تتسارع الأحداث في الإقليم بوتيرة تجعل من الصعب رسم صورة نهائية لمسار الحرب الدائرة ضد إيران، غير أن المؤشرات الأولية التي كشفتها الأسابيع الأولى من المواجهة توحي بأن الحرب التي أرادتها واشنطن وتل أبيب ضربة حاسمة وسريعة قد بدأت تنزلق تدريجياً نحو نمط مختلف تماماً: حرب استنزاف مفتوحة على احتمالات إقليمية ودولية واسعة.
فالرهان الأساسي الذي قامت عليه الاستراتيجية الأميركية – “الإسرائيلية” لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان سياسياً واجتماعياً أيضاً. إذ افترضت دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب أن الضغط العسكري الكثيف سيؤدي إلى تفكيك البنية الداخلية للدولة الإيرانية، سواء عبر إثارة الانقسامات العرقية أو عبر تحفيز الشارع الإيراني على الانفجار ضد النظام. لكن مجريات المرحلة الأولى من الحرب كشفت أن هذه الحسابات لم تكن دقيقة، بل ربما قامت على سوء تقدير عميق لطبيعة المجتمع الإيراني وبنية الدولة فيه.
إستراتيجية “الصدمة والترويع” وحدود تطبيقها في الحالة الإيرانية
في الواقع، تقوم الاستراتيجية الأميركية التقليدية في الحروب الكبرى على مبدأ “الصدمة والترويع”، أي توجيه ضربات مكثفة وسريعة لإحداث انهيار نفسي وسياسي لدى الخصم، بما يؤدي إلى تفكك منظومة القيادة أو انهيار الجبهة الداخلية. وقد جرى تطبيق هذا النموذج في العراق عام 2003، كما استُخدم بأشكال مختلفة في حروب أخرى. غير أن تطبيق هذا النموذج على إيران يواجه تحديات مختلفة تماماً تتعلق بطبيعة الدولة الإيرانية نفسها، وببنيتها الاجتماعية والسياسية، وبقدرتها التاريخية على امتصاص الصدمات.
منذ بداية الحرب، بدا واضحاً أن الضربات الأميركية و”الإسرائيلية” ركزت بشكل ملحوظ على مناطق غرب إيران، ولا سيما المحافظات ذات الغالبية الكردية. وقد فُسّر هذا التوجه على أنه محاولة لاختبار قابلية تلك المناطق للتحول إلى نقطة ضغط داخلية، عبر تفعيل خطوط الصدع العرقية وإطلاق ديناميات تفكك سياسي. لكن التطورات على الأرض أظهرت أن هذه الفرضية لم تتحقق حتى الآن، بل إن الضغط الخارجي أدى إلى نتيجة معاكسة نسبياً، إذ عزز شعوراً أوسع بالتماسك الوطني داخل قطاعات مختلفة من المجتمع الإيراني.
غرب إيران واختبار الرهان على الانقسام العرقي
يرتبط هذا الفشل بجملة من العوامل البنيوية التي غالباً ما يتم تجاهلها في التحليلات الغربية. فإيران ليست دولة قومية متجانسة، لكنها في الوقت نفسه ليست دولة هشة بالمعنى الذي يفترضه كثير من المخططين الاستراتيجيين في الغرب. فالتنوع العرقي في إيران – الذي يشمل الأذريين والأكراد والعرب والبلوش والتركمان – لا يتحول تلقائياً إلى نزعات انفصالية، بل يتداخل مع هوية وطنية أوسع تشكلت عبر قرون من التاريخ المشترك. كما أن هذه المكونات العرقية ليست معزولة عن بنية الدولة، بل إن كثيراً منها يشغل مواقع مركزية في المؤسسات السياسية والعسكرية.
لقد افترضت بعض التقديرات أن الجماعات الكردية المسلحة، الموجودة أساساً خارج الحدود الإيرانية، يمكن أن تشكل رأس حربة لتمرد واسع في الداخل إذا ما تزامن نشاطها مع ضغط عسكري خارجي. غير أن وجود تنظيمات مسلحة لا يعني بالضرورة وجود قاعدة اجتماعية واسعة تدعم مشروعها السياسي. فالمجتمع الكردي الإيراني نفسه متنوع سياسياً واجتماعياً، ويضم تيارات متعددة، من القوميين إلى الإصلاحيين إلى الحركات الدينية واليسارية، إضافة إلى قطاعات واسعة تفضّل المطالبة بالإصلاح داخل الدولة بدلاً من الانخراط في مشاريع انفصالية مسلحة.
التنوع القومي في إيران: عامل اندماج لا تفك
لكن العامل الأكثر تأثيراً ربما يتمثل في طبيعة العلاقة التي تتشكل عادة بين الدولة والمجتمع في ظروف الحرب. فالتاريخ السياسي يُظهر أن المجتمعات التي تتعرض لضغط عسكري خارجي تميل غالباً إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، بحيث تتراجع الخلافات السياسية مؤقتاً أمام الشعور بوجود تهديد خارجي مشترك. وفي الحالة الإيرانية، لعبت الذاكرة التاريخية للحرب العراقية – الإيرانية دوراً مهماً في تشكيل هذه الاستجابة. فقد خاضت إيران خلال ثمانينيات القرن الماضي حرباً طويلة ومكلفة استمرت ثماني سنوات، وأسهمت تلك التجربة في ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على فكرة الصمود في مواجهة العدوان الخارجي.
وقد تعزز هذا الشعور أيضاً بفعل بعض الحوادث التي تركت أثراً عاطفياً كبيراً داخل المجتمع الإيراني، مثل استهداف منشآت مدنية أو سقوط ضحايا مدنيين، وهو ما ساهم في تحويل الحرب – في نظر قطاعات واسعة من الإيرانيين – من صراع مع الحكومة إلى صراع مع المجتمع نفسه. وعندما يحدث هذا التحول في الإدراك، فإن النتيجة غالباً ما تكون تعزيز التماسك الداخلي بدلاً من تفكيكه.
ملامح تحوّل الحرب إلى مواجهة استنزاف
إلى جانب ذلك، بدأت تظهر مؤشرات أخرى على أن الحرب قد تتحول إلى معادلة استنزاف طويلة. فإيران تمتلك قدرة واضحة على امتصاص الضربات، وفي الوقت نفسه الاستمرار في الرد عبر استهداف قواعد أميركية أو العمق “الإسرائيلي”. وهذه المعادلة تمثل تحدياً حقيقياً لتل أبيب وواشنطن، لأن نقطة الضعف الرئيسية في الاستراتيجية “الإسرائيلية” تكمن في حساسية الجبهة الداخلية تجاه الضربات الصاروخية والخسائر الاقتصادية.
وفي هذا السياق، بدأت الخطابات الرسمية الإيرانية تعكس قناعة متزايدة بأن مسار الحرب لم يعد خاضعاً بالكامل للحسابات الأميركية و”الإسرائيلية”. فقد أعلن مقر خاتم الأنبياء أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” لم تعودا تتحكمان بمسار المواجهة، في إشارة إلى أن قدرة إيران على الرد وإدارة التصعيد بدأت تفرض معادلة مختلفة عن تلك التي خططت لها واشنطن وتل أبيب في بداية الحرب. كما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن التفاوض مع الولايات المتحدة لم يعد مطروحاً على جدول الأعمال في هذه المرحلة، وهو موقف يعكس تحوّل المواجهة من محاولة لفرض شروط سياسية سريعة إلى صراع مفتوح تحكمه موازين القوة على الأرض أكثر مما تحكمه المسارات الدبلوماسية التقليدية.
الضغط على الجبهة الداخلية “الإسرائيلية”
كما أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يضع ضغوطاً متزايدة على “المجتمع الإسرائيلي” نفسه، الذي لا يزال يعاني أصلاً من تداعيات الحرب في غزة وما رافقها من أزمات اقتصادية وسياسية. ومع مرور الوقت، قد تتحول حالة التعبئة الأولية في الداخل “الإسرائيلي” إلى حالة من التململ أو الغضب، خاصة إذا بدأ يتشكل انطباع بأن الحرب تخدم أهدافاً سياسية داخلية لرئيس الحكومة الإسرائيلية أكثر مما تخدم الأمن القومي الإسرائيلي.
الخسائر الأميركية وحدود القدرة على الاستمرار في الحرب
من جهة أخرى، تلعب الخسائر البشرية في صفوف القوات الأميركية دوراً مهماً في تحديد سقف استمرار الحرب. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الرأي العام الأميركي يصبح أكثر حساسية تجاه الحروب الخارجية عندما تبدأ الخسائر البشرية بالارتفاع، وهو ما قد يخلق ضغوطاً سياسية على الإدارة الأميركية للبحث عن مخرج سريع من الصراع.
وفي مؤشر آخر على كلفة المواجهة وسرعة استنزافها للقدرات العسكرية، كشفت صحيفة “واشنطن بوست” نقلًا عن مصادر مطلعة أن الجيش الأميركي أنفق نحو 5.6 مليار دولار على الذخائر خلال اليومين الأولين فقط من الحرب ضد إيران. ويعكس هذا الرقم حجم الكثافة النارية التي رافقت الضربة الافتتاحية، لكنه في الوقت نفسه يسلّط الضوء على الكلفة الباهظة للحرب إذا ما تحولت إلى مواجهة طويلة الأمد.
ولا يقل أهمية عن ذلك العامل الدولي الأوسع. فكلما اقتربت الحرب من تهديد المصالح الاقتصادية أو الاستراتيجية للقوى الكبرى، تزداد احتمالات التدخل الدبلوماسي لاحتواء الصراع. وقد يصبح هذا العامل أكثر تأثيراً إذا ترافقت الحرب مع اضطرابات في أسواق الطاقة أو مع تصاعد التوترات في ممرات التجارة الدولية.
كما أن الحسابات الإقليمية تلعب دوراً لا يقل تعقيداً. فإمكانية دخول أطراف محسوبة على محور إيران – مثل اليمن – إلى ساحة المواجهة قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب وزيادة كلفتها العسكرية والأمنية على الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي هذه الحالة، قد تتحول المواجهة من حرب مباشرة مع إيران إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات يصعب التحكم بمساره.
فشل رهان “الثورة الملونة” داخل إيران
إضافة إلى ذلك، فإن أحد أهم رهانات نتنياهو وترامب كان يتمثل في إمكانية تحفيز الشارع الإيراني على الخروج في احتجاجات واسعة ضد النظام، على غرار ما يسمى “الثورات الملونة”. غير أن الالتفاف الشعبي الذي ظهر في مواجهة الحرب، إضافة إلى سرعة النظام في إعادة ترتيب بنيته القيادية، قلّل من فرص تحقق هذا السيناريو.
فانتخاب السيد مجتبى الخامنئي قائداً ثالثاً للجمهورية الإسلامية خلفاً للقائد الشهيد السيد علي الخامنئي شكّل إشارة واضحة إلى أن النظام السياسي في إيران لا يزال يمتلك آليات مؤسسية تتيح له الاستمرار وإعادة إنتاج قيادته حتى في ظروف الحرب. وقد جاء هذا التطور ليعزز صورة الاستقرار المؤسسي في الدولة الإيرانية، ويضعف الرهان على حدوث فراغ قيادي يمكن استغلاله لإحداث تغيير سياسي جذري.
توازن الكلفة… العامل الحاسم في نهاية الحرب
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الحرب على إيران دخلت مرحلة مختلفة عن تلك التي خُطط لها في بدايتها. فبدلاً من تحقيق ضربة حاسمة تؤدي إلى انهيار سريع للنظام، بدأت تتشكل معادلة أكثر تعقيداً تقوم على توازن بين قدرة إيران على الصمود وقدرة الولايات المتحدة و”إسرائيل” على تحمل كلفة الحرب.
ولهذا، فإن نهاية الحرب لن تُحسم فقط في الميدان العسكري، بل ستتحدد أيضاً بقدرة كل طرف على تحمل الكلفة السياسية والاقتصادية والنفسية للصراع. وفي هذه المعادلة تحديداً، قد تكتشف واشنطن وتل أبيب أن الرهانات التي بُنيت عليها الحرب لم تكن واقعية بالقدر الكافي، وأن الحرب التي أُريد لها أن تكون قصيرة وحاسمة قد تتحول إلى مواجهة طويلة تفرض حسابات مختلفة تماماً عن تلك التي بدأت بها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د.محمد الأيوبي