الرئيسية بلوق الصفحة 165

جريمة مروعة.. مقتل بائع بسيط برصاص عنصر من “الحزام الأمني” في الضالع

كشفت جريمة مقتل الشاب بشار فؤاد أحمد ردمان العديني، المنحدر من محافظة إب، جانبًا جديدًا من حالة الانفلات الأمني والفوضى المسلحة التي تضرب المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المرتزقة التابعة لتحالف العدوان في جنوب اليمن، حيث بات المواطن البسيط عرضة للقتل والإذلال والابتزاز تحت سلطة السلاح والجبايات غير القانونية.

وقالت مصادر محلية إن الشاب بشار العديني، وهو بائع بسيط كان يعمل على فرشة لبيع الألعاب النارية الخاصة بالعيد في منطقة سناح بمحافظة الضالع، طُلب منه دفع مبلغ مالي مقابل السماح له بالبيع في المكان. وبحسب المعلومات، فقد قام بالفعل بدفع المبلغ الذي فُرض عليه، غير أن جنديًا آخر تابعًا لما يسمى قوات الحزام الأمني حضر لاحقًا وطالبه بدفع جباية إضافية جديدة.

وأضافت المصادر أن الشاب رفض دفع مبلغ آخر بعد أن سدد ما عليه مسبقًا، فما كان من الجندي إلا أن أطلق عليه النار مباشرة، ليرديه قتيلًا في جريمة صادمة هزّت مشاعر المواطنين وأثارت موجة غضب واسعة. وتشير المعلومات إلى أن الجندي المتهم يتبع القطاع الرابع من قوات الحزام الأمني في منطقة الحازة – حجر بمحافظة الضالع.

وتعيد هذه الجريمة تسليط الضوء على الواقع الأمني المنفلت في مناطق سيطرة فصائل المرتزقة الموالية لتحالف العدوان، حيث تحولت كثير من النقاط والمواقع المسلحة إلى أدوات لفرض الجبايات والإتاوات على المواطنين، في ظل غياب أي سلطة قانونية حقيقية تكفل الحماية أو تردع الجناة. كما يرى ناشطون أن هذه الحادثة ليست معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي طالت المدنيين في تلك المناطق، من قتل وابتزاز واختطاف ونهب، وسط صمت مريب وغياب للمحاسبة.

ويؤكد مراقبون أن مقتل بائع بسيط بسبب رفضه دفع جباية إضافية يكشف حجم المأساة التي يعيشها السكان تحت سطوة الفصائل المسلحة، ويعبر عن مستوى خطير من الاستباحة والفوضى وانعدام الأمن، حيث أصبحت حياة الناس ولقمة عيشهم رهينة لنفوذ المسلحين ومزاجهم.

صمت “صنعاء” الثقيل يربك واشنطن وتل أبيب والخليج

أثار الصمت اليمني المحسوب تجاه العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران قلقًا متصاعدًا في واشنطن وتل أبيب وعدد من العواصم الخليجية، بعدما تحوّل هذا الصمت بحد ذاته إلى عامل ضغط استراتيجي يفتح باب الاحتمالات على مصراعيه، ويجعل خصوم اليمن في حالة ترقب دائم لموعد دخول صنعاء وخيارها المقبل وشكل تدخلها إذا ما قررت الانتقال من الموقف السياسي إلى الفعل الميداني.

وبات اليمن حاضرًا بقوة في النقاشات السياسية والعسكرية والإعلامية داخل تلك العواصم، لا باعتباره طرفًا هامشيًا أو ثانويًا، بل بوصفه رقمًا صعبًا خرج من معركة إسناد غزة بخبرة قتالية متراكمة، وقدرات متقدمة، ومكاسب ردعية واضحة، ما جعل أي تقدير للمشهد الإقليمي الحالي ناقصًا من دون احتساب الموقف اليمني وإمكانات انخراطه في جبهة الحرب المفتوحة.

وتتركز المخاوف الأمريكية والإسرائيلية والخليجية حول السيناريو الذي قد يقرّر فيه اليمن تعميق الأزمة عسكريًا واقتصاديًا، خصوصًا في ضوء التقديرات المتزايدة بإمكانية دخوله بأدوات أكثر تطورًا في البحر والجو، وبأساليب قتال جديدة قد تجعل توسيع رقعة المواجهة أكثر كلفة وأشد خطرًا على خصومه. ورغم أن صنعاء لم تعلن حتى الآن، بصورة رسمية، تنفيذ عمليات إسناد مباشرة لإيران كما فعلت سابقًا في معركة غزة، فإن موقف قيادتها لم يكن غامضًا، إذ أكدت بوضوح أن “اليد على الزناد” وأن القرار يخضع لتقييم الموقف وتطورات الميدان.

ويبدو أن هذا الصمت لا يُقرأ في دوائر الخصوم على أنه حياد أو تراجع، بل على العكس، يتم التعامل معه باعتباره صمتًا عملياتيًا يسبق احتمال الدخول في التوقيت الذي تختاره صنعاء، وضمن الشروط التي تراها مناسبة، خاصة إذا دفعت الولايات المتحدة أطرافًا إقليمية جديدة إلى الانخراط المباشر في الحرب، وفي مقدمتها بعض الدول الخليجية التي سبق أن تلقت رسائل يمنية واضحة تحذرها من تبعات أي تورط عسكري أو لوجستي في العدوان.

كما يتعاظم القلق من احتمال أن يكون لليمن دور حاسم في الجبهة البحرية، خصوصًا إذا مضت واشنطن نحو تصعيد أخطر في مضيق هرمز، إذ إن أي إشارة إلى إغلاق منفذ موازٍ في الأهمية تضع باب المندب في قلب الحسابات العسكرية والاقتصادية، بوصفه الشريان الآخر لتدفقات النفط والتجارة في المنطقة. وهنا تتسع المخاوف من أن يُقدم اليمن على شل سلاسل الإمداد المرتبطة بالولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، أو تعطيل حركة الممرات الحيوية، أو فرض معادلة استنزاف جديدة تربك الخطط الأمريكية–الإسرائيلية وتبعثر أولوياتها.

وفي هذا السياق، لا تنبع خشية واشنطن وتل أبيب والخليج من مجرد دخول اليمن كجبهة إضافية، بل من طبيعة هذا الدخول إذا وقع؛ لأن صنعاء لا تمثل فقط عبئًا ناريًا جديدًا، بل تمثل أيضًا عامل تشتيت واستنزاف لما تبقى من القدرات الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما قد يفتح المجال أمام عمليات أكبر وأكثر تأثيرًا في البحر والبر، ويعيد تشكيل المشهد العسكري في المنطقة على نحو أكثر تعقيدًا وخطورة بالنسبة لمعسكر العدوان.

وبذلك، فإن الصمت اليمني لم يعد فراغًا في المشهد، بل أصبح بحد ذاته رسالة ردع ثقيلة، وورقة ضغط استراتيجية تؤرق الولايات المتحدة والخليج والاحتلال الإسرائيلي، لأن الجميع يدرك أن دخول صنعاء، إن حصل، لن يكون مجرد موقف تضامني عابر، بل تحولًا ميدانيًا قد يغيّر توازنات الحرب واتجاهاتها بصورة عميقة.

قائد أنصار الله في يوم القدس: معركة الأمة مفتوحة.. واليمن يقف مع “إيران” وهو على جهوزية كاملة في مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي

السيد الحوثي: التطبيع بوابة الاختراق الصهيوني.. والهدنة الهشة لا تلغي جولات الصراع المقبلة

أكد قائد أنصار الله السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، في كلمته بمناسبة يوم القدس العالمي للعام 1447هـ، أن هذه المناسبة تمثل محطة مركزية في الوعي الإسلامي، لأنها تعيد تذكير الأمة بمسؤوليتها الدينية والمقدسة تجاه فلسطين والقدس والمسجد الأقصى، وتضعها أمام حقيقة الخطر الصهيوني بوصفه مشروعًا يستهدف الإسلام والمسلمين والمقدسات، ولا يقتصر على احتلال فلسطين وحدها، بل يمتد إلى السعي لإقامة ما يسمى “إسرائيل الكبرى” عبر احتلال بلدان المنطقة والسيطرة عليها بالكامل.

وأوضح أن إحياء يوم القدس، الذي أعلنه الإمام الخميني في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، لم يكن مرتبطًا بإيران وحدها، بل كان نداءً مبكرًا موجّهًا إلى الأمة كلها، لتبقى القضية الفلسطينية حية في وجدانها، في مواجهة محاولات الأعداء والعملاء تضييعها وشطبها من دائرة الاهتمام. وأشار إلى أن الثورة الإسلامية في إيران تبنت القضية الفلسطينية منذ وقت مبكر، وأثبتت مصداقيتها في هذا الموقف عبر الثبات والدعم العملي، معتبرًا أن الوقوف الصادق مع فلسطين لا يصدر إلا عن القوى الحرة التي لا تخضع لإملاءات أعداء الإسلام.

وفي قراءته لطبيعة الصراع، شدد السيد الحوثي على أن المشروع الصهيوني ليس مجرد احتلال لفلسطين، بل مخطط إجرامي شامل يستهدف شعوب المنطقة كافة، ويقوم على الاستقطاب الغربي، خصوصًا في الولايات المتحدة، لتحقيق أهداف الهيمنة والسيطرة. وقال إن الموقف الأمريكي تجاه الأمة ليس موقفًا سياسيًا تكتيكيًا قابلًا للتبدل، بل هو موقف صهيوني أصيل، وإن التحرك الأمريكي العدواني هو شريك مباشر للعدو الإسرائيلي في كل جرائمه، في إطار مشروع معلن لتغيير الشرق الأوسط وإعادة تشكيله بما يخدم الهيمنة الصهيونية.

وانتقد بشدة ما وصفه بحالة العمى السياسي لدى كثير من الأنظمة العربية والإسلامية في تقييم الموقف الأمريكي والغربي، مستعرضًا كيف انتقل العرب من الارتهان للبريطاني، الذي مهد لتمكين الصهاينة في فلسطين، إلى الارتهان الكامل للأمريكي، رغم أنه الراعي الأبرز للمخطط الصهيوني. ورأى أن تسمية أمريكا في مراحل سابقة بـ”راعية السلام” عكس حالة من التخدير السياسي والضلال، استغلها العدو لبناء واقعه وتوسيع نفوذه.

وأكد أن القرآن الكريم يقدم الرؤية الصحيحة لطبيعة العدو، وللصراع مع اليهود والصهاينة، وأنه حسم الخيارات أمام الأمة حتى لا تقع في تجارب فاشلة جديدة تحت عناوين المعاهدات والتطبيع وأنصاف الحلول. وقال إن خيار الولاء لأمريكا وإسرائيل الذي تتبناه بعض الأنظمة هو خيار باطل، وإن الطريق الصحيح هو التولي لله والتحرك الواسع وفق هدى الله، لأن نتيجة هذا الصراع، مهما طال، هي حتمية زوال الأعداء متى التزمت الأمة بأسباب القوة والنصر.

وفي هذا الإطار، شدد على أن المواجهة مع العدو ليست عسكرية فقط، بل هي معركة شاملة في الإعلام والثقافة والأخلاق والقيم والاقتصاد والصحة، لافتًا إلى أن العدو ينشط لتفكيك الأسرة، ونشر المخدرات والانحلال الأخلاقي، وتدمير القيم، وأن الأمة مطالبة بأن تتعامل مع كل ميدان من هذه الميادين بوصفه ميدان جهاد ومواجهة. كما أشار إلى ما وصفه بالصحوة العالمية المتنامية حتى داخل المجتمعات الغربية تجاه المشروع الصهيوني، معتبرًا أن من المؤسف أن تستمر حالة الجمود في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية رغم وضوح الخطر.

وتناول السيد الحوثي العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في إيران بوصفه عدوانًا ظالمًا وغاشمًا ووحشيًا لا مبرر له إطلاقًا، مؤكدًا أن هدفه الحقيقي هو إزاحة الجمهورية الإسلامية باعتبارها من أكبر العوائق أمام تنفيذ مشروع السيطرة على المنطقة وإقامة “إسرائيل الكبرى”. وقال إن إيران تمثل عائقًا كبيرًا جدًا أمام العدو الإسرائيلي في فرض هيمنته على شعوب المنطقة، وإن الصمود الإيراني والرد الإيراني أظهرا مستوى عاليًا من القوة والفاعلية، حيث ألحقا أضرارًا كبيرة بالقواعد الأمريكية وبالعدو الإسرائيلي، ولا يزال الرد قائمًا.

ورأى أن ما جرى في إيران خلال هذه المرحلة كشف بوضوح فشل الأعداء الأمريكيين والإسرائيليين في تحقيق أهدافهم، وأظهر التماسك القوي للجمهورية الإسلامية وللشعب الإيراني، مقابل دخول الأعداء في مأزق واضح يتكبدون فيه خسائر كبيرة دون قدرة على حسم المعركة. وأضاف أن هذا النموذج الإيراني، كما نماذج غزة ولبنان واليمن والعراق، يجب أن يلفت أنظار الأمة إلى أهمية الثبات والصمود والرد الفعال، لأن كثيرًا من بلدان المنطقة لو تعرضت لما تعرضت له إيران لانهارت في أيام أو ساعات.

كما انتقد مواقف بعض الأنظمة التي لا تكتفي بالموقف السلبي تجاه إيران، بل تسعى إلى التستر على القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها وتبني ما يحصل من رد عليها، معتبرًا أن من حق الجمهورية الإسلامية ألا تقبل بالاستباحة من قواعد تنطلق من بلدان أخرى لتقتل وتدمر في إيران. وحذر من استمرار الأمريكي والإسرائيلي في محاولة توريط تلك الأنظمة في المشاركة المباشرة في العدوان، داعيًا من لا يزال يصر على الموقف السلبي إلى تعديل حساباته، لأن الجميع يدرك أن نجاح العدوان على إيران كان سيُستثمر لإخضاع بقية شعوب المنطقة.

وفي الشأن اللبناني، أكد أن من حق حزب الله المشروع التصدي للعدوان الإسرائيلي على لبنان، وأن اللوم يجب ألا يتجه إلى من يرد على الاعتداء بل إلى من يشنه، معتبرًا أن محاولة فرض معادلة الاستباحة على شعوب المنطقة، بحيث يُسمح للأمريكي والإسرائيلي بضرب من يشاؤون متى شاؤوا، مع لوم من يتصدى لهم، هي معادلة لا يجوز القبول بها، لأنها تمثل انتقاصًا حتى من الكرامة الإنسانية وخطرًا وجوديًا على الأمة.

وأشاد كذلك بموقف الفصائل الإسلامية المجاهدة في العراق، معتبرًا أن ما تقوم به هو حق مشروع وموقف عظيم يستحق الإشادة والشكر. أما في ما يتعلق باليمن، فأكد أن موقف صنعاء منذ البداية كان واضحًا في اعتبار العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران حربًا على الإسلام والمسلمين وعلى المنطقة كلها، وأن اليمن معنيّ بأن يكون له موقف إلى جانب إيران ضد أعداء الإسلام والمسلمين.

وختم السيد الحوثي بالتأكيد على أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية للأمة، وأن اليمن ثابت على التزامه الديني والمبدئي والأخلاقي بنصرة الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية، وعلى رأسها المسجد الأقصى، وبمواجهة العدو الصهيوني ومخططاته العدوانية. وأشاد بالمؤتمر الدولي الرابع “فلسطين قضية الأمة المركزية” الذي استضافته صنعاء، معتبرًا إياه نموذجًا مفيدًا لبقية البلدان الإسلامية، كما أكد أن الشعب اليمني يعد من أكبر الشعوب إحياءً ليوم القدس العالمي انطلاقًا من هويته الإيمانية وروحيته الجهادية.

ودعا في ختام كلمته الشعب اليمني إلى الخروج المليوني العظيم والمشرف في يوم القدس العالمي، مؤكدًا أن هذا الحضور الشعبي الواسع ليس مجرد تعبير تضامني، بل هو جزء من الجهاد، وقربة عظيمة إلى الله في هذه الأيام المباركة، ورسالة واضحة بأن اليمن سيبقى حاضرًا في قلب معركة الأمة، سياسيًا وشعبيًا ومعنويًا وميدانيًا.

اليوم الثالث عشر: إيران تُحكم معادلة البحر والنار بقيادة مجتبى الخامنئي.. هرمز مغلق، القواعد الأمريكية تحت الضرب، وعمق الاحتلال يتلقى أعنف الموجات المشتركة

دخلت المواجهة في يومها الثالث عشر طورًا أشدّ وضوحًا وحسمًا، بعدما رسّخت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سياسيًا وعسكريًا، أن القيادة الجديدة لم تأتِ لإدارة مرحلة احتواء أو تهدئة، بل لقيادة مرحلة تثبيت الردع وتوسيع كلفة العدوان على واشنطن وتل أبيب. وفي هذا السياق، بدت توجيهات قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى الحسيني الخامنئي الإطار الجامع للمشهد كله، من البحر إلى الصواريخ إلى الحضور الشعبي، إذ أكد بوضوح أن إيران لن تتخلى عن الثأر لدماء الشهداء، وأن إغلاق مضيق هرمز يجب أن يستمر، وأن استهداف القواعد العسكرية الأمريكية سيتواصل ما دام العدوان منطلقًا منها، مع التشديد على أن إيران مؤمنة بالصداقة مع الجيران ولا تستهدف الدول، بل القواعد المعتدية فقط، وأن جبهة المقاومة جزء لا يتجزأ من قيم الثورة الإسلامية ومن معركة الدفاع عن الأمة في وجه المشروع الأمريكي الصهيوني.

هذه التوجيهات تُرجمت سريعًا في الميدان. فقد أعلن قائد القوة البحرية في حرس الثورة الإسلامية الأدميرال علي رضا تنكسيري أن قواته، تلبية لأوامر القائد العام للقوات المسلحة السيد مجتبى الخامنئي، ستُبقي مضيق هرمز مغلقًا، وستوجه أشد الضربات للعدو المعتدي. وجاء ذلك متطابقًا مع ما أكده مقر خاتم الأنبياء من أن مضيق هرمز تحت إدارة إيران بلا أدنى شك وبدون لحظة غفلة واحدة، في رسالة تؤكد أن طهران لم تعد تتعامل مع المضيق بوصفه مجرد ممر مائي، بل بوصفه ورقة سيادية واستراتيجية كبرى في صلب الحرب، ومعيارًا مباشرًا لميزان الردع الإقليمي والدولي. وزاد هذا المعنى حضورًا مع إعلان الحرس الثوري استهداف سفينة sefa sia المملوكة لأمريكا والتي ترفع علم جزر المارشال في شمال الخليج العربي بعد تجاهلها تحذيرات القوات البحرية، مقرونًا بتحذير لجميع السفن والناقلات بوجوب الالتزام بالقوانين والأنظمة الخاصة التي تحددها إيران في ظروف الحرب.

وفي البعد العسكري المباشر، تصاعدت الضربات الإيرانية على القواعد الأمريكية في المنطقة بصورة نوعية. فقد أعلنت العلاقات العامة لحرس الثورة أن القوة البحرية نفذت موجتين من الهجمات على مقر الأسطول الخامس الأمريكي في قاعدة ميناء سلمان، مستخدمة الصواريخ والمسيرات، وأصابت منظومة “ليدز” المضادة للطائرات المسيرة، ومراكز صيانة وتخزين الزوارق المسيرة عن بعد، ومعدات الدعم، وخزانات الوقود، ومراكز تجمع الجنود الأمريكيين، مؤكدة أن القاعدة أُصيبت بدقة عالية عبر طيف متنوع من الوسائط يشمل الطائرات المسيّرة، والصواريخ الباليستية، وصواريخ الكروز. وتكامل هذا مع إعلان التلفزيون الإيراني عن هجوم صاروخي استهدف قاعدة الاحتلال الأمريكي في البحرين، ومع تقارير الحرس عن تنفيذ الموجة الأربعين من “الوعد الصادق 4” بالتعاون مع قوى المقاومة الإسلامية باستخدام صواريخ قادر وعماد وخيبر وفتح ضد أهداف في تل أبيب والقدس وحيفا وقواعد أمريكية في المنطقة.

الجيش الإيراني من جانبه شدد على أن الرسالة التوجيهية الأولى الصادرة عن القائد الأعلى للقوات المسلحة تشكل أمرًا حاسمًا في مواجهة أعداء الوطن، وأنها وصلت بوضوح وصوت عالٍ إلى الوحدات المقاتلة، مؤكداً أن مقاتليه جددوا العهد والولاء، وأنهم سيواصلون القتال بلا هوادة ضد المعتدين والمجرمين، بإرادة أشد قوة وصلابة من أي وقت مضى، وأن الجيش جنبًا إلى جنب مع حرس الثورة سيبقى صامدًا حتى آخر نفس دفاعًا عن استقلال الوطن ووحدة أراضيه ونظام الجمهورية الإسلامية. وفي ترجمة عملية لهذا الخطاب، أعلن الجيش الإيراني أنه قصف أهدافًا في قاعدتي بالماخيم الجوية وعويدا ومقر الشاباك في الأراضي الفلسطينية المحتلة، موضحًا أن تدمير جزء من منشآت الرادار التابعة للعدو في المراكز الحساسة جعل مواصلة العمليات أسهل وأكثر دقة، وأن الجيش بات قادرًا على استهداف أفضل للنقاط المهمة والحساسة في الكيان الإسرائيلي.

وفي العمق الإسرائيلي، أظهرت الساعات الممتدة من ليل الحادي عشر إلى نهار الثاني عشر من مارس تزامنًا ناريًا كثيفًا بين إيران والمقاومة في لبنان، بحيث بدا أن يوم الحرب الثالث عشر قد حمل إيقاعًا مشتركًا وواسعًا أربك منظومات العدو على طول الجبهة. فقد دوت صفارات الإنذار في حيفا، ونهاريا، وكريات شمونة، والمطلة، وأفيفيم، وديشون، والمالكية، والجليل الأعلى، والمنطقة الصناعية في عكا، وإيلات، وتل أبيب ومحيطها، فيما تحدثت وسائل إعلام العدو عن هجوم صاروخي متزامن من إيران ولبنان، وعن فشل دفاعاته في اعتراض الصواريخ في أجواء وسط فلسطين المحتلة. وأظهرت مشاهد سقوط صاروخ إيراني بشكل مباشر في تل أبيب وحدوث انفجار عنيف أن العمق الصهيوني ما يزال مكشوفًا رغم كل الضجيج الأمريكي حول الدفاعات والاعتراض.

وفي موازاة ذلك، وسّعت المقاومة الإسلامية في لبنان هجماتها بشكل لافت. فقد أعلنت قصف كريات شمونة ونهاريا بصليات صاروخية ضمن سلسلة عمليات “العصف المأكول”، ثم استهدفت قاعدة مسغاف وشركة يوديفات للصناعات العسكرية الصهيونية بعشرات الصواريخ، وقصفت مقر قيادة المنطقة الشمالية في قاعدة دادو وقاعدة عين زيتيم شمال صفد المحتلة، ثم قاعدة حيفا البحرية وقاعدة طيرة الكرمل في مدينة حيفا، قبل أن تعود لتضرب المطلة وأفيفيم وشتولا بالمسيّرات والصليات. ووصل الأمر إلى سقوط صواريخ أطلقت من لبنان في بني براك وسط الكيان، بينما كشف موقع والاه أن حزب الله أطلق 220 صاروخًا في الليلة الماضية وحدها، بينها 100 صاروخ خلال دقائق. كما واصل الحزب استهداف القوات المتقدمة على الحدود، وأعلن تكرار ضربات خلّة المحافر والعديسة وعيترون، ثم وسّع المدى إلى أهداف حساسة مثل محطة الأقمار الصناعية التابعة لشركة SES في بيت شيمش ومحطة الاتصالات الفضائية التابعة لشعبة الاتصالات والدفاع السيبيري في جيش العدو في وادي إيلا، وأخيرًا قاعدة الرملة، قاعدة قيادة الجبهة الداخلية، جنوب شرق تل أبيب.

هذا التداخل بين النار الإيرانية ونار جبهة الإسناد اللبنانية منح طهران عمقًا إضافيًا في تنفيذ توجيهات السيد مجتبى الخامنئي حين أكد أن تعاون مكونات جبهة المقاومة معًا يقصّر الطريق للخلاص من الفتنة الصهيونية، وأن إذا استمر الوضع الحربي سيتم تفعيل جبهات لا يملك العدو فيها خبرة. كما أن إشادة مقر خاتم الأنبياء بـ الهجمات المؤثرة والشجاعة التي نفذتها قوى المقاومة، واعتبارها استكمالًا للهجمات الواسعة الصاروخية والجوية التي شنتها إيران، يؤكد أن اليوم الثالث عشر لم يكن فقط يوم تصعيد إيراني، بل يوم ترسيخ معادلة ميدان موحد تتحرك فيه إيران وجبهات الإسناد بصورة متكاملة.

سياسيًا، حرصت طهران على ربط هذا التصعيد الميداني بالأفق العقائدي والسيادي للحرب. فقد شددت الخارجية الإيرانية على أن يوم القدس العالمي يمثل رمزًا للاحتجاج الموحد للعالم الإسلامي ضد اغتصاب أرض فلسطين التاريخية، وأن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران يهدف إلى تحقيق وهم “إسرائيل الكبرى”، بما يعني أن الهجوم على إيران ليس معركة منعزلة، بل يستهدف المنطقة بأكملها والعالم الإسلامي. كما أكدت استمرار سياسة إيران المبدئية في دعم نضال الشعب الفلسطيني لإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف على كامل تراب فلسطين التاريخية. ومن هذا المنظور، جاءت كلمة السيد مجتبى الخامنئي لتربط بين الحضور الشعبي في الساحات، خصوصًا في مراسم يوم القدس العالمي، وبين المعركة الجارية، مؤكداً أن الشعب حاضر وله دور مهم، ولن يتمكن أي قائد من فعل أي شيء بدونه، وأن فاعلية الشعب وحضوره يجب الحفاظ عليهما في كافة المجالات. وقد انعكس ذلك فعليًا في التظاهرات الإيرانية الحاشدة تحت المطر وفي أجواء ليلة القدر، وفي ما حملته من رسالة مفادها أن الداخل الإيراني لم يتراجع ولم ينكسر.

اقتصاديًا، واصل اليوم الثالث عشر تعميق أثر الحرب على الأسواق العالمية، لكن بصورة أظهرت أن إيران لا تزال قادرة على المناورة والسيطرة في آن واحد. فمن جهة، قفزت العقود الآجلة للخام الأمريكي إلى 91.78 دولارًا، وتجاوز خام برنت 98 دولارًا، بينما حذرت بلومبرغ من أن استمرار الحرب مع إيران وبقاء النفط قرب 100 دولار للبرميل قد يدفع معدل التضخم في الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من 3%. كما حذر الاتحاد الأوروبي من أثر النفط والغاز على السوق، ودعت مجموعة السبع إلى بحث أدوات الطوارئ. وفي الولايات المتحدة، أعلن وزير الطاقة بدء إخراج 172 مليون برميل من المخزون الاستراتيجي اعتبارًا من الأسبوع المقبل، في مؤشر واضح على اتساع القلق الأمريكي من آثار الحرب على السوق والداخل الأمريكي. لكن في المقابل، نقلت وول ستريت جورنال أن الشحنات الإيرانية خلال الأيام الستة الماضية ارتفعت إلى 2.1 مليون برميل يوميًا متجاوزة مستويات ما قبل الحرب، وأن إيران تواصل سيطرتها على مضيق هرمز وتصدير النفط أكثر من بداية الحرب، بما يعكس نجاحًا إيرانيًا في إدارة الضغط البحري والاقتصادي بطريقة انتقائية لا تغلق على نفسها أبواب التصدير، لكنها تجعل العدو وحلفاءه يدفعون الثمن الأكبر.

وفي السياق الدولي، حملت التصريحات العمانية أهمية لافتة. فقد أكد وزير الخارجية العماني أن الهدف الفعلي من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هو إضعافها وإعادة تشكيل المنطقة والدفع بملف التطبيع، كما أعلن أن عمان لن تدخل في مجلس السلام الذي يرأسه ترامب ولن تطبع مع إسرائيل، واعتبر أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران حلقة جديدة في سلسلة خطيرة من الانتهاكات، وأن الاقتصاد العالمي سيدفع ثمن استمرار الحرب من خلال ارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل التوريد، داعيًا إلى إعادة النظر في الفلسفة الدفاعية الخليجية. وهذا الموقف، إلى جانب ما نقلته رويترز عن المخابرات الأمريكية من أن حكومة إيران ليست على وشك الانهيار، يكشف أن رواية الحرب الخاطفة وإسقاط الدولة الإيرانية لم تعد تجد لها سندًا حتى داخل دوائر التقييم الغربي.

وفي المحصلة، يظهر اليوم الثالث عشر بوصفه يوم تثبيت القيادة الجديدة في قلب الميدان، ويوم إحكام القبضة الإيرانية على معادلة البحر والطاقة والنار المشتركة. فقد بدا واضحًا أن توجيهات السيد مجتبى الخامنئي لم تكن مجرد خطاب تعبوي، بل برنامج عمل ميداني وسيادي كامل: الثأر مستمر، هرمز سيبقى مغلقًا، القواعد الأمريكية ستُستهدف ما دامت منطلقًا للعدوان، جبهة المقاومة ستظل شريكًا أصيلًا، والشعب سيكون حاضراً في الساحات كما في الصمود. وفي المقابل، أظهر هذا اليوم أن واشنطن وتل أبيب تواجهان حربًا تتسع في الجو والبحر والاقتصاد والشرعية السياسية، بينما تزداد إيران قدرة على فرض وتيرة المعركة وشروطها وأفقها الاستراتيجي.

السيد “مجتبى الخامنئي” يرسم معادلة المرحلة: لا تراجع عن الثأر، وإغلاق هرمز واستهداف القواعد الأمريكية سيستمران حتى كسر العدوان

أكد قائد الثورة الإسلامية في إيران السيد مجتبى الحسيني الخامنئي أن الجمهورية الإسلامية دخلت مرحلة أكثر حزماً ووضوحاً في إدارة المواجهة مع العدوان الأمريكي الإسرائيلي، مشدداً على أن الثأر لدماء الشهداء واجب ثابت لا تراجع عنه، وأن العمليات الانتقامية ستتواصل وفق الأسلوب الذي تختاره إيران وبما يضمن ردع المعتدين وكسر أوهامهم.

وأوضح السيد الخامنئي أن إغلاق مضيق هرمز يجب أن يستمر، في إشارة واضحة إلى تمسك طهران باستخدام أوراقها السيادية والاستراتيجية في وجه محاولات الإخضاع والهيمنة، مؤكداً في الوقت نفسه أن إيران مؤمنة بالصداقة مع الجيران ولا تستهدف الدول المجاورة، بل تركز ضرباتها على القواعد العسكرية الأمريكية التي استُخدمت في العدوان، وأنها ستُضطر إلى مواصلة هذا الاستهداف ما دام استخدام تلك القواعد مستمراً.

وفي رسالة مباشرة إلى قادة المنطقة، شدد السيد الخامنئي على أن إيران ترتبط بحدود برية أو بحرية مع 15 دولة، وأنها كانت دائماً حريصة على علاقات ودية وبنّاءة مع الجميع، غير أن العدو أقام منذ سنوات قواعد عسكرية ومالية في بعض هذه الدول لضمان هيمنته على المنطقة، وقد استُخدمت بعض هذه القواعد في الهجوم الأخير على إيران، ولذلك جاء الرد الإيراني موجهاً إلى هذه القواعد وحدها دون استهداف تلك الدول. كما نصح هذه الدول بـ إغلاق القواعد الأمريكية سريعاً بعدما ثبت أن ادعاء واشنطن جلب الأمن والسلام لم يكن سوى وهم وكذب وخداع.

وأشار قائد الثورة الإسلامية إلى أن الضربات الإيرانية القوية سدت طريق العدو وأخرجته من وهم القدرة على السيطرة على الوطن الإيراني أو تفكيكه أو تجزئته، مؤكداً أن الشعب الإيراني حاضر في قلب المعركة، وأن أي قائد لا يستطيع أن يفعل شيئاً من دون شعبه. ومن هنا، دعا إلى الحفاظ على فاعلية الشعب وحضوره في جميع المجالات، وإلى أن يكون الحضور الشعبي في الساحات، وخصوصاً في مراسم يوم القدس العالمي، لافتاً وبارزاً بما يليق بحجم المعركة وطبيعتها المصيرية.

وفي ما يتعلق بجبهة المقاومة، أكد السيد الخامنئي أن جبهة المقاومة جزء لا يتجزأ من قيم الثورة الإسلامية، موجهاً الشكر الصادق لمجاهديها، ومعتبراً أن دول وقوى هذه الجبهة هي أفضل أصدقاء إيران في هذه اللحظة التاريخية. وأشاد بمواقف اليمن الشجاع الذي لم يتخل عن الدفاع عن غزة، كما حيّا حزب الله لمساندته الجمهورية الإسلامية رغم كل العقبات، وأثنى على المقاومة العراقية التي سلكت بشجاعة نهج نصرة إيران، مؤكداً أن تعاون مكونات جبهة المقاومة معاً يقصّر الطريق نحو الخلاص من الفتنة الصهيونية.

ولوّح السيد الخامنئي بتوسيع ميدان المواجهة إذا استمر العدوان، مشدداً على أنه إذا استمر الوضع الحربي فسيتم تفعيل جبهات لا يملك العدو فيها خبرة، في تحذير صريح من أن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولات ميدانية أشد قسوة على المعتدين. كما أكد أن كل شهيد من أبناء الشعب الإيراني سيكون له انتقام خاص، وأن إيران ستتعامل مع جرائم الأعداء بطريقتها الخاصة، بما يضمن تحقيق الردع والقصاص.

وفي البعد الإنساني والاقتصادي، أعلن السيد الخامنئي أن الدولة الإيرانية ستعالج وتعوض المتضررين من الاعتداءات، لكنه شدد في المقابل على أن إيران تطالب العدو بالتعويضات عما ألحقه من أضرار، وإن امتنع عن ذلك فإن طهران ستأخذ من أمواله بالقدر الذي تراه مناسباً، وإن تعذر ذلك فإنها ستدمر من ممتلكاته بالمقدار نفسه، في رسالة تحمل بعداً سيادياً وقانونياً وردعياً في آن واحد.

كما أشار السيد الخامنئي إلى أنه علم بقرار مجلس خبراء القيادة بشأن انتخابه عبر شاشة التلفزيون الوطني، في إشارة تعكس الطابع المؤسسي للدولة الإيرانية، وتؤكد أن انتقال القيادة جرى في إطار دستوري منظم رغم ظروف الحرب والعدوان.

وبذلك، ترسم تصريحات السيد مجتبى الخامنئي ملامح مرحلة جديدة عنوانها الواضح: لا تراجع عن الثأر، لا تساهل مع القواعد الأمريكية، لا تفريط بأوراق الردع في هرمز، ولا انفصال بين إيران وجبهة المقاومة في معركة كسر المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة.

عبقرية الرد الإيراني ولجوء العدو لحظر النشر

"خيبر" يطرق عمق الكيان.. الموجة العاشرة تستهدف "مكتب نتنياهو" وتُوسّع ميدان النار من "تل أبيب" إلى حيفا والقدس وتفتح اشتباكًا مباشرًا مع قواعد واشنطن في الخليج

تتجلى عبقرية الرد الإيراني في إدارة النيران في تتابع وتصاعد الردود عبر تقسيط مدروس للاهداف وفق سيناريوهات تمزج بين الصواريخ طويلة المدى ومعركة بمدايات أطول من خرم شهر الذي يزن بالأطنان إلى أسرى بالمسيرات رخيصة الثمن ضمن استراتيجية الاستنزاف الذكي حيث الهدف ليس القوى النارية الصرفة فحسب بل دفع المنظومات الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية إلى استهلاك مخزونها الاستراتيجي.

وقد أشارت غير مرة تقارير غربية أن البنتاجون استنزف ما يصل إلى نصف مخزونه في غضون أيام.

كذلك يتبين ذكاء اختيار الهداف في تجاوز القوائد العسكرية التقليدية نحو العصب الحساس من قاعدة حيفا البحرية أو رادار جرينباين تمتد الضربات الإيرانية لتطال الوحدة 8200 ومنظمة الاستخبارات العسكرية وصولا إلى التهديد بضرب البنية التحتية التكنولوجية لشركات كبرى.

تقود طهران على مكث معركة الدفاع عن نفسها إلى مستوى جديد نحو انتقاء الأهداف النوعية كاشفة عن قدرة استخباراتية على تحديد مواقع إقامة القوات خارج الثكنات ويضع المصالح الأمريكية في المنطقة تحت مقصلة التهديد المباشر وفي الوقت نفسه تحول مضيق هرمز إلى ورقة ضغط حاسمة.

أمام هذا الواقع الميداني تلود القيادة الصهيونية بقانون الرقيب العسكري وتلجأ لتفعيل الحضر الكامل وتعتيم آثار الدمار في يافا وبقية المناطق المحتلة كاستراتيجية وحيدة للدفاع في معركة الصورة لمنع اكتمال مشهد القوة الإيرانية.

يدرك الصهاينة أن الاعتراف بحجم الفجوة بين الاعتراضات الناجحة والواقع الميداني سيؤدي إلى تآكل ما تبقى من قوة الردع ويوفر لطهران تغذية راجعة مجانية لتطوير دقة ضرباتها القادمة.

12 يوما كانت كافية لتغيير قواعد الاشتباك لتغدو إيران في الأيام الأخيرة هي من تدير إيقاع المواجهة وتخبئ مزيدا من المفاجآت
___
المشهد اليمني الأول

قواعد أمريكية بمسميات خليجية.. الخليج يهاب الانخراط ويلبس دور الضحية

لا تتوقف دولٌ خليجية من توجيه الإدانات تجاه المعتدى عليهم عندما يردون على اعتداءات تطالهم من قواعد بتلك الدول، تتجاهل تلك الدول أن سماءها مفتوحة للطائرة الأمريكية والإسرائيلية، تعيش دور الضحية فيما وزير الحرب الأمريكية ورئيس هيئة الأركان المشتركة يصفان دور تلك الدول بالعظيم وبالشراكة التي تعيد تشكيل المنطقة.

لا تعلق السعودية ولا البحرين ولا الإمارات ودول أخرى بأي موقف تجاه الاقرار الأمريكي بمنح هذه الدول حق الوصول والتمركز والتحليق للقوات الأمريكية للاعتداء على إيران، فيما تحاول عبر وسائل إعلامها التضليل أنها ليست أكثر من ضحية حرب بين أطراف متصارعة.

ورغم هذا الموقف المنحاز لصالح تأمين القواعد وحق التحليق للأمريكي، لا يتوقف المسؤولون الأمريكيين عن مهاجمة الموقف السعودي، السيناتور الأمريكي المقرب من ترامب لينسيجراهام هاجم تلك الدول نظراً لعدم انخراطها المباشر في الحرب على إيران بل وهددها بعواقب وخيمة إذا ما اكتفت بهذا السقف من الموقف.

في مقابل ذلك لا تفتأ طهران تؤكد أنها لا تستهدف جيرانها في الخليج وإنما القواعد والمقارات الأمريكية التي تنطلق منها الاعتداءات على ايران مع إشارات واضحة لأكثر من مره بأن بعض الهجمات تحمل بصماط إسرائيلية لخلط الأوراق وهو ما أكدته وسائل الإعلام الأمريكية عن إيقاف عناصر من الموساد الإسرائيلي في السعودية وقطر كانت تخطط لتنفذ عمليات مشبوهة لإشعال النيران بهدف توفير بيئة تسمح بجر دول المنطقة لمواجهة مع الجمهورية الإسلامية بما يخفف عن الأمريكي والإسرائيلي تركيز الضربات تمهيداً للانكفاء إلى الوراء.

لسنوات والخليج يتباهى باحتضانه للقواعد الأمريكية، منذ حرب الخليج وأمريكا تسعى لتحويله إلى قاعدة عسكرية فلا تنكر البحرين أن جزءاً كبيراً من موانئها بات ضمن الأسطور الخامس الأمريكية كما لا تنكر السعودية وقطر والإمارات وغيرها أنها تحتضن أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة وما تبقى لتلك الدول من تلك القواعد إلا أسماؤها العربية
___
المشهد اليمني الأول

“حزب الله” يعلن إطلاق عمليات “العصف المأكول” ويبدأها بقصف عشرات المستوطنات الحدودية

أعلنت المقاومة الإسلامية في لبنان، مساء الأربعاء 11 مارس 2026، إطلاق ما سمّته عمليات “العصف المأكول”، في تطور ميداني لافت جاء في سياق التصعيد المتواصل على الجبهة اللبنانية–الفلسطينية المحتلة، وربطت هذه المرحلة الجديدة من عملياتها بالرد على العدوان الإسرائيلي الذي استهدف عشرات المدن والبلدات اللبنانية، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت.

وفي بيان افتتاحي حمل طابعًا تعبويًا، قالت المقاومة الإسلامية إنها تطلق عمليات “العصف المأكول”، مستندة إلى خطاب ديني ورمزي يوحي ببدء مرحلة جديدة من الرد العسكري المنظم. وبعد ذلك بساعات، أعلنت في بيان لاحق أن مجاهديها نفذوا عند الساعة 19:40 من مساء الأربعاء عملية صاروخية واسعة استهدفت المستوطنات التي سبق التحذير بإخلائها ضمن نطاق خمسة كيلومترات من الحدود اللبنانية الفلسطينية.

وأوضح البيان أن القصف نُفذ بعشرات الصواريخ، وأنه جاء ردًا على العدوان الإسرائيلي المجرم الذي طال مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية، في إشارة إلى انتقال حزب الله من إطار الرد الموضعي إلى سلسلة عمليات أوسع تحمل اسمًا موحدًا وتوحي باستمرارها خلال المرحلة المقبلة.

ويعكس هذا الإعلان تصعيدًا واضحًا في قواعد الاشتباك على الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، خصوصًا أن المقاومة ربطت العملية بمنطقة سبق أن وجهت بشأنها تحذيرات إخلاء، ما يشير إلى أن المرحلة الجديدة قد تقوم على توسيع دائرة الاستهداف المنهجي للمستوطنات والمنشآت القريبة من الحدود في مقابل استمرار الغارات الإسرائيلية على العمق اللبناني.

وبذلك، فإن إعلان “العصف المأكول” لا يبدو مجرد تسمية دعائية لعملية واحدة، بل عنوانًا عملياتيًا لمرحلة تصعيد جديدة، تسعى المقاومة من خلالها إلى تثبيت معادلة ردع ميدانية جديدة في مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان.

الحرب على إيران: مؤشرات الاستنزاف وفشل رهانات نتنياهو وترامب

تتسارع الأحداث في الإقليم بوتيرة تجعل من الصعب رسم صورة نهائية لمسار الحرب الدائرة ضد إيران، غير أن المؤشرات الأولية التي كشفتها الأسابيع الأولى من المواجهة توحي بأن الحرب التي أرادتها واشنطن وتل أبيب ضربة حاسمة وسريعة قد بدأت تنزلق تدريجياً نحو نمط مختلف تماماً: حرب استنزاف مفتوحة على احتمالات إقليمية ودولية واسعة.

فالرهان الأساسي الذي قامت عليه الاستراتيجية الأميركية – “الإسرائيلية” لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان سياسياً واجتماعياً أيضاً. إذ افترضت دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب أن الضغط العسكري الكثيف سيؤدي إلى تفكيك البنية الداخلية للدولة الإيرانية، سواء عبر إثارة الانقسامات العرقية أو عبر تحفيز الشارع الإيراني على الانفجار ضد النظام. لكن مجريات المرحلة الأولى من الحرب كشفت أن هذه الحسابات لم تكن دقيقة، بل ربما قامت على سوء تقدير عميق لطبيعة المجتمع الإيراني وبنية الدولة فيه.

إستراتيجية “الصدمة والترويع” وحدود تطبيقها في الحالة الإيرانية

في الواقع، تقوم الاستراتيجية الأميركية التقليدية في الحروب الكبرى على مبدأ “الصدمة والترويع”، أي توجيه ضربات مكثفة وسريعة لإحداث انهيار نفسي وسياسي لدى الخصم، بما يؤدي إلى تفكك منظومة القيادة أو انهيار الجبهة الداخلية. وقد جرى تطبيق هذا النموذج في العراق عام 2003، كما استُخدم بأشكال مختلفة في حروب أخرى. غير أن تطبيق هذا النموذج على إيران يواجه تحديات مختلفة تماماً تتعلق بطبيعة الدولة الإيرانية نفسها، وببنيتها الاجتماعية والسياسية، وبقدرتها التاريخية على امتصاص الصدمات.

منذ بداية الحرب، بدا واضحاً أن الضربات الأميركية و”الإسرائيلية” ركزت بشكل ملحوظ على مناطق غرب إيران، ولا سيما المحافظات ذات الغالبية الكردية. وقد فُسّر هذا التوجه على أنه محاولة لاختبار قابلية تلك المناطق للتحول إلى نقطة ضغط داخلية، عبر تفعيل خطوط الصدع العرقية وإطلاق ديناميات تفكك سياسي. لكن التطورات على الأرض أظهرت أن هذه الفرضية لم تتحقق حتى الآن، بل إن الضغط الخارجي أدى إلى نتيجة معاكسة نسبياً، إذ عزز شعوراً أوسع بالتماسك الوطني داخل قطاعات مختلفة من المجتمع الإيراني.

غرب إيران واختبار الرهان على الانقسام العرقي

يرتبط هذا الفشل بجملة من العوامل البنيوية التي غالباً ما يتم تجاهلها في التحليلات الغربية. فإيران ليست دولة قومية متجانسة، لكنها في الوقت نفسه ليست دولة هشة بالمعنى الذي يفترضه كثير من المخططين الاستراتيجيين في الغرب. فالتنوع العرقي في إيران – الذي يشمل الأذريين والأكراد والعرب والبلوش والتركمان – لا يتحول تلقائياً إلى نزعات انفصالية، بل يتداخل مع هوية وطنية أوسع تشكلت عبر قرون من التاريخ المشترك. كما أن هذه المكونات العرقية ليست معزولة عن بنية الدولة، بل إن كثيراً منها يشغل مواقع مركزية في المؤسسات السياسية والعسكرية.

لقد افترضت بعض التقديرات أن الجماعات الكردية المسلحة، الموجودة أساساً خارج الحدود الإيرانية، يمكن أن تشكل رأس حربة لتمرد واسع في الداخل إذا ما تزامن نشاطها مع ضغط عسكري خارجي. غير أن وجود تنظيمات مسلحة لا يعني بالضرورة وجود قاعدة اجتماعية واسعة تدعم مشروعها السياسي. فالمجتمع الكردي الإيراني نفسه متنوع سياسياً واجتماعياً، ويضم تيارات متعددة، من القوميين إلى الإصلاحيين إلى الحركات الدينية واليسارية، إضافة إلى قطاعات واسعة تفضّل المطالبة بالإصلاح داخل الدولة بدلاً من الانخراط في مشاريع انفصالية مسلحة.

التنوع القومي في إيران: عامل اندماج لا تفك

لكن العامل الأكثر تأثيراً ربما يتمثل في طبيعة العلاقة التي تتشكل عادة بين الدولة والمجتمع في ظروف الحرب. فالتاريخ السياسي يُظهر أن المجتمعات التي تتعرض لضغط عسكري خارجي تميل غالباً إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، بحيث تتراجع الخلافات السياسية مؤقتاً أمام الشعور بوجود تهديد خارجي مشترك. وفي الحالة الإيرانية، لعبت الذاكرة التاريخية للحرب العراقية – الإيرانية دوراً مهماً في تشكيل هذه الاستجابة. فقد خاضت إيران خلال ثمانينيات القرن الماضي حرباً طويلة ومكلفة استمرت ثماني سنوات، وأسهمت تلك التجربة في ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على فكرة الصمود في مواجهة العدوان الخارجي.

وقد تعزز هذا الشعور أيضاً بفعل بعض الحوادث التي تركت أثراً عاطفياً كبيراً داخل المجتمع الإيراني، مثل استهداف منشآت مدنية أو سقوط ضحايا مدنيين، وهو ما ساهم في تحويل الحرب – في نظر قطاعات واسعة من الإيرانيين – من صراع مع الحكومة إلى صراع مع المجتمع نفسه. وعندما يحدث هذا التحول في الإدراك، فإن النتيجة غالباً ما تكون تعزيز التماسك الداخلي بدلاً من تفكيكه.

ملامح تحوّل الحرب إلى مواجهة استنزاف

إلى جانب ذلك، بدأت تظهر مؤشرات أخرى على أن الحرب قد تتحول إلى معادلة استنزاف طويلة. فإيران تمتلك قدرة واضحة على امتصاص الضربات، وفي الوقت نفسه الاستمرار في الرد عبر استهداف قواعد أميركية أو العمق “الإسرائيلي”. وهذه المعادلة تمثل تحدياً حقيقياً لتل أبيب وواشنطن، لأن نقطة الضعف الرئيسية في الاستراتيجية “الإسرائيلية” تكمن في حساسية الجبهة الداخلية تجاه الضربات الصاروخية والخسائر الاقتصادية.

وفي هذا السياق، بدأت الخطابات الرسمية الإيرانية تعكس قناعة متزايدة بأن مسار الحرب لم يعد خاضعاً بالكامل للحسابات الأميركية و”الإسرائيلية”. فقد أعلن مقر خاتم الأنبياء أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” لم تعودا تتحكمان بمسار المواجهة، في إشارة إلى أن قدرة إيران على الرد وإدارة التصعيد بدأت تفرض معادلة مختلفة عن تلك التي خططت لها واشنطن وتل أبيب في بداية الحرب. كما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن التفاوض مع الولايات المتحدة لم يعد مطروحاً على جدول الأعمال في هذه المرحلة، وهو موقف يعكس تحوّل المواجهة من محاولة لفرض شروط سياسية سريعة إلى صراع مفتوح تحكمه موازين القوة على الأرض أكثر مما تحكمه المسارات الدبلوماسية التقليدية.

الضغط على الجبهة الداخلية “الإسرائيلية”

كما أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يضع ضغوطاً متزايدة على “المجتمع الإسرائيلي” نفسه، الذي لا يزال يعاني أصلاً من تداعيات الحرب في غزة وما رافقها من أزمات اقتصادية وسياسية. ومع مرور الوقت، قد تتحول حالة التعبئة الأولية في الداخل “الإسرائيلي” إلى حالة من التململ أو الغضب، خاصة إذا بدأ يتشكل انطباع بأن الحرب تخدم أهدافاً سياسية داخلية لرئيس الحكومة الإسرائيلية أكثر مما تخدم الأمن القومي الإسرائيلي.

الخسائر الأميركية وحدود القدرة على الاستمرار في الحرب

من جهة أخرى، تلعب الخسائر البشرية في صفوف القوات الأميركية دوراً مهماً في تحديد سقف استمرار الحرب. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الرأي العام الأميركي يصبح أكثر حساسية تجاه الحروب الخارجية عندما تبدأ الخسائر البشرية بالارتفاع، وهو ما قد يخلق ضغوطاً سياسية على الإدارة الأميركية للبحث عن مخرج سريع من الصراع.

وفي مؤشر آخر على كلفة المواجهة وسرعة استنزافها للقدرات العسكرية، كشفت صحيفة “واشنطن بوست” نقلًا عن مصادر مطلعة أن الجيش الأميركي أنفق نحو 5.6 مليار دولار على الذخائر خلال اليومين الأولين فقط من الحرب ضد إيران. ويعكس هذا الرقم حجم الكثافة النارية التي رافقت الضربة الافتتاحية، لكنه في الوقت نفسه يسلّط الضوء على الكلفة الباهظة للحرب إذا ما تحولت إلى مواجهة طويلة الأمد.

ولا يقل أهمية عن ذلك العامل الدولي الأوسع. فكلما اقتربت الحرب من تهديد المصالح الاقتصادية أو الاستراتيجية للقوى الكبرى، تزداد احتمالات التدخل الدبلوماسي لاحتواء الصراع. وقد يصبح هذا العامل أكثر تأثيراً إذا ترافقت الحرب مع اضطرابات في أسواق الطاقة أو مع تصاعد التوترات في ممرات التجارة الدولية.

كما أن الحسابات الإقليمية تلعب دوراً لا يقل تعقيداً. فإمكانية دخول أطراف محسوبة على محور إيران – مثل اليمن – إلى ساحة المواجهة قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب وزيادة كلفتها العسكرية والأمنية على الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي هذه الحالة، قد تتحول المواجهة من حرب مباشرة مع إيران إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات يصعب التحكم بمساره.

فشل رهان “الثورة الملونة” داخل إيران

إضافة إلى ذلك، فإن أحد أهم رهانات نتنياهو وترامب كان يتمثل في إمكانية تحفيز الشارع الإيراني على الخروج في احتجاجات واسعة ضد النظام، على غرار ما يسمى “الثورات الملونة”. غير أن الالتفاف الشعبي الذي ظهر في مواجهة الحرب، إضافة إلى سرعة النظام في إعادة ترتيب بنيته القيادية، قلّل من فرص تحقق هذا السيناريو.

فانتخاب السيد مجتبى الخامنئي قائداً ثالثاً للجمهورية الإسلامية خلفاً للقائد الشهيد السيد علي الخامنئي شكّل إشارة واضحة إلى أن النظام السياسي في إيران لا يزال يمتلك آليات مؤسسية تتيح له الاستمرار وإعادة إنتاج قيادته حتى في ظروف الحرب. وقد جاء هذا التطور ليعزز صورة الاستقرار المؤسسي في الدولة الإيرانية، ويضعف الرهان على حدوث فراغ قيادي يمكن استغلاله لإحداث تغيير سياسي جذري.

توازن الكلفة… العامل الحاسم في نهاية الحرب

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الحرب على إيران دخلت مرحلة مختلفة عن تلك التي خُطط لها في بدايتها. فبدلاً من تحقيق ضربة حاسمة تؤدي إلى انهيار سريع للنظام، بدأت تتشكل معادلة أكثر تعقيداً تقوم على توازن بين قدرة إيران على الصمود وقدرة الولايات المتحدة و”إسرائيل” على تحمل كلفة الحرب.

ولهذا، فإن نهاية الحرب لن تُحسم فقط في الميدان العسكري، بل ستتحدد أيضاً بقدرة كل طرف على تحمل الكلفة السياسية والاقتصادية والنفسية للصراع. وفي هذه المعادلة تحديداً، قد تكتشف واشنطن وتل أبيب أن الرهانات التي بُنيت عليها الحرب لم تكن واقعية بالقدر الكافي، وأن الحرب التي أُريد لها أن تكون قصيرة وحاسمة قد تتحول إلى مواجهة طويلة تفرض حسابات مختلفة تماماً عن تلك التي بدأت بها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د.محمد الأيوبي

اليوم الثاني عشر: إيران تفتح “الموجة الأثقل” وتدفع العدوان “الأمريكي-الصهيوني” إلى طور العجز الميداني والاختناق البحري

دخلت العدوان على إيران يومه الثاني عشر على وقع تصعيد إيراني نوعي هو الأعنف منذ بداية المواجهة، بعدما أعلنت الجمهورية الإسلامية بدء الموجة السابعة والثلاثين من عملية “الوعد الصادق 4” بهجوم صاروخي مركب استهدف القواعد الأمريكية في أربيل والأسطول الخامس الأمريكي إلى جانب تل أبيب وبئر يعقوب والقدس الغربية وحيفا، مستخدمةً صواريخ “خيبر” و”قادر” متعددة الرؤوس الحربية بوزن طن واحد، وصواريخ “خرمشهر” و”خيبر شكن”، في رسالة واضحة مفادها أن طهران لم تنتقل فقط من موقع الصمود إلى موقع الفعل، بل باتت تدير إيقاع الاشتباك بما يفرض على واشنطن وتل أبيب معادلة نار مفتوحة زمنياً وعمقاً وتأثيراً.

ومع الساعات الأولى للهجوم، أعلن الحرس الثوري أن الموجة الصاروخية ستستمر ثلاث ساعات على الأقل، مؤكداً أنها الأعنف والأثقل منذ بداية الحرب، وأنها جاءت انتقاماً من أمريكا والعدو الصهيوني بسبب استهداف المدنيين الأبرياء في إيران. وفي السياق نفسه، أوضح حرس الثورة أن الضربات أصابت أهدافاً أمريكية واسعة النطاق في أربيل والأسطول الخامس، إلى جانب مواقع عسكرية صهيونية في بئر يعقوب والقدس الغربية وحيفا، فيما أُعلن أيضاً عن استهداف مركز الاتصالات الفضائية جنوب تل أبيب للمرة الثانية، في دلالة على أن البنية التحتية العسكرية والتقنية للعدو باتت تحت ضربات متكررة ومنهجية، لا مجرد رشقات رمزية أو ردود موضعية.

في المقابل، عكست ردود الفعل داخل الكيان حالة ارتباك وفقدان توازن واضحين. فقد أقرت وسائل إعلام العدو بأن وزراء الكابينيت الأمني المجتمعين في تل أبيب قطعوا اجتماعهم وتوجهوا إلى غرف محصنة مع بداية الموجة، فيما أفادت القناة 12 العبرية بأن فرق الإسعاف تعاملت مع عدة مصابين جراء التدافع نحو الملاجئ، في وقت تحدثت فيه وسائل إعلام الاحتلال عن سقوط صاروخ إيراني على قاعدة عسكرية في تل أبيب، وآخر في محيط قاعدة عسكرية للجيش الإسرائيلي وسط فلسطين المحتلة. كما أعلن التلفزيون الإيراني أن إحدى الدفعات الأخيرة استهدفت قاعدة جوية قرب يافا المحتلة، بينما أظهرت المشاهد لحظة مرور صاروخ انشطاري إيراني في سماء جنين باتجاه الأراضي المحتلة، ومشاهد أخرى لوصول الصواريخ الإيرانية إلى المستوطنات، وما رافقها من رعب واضح بين المستوطنين. هذا المشهد الميداني دفع وسائل إعلام الاحتلال إلى الإقرار بأن الضربات لم تعد هامشية، بل تضرب قلب المنظومة العسكرية والأمنية.

وفي اعتراف غربي لافت بهشاشة السردية الإسرائيلية السابقة، نشرت مجلة الإيكونوميست تقييماً أشار إلى أنه في نهاية الحرب السابقة ادّعى نتنياهو أنه “أزال تهديدين وجوديين” هما البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني، لكن بعد ثمانية أشهر فقط عادت الصواريخ الإيرانية لتسقط على إسرائيل مجدداً. هذه الملاحظة تختزل بدقة أزمة العدوان الراهن: فكل ما قيل عن تحييد إيران أو إنهاء قدراتها لم يصمد أمام الواقع، بل جاءت الأيام التالية لتؤكد أن القدرة الإيرانية على إعادة التموضع والرد والتطوير لا تزال حاضرة بقوة، وأن استراتيجية “الضربات الحاسمة” تحولت إلى وهم سياسي وإعلامي أكثر منها إنجازاً عسكرياً.

في الميدان البحري، بدا الاختناق أكثر وضوحاً. فقد نقلت رويترز عن مصادر في قطاع الشحن أن البحرية الأمريكية رفضت طلبات شبه يومية لمرافقة السفن عبر مضيق هرمز منذ بدء الحرب على إيران، مبررة ذلك بأن خطر الهجمات مرتفع، كما أبلغت البحرية الأمريكية قطاعي الشحن والنفط خلال اجتماعات أنها غير قادرة على توفير الحراسة للسفن في هذا الممر الحيوي.

هذا التطور لا يمثل مجرد خلل إجرائي، بل ضربة استراتيجية مباشرة لهيبة القوة البحرية الأمريكية في واحدة من أهم عقد الطاقة العالمية، ويعني عملياً أن واشنطن، رغم كل الحشود، عاجزة عن تأمين عبور السفن في المضيق الذي طالما ادعت السيطرة عليه. ومع تصاعد هذا العجز، يتأكد أن إيران لم تكتفِ بفرض تهديد نظري على الملاحة، بل نجحت في تحويل مضيق هرمز إلى ساحة اختبار فاشلة للردع الأمريكي.

هذا الواقع الميداني والسيادي ترافق مع تثبيت إيراني لخطاب الحرب الطويلة من موقع المبادرة لا الدفاع السلبي. فقد أكد حرس الثورة أن الحرب لن تتوقف إلا بزوال التهديد أو باستسلام العدو الكامل، وهو تصريح يتجاوز لغة الرد الآني إلى رسم سقف سياسي–عسكري جديد للصراع. فإيران، وفق هذا المنطق، لم تعد تتعامل مع العدوان باعتباره أزمة عابرة تحتاج إلى تهدئة مؤقتة، بل باعتباره مشروعاً يجب كسره عند جذوره، عبر تغيير قواعد الاشتباك وتوسيع كلفة الحرب حتى تتراجع واشنطن وتل أبيب أو تُهزمان سياسياً وميدانياً.

وعلى المستوى العملياتي، يظهر من طبيعة الأهداف والأسلحة المستخدمة أن طهران انتقلت إلى تكتيك الضربات الموجعة المتزامنة: قواعد أمريكية في عمق الانتشار الإقليمي، وبنى اتصالات وتنسيق عسكري صهيونية، وقواعد ومطارات ومناطق مركزية في قلب فلسطين المحتلة. واستخدام صواريخ ثقيلة متعددة الرؤوس بوزن طن واحد يؤشر إلى أن إيران باتت تدفع نحو إرهاق منظومات الاعتراض واستنزافها كمّاً ونوعاً، مع تعمد إبقاء الضربات ممتدة زمنياً لثلاث ساعات على الأقل، بما يمنع العدو من استعادة المبادرة أو إدارة المعركة في نسق قصير ومحدود.

كما أن استهداف الأسطول الخامس الأمريكي بالتوازي مع أربيل يعكس تصميماً إيرانياً على تذكير واشنطن بأن القواعد الثابتة والمنصات البحرية المتحركة كلها ضمن بنك الأهداف، وأن ما تملكه أمريكا من بنية قيادة وانتشار في غرب آسيا يمكن أن يتحول من عنصر قوة إلى نقطة ضعف استراتيجية إذا استمرت الحرب. وفي الوقت نفسه، فإن تكرار استهداف مركز الاتصالات الفضائية جنوب تل أبيب للمرة الثانية يكشف أن إيران تركز على شل قدرة العدو على إدارة الحرب تقنياً واتصالياً، لا مجرد ضربه نارياً فقط.

خلاصة هذا اليوم أن اليوم الثاني عشر لم يكن مجرد جولة قصف جديدة، بل مرحلة كشفت أن إيران باتت تدير الحرب على قاعدة التصعيد المنضبط والضغط التراكمي، وأن العدوان الأمريكي-الصهيوني بدأ يدخل منطقة العجز العملياتي والسياسي. فالكيان يهرب قادته إلى الغرف المحصنة، ويصاب مستوطنوه في التدافع قبل الصواريخ، وإعلامه يعترف بإصابة قواعده ومحيط منشآته العسكرية، فيما تعجز البحرية الأمريكية عن حماية السفن في هرمز، وتعترف الدوائر الغربية بأن الأسطورة التي روّجها نتنياهو عن “إزالة التهديد الإيراني” قد انهارت تحت وقع الصواريخ نفسها التي قال إنه دمرها.

وعليه، فإن المشهد يتجه بوضوح إلى ما هو أبعد من حرب ردع متبادل؛ إنه تحول استراتيجي في توازن الإرادات، حيث تفرض إيران على العدوين الأمريكي والصهيوني واقعاً جديداً عنوانه أن زمن الحرب القصيرة من طرف واحد قد انتهى، وأن أي عدوان على طهران لن يبقى محصوراً في سمائها وحدها، بل سيمتد إلى قواعد واشنطن، ومراكز قيادة الاحتلال، ومجال الطاقة والملاحة العالمية. بهذا المعنى، لم تعد إيران فقط تصد العدوان، بل تعيد صياغة خرائط القوة في غرب آسيا بالنار والسيادة والصبر الطويل.