الرئيسية بلوق الصفحة 175

ثلاثة أسباب تدفع قرار الحرب للتراجع

ثلاثة أسباب تدفع قرار الحرب للتراجع

– لا يجب أن يساور الشكُّ أحداً في أن المشروع الحقيقي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في معالجة المأزق الإيراني هو الحرب وليس التفاوض، الحرب التي تدمّر قدرات إيران الصاروخية وتفكك مؤسساتها العسكرية والأمنية والقيادية وتفتح الباب لتسلّم القيادة من شخصية مستعدة للذهاب مع أميركا بعيداً، ولو تحت غطاء الحفاظ على هوية النظام العلنية، تذهب مع أميركا بالخروج من الصراع مع “إسرائيل” ولو لم تعترف بها، تخرج من برنامجها النووي ولو لم تصرّح بذلك علناً، أولويتها الحصول على مكاسب اقتصادية تتمكن عبرها من إظهار جدوى خيارها بالتفاهم مع واشنطن وإظهار واقعيته بالمقابل كخيار غير مذلٍّ وغير مكلف، ولو كانت الأثمان تدفع ضمناً.

– هذا الخيار يبدو متعثراً لذلك يذهب ترامب للتفاوض، لكن التفاوض مع إيران متعب ومزعج ولا يتيح فرصة تسوية، والنتيجة القائمة على اتفاق نووي حصراً ويحفظ لإيران حقوقها الثابتة، ولا يقدّم إلا تنازلات شكلية، هو هزيمة أميركية وكارثة إسرائيلية، خصوصاً أن إيران تصرّ على رفع العقوبات بصورة كاملة لقاء أي اتفاق، لن يستطيع أحد إنكار أنه يمنح الشرعية لتمسك إيران ببقاء برنامجها الصاروخي ودعمها لحركات المقاومة، ما يتكفل بإطاحة كل مزاعم النصر الذي تحدث عنه ترامب والذي دعا شريكه بنيامين نتنياهو إلى التباهي به، وسقف ما يمكن أن تناله أميركا هو حفظ ماء الوجه ببعض المكاسب النووية الشكلية التي تعرف واشنطن أنها لا تمس موازين القوى التي سوف تنشأ عن هذا الاتفاق، خصوصاً في ما يتعلق بوضع “إسرائيل” الإقليمي، ولو أن المكاسب الاقتصادية التي قد تعرضها إيران تشكل تعويضاً مناسباً للخسارة السياسية.

– المراوحة في المكان غير ممكنة لأن حروب المنطقة كلها لا تزال مفتوحة، وتحقيق تقدّم في أي مسار منها لم يعد ممكناً لـ**“إسرائيل”** أو لأميركا دون النجاح الكامل في المسار الإيراني، ومثلما يعني الاتفاق مع إيران بشروطها ترجيح كفة تسويات تعيد تعويم قوى المقاومة، فإن المراوحة تعني بقاء الاستعصاء في ساحات مثل لبنان وغزة واليمن والعراق، وهذا سوف يدفع بالقوى الإقليمية والمحلية المعنية بهذه الساحات إلى الاندفاع نحو تسويات تعبر عن موازين قوى لا تزال قوى المقاومة فيها قوة غير قابلة للتجاهل، خصوصاً أن الحشود الأميركية ومعها خطاب الحرب ومهل للتفاوض لم يترك مجالاً للعودة إلى المراوحة.

– بخلاف ما يقوله كثيرون عن منح ترامب فرصة للتفاوض قبل أخذ قرار الحرب، فإن ترامب الذي يعرف نتيجة التفاوض معرفة يقينية يبقي خط التفاوض على صفيح ساخن لنيل أفضل الممكن، بينما يمنح الفرصة لخيار الحرب، خيار يأتيه بأجوبة على أسئلة تتصل بتخفيض التكلفة وزيادة فرص النجاح، وهو يريد ضمان أن أي حاملة من حاملات الطائرات لن تكون معرّضة لخطر الإصابة والغرق، لأن خسارة سفينة حربية أو أكثر ومئات الجنود مع تحقيق نجاحات كبيرة أمر قابل للاحتواء، أما غرق حاملة على متنها 7 آلاف ضابط وجندي فهذا يفوق قدرة أي رئيس على احتوائه وكارثة تمثل تغييراً نوعياً لا يمكن المخاطرة بحدوثه، وثانياً يريد ترامب ضمان أن الضربات في الأيام الأولى سوف تضمن تدمير النسبة الأهم من قدرات إيران الصاروخية، بحيث لا تستمر الحرب أسابيع وشهوراً، وبالتالي لا تنهار الدفاعات الإسرائيلية بينما تواصل إيران صب حممها على المنشآت الاستراتيدجية والسكانية الإسرائيلية،.

والأهم ألا يقفل مضيق هرمز لأكثر من أسابيع قليلة بحيث يمكن احتواء الأزمة الناجمة عن إقفاله حتى إعلان نهاية الحرب، لكن احتمال إقفاله شهوراً تتحوّل إلى حرب استنزاف فخراب اقتصادي يصيب العالم قد تنهار معه البورصات العالمية وأسواق الطاقة وربما أسواق العملات، أما الأمر الثالث الذي يريد ترامب جواباً عملياً عليه فهو الداخل الإيراني وكيفية تفاعله مع الحرب، بعيداً عن التمنيات والأحلام، فمعرفة من سيقود إيران بعد الحرب هو جوهر الحرب وفيه جواب على البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي القابلين للترميم بعقول إيرانية إذا بقيت الإرادة السياسية ذاتها في سدة القيادة.

– ترامب يريد الحرب أكثر مما يريدها نتنياهو، وليس صحيحاً أن نتنياهو يضغط لشن الحرب وترامب يتريث لأنه يعطي الفرصة للتوصل الى اتفاق، ومعلوم أن ترامب رضخ في قبول تفاوض بشروط إيران لأنه لم يكن جاهزاً للحرب وهو ينتظر قبل أن يقبل باتفاق بشروط إيران جواباً على أن الحرب ممكنة، بتكلفة معقولة ونتائج مضمونة تستحق المخاطرة.

– إيران تعرف ذلك وهي لهذا السبب تجعل الاتفاق أكثر إغراء والحرب أشد تعقيداً وكلفة وتسعى لجعل النتائج المطلوبة مستحيلة التحقيق.

ــــــــــــــــــــــــــــ
ناصر قنديل

قاتل للحاملات.. خمسة صواريخ قادرة على إغراق “أقوى حاملة طائرات” في العالم

لم يعد الحديث عن حاملات الطائرات الأمريكية بوصفها “أدوات حسم مطلقة” كما كان في العقود الماضية، فالتطور الصاروخي الصيني المتسارع — خصوصًا في مجال الصواريخ الباليستية والفرط صوتية المضادة للسفن — يدفع مراكز القرار العسكري في واشنطن إلى إعادة حسابات الردع البحري في المحيطين الهادئ والهندي.

المشهد العسكري الجديد لا يقوم فقط على صاروخ واحد “قاتل للحاملات”، بل على منظومة نيران متكاملة تجمع بين المدى البعيد، وسرعة الاختراق، وكثافة الإطلاق، وتعدد المنصات (برًا، بحرًا، وجوًا)، بما يهدف إلى إغراق الدفاعات الأمريكية بالتشبع النيراني قبل الوصول إلى الهدف الرئيسي: مجموعة الحاملة القتالية.

وتزداد أهمية هذا النقاش مع بروز حاملة الطائرات الأمريكية USS Gerald R. Ford بوصفها أكبر حاملة طائرات في العالم، وهي منصة تمثل ذروة القوة البحرية الأمريكية، لكنها — مثل بقية الحاملات — تبقى معتمدة على مظلة دفاعية صاروخية وجوية يمكن استنزافها إذا واجهت موجات هجوم معقدة ومتزامنة. البحرية الأمريكية نفسها تصف “جيرالد فورد” بأنها منصة قادرة على تشغيل عمليات جوية مكثفة وعلى متنها آلاف البحارة وعشرات الطائرات، ما يجعلها هدفًا إستراتيجيًا بالغ الحساسية في أي حرب كبرى.

في هذا الإطار، تبرز خمسة صواريخ صينية يُنظر إليها في الأدبيات العسكرية باعتبارها العمود الفقري لقدرات بكين المضادة للحاملات:

أولًا: DF-27
هذا الصاروخ يمثل قفزة نوعية في التفكير الصيني، لأنه يجمع بين المدى الكبير جدًا وقدرات المناورة العالية عبر مركبات انزلاقية فرط صوتية، ما يمنح الصين خيار ضرب أهداف بحرية بعيدة خارج نطاق الاشتباك التقليدي. وزارة الدفاع الأمريكية أشارت إلى أن الصين تمضي في تطوير ترسانة صاروخية متقدمة، وتتضمن برامج فرط صوتية وباليستية توسّع قدرتها على تهديد الأصول الأمريكية في العمق البحري.

ثانيًا: DF-26
يُعد من أكثر الصواريخ الصينية شهرة في التقديرات الغربية، بسبب مرونته التشغيلية وقدرته على حمل رؤوس مختلفة، إضافة إلى ارتباطه المتكرر في التقارير الأمريكية بقدرات مضادة للسفن وضرب قواعد بعيدة. وهذا ما يجعله أداة ردع مزدوجة: ضد القواعد الأمريكية الثابتة وضد القطع البحرية المتقدمة. تقارير البنتاغون تضع DF-26 ضمن أعمدة الردع الصيني الإقليمي، خصوصًا في مسرح غرب الهادئ.

ثالثًا: DF-21D
يُعرف في الخطاب العسكري الغربي باسم “قاتل الحاملات”، وهو أول صاروخ باليستي مضاد للسفن حظي بهذا القدر من الاهتمام الإستراتيجي. أهميته ليست فقط في قدرته النظرية على إصابة هدف بحري متحرك، بل في كونه دشّن عقيدة صينية كاملة تقوم على إبعاد حاملات الطائرات الأمريكية عن خطوط الاشتباك الأولى، وفرض كلفة عالية على أي اقتراب أمريكي من المجال البحري الصيني. البنتاغون يواصل الإشارة إليه ضمن منظومة الصواريخ الصينية المضادة للوصول/منع الدخول (A2/AD).

رابعًا: YJ-21 / الصيغة البحرية الفرط صوتية
في التقديرات المفتوحة، يُنظر إلى هذا الصاروخ بوصفه أداة اختراق بحرية عالية السرعة تُطلق من المدمرات الحديثة، بما يسمح للصين بتنفيذ ضربات فرط صوتية من البحر نفسه، وليس فقط من البر. هذه النقطة شديدة الأهمية، لأنها تعني أن تهديد الحاملة الأمريكية قد يأتي من اتجاهات متعددة وفي توقيتات متزامنة، ما يزيد العبء على منظومات الاعتراض. كما تشير تقارير الدفاع الأمريكية إلى توسع الصين في دمج الصواريخ المتقدمة ضمن منصاتها البحرية والجوية الحديثة.

خامسًا: YJ-21 / الصيغة المحمولة جوًا
النسخة الجوية (المرتبطة بالقاذفات الصينية) تمنح بكين بُعدًا هجوميًا إضافيًا، إذ تسمح بتوسيع منطقة الاشتباك بعيدًا عن الساحل، وتحويل القاذفات إلى منصات إطلاق بعيدة تدعم الأسطول وتزيد احتمالات الهجوم الموجي المركّب. هذه المقاربة — برًا/بحرًا/جوًا — هي ما يقلق المخطط العسكري الأمريكي، لأنها لا تهاجم الحاملة كقطعة منفردة، بل تستهدف منظومة الحماية حولها أولًا.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن جزءًا من الأرقام المتداولة حول بعض هذه الصواريخ (المدى الدقيق، أنماط التوجيه النهائية، ونسب الاختراق) يبقى ضمن تقديرات استخباراتية وتحليلات مفتوحة المصدر، وليس كله مؤكدًا رسميًا. كما أن بعض التسميات المتداولة عربيًا — مثل “YJ-20” — يُستخدم أحيانًا بشكل غير منضبط في الإعلام، بينما الأدبيات الأوسع تداولًا تركز أكثر على YJ-21 في سياق التهديد الفرط صوتي البحري/الجوي.

الخلاصة: أن التهديد الصيني لحاملات الطائرات الأمريكية لا يقوم على “صاروخ خارق” واحد، بل على هندسة استنزاف دفاعي تهدف إلى إنهاك الاعتراضات الأمريكية، وفتح ثغرة تكفي لإصابة هدف عالي القيمة مثل “جيرالد فورد”. وهذا هو التحول الأخطر في ميزان القوة البحرية: من منطق التفوق الأمريكي المطلق إلى منطق المخاطرة العالية والكلفة الباهظة لأي اقتراب قتالي.

إرث العدو الدموي: بنك الجلد البشري يكشف الوجه الوحشي للاحتلال الإسرائيلي

فجّرت التصريحات المتداولة حول امتلاك كيان الاحتلال الإسرائيلي أحد أكبر بنوك الجلد البشري في العالم موجة واسعة من الجدل، لكنها في الجوهر أعادت فتح ملف أعمق: سجل طويل من الانتهاكات المرتبطة بالتعامل مع جثامين الفلسطينيين وحقوقهم الإنسانية، في ظل منظومة احتلال اعتادت الإفلات من المساءلة وتقديم رواياتها الرسمية بوصفها “حقائق نهائية”.

الضجة التي أثارتها التصريحات داخل نقاش تشريعي في ولاية أوهايو الأمريكية لم تكن مجرد سجال إعلامي عابر، بل كشفت مرة أخرى حجم التداخل بين النفوذ السياسي الإسرائيلي في الغرب، ومحاولات تقييد النقد الموجه للاحتلال تحت عناوين قانونية مثل “مكافحة معاداة السامية”، بما يهدد بتحويل أي مساءلة لجرائم الاحتلال أو ممارساته المشبوهة إلى “مخالفة” تستوجب العقاب.

ومن الناحية الطبية البحتة، صحيح أن بنوك الجلد موجودة في دول عديدة وتُستخدم لعلاج الحروق والإصابات البالغة، لكن الإشكال في الحالة الإسرائيلية لا يقف عند وجود بنك الجلد نفسه، بل في السياق الأخلاقي والسياسي المحيط به، وفي تاريخ موثق من التجاوزات المتعلقة بأخذ أنسجة وأعضاء من جثامين دون موافقات قانونية واضحة، وهي وقائع أُثيرت سابقاً وأحرجت المؤسسة الطبية الإسرائيلية أمام الرأي العام الدولي.

هذا التاريخ لا يمكن فصله عن طبيعة الاحتلال نفسه؛ فحين تكون السلطة القائمة قوة احتلال تمارس القتل اليومي والحصار والتجويع والاعتقال الجماعي، فإن أي ملف يتعلق بالجثامين والأعضاء والأنسجة يتحول تلقائياً إلى ملف شبهة وانتهاك، لا إلى مجرد مسألة إدارية أو طبية. ولهذا، فإن إثارة التساؤلات حول مصادر الأنسجة البشرية في كيان الاحتلال ليست “مبالغة”، بل جزء من حق مشروع في طلب التحقيق والشفافية والمحاسبة.

اللافت أن المدافعين عن الاحتلال يسارعون دائماً إلى استخدام سلاح “التشكيك” و”التجريم الأخلاقي” لكل من يطرح هذه الملفات، في محاولة لحماية صورة الكيان ومنع أي نقاش جدي حول ممارساته. لكن الحقيقة أن المشكلة ليست في السؤال، بل في سجل الاحتلال نفسه، الذي راكم خلال العقود الماضية ما يكفي من الجرائم والانتهاكات ليجعل الشك أمراً منطقياً، لا دعاية.

وفي قلب هذا الجدل، تبرز مفارقة صارخة: بينما يُطلب من الضحايا الفلسطينيين وأنصارهم تقديم “أدلة كاملة وفورية” في ظل الحرب والحصار وطمس الحقائق، تُمنح رواية الاحتلال دائماً مساحة الحصانة والقبول المسبق، حتى عندما يتعلق الأمر بملفات تمسّ كرامة الموتى وحقوق العائلات. وهذه الازدواجية ليست قانونية فقط، بل سياسية وإعلامية أيضاً.

كما أن الجدل الحالي يعكس معركة أوسع حول حرية التعبير في الولايات المتحدة: هل يُسمح بانتقاد الاحتلال الإسرائيلي وكشف شبهات انتهاكاته، أم أن أي خطاب يقترب من هذه الملفات سيتم خنقه تحت ضغوط جماعات الضغط والتشريعات الموسعة؟ هذا السؤال بات مركزياً، خصوصاً مع تنامي محاولات خلط النقد السياسي المشروع لإسرائيل بخطابات الكراهية، في محاولة لردع الأصوات الحقوقية والإعلامية.

الخلاصة أن قضية “بنك الجلد” ليست مسألة طبية معزولة، بل نافذة تكشف الوجه البنيوي للاحتلال الإسرائيلي: منظومة استعمارية عنيفة، محمية سياسياً، ومتهمَة أخلاقياً، وتُحاط ملفاتها الحساسة بجدار كثيف من التعتيم والتشويش. وبينما يحاول الاحتلال وحلفاؤه تحويل أي مساءلة إلى “مشكلة خطاب”، يبقى المطلب الحقيقي واضحاً: تحقيقات مستقلة، شفافية كاملة، ومحاسبة دولية لا تستثني أحداً.

لبنان يتمسّك بذاكرته: إحياء ذكرى تشييع السيدين “نصرالله وصفّي الدين” لتأكيد الهوية الوطنية وبعث رسائل التماسك والسيادة

في لبنان، حيث تُقاس المواقف بميزان السيادة قبل الشعارات، عاد مشهد إحياء الذكرى السنوية الأولى لتشييع السيدين حسن نصرالله وهاشم صفيّ الدين ليؤكد حقيقة لبنانية ثابتة: الذاكرة الوطنية ليست تفصيلاً، بل جزء من معركة تثبيت الهوية وحماية الاستقرار.

ففي بلد يرزح تحت أزمات اقتصادية خانقة وضغوط إقليمية متشابكة، جاءت المراسم التي نظّمتها “جمعية كشافة الإمام المهدي” عند المزارين في بيروت ودير قانون النهر، بوصفها حدثاً يعكس تجذّر الرموز في الوعي الشعبي، ويكشف في الوقت نفسه حجم التحدي الذي يواجهه اللبنانيون في الحفاظ على تماسكهم وسط عواصف الداخل والخارج.

الفعالية التي اتسمت بالرمزية الدينية والانضباط التنظيمي—من وضع أكاليل الزهور، إلى عزف النشيد الوطني اللبناني، مروراً بمقطوعة “موسيقى أجيال السيد”—بدت كرسالة داخلية قبل أي شيء: لبنان يريد أن يحمي ذاكرته وكرامته، وأن يُبقي قضاياه الكبرى خارج بازار الابتزاز السياسي.

وفي كلمة الشيخ نزيه فياض، ظهر البعد الأوضح للرسالة حين شدد على أن “الوفاء لا يختصره إحياء الذكرى” بل يمتد إلى التربية والثقافة وبناء الأجيال، مؤكداً أن حضور القيادتين الراحلتين “لم ينقطع في وجدان الأتباع”. هنا تتقدّم فكرة الدولة والمجتمع: العمل على تحصين الشباب، وتثبيت الانتماء، وتربية جيل لا يُستدرج إلى التفكك والانقسام.

وفي لحظة لبنانية بالغة الحساسية، بدا التركيز على البعد التربوي والثقافي وكأنه محاولة واعية لإعادة ضبط البوصلة نحو ما يحتاجه البلد فعلاً: التمسك بالهوية، حماية السلم الأهلي، وتعزيز الروابط الاجتماعية في مواجهة الانهيار الاقتصادي والهجرة وفقدان الثقة. فحين يتحول العمل الكشفي إلى مساحة تنظيم وانضباط وخدمة مجتمعية، يصبح جزءاً من “مناعة لبنان” لا مجرد نشاط احتفالي، ويغدو الاستثمار في الأجيال رسالة تقول إن هذا البلد—مهما اشتد عليه الضغط—لا يسمح بتحويل أزماته إلى طريق لتفكيك مجتمعه أو اقتلاع ذاكرته.

استحضار التشييع الذي قُدِّم بوصفه “حاشداً” لم يكن مجرد استرجاع للمشهد، بل كان تذكيراً بأن هناك شريحة واسعة من اللبنانيين ترى في رموزها جزءاً من سرديتها الوطنية، وأن التعدد اللبناني لا يُدار بمحاولات الإلغاء أو السخرية من مشاعر الناس، بل بإدارة عقلانية تُبقي الخلاف السياسي ضمن قواعد الدولة وتحفظ كرامة المجتمع. ومن هنا، تبرز أهمية قراءة الحدث كجزء من “حالة لبنانية” أوسع: بلدٌ يبحث عن توازن صعب بين التنوع السياسي والاجتماعي وبين الحاجة الملحّة إلى عدم الانزلاق نحو الفوضى.

وبالطبع، أثارت المناسبة تفاعلات متباينة—كما هي عادة لبنان—بين من اعتبرها تجديداً للوفاء والهوية وبين من قرأها كفعل سياسي بغطاء رمزي. لكن جوهر الصورة يبقى لبنانياً بامتياز: الانقسام لا يُلغى بالتجاهل، بل يُدار بالحوار واحترام التعدد، لأن لبنان لا يملك رفاهية فتح جبهات داخلية إضافية بينما يواجه انهيارات متراكمة وضغوطاً تتجاوز حدوده.

في المحصلة، لم تكن المراسم مجرد وقفة أمام ضريحين، بل كانت إعلاناً بأن لبنان—على اختلاف أبنائه—لا يزال يتمسك بذاكرته ورموزه، وأن الوفاء حين يُترجم إلى تربية وتنشئة وعمل مجتمعي يمكن أن يتحول إلى عامل استقرار لا فتنة. والرسالة الأوضح التي خرجت من المشهد هي أن الوفاء في لبنان ليس بكاءً على الماضي، بل مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل: بناء أجيال، حماية نسيج اجتماعي، وإبقاء البلد واقفاً رغم كل ما يُراد له أن ينكسر.

مآلات الصراع “الروسي الأوكراني” بعد 4 سنوات.. استنزاف ميداني وصدام دولي على حافة “الردع النووي” وسط تحذيرات روسية من “نقطة اللاعودة”

بعد مرور أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، لم يعد ممكناً التعامل معها كحرب حدود أو نزاع إقليمي تقليدي، لأن ما يجري اليوم هو مسرح صدام مركّب تتداخل فيه المعركة البرية، وحرب الإرادات، والإنهاك الاقتصادي، والرسائل النووية، وإعادة تشكيل موازين القوة في أوروبا والعالم. الحرب لم تُنتج تسوية، ولم تمنح أي طرف نصراً حاسماً، لكنها أنتجت واقعاً أخطر: استدامة الصراع بوصفه أداة لإعادة هندسة النظام الدولي بالقوة.

المشهد الميداني والسياسي الحالي يكشف ثلاث حقائق مركزية:
أولاً: أوكرانيا لم تنهَر رغم الكلفة الهائلة، لكنها تحولت إلى دولة حرب طويلة الأمد، تعيش على التماسك السياسي والدعم الغربي واستمرار التعبئة.
ثانياً: روسيا لم تُحسم ضدها الحرب كما راهن خصومها، بل أعادت تموضعها ميدانياً واستراتيجياً، ونجحت في فرض إيقاع استنزاف طويل يرهق كييف وحلفاءها.
ثالثاً: التصعيد الكلامي النووي لم يعد مجرد تهويل إعلامي، بل صار جزءاً بنيوياً من إدارة الصراع، سواء في الردع أو الابتزاز أو رفع سقف التفاوض.

في الداخل الأوكراني، عادت العاصمة كييف إلى مشهد الحرب الثقيلة: قصف للبنى التحتية، انقطاع كهرباء وتدفئة، وعودة الإحساس الجمعي بأن البلاد لم تخرج يوماً من دائرة الخطر. هذا مهم سياسياً وعسكرياً، لأن استهداف البنية التحتية ليس فقط لإحداث الضرر، بل لإعادة تشكيل الإدراك الشعبي للحرب: إنها معركة استنزاف مجتمعي، وليست مجرد معركة جبهات. حين تُضرب الطاقة والخدمات، يصبح الضغط على القرار السياسي في كييف أكبر، وتتضاعف كلفة الصمود.

الأرقام المطروحة عن الخسائر والتهجير (آلاف القتلى والجرحى المدنيين، وملايين المهجرين، وعشرات آلاف القتلى العسكريين) ليست مجرد إحصاء إنساني؛ هي مؤشر على طبيعة الحرب التي دخلت طورها البنيوي. أي أن المجتمع نفسه صار جزءاً من ساحة المعركة: الاقتصاد، الخدمات، المعنويات، ملف الأسرى، الذاكرة الجماعية، وحتى الخطاب العام. وهذا ما يفسر لماذا تبدو كييف متصلبة في خطاب “السلام العادل”: لأنها تدرك أن أي تسوية لا تحفظ السيادة ستُقرأ داخلياً كهزيمة تاريخية بعد هذا الحجم من الدم والدمار.

في المقابل، القراءة الروسية للميدان تقوم على قاعدة مختلفة: التقدم البطيء مع استنزاف الخصم. موسكو لا تحتاج ـ في هذه المرحلة ـ إلى اختراقات دراماتيكية يومية بقدر ما تحتاج إلى تثبيت معادلة تقول إن الزمن يعمل لصالحها: مساحة سيطرة أكبر، استنزاف للقوات الأوكرانية، إنهاك للغرب، وتراكم خبرة قتالية. هذا ما يفسر اللغة الروسية المتكررة حول “تحقق الأهداف عاجلاً أم آجلاً”. إنها ليست لغة نصر خاطف، بل لغة حرب طويلة محسوبة.

المدن المدمرة في الشرق والجنوب ليست فقط دليلاً على قسوة المعارك، بل هي أيضاً جزء من فلسفة الصراع الحالية: تحويل المجال العمراني إلى عبء استراتيجي. المدن التي كانت مراكز اقتصادية وسكانية أصبحت أنقاضاً، ما يعني أن إعادة الإعمار نفسها ستتحول لاحقاً إلى أداة ضغط سياسي ومالي على أوكرانيا وأوروبا. لذلك، حتى في غياب الحسم العسكري، هناك حسم تدريجي في شكل الدولة الأوكرانية المستقبلية، وفي كلفة بقائها ضمن المعسكر الغربي.

الأخطر من ذلك كله هو انتقال الحرب إلى مستوى الاشتباك النووي الرمزي والسياسي. اتهام الاستخبارات الروسية لبريطانيا وفرنسا بالسعي إلى تزويد أوكرانيا بمكونات أو تقنيات نووية، أو تمكينها من “قنبلة قذرة”، يجب فهمه في إطار أوسع من مجرد صحة الادعاء أو عدمها. موسكو هنا تقوم بعدة أمور في وقت واحد:

  • رفع سقف التهديد: أي إدخال الغرب في منطقة محرّمة أخلاقياً وسياسياً، ولو على مستوى الاتهام.

  • بناء مبرر ردعي مسبق: بمعنى أن روسيا تُمهّد لتبرير أي تصعيد لاحق باعتباره رداً على تهديد غير تقليدي.

  • إعادة تخويف أوروبا: خصوصاً من كلفة الانخراط العسكري العميق، وإظهار أن استمرار الدعم قد يقود إلى سيناريو نووي.

  • تعطيل مشاريع الردع الأوروبي المستقل: عبر ضرب صورة فرنسا وبريطانيا بوصفهما طرفين “مغامرين” نووياً.

بمعنى أوضح: موسكو لا تستخدم الملف النووي هنا فقط كقضية أمنية، بل كـ أداة حرب نفسية واستراتيجية لتقييد هامش الحركة الغربي.

ومن زاوية التحليل العسكري-السياسي، فإن حديث موسكو عن “القنبلة القذرة” تحديداً ليس عفوياً. هذا المصطلح يقع في المنطقة الرمادية بين السلاح النووي الكامل والسلاح التقليدي، وبالتالي هو مثالي في الحرب الدعائية: يثير الذعر، يرفع المخاطر، ويمنح الطرف المتهم (روسيا هنا) فرصة لتبرير إجراءات استثنائية دون الحاجة إلى إثبات وجود برنامج نووي متكامل لدى أوكرانيا. لهذا السبب، حتى لو كان الاتهام غير مثبت، فإنه فعال سياسياً لأنه يُدخل الصراع في مناخ “العتبة النووية” ويجعل كل دعم غربي لاحق محاطاً بالشكوك.

انتهاء معاهدة “نيو ستارت” يزيد المشهد خطورة، لأن العالم يدخل فعلاً مرحلة تآكل الأطر الضابطة للردع النووي. في السابق، كانت هناك قواعد اشتباك واستقرار نسبي بين القوى الكبرى حتى في ذروة التوتر. أما اليوم، فهناك حرب فعلية في أوروبا، وانقسام دولي حاد، وتراجع الثقة الاستراتيجية، وتنافس نووي متجدد، وخطاب سياسي أكثر عدوانية. هذا يعني أن الخطأ في الحسابات أو سوء التقدير لم يعد احتمالاً بعيداً، بل صار جزءاً من بيئة القرار اليومية.

خطاب بوتين الأخير يعكس هذا التحول بدقة. هو لم يكتفِ بالحديث عن الحرب في أوكرانيا، بل وضع الصراع ضمن سياق أوسع: محاولة غربية لإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا. هذه العبارة هي المفتاح لفهم السلوك الروسي. عندما تصف موسكو الصراع بأنه “هزيمة استراتيجية” مستهدفة، فهي تنقل الحرب من خانة النزاع الجغرافي إلى خانة الصراع الوجودي على مكانة الدولة الروسية نفسها. وفي هذه الحالة، تصبح كل الأدوات مشروعة في المنطق الروسي: التصعيد، التهديد، الضربات العميقة، الحرب السيبرانية، والردع النووي.

تحذير بوتين من “نقطة اللاعودة” ليس مجرد تعبير بلاغي، بل رسالة متعددة الاتجاهات:
إلى الغرب، بأن الضغط الإضافي قد يدفع روسيا إلى خيارات أخطر.
إلى الداخل الروسي، بأن الدولة في مواجهة مشروع خارجي كبير ويجب تعبئة المجتمع والأجهزة.
وإلى النخب الدولية، بأن موسكو تريد إعادة فرض نفسها لاعباً لا يمكن تطويقه أو تجاهله.

وفي الوقت نفسه، تركيز بوتين على الهجمات داخل روسيا، ومحاولات الاغتيال، وحماية المنشآت، والأمن السيبراني، يكشف أن موسكو باتت ترى الحرب كـ حرب اختراق داخل العمق الروسي، لا مجرد حرب على الجبهة. هذا تطور بالغ الأهمية، لأنه يعني أن روسيا ستوسّع تعريفها لـ”مسرح العمليات”، وبالتالي قد توسّع أيضاً نطاق الردود.

أما من ناحية الغرب، فالمعضلة أصبحت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. الولايات المتحدة وأوروبا تريدان منع انتصار روسي صريح، لكنهما لا تريدان أيضاً الانزلاق إلى مواجهة مباشرة أو نووية. وهذا يخلق تناقضاً بنيوياً: دعم كافٍ لمنع هزيمة أوكرانيا، لكن غير كافٍ لحسم الحرب. هذه المعادلة هي التي أطالت الصراع، وهي التي تجعل الحرب تستمر كحالة “نزف مسيطر عليه” بالنسبة للغرب، مقابل “استنزاف قابل للتحمل” بالنسبة لروسيا.

لكن هذه المعادلة نفسها بدأت تتعرض للاهتزاز مع النقاشات الأوروبية حول الردع المستقل والمظلة النووية الفرنسية، ومع تراجع اليقين الأوروبي تجاه الالتزام الأمريكي طويل المدى، خاصة في ظل التحولات داخل واشنطن. هنا تحديداً تحاول موسكو الاستثمار: تفكيك وحدة الموقف الغربي عبر التخويف النووي، والضغط الميداني، واستنزاف الوقت.

الخلاصة الاستراتيجية أن الحرب الأوكرانية دخلت عامها الخامس وهي تحمل سمات أخطر من بدايتها:
ليست حرب حركة سريعة، بل حرب إنهاك طويلة. ليست حرب حدود فقط، بل حرب نظام دولي.
وليست حرب أسلحة تقليدية فقط، بل حرب ردع نووي متدرج يجري استخدامه سياسياً ونفسياً بشكل يومي.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: من سيتقدم ميدانياً؟ السؤال الأهم أصبح: إلى أي مدى يمكن إدارة هذا الصراع دون أن ينفلت إلى مستوى أعلى من التصعيد؟ وفي ظل انهيار الثقة، وتآكل اتفاقيات الضبط النووي، وارتفاع الخطاب التصعيدي، وتصلب أهداف الطرفين، فإن الخطر الحقيقي ليس فقط استمرار الحرب، بل تحولها إلى النموذج الجديد للصراعات الكبرى في القرن الحادي والعشرين: حرب مفتوحة زمنياً، متعددة المستويات، ومسنودة دائماً بظل نووي ثقيل.

مفاوضات جنيف تحت ضغط الأساطيل.. إيران تفاوض بثبات السيادة وواشنطن تلوّح بحرب لن تضمن نهايتها

تدخل المواجهة بين طهران وواشنطن مرحلةً مفصلية، حيث لم تعد المفاوضات النووية تُدار في قاعات السياسة وحدها، بل باتت تُدار أيضًا تحت وقع أكبر حشد عسكري أمريكي في المنطقة منذ عام 2003. فواشنطن تُحاول فرض معادلة تفاوضية قائمة على الترهيب العسكري، بينما تُثبت إيران أنها تتعامل مع هذا الضغط بمنطق الدولة المقتدرة: دبلوماسية من موقع الندية، واستعداد عسكري كامل لأي عدوان محتمل.

المعطيات الميدانية تؤكد أن الولايات المتحدة رفعت سقف الانتشار العسكري بشكل غير مسبوق؛ إذ كشفت تقارير تتبع الرحلات وصور الأقمار الصناعية عن نقل أكثر من 150 طائرة أمريكية إلى قواعد في أوروبا والشرق الأوسط، غالبيتها طائرات نقل وتزود بالوقود، بما يكشف أن الأمر لا يتعلق بتحرك رمزي أو استعراضي، بل ببناء بنية عملياتية متكاملة تسمح بإدارة حرب جوية ممتدة إذا صدر القرار السياسي في واشنطن. ومع وصول حاملة الطائرات “جيرالد فورد” إلى كريت، وانضمامها إلى حاملة أخرى ومدمرات متعددة، يصبح واضحًا أن واشنطن تُفاوض وهي تضع القوة النارية في قلب الطاولة.

وتزداد الصورة وضوحًا مع ما تداولته وسائل إعلام عبرية عن هبوط 12 مقاتلة F-22 أمريكية في قواعد داخل كيان الاحتلال، في إشارة إضافية إلى أن التنسيق الأمريكي–الإسرائيلي ليس مجرد غطاء سياسي، بل جزء من ترتيبات ضغط عسكري متدرج على إيران. غير أن هذه الرسائل لم تُنتج تراجعًا إيرانيًا، بل دفعت طهران إلى تثبيت خطاب أكثر صلابة: لا تخلي عن الحقوق النووية، ولا قبول بإملاءات تُفرض تحت التهديد.

في هذا السياق، جاء موقف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واضحًا وحاسمًا، إذ أكد أن إيران تستأنف المحادثات في جنيف بعزم التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف، لكن من دون التنازل عن الثوابت. وشدد على أن الجمهورية الإسلامية لن تسعى إلى سلاح نووي تحت أي ظرف، وفي الوقت نفسه لن تتخلى أبدًا عن حقها المشروع في التكنولوجيا النووية السلمية، بما في ذلك التخصيب، باعتباره حقًا قانونيًا وسياديًا لشعب إيران. هذا الموقف يُعبّر عن عقيدة تفاوضية إيرانية متماسكة: حل سياسي نعم، لكن ليس على حساب السيادة الوطنية.

وما يميز الموقف الإيراني في هذه المرحلة أنه لا يفصل بين المسار الدبلوماسي والجاهزية الردعية. فالمتحدثة باسم الحكومة الإيرانية أكدت أن الدولة تسعى لإبعاد خطر الحرب، لكنها في الوقت نفسه تمتلك كل أدوات الردع لمنع أي سوء تقدير أمريكي. كما شددت على أن الجاهزية العسكرية أولوية ثابتة، وأن طهران تواجه أيضًا حربًا نفسية هدفها تصوير إيران كطرف ضعيف أو قابل للابتزاز. هذا الخطاب ليس إعلاميًا فقط، بل يعكس رؤية مؤسساتية تعتبر أن حماية القرار السياسي الإيراني تبدأ من تحصين الجبهة العسكرية والنفسية معًا.

وفي مستوى أكثر صراحة، حذّر نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي من أن الأعداء قد يبدؤون الحرب لكنهم لن يستطيعوا رسم خط نهايتها، مؤكدًا أن أي عدوان على إيران لن تبقى آثاره محصورة في طرفي الصراع. كما شدد على أن حق إيران في الطاقة النووية السلمية غير قابل للتفاوض، وأن طهران لن تبدأ الحرب لكنها ستستخدم حقها الأصيل في الدفاع المشروع إذا فُرضت عليها المواجهة. هذه الرسائل الإيرانية تقلب معادلة التهديد الأمريكية: فبدل أن تُرغم طهران على التراجع، تدفعها إلى إعلان أن كلفة الحرب لن تكون أمريكية منخفضة كما يُروَّج في واشنطن.

وعلى الأرض، ترجمت إيران هذا الموقف إلى تحركات عسكرية مدروسة. فقد نفذت القوات البرية التابعة لحرس الثورة الإسلامية مناورات واسعة على السواحل الجنوبية، بمشاركة وحدات الصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة والقوات الخاصة والدروع، في تدريبات تحاكي تهديدات واقعية وتؤكد أن إيران تتعامل مع التحشيد الأمريكي كاحتمالٍ عملياتي وليس كمجرد ضجيج إعلامي. الرسالة المركزية من هذه المناورات أن إيران لا تنتظر الضربة الأولى كي تتحرك، بل تبني جاهزيتها وفق تقدير استباقي للمخاطر.

وفي البحر، تتعزز معادلة الردع الإيراني بخطوات نوعية، مع تقارير عن اقتراب طهران من إتمام صفقة صواريخ صينية مضادة للسفن من طراز CM-302، وهي صواريخ أسرع من الصوت ومصممة لاختراق الدفاعات البحرية الحديثة عبر الطيران المنخفض والسرعة العالية. هذا النوع من التسليح لا يغيّر فقط الحسابات التكتيكية، بل يرفع منسوب المخاطر أمام أي انتشار بحري أمريكي في الخليج وبحر العرب، ويؤكد أن إيران تعمل على تعقيد البيئة العملياتية أمام خصومها، لا سيما مع الحديث عن مفاوضات أوسع تشمل منظومات دفاعية وأسلحة متقدمة أخرى.

في المقابل، تحاول واشنطن الحفاظ على خطاب مزدوج: التهديد بالحرب من جهة، وإبقاء نافذة التفاوض مفتوحة من جهة أخرى. الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كرر تهديداته، لكنه عاد ومنح مبعوثيه وقتًا إضافيًا للتفاوض في جنيف، في إقرار ضمني بأن الخيار العسكري ليس قرارًا سهلاً حتى داخل المؤسسة الأمريكية، خاصة مع التحذيرات من الانجرار إلى حملة عسكرية مطوّلة ضد دولة بحجم إيران وقدراتها وموقعها. وهذا التردد الأمريكي يعكس أزمة حقيقية: واشنطن تريد اتفاقًا بشروطها، لكنها تدرك أن الحرب قد تُشعل الإقليم على نحو يتجاوز قدرتها على الضبط.

إقليميًا ودوليًا، بدأت مؤشرات القلق تتسع. عدة دول غربية وآسيوية دعت رعاياها إلى مغادرة إيران أو تجنب السفر إليها، ما يكشف أن السيناريو العسكري حاضر بجدية في التقديرات الدولية. كما تصاعدت التحذيرات داخل تركيا من استخدام القواعد الأجنبية في أي عدوان على إيران، وهو ما يفضح حجم التخوف من أن يتحول أي هجوم أمريكي إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات، لا مجرد ضربة محدودة كما تحاول بعض الدوائر الأمريكية تصويرها.

المشهد برمته يؤكد أن ما يجري ليس مجرد جولة تفاوض تقليدية حول نسب التخصيب وآليات الرقابة، بل صراع إرادات على شكل النظام الإقليمي نفسه. واشنطن تحشد الطائرات والأساطيل لتفرض منطق الإملاء بالقوة، بينما تُدير إيران المعركة بمنطق الحق السيادي المدعوم بالردع: تفاوضٌ مفتوح على حلول عادلة، لكن مع جاهزية كاملة لإفشال أي عدوان. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستتفاوض إيران؟ بل: هل تقبل واشنطن باتفاق متوازن، أم تدفع المنطقة إلى اختبار عسكري واسع لا تملك ضمانات حسمه؟

في الخلاصة، أثبتت طهران أنها تخوض هذه المرحلة بـعقل بارد وإرادة صلبة:
لا استسلام تحت الحشد، لا تنازل عن التخصيب السلمي، لا تفريط بالسيادة، ولا تهاون في الرد إذا فُرضت الحرب.
أما واشنطن، فكلما رفعت حجم الحشد، ازداد انكشاف تناقضها بين خطاب الدبلوماسية وواقع الابتزاز العسكري. والمنطقة الآن تقف أمام لحظة فاصلة: اتفاق عادل يعترف بحقوق إيران، أو مواجهة ستُعيد رسم قواعد الاشتباك بقوة النار والردع.

الإعلام العبري يقرّ بتصاعد الردع اليمني.. خطاب “السيد الحوثي” يتحول إلى هاجس استراتيجي داخل كيان الاحتلال

سلّطت وسائل إعلام عبرية، وفي مقدمتها موقع “سروجيم”، الضوء على خطاب قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في محاضرته الأخيرة، واصفةً مضمونه بأنه يحمل “تهديدًا مباشرًا ووجوديًا” لكيان الاحتلال الصهيوني، في اعتراف جديد بتنامي تأثير الموقف اليمني في معادلة الصراع الإقليمي.

وبحسب القراءة العبرية، فإن الخطاب جاء في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد التوترات في المنطقة، ليؤكد أن اليمن لا يتعامل مع المعركة بمنطق الإسناد المحدود فقط، بل يتحرك ضمن رؤية أوسع تستعد لمرحلة “مواجهة مباشرة وشاملة” مع العدو الصهيوني، وهو ما عكس – وفق الإعلام العبري – مستوى متقدمًا من الجهوزية السياسية والعسكرية.

وأشار الموقع إلى أن التحذيرات الواردة في الخطاب تعني، من وجهة نظر دوائر الاحتلال، أن صنعاء قد تتجه إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية نحو أهداف أكثر حساسية وعمقًا داخل الكيان، خصوصًا مع تزايد القلق الإسرائيلي من تطور القدرات اليمنية في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ونقل “سروجيم” عن السيد القائد تأكيده أنه “ليس أمام الأمة خيار سوى مواجهة العدو الإسرائيلي والسعي للقضاء عليه”، معتبرًا أن هذا الخطاب يجمع بين البعد الديني والقومي والتعبوي، ويستهدف رفع مستوى الجهوزية الشعبية والعسكرية لمعركة طويلة النفس، وهو ما تنظر إليه المؤسسة الأمنية الصهيونية باعتباره تحولًا نوعيًا في مستوى التهديد القادم من اليمن.

وتُظهر القراءة العبرية أن الأوساط الأمنية داخل كيان الاحتلال باتت تتعامل مع الجبهة اليمنية باعتبارها جبهة فاعلة ومؤثرة وليست ثانوية، خاصة بعد النجاحات السابقة في اختراق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية عبر صواريخ بعيدة المدى ومسيّرات وصلت إلى عمق الكيان، الأمر الذي عزز المخاوف من هجمات أكثر تنسيقًا ودقة في المرحلة المقبلة.

ويخلص التحليل العبري إلى أن اليمن تحوّل في الحسابات الإسرائيلية إلى “كابوس استراتيجي” متصاعد، في ظل عجز منظومات الاعتراض عن تحييد كامل التهديدات القادمة من الجنوب، وهو ما يعكس – عمليًا – تآكل صورة الردع الإسرائيلي أمام جبهة إسنادٍ فرضت حضورها بقوة في قلب معادلة الصراع.

هل يمكن إغراق حاملة الطائرات “جيرالد فورد” أو تعطيلها؟

فورين أفيرز: إخفاق واشنطن أمام إيران يهدد معادلة القواعد الحليفة التي صنعت حروب أمريكا

حاملة الطائرات جيرالد فورد بدئ في بنائها عام 2005 وأفهم وأنا من هذا أن مخططاتها كانت جاهزة تماما وأنها بنيت على أسس دفاعية تجعلها غير قابلة للغرق بناء على المعطيات والعلوم العسكرية التي كانت متوفرة حتى عام 2005.

اما بين عام 2005 وعام 2025 مر 20 عاما من التطور العلمي والعسكري وظهرت وبتصارع علوم جديدة لم تأخذها مخططات وتصاميم بناء حاملة الطائرات بعين الاعتبار في ذلك الوقت. يضاف الى ذلك ان حاملة طائرات انتر برايس التي دخلت الخدمة في عام 1961، تم إيقاف تشغيلها رسميًا في 3 فبراير 2017، بعد أكثر من 55 عام. فهل يمكن أن نبدأ التفكير الاستراتيجي في هذا المجال.

تُعد حاملة الطائرات جيرالد فورد إحدى أكثر القطع البحرية تطورًا في التاريخ الحديث، وغالبًا ما يُشار إليها بوصفها «غير قابلة للإغراق». غير أن هذا الوصف، على الرغم من وجاهته في سياقه العسكري، يظل توصيفًا نسبيًا لا مطلقًا. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان إغراقها ممكنًا نظريًا، بل ما إذا كانت فلسفة تصميمها الدفاعية لا تزال قادرة على مواكبة التحولات العلمية والعسكرية المتسارعة التي شهدها العالم ما بين عامي 2005 و2025.

بدأ العمل على تصميم حاملة الطائرات جيرالد فورد في مطلع الألفية الجديدة، ودخلت مرحلة البناء الفعلي قرابة عام 2005. وهذا يعني أن المخططات الهندسية والعقائد الدفاعية التي بُنيت عليها استندت إلى ما كان متوفرًا آنذاك من علوم عسكرية وتقنيات تسليح وأنماط تهديد متوقعة. في ذلك الوقت، كانت التهديدات البحرية التقليدية، مثل الصواريخ المضادة للسفن والغواصات، معروفة ومُستوعبة ضمن منظومات الدفاع السائدة، ما أتاح تصميم الحاملة جيرالد فورد كسفينة عالية التحصين، متعددة الأنظمة، وقادرة على امتصاص الأضرار دون فقدان القدرة القتالية.

من الناحية الهندسية، لا تُصمم أي قطعة بحرية على أساس الاستحالة المطلقة للغرق، بل على مبدأ النجاة بعد الإصابة. وتعتمد حاملة الطائرات جيرالد فورد على تقسيم داخلي معقد يقلل من خطر الغرق المتسلسل، وأنظمة متقدمة لإطفاء الحرائق والسيطرة على الأضرار، إضافة إلى القدرة على الاستمرار في العمل حتى بعد التعرض لضربات مباشرة. غير أن كل ذلك يفترض نوعًا معينًا من التهديدات وسيناريوهات قتال تقليدية نسبيًا ضمن معطيات ذلك الوقت.

ما بين عامي 2005 و2025، شهد العالم العسكري تطورات نوعية لم تكن في صلب الحسابات التصميمية الأولى. من أبرز هذه التطورات ظهور الصواريخ فرط الصوتية بسرعات ومسارات يصعب اعتراضها، تنامي قدرات الحرب السيبرانية التي تستهدف أنظمة القيادة والسيطرة، وظهور أسراب الطائرات المسيّرة كوسيلة لإغراق الدفاعات عبر التشبع، إضافة إلى تطور تقنيات الاستشعار والذكاء الاصطناعي في تتبع الأهداف الصغيرة، والكبيرة، والمعقدة، والمتحركة. هذه التحولات لا تعني بالضرورة أن الحاملة أصبحت ضعيفة، لكنها تثير تساؤلات مشروعة حول مدى كفاية الفلسفة الدفاعية التي وُضعت قبل عقدين.

في ذلك الوقت، كانت التهديدات البحرية التقليدية معروفة ومُدمجة في تصميم الحاملة، التي اعتمدت على دفاعات طبقية وأنظمة متقدمة للسيطرة على الأضرار. ولكن، ما بين عام 2005 و2025، مر العالم بتطورات علمية وعسكرية هائلة ومتسارعة. وقد قفزت الصين، على سبيل المثال، في الإنفاق العسكري والابتكار، حيث ارتفعت نسبة التطور لديها بين 2005 و2025 إلى حوالي 250–300%، لتصبح أقرب المنافسين عالميًا. في المقابل، حافظت الولايات المتحدة على تفوقها لكن بنمو أبطأ، حيث تقدير نسبة تطورها بنحو 160–180%. أما روسيا، فقد حققت تحديثًا انتقائيًا مع الحفاظ على قوتها النووية، حيث قدرت نسبة تطورها بحوالي 140–160%. أما إيران، التي انطلقت من قاعدة متواضعة، فقد سجلت قفزة كبيرة نسبية في قدراتها الصاروخية والمسيّرات، حيث قدر تطورها بحوالي 300-350%.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال آخر يتعلق بطريقة تفكير بعض الدول التي لا تسعى، لمجاراة الولايات المتحدة في حجم الأساطيل أو عدد حاملات الطائرات، مثل الصين أو روسيا أو إيران. فبدل الدخول في سباق تسلح كلاسيكي مكلف، يتركز التفكير العسكري (تفكير خارج الصندوق) لدى هذه الدول على القفز على هذا النموذج، والبحث عن وسائل غير تقليدية لتحييد المنصة وشل فاعليتها او إغراقها مباشرة.

ضمن هذا المنطق، يُطرح الحديث عن تقنيات تعتمد على الأشعة، أو الميكروويف، أو غيرها من وسائل الطاقة الموجهة. ومن حيث المبدأ العلمي، لا يوجد ما يمنع تطوير أدوات تعتمد على الميكروويف عالية الطاقة، أو النبضات الكهرومغناطيسية، أو الليزر عالي الطاقة. غير أن دور هذه التقنيات المحتمل، ضمن ما يعرف هذه الايام، لا يتمثل في صهر هيكل الحاملة أو تدميرها ماديًا، بل في تعطيل أو إرباك الإلكترونيات الحساسة، أو شل أنظمة الرادار والملاحة والاتصالات، أو إحداث فوضى في أنظمة التحكم بالطيران على سطح الحاملة.

أما فكرة صهر الفولاذ البحري السميك أو الهيكل المدرع او أجزاء منها عبر الأشعة من مسافات قتالية، فهي غير واقعية ضمن المعطيات الحالية، نظرًا لمتطلبات الطاقة الهائلة، وتشتت الإشعاع، وصعوبة التثبيت الدقيق على هدف متحرك ومحمي بطبقات دفاع متعددة. ولكننا لا نستطيع ان نؤكد او ان ننفي ان هناك من يفكر ويعمل في هذا المجال ويحيط اعماله بسرية مطلقة، فمفاجئة العدو بأسلحة غير متوقعة كانت وما زالت من صلب التخطيط العسكري.

الخطورة الحقيقية لا تكمن في سلاح شعاعي خارق، بل في التكامل بين مجالات متعددة، مثل ضربة سيبرانية تعطل أنظمة الإدارة القتالية، وتشويش كهرومغناطيسي يربك منظومات الاستشعار، يتبعها هجوم مادي تقليدي. في مثل هذا السيناريو، تتحول الحاملة من منصة فائقة التنظيم إلى نظام معقد يعاني من اختناق معلوماتي، وهو من أخطر التحديات التي تواجه الجيوش الحديثة.

ويُظهر التاريخ العسكري أن ما يُوصف بالعلوم السرية ليس اكتشافًا لقوانين فيزيائية جديدة، (وهذا يكون مذهلا وخارقا إذا حصل) بل تطبيقات مبتكرة لعلوم معروفة، يكون الجديد فيها غالبًا في طريقة الدمج والتوظيف، لا في جوهر العلم نفسه. لذلك، ورغم احتمال وجود تقنيات لم تُعلن تفاصيلها فلا بد من الإشارة الى تطور صيني واخر إيراني:

وتتناقل وسائل الإعلام حاليا عن انجاز صيني سمي ” قاتل حاملات الطائرات” وهو صارخ باليستي محمول جوا ومصمم على الارجح لاستهداف حاملات الطائرات الأمريكية والسفن الحربية. وبما ان هذا الصاروخ فرط صوتي ويتبع نظام توجيه خاص فانه قادر على المناورة وتفادي الأسلحة المضادة.

وفيما يتعلق بتهديدات إيران بان السلاح القادر على اغراق السفينة أخطر من السفينة نفسها فيدور الحديث ومن مصادر اسرائيلية عن ” طوربيد الحوت” الذي يطلق تحت الماء ويعمل في التجويف الفائق ويتحرك داخل فقاعة غازية تقلل احتكاكه بالماء وبسرعة تصل الى 360 كم في الساعة ما يقلص زمن رد الفعل من السفن المستهدفة ويصعب عملية التصدي له.

الخلاصة أن القفز على التسلح الكلاسيكي بات واقعًا، وأن تعطيل حاملة طائرات أصبح، من الناحية النظرية ممكننا، اما اغراقها الكامل فيبقى من الأسلحة السرية التي لا يعلن عنها من يمتلكها ليتم مفاجئة العدو بها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سفيان التل
كاتب أردني

طفح المجاري يحاصر عدن في رمضان.. انهيار خدمي يفضح عجز حكومة الفنادق

طفح المجاري يحاصر عدن في رمضان.. انهيار خدمي يفضح عجز حكومة الفنادق

تغرق أحياء واسعة من مدينة عدن، منذ ثلاثة أيام متواصلة، في أزمة بيئية وصحية خانقة بعد تفاقم طفح مياه الصرف الصحي في عدد من الشوارع والمناطق السكنية، وسط صمت مطبق لحكومة المرتزقة الموالية لتحالف العدوان، وعجز واضح للجهات المعنية عن احتواء الكارثة، رغم دخولها مرحلة تهدد حياة السكان بشكل مباشر، لا سيما في أيام شهر رمضان.

وأفاد سكان محليون بأن مياه المجاري غمرت الطرقات والأحياء السكنية وتسببت في شلل جزئي لحركة السير، إضافة إلى انتشار روائح كريهة ومؤذية قرب المنازل والأسواق والمحلات التجارية، ما ضاعف معاناة المواطنين في وقت تشهد فيه المدينة كثافة في الحركة اليومية قبيل الإفطار. وأكد الأهالي أن الأزمة لم تعد مجرد خلل طارئ، بل تحولت إلى مشهد يومي متكرر يكشف حجم التدهور الذي تعيشه عدن في ظل غياب أي معالجة حقيقية للبنية التحتية.

وبحسب شكاوى السكان، فإن طفح المجاري مستمر منذ مطلع الأسبوع، دون أن تتحرك الجهات الرسمية لإصلاح الخلل أو حتى تنفيذ حلول إسعافية كعمليات الشفط وفتح المسارات المسدودة، وهو ما يرفع من احتمالات انتشار الأمراض والأوبئة، خصوصاً في المناطق المكتظة بالسكان ومع وجود الأطفال في محيط المياه الراكدة الملوثة.

ويرى مواطنون أن تكرار هذه الكارثة بشكل موسمي يؤكد أن شبكات الصرف الصحي في عدن باتت متهالكة بالكامل، وأن ما يُقدَّم من معالجات ليس سوى حلول ترقيعية مؤقتة سرعان ما تنهار مع أول ضغط، في ظل غياب خطط صيانة وتأهيل جذرية، وتراكم الإهمال الإداري والخدمي.

وفي ظل هذا الواقع، حمّل الأهالي حكومة المرتزقة الموالية للتحالف السعودي والسلطات المحلية التابعة لها المسؤولية الكاملة عن التداعيات الصحية والبيئية المحتملة، مطالبين بتحرك عاجل وفوري لاحتواء الأزمة قبل تفاقمها، مؤكدين أن استمرار هذا المشهد في رمضان يعكس انهياراً خدمياً شاملاً واستهتاراً بمعاناة المواطنين وحقوقهم الأساسية في بيئة آمنة وخدمات عامة تحفظ كرامتهم.

حماس: إحراق مسجد نابلس جريمة فاشية منظمة تستوجب محاكمة قادة الاحتلال دوليًا

حركة حماس

أدانت حركة حماس جريمة إحراق مسجد أبي بكر الصديق في قرية تل غرب نابلس، ووصفتها بأنها جريمة فاشية ممنهجة تعكس طبيعة الإرهاب الاستيطاني المنفلت برعاية مباشرة من حكومة الاحتلال. وأكدت الحركة أن إضرام النار في مسجدٍ إسلامي يُعد اعتداءً صارخًا على المقدسات وانتهاكًا فاضحًا لكل القوانين والأعراف الدولية، ويكشف حجم التصعيد الخطير الذي يستهدف الهوية الدينية والوطنية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية.

وشددت حماس على أن ما جرى ليس حادثًا معزولًا، بل يأتي في سياق حملة استباحة متواصلة تنفذها عصابات المستوطنين بحق القرى الفلسطينية والمساجد والممتلكات، تحت حماية جيش الاحتلال وصمت دولي مشجّع. وطالبت الحركة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية بإدانة هذه الجريمة بشكل عاجل، واتخاذ خطوات عملية لوقف جرائم المستوطنين، بدل الاكتفاء ببيانات التنديد الشكلية.

كما دعت الحركة إلى ملاحقة مرتكبي الجريمة وقادة حكومة الاحتلال أمام المحاكم الدولية، معتبرة أن التحريض السياسي والأمني الصهيوني هو المظلة التي تنتج هذا النوع من الاعتداءات، وأن المساءلة يجب أن تشمل من ينفذ ومن يحرّض ومن يوفّر الغطاء الرسمي لهذه الجرائم.

وحذرت حماس من أن تصاعد استهداف دور العبادة والمقدسات الإسلامية في الضفة الغربية ينذر بتفجير أوسع، لأن المساس بالمساجد لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل يستفز مشاعر الأمة الإسلامية جمعاء، ويؤكد أن المشروع الاستيطاني لا يقف عند حدود الأرض، بل يمتد إلى محاولة كسر الرمزية الدينية والوطنية للشعب الفلسطيني.