي صنعت حروب أمريكا

فورين أفيرز: إخفاق واشنطن أمام إيران يهدد معادلة القواعد الحليفة التي صنعت حروب أمريكا

كشفت مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية أن القوة العسكرية للولايات المتحدة لم تكن، عبر عقود، قائمة على قدراتها الذاتية فقط، بل اعتمدت بدرجة جوهرية على شبكة واسعة من أراضي الحلفاء وموانئهم وقواعدهم العسكرية، التي مكنت واشنطن من تجاوز عائق المسافات وخوض حروبها في مناطق بعيدة عن أراضيها.

وأوضحت المجلة أن هذا النمط مثّل ركناً أساسياً في الحروب الأمريكية الكبرى، من أفغانستان إلى العراق وليبيا، حيث سمحت دول حليفة لواشنطن باستخدام أراضيها ومجالها الجوي وموانئها ومنشآتها العسكرية لتنفيذ عمليات هجومية، وإدارة الإمداد والتموين، وتحريك القوات والأسلحة.

ففي غزو أفغانستان عام 2001، استفادت الولايات المتحدة من تسهيلات في أوزبكستان لنشر وحدات العمليات الخاصة، ومن دعم لوجستي واستخباراتي قدمته باكستان. وفي غزو العراق عام 2003، انطلقت القوات الأمريكية من الكويت، فيما دخلت وحدات خاصة إلى غرب العراق عبر الأردن. كما استخدمت واشنطن قواعد عسكرية في بريطانيا لتنفيذ عملية “إعصار إلدورادو” ضد ليبيا عام 1986.

وبحسب المجلة، فإن العملية العسكرية الأخيرة ضد إيران، التي أطلقت عليها واشنطن اسم “الغضب الملحمي”، لم تخرج عن هذه القاعدة، إذ اعتمدت أيضاً على تسهيلات قدمتها دول مضيفة، سواء عبر السماح بمرور القوات والأسلحة، أو توفير الموانئ للتزود بالوقود والإمدادات، أو تمكين الطائرات الأمريكية من تنفيذ طلعات هجومية من داخل أراضيها.

غير أن فورين أفيرز رأت أن الحرب مع إيران قد تدفع عدداً من هذه الدول إلى إعادة التفكير في طبيعة تعاونها العسكري مع واشنطن، خصوصاً بعد أن أظهرت الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على توفير حماية كاملة لشركائها الخليجيين أو لقواعدها المنتشرة في المنطقة.

وتشير هذه القراءة إلى أن فشل واشنطن في احتواء الرد الإيراني لا يهدد نتائج الحرب وحدها، بل يضرب أساساً عسكرياً استندت إليه الهيمنة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو قدرة الجيش الأمريكي على استخدام أراضي الحلفاء كمنصات حرب آمنة.

كما أكدت المجلة أن الوصول إلى الموانئ كان عاملاً حاسماً في العمليات البحرية الأمريكية، إذ تعتمد حاملات الطائرات، ومنها “يو إس إس أبراهام لينكولن” و“يو إس إس جيرالد فورد”، على شبكة الموانئ الإقليمية للحصول على الوقود والذخائر وقطع الغيار وخدمات الصيانة.

ولفتت إلى أن حاملة الطائرات “يو إس إس فورد” اضطرت في إحدى المراحل إلى مغادرة المنطقة بعد تعرضها لحريق، والتوجه إلى قاعدة سودا باي البحرية في جزيرة كريت اليونانية لإجراء أعمال الصيانة، في مثال يعكس حجم اعتماد القوة البحرية الأمريكية على البنية التحتية التي يوفرها الحلفاء.

وتحذر المجلة من أن أي توجه لدى الدول المضيفة لتقييد استخدام أراضيها وموانئها في الحروب الأمريكية سيحد بشكل كبير من قدرة واشنطن على الانتشار السريع، وسيضعف نموذج القوة الذي اعتمدته لعقود في فرض نفوذها العسكري عالمياً.

وتكتسب هذه الخلاصة أهمية مضاعفة في ضوء المواجهة مع إيران؛ فحين تصبح القواعد والموانئ المستخدمة في العدوان عرضة للرد، فإن الدول المضيفة تجد نفسها أمام معادلة مكلفة: إما الاستمرار في خدمة الحرب الأمريكية وتحمل تبعاتها، أو إعادة حساباتها لتجنب نقل النار إلى أراضيها ومصالحها.

مفاوضات إسلام آباد.. إيران تفرض شروط التهدئة وواشنطن تقترب من اتفاق تحت ضغط هرمز والردع

تتسارع المؤشرات الدبلوماسية بشأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وسط ترجيحات باقتراب التوصل إلى مذكرة تفاهم سياسية وأمنية تمهد لوقف التصعيد واحتواء الحرب، بعد أن أثبتت طهران أن الضغط العسكري الأمريكي لا يستطيع كسر إرادتها أو تجاوز معادلات الردع التي فرضتها في الميدان.

ورغم محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقديم التفاهم المرتقب باعتباره إنجازاً أمريكياً، فإن مسار الأحداث يكشف أن واشنطن ذهبت إلى التفاوض تحت ضغط واضح: مضيق هرمز مغلق عملياً أمام الحركة الطبيعية، مئات السفن تنتظر ترخيصاً إيرانياً للعبور، والرد العسكري الإيراني جعل القواعد والممرات البحرية جزءاً من معادلة المواجهة.

وبحسب التصريحات الباكستانية، فإن واشنطن وطهران أصبحتا أقرب من أي وقت مضى إلى اتفاق، مع استعداد إسلام آباد لتنظيم توقيع إلكتروني فور إنجاز الصياغة النهائية. كما تحدثت مصادر أمريكية عن اعتقاد واشنطن بأنها توصلت إلى “اتفاق قوي” مع إيران، في حين جرى استبعاد مشاركة نتنياهو في اجتماعات ترامب الثنائية مع قادة الشرق الأوسط على هامش قمة مجموعة السبع، في مؤشر على محاولة أمريكية لتخفيف أثر التوتر الإسرائيلي داخل مساشر التفاهم.

في المقابل، تعاملت طهران بحذر واضح مع التسريبات الأمريكية والباكستانية، حيث أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن التوقيع على مذكرة التفاهم ليس غداً، وأن الموعد الدقيق ما يزال بحاجة إلى انتظار، مشدداً على أن هذه المرحلة تركز على إنهاء الحرب في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وليس على الملف النووي.

وأوضح بقائي أن مذكرة تفاهم إسلام آباد ليست اتفاقاً نهائياً، بل إطاراً أولياً لمعالجة النقاط الخلافية الأساسية وتثبيت وقف الحرب، على أن يُناقش الملف النووي لاحقاً خلال مدة تصل إلى 60 يوماً، بما يعني أن إيران نجحت في فصل أولوية وقف العدوان عن الضغوط الغربية المتعلقة ببرنامجها النووي.

وتكشف هذه المقاربة أن طهران لا تتعامل مع المفاوضات من موقع الضعف، بل من موقع من استطاع فرض جدول الأعمال: أولاً وقف الحرب والعدوان، ثم لاحقاً مناقشة الملفات الفنية والسياسية الأخرى، مع التشديد على عدم نقل أي مواد نووية إلى الخارج وعدم القبول بإملاءات تحت الضغط.

وعلى الجانب الأمريكي، حاول ترامب تسويق الاتفاق باعتباره “جداراً يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي”، متحدثاً عن فتح مضيق هرمز بعد التوقيع، وعن عملية لاحقة لما سماه “الغبار النووي”، غير أن التصريحات الإيرانية تؤكد أن واشنطن تبالغ في تصوير ما لم يُحسم بعد، وأن طهران لن تقبل بتفاهم استعراضي يفرض عليها تنازلات مجانية.

وتؤكد المعطيات أن مضيق هرمز هو الورقة الأشد حضوراً في مسار التفاوض. فقد أفادت وكالة فارس بأن مئات السفن تنتظر ترخيصاً إيرانياً للعبور، فيما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن ناقلة نفط عملاقة اخترقت الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران بمجرد إغلاق جهاز التعريف الآلي، في إشارة إلى أن سيطرة طهران على قواعد الحركة البحرية لم تسقط رغم الضغط العسكري الأمريكي.

وبحسب التسريبات الغربية، فإن بعض بنود التفاهم المحتمل تتضمن إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الحصار البحري الأمريكي على إيران، مقابل بحث رفع العقوبات النفطية والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، غير أن واشنطن سارعت إلى نفي بعض التفاصيل المتعلقة بالإفراج الفوري عن الأموال، ما يعكس استمرار التجاذب داخل المعسكر الأمريكي حول حجم التنازلات المطلوبة لإنقاذ المسار الدبلوماسي.

وتشير معلومات أخرى إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها يخططون لإعادة حركة الشحن عبر هرمز إلى مستوياتها الطبيعية خلال نحو شهر من توقيع أي اتفاق محتمل، وسط حديث عن تعقيدات مرتبطة بإزالة الألغام البحرية واحتمال مشاركة أمريكية وبريطانية وفرنسية في هذه العملية، وهو ما يؤكد أن إغلاق المضيق لم يكن خطوة رمزية، بل ورقة استراتيجية أثرت في حسابات الطاقة والشحن والتجارة العالمية.

في السياق ذاته، لعبت باكستان دور الوسيط النشط، حيث أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق بات قريباً، وأن بلاده مستعدة لاستضافة مراسم توقيع إلكتروني، بينما أجرت إسلام آباد اتصالات مع قطر والسعودية بشأن الجهود الإقليمية لخفض التصعيد وتعزيز الاستقرار.

كما رحب وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار بالتقدم المشجع نحو تفاهم بين واشنطن وطهران، معتبراً أن الجهود الجارية قد تسهم في تحقيق السلام والاستقرار الإقليميين، وهو ما يعكس إدراكاً إقليمياً بأن استمرار الحرب بات يهدد مصالح الجميع، لا إيران وحدها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تؤكد فيه القيادة الإيرانية أن الحرب فشلت في تحقيق أهدافها، رغم اغتيال القادة والعلماء النوويين والهجمات على البنية التحتية. وقد شدد الرئيس الإيراني على أن الشعب تحمل ضغوطاً اقتصادية كبيرة، لكنه صمد أمام الحرب والحصار، فيما أكد قائد مقر خاتم الأنبياء أن الشعب الإيراني سطر ملحمة إعجازية في دعم القوات المسلحة وتجديد البيعة للقيادة.

وتتعامل وسائل الإعلام الإيرانية مع التفاهم المحتمل بوصفه اعترافاً أمريكياً متأخراً بحقيقة لم تستطع واشنطن تجاوزها طوال العقود الماضية: إيران دولة ذات سيادة لا يمكن إخضاعها بالتهديد، ولا يمكن تجاوز موقعها في أمن الخليج وهرمز والمنطقة.

أما على الجانب الإسرائيلي، فتبدو تل أبيب الأكثر قلقاً من مسار التفاهم. فإسرائيل تتوقع الاحتفاظ بما تسميه “حرية التحرك”، وتضغط لضمان إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من إيران، لكنها تجد نفسها أمام واقع جديد: واشنطن تبحث عن تفاهم مع طهران، ونتنياهو مستبعد من بعض اللقاءات الحساسة، وإيران تفرض أن وقف الحرب على الجبهات، وفي مقدمتها لبنان، هو المدخل لأي ترتيب سياسي.

وبذلك، يظهر أن مذكرة إسلام آباد ليست مجرد وثيقة تفاوضية، بل نتيجة مباشرة لمعادلة الردع التي صنعتها إيران ومحور المقاومة. فواشنطن التي تحدثت عن إسقاط النظام والحسم العسكري، عادت إلى طاولة التفاهم، وإيران التي تعرضت للعدوان والحصار والاغتيالات، فرضت أن يكون وقف الحرب وفتح هرمز ورفع الضغوط جزءاً من أي تسوية.

زمن البلطجة انتهى

كلنا نشاهد ونعلم ماذا يحصل اليوم في منطقتنا.

أمريكا، التي هي رأس الأفعى وأُمُّ الإرهاب في هذا العالم، مش راضية تقتنع إن زمنَ الغطرسة والتحكم بمصائر الشعوب ولىّ وبدون رجعة.

اليوم عندما نتابعُ آخرَ التطورات في العدوان الأمريكي اليهودي المُستمرّ على الجمهورية الإسلامية في إيران، نحن لا نتكلم عن مُجَـرّد خلاف سياسي أَو أزمة عابرة، نحن نتكلم عن معركة حقيقية وواضحة بين قوى الاستكبار العالمي بقيادة أمريكا، وبين شعوب حرة وقفت بكل شجاعة وقالت “لا” في وجه المشاريع الصهيونية والأمريكية.

أمريكا اليوم، بكل ما تملكه من آلة عسكرية ضخمة وإمبراطوريات إعلامية كاذبة، تتخبط بشكل غريب.

جرَّبوا مع إيران كُـلّ الأساليب القذرة؛ من حصار اقتصادي خانق جائر، وعقوبات ظالمة تستهدف لقمة عيش المواطن المسلم، إلى التحَرّكات العسكرية المشبوهة في مياه الخليج، والتحريض الإعلامي المُستمرّ.

والنتيجة إيش؟ النتيجة هي الفشل الذريع والواضح للجميع.

إيران اليوم أثبتت للعالم كله أنها دولة قوية، واقفه على قدميها، وتطور قدراتها الدفاعية والعسكرية بشكل يخلي قادة البنتاغون يراجعوا حساباتهم ألف مرة قبل ما يفكروا يرتكبوا أي حماقة مباشرة.

خلونا نكون واقعيين ونقرا المشهد صح؛ التحَرّكات الأمريكية الأخيرة في المنطقة، من حشود عسكرية ومحاولات يائسة لفرض معادلات جديدة، ما هي إلا دليل ضعف وخوف، مش دليل قوة أبدًا.

أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني عاجزة تمامًا عن مواجهة إيران وجهًا لوجه لأنها عارفة الثمن الغالي والمرعب الذي ممكن تدفعه لو شعلت حرب مفتوحة.

من أجل ذلك، نشاهدهم يلجأوا لأساليب ملتوية وخبيثة:

حرب السايبير والاغتيالات: محاولات لضرب البنية التحتية والمنشآت الحيوية الإيرانية.

الحصار الاقتصادي المجدد: محاولة الضغط على الشعب الإيراني لكسر إرادته وصموده.

التحريض الدبلوماسي: محاولة جمع تحالفات دولية وإقليمية فاشلة لمواجهة النفوذ الإيراني.

البعض يتساءل: هل نجحت أمريكا في مخطّطاتها؟

الجواب من الواقع نفسه اقتصاديًّا، إيران وسعت تحالفاتها شرقًا وغربًا وكسرت العزلة، وجالسة تبيع نفطها وتدير أمورها رغمًا عن أنف واشنطن وعصابتها.

وعسكريًّا، كلما أطلقت أمريكا تهديدًا، كلما كشفت إيران عن سلاح استراتيجي جديد، ومناورات عسكرية ترعب الأعداء وتثبت إن غطرسة قوى الاستكبار ولت وإلى غير رجعه.

ونحنوا في اليمن، ومن منطلق مشروعنا القرآني والإيماني، نؤكّـدها بكل وضوح وعالي الصوت: معركتنا واحدة وعدونا واحد.

العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران هو نفسه العدوان الحاصل على اليمن، وهو نفسه الدعم اللامحدود والغطاء الكامل للكيان الصهيوني المجرم في فلسطين.

قوى الاستكبار تحاول دائمًا تفكيك الأُمَّــة والاستفراد بكل دولة لحالها؛ مِن أجلِ تسهل السيطرة عليها، ولكن هيهات منا الذلة.

محور المقاومة اليوم أصبح يمثل سدًا منيعًا وجسدًا واحدًا لا يمكن اختراقه؛ إذَا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالمساندة والمدد.

شاهدوا كيف اليمن، بفضل الله وتوجيهات القيادة الحكيمة، استطاع يفرض معادلات مرعبة في البحر الأحمر وباب المندب، وكيف أربك الحسابات الأمريكية والصهيونية وقلب الطاولة فوق رؤوسهم.

هذا فضل عظيم وكله يصب في مصلحة المعركة الكبرى ضد الطغيان.

إيران ليست لوحدها في الميدان، وراها شعوب حرة وجيوش ومقاومة في اليمن، ولبنان، والعراق، وفلسطين، مستعدة الذهاب لأبعد مدى للدفاع عن كرامة ومقدسات هذه الأُمَّــة.

إن زمن التهديد بـحاملات الطائرات قد انتهى، واليوم نحن في زمن تصنع فيه الشعوب الحرة معادلات النصر والتمكين برغم أنف كُـلّ مستكبر وظالم.

أمريكا لازم تفهم وتستوعب إن سياسة البلطجة الدولية لم تعد تنفع مع شعوب تذوقت طعم الحرية والعزة والكرامة.

كلما زاد العدوان الأمريكي والضغط على إيران، كلما زاد التلاحم والترابط بين أطراف محور المقاومة، وكلما اقتربت نهاية الهيمنة الأمريكية الزائفة في منطقتنا.

الأيّام القادمة حبلى بالمفاجآت، والرهان اليوم هو على وعي الشعوب وصمود المجاهدين في الميدان، والعاقبة دائمًا للمتقين، والخزي والعار لقوى الاستكبار الصهيوأمريكا وأذنابهم في المنطقة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالملك العتاكي