الرئيسية بلوق الصفحة 176

القدس والضفة تحت نار الاستيطان: إحراق مسجد في نابلس وحرب احتلالية لإسكات إعلام المدينة

القدس والضفة تحت نار الاستيطان: إحراق مسجد في نابلس وحرب احتلالية لإسكات إعلام المدينة

يتواصل التصعيد الصهيوني في الضفة الغربية والقدس المحتلة على مسارين متوازيين: استهداف المقدسات الإسلامية وخنق المنصات الإعلامية المقدسية، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض واقع ميداني جديد بالقوة، وتوسيع مشروع الضم الزاحف تحت حماية حكومة الاحتلال.

ففي جريمة جديدة تمسّ حرمة المساجد، أدانت وزارة الأوقاف الفلسطينية إقدام مستوطنين على إحراق أجزاء من مسجد أبي بكر الصديق في بلدة تل غرب نابلس فجر اليوم السادس من رمضان، بعد تسلل عناصر من عصابات ما يسمى “تدفيع الثمن” وإضرام النار في مدخل المسجد وكتابة شعارات عنصرية على جدرانه. واعتبرت الوزارة أن هذه الجريمة ليست حادثة معزولة، بل امتداد مباشر لموجة تحريض وعنصرية متصاعدة طالت 45 مسجدًا خلال عام 2025.

وجاء الاعتداء على المسجد متزامنًا مع هجمات استيطانية أخرى في الضفة، شملت الاعتداء على مزارعين في الخليل وقطع 20 شجرة زيتون معمّرة في رام الله، في مشهد يؤكد أن المستوطنين يتحركون ضمن خطة ضغط مركبة تستهدف الإنسان والأرض والمقدسات معًا، بهدف ترهيب الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل القسري عن أراضيهم.

وفي موازاة العدوان الميداني، صعّد الاحتلال حربه على الرواية الفلسطينية، حيث أعلن وزير أمن الاحتلال يسرائيل كاتس قرارًا بحظر 5 منصات إعلامية مقدسية وتصنيفها كـ“منظمات إرهابية”، وهي: شبكة العاصمة، معراج، البوصلة، ميدان القدس، وقدس بلس، بذريعة “التحريض”. ويكشف هذا القرار بوضوح أن الاحتلال لا يستهدف فقط الأرض، بل يسعى أيضًا إلى إسكات الصوت المقدسي ومنع نقل حقيقة ما يجري في المدينة المحتلة، خصوصًا ما يتعلق بالمسجد الأقصى والانتهاكات اليومية داخله ومحيطه.

وفي أول ردّ على القرار، أعلنت شبكة العاصمة تعليق نشاطها مؤقتًا حفاظًا على سلامة طواقمها في ظل تغوّل الاحتلال، بينما شددت فعاليات وطنية مقدسية على أن هذا الحظر يندرج ضمن مشروع أوسع يرمي إلى عزل القدس إعلاميًا، وقطع صلتها بالعالم، تمهيدًا لتمرير مخططات التهويد وتغيير الوضع القائم في المدينة.

وتأتي هذه التطورات في ظل حصيلة دموية متصاعدة في الضفة الغربية، حيث تشير الإحصائيات إلى استشهاد 1117 فلسطينيًا منذ أكتوبر 2023 برصاص جيش الاحتلال والمستوطنين، وسط تحذيرات متزايدة من أن هذا المستوى من العنف المنظم، بالتوازي مع الغطاء الحكومي للمستوطنين، يمهّد عمليًا لإعلان ضم رسمي للضفة الغربية ونسف ما تبقى من أي مسار سياسي يتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية.

كما حذرت تقارير حقوقية وهيئات دولية من أن ما يجري يعكس إفلاتًا كاملًا للمستوطنين من العقاب، بل وتسهيلات مباشرة من حكومة الاحتلال، وهو ما يحوّل الاعتداءات اليومية إلى أداة تنفيذية لمخطط استيطاني طويل المدى. وبحسب هذه التقارير، فإن استهداف الإعلام المقدسي وإحراق المساجد والاعتداء على المزارعين وقطع الأشجار ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات في مشروع واحد عنوانه: إخراس الشهود، كسر إرادة الصمود، وتسريع الضم الزاحف.

في المحصلة، يكشف المشهد في القدس والضفة أن الاحتلال يدير حربًا شاملة على الوجود الفلسطيني: نارٌ على المساجد، واعتداءٌ على الأرض، وقمعٌ للإعلام، ومحاولة دؤوبة لإعادة تشكيل الواقع بالقوة، بينما يبقى الفلسطينيون في قلب المواجهة، يدفعون ثمن التمسك بحقهم في الأرض والمقدسات والهوية.

“جيروزاليم بوست” ترسم ساعة الصفر: أربعة سيناريوهات لـ”الهجوم الأمريكي” على إيران بين ضغط التفاوض وخيار الحرب

بحسب مقال نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الصهيونية للكاتب يوناه جيريمي بوب، فإن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تقف أمام واحد من أخطر قراراتها في هذا الملف، وسط تضارب ضغوط داخلية وخارجية، وعسكرية وسياسية، بشأن ما إذا كانت واشنطن ستتجه إلى تفاهم نووي جديد مع طهران أو إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

ويعكس المقال ارتباكًا واضحًا داخل التقديرات الإسرائيلية والغربية بشأن التوقيت، إذ يؤكد الكاتب أن مشهد التصعيد طال أكثر مما توقعه كثير من المحللين، مع استمرار الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا.

ويعرض المقال أربعة سيناريوهات رئيسية لموعد الهجوم الأمريكي إذا فشلت المفاوضات. السيناريو الأول يتحدث عن ضربة قريبة جدًا خلال أيام، وربما بالتزامن مع موعد تقديم إيران عرضها التفاوضي، إذا قرر ترمب أن المقترح الإيراني لا يلبّي شروطه. لكن الكاتب نفسه يرى أن هذا الاحتمال أقل ترجيحًا، لأن واشنطن -وفق القراءة الواردة في المقال- قد تحتاج وقتًا إضافيًا لفحص أي عرض إيراني جديد قبل اتخاذ قرار نهائي بالحرب.

أما السيناريو الثاني، الذي وصفه كاتب “جيروزاليم بوست” بأنه الأكثر احتمالًا، فيتمثل في تنفيذ الهجوم بداية أو منتصف الأسبوع المقبل، استنادًا إلى مهلة الأسبوعين التي لوّح بها ترمب سابقًا، مع مراعاة أن الرئيس الأمريكي يوظف المهل الزمنية غالبًا كأداة ضغط سياسي أكثر من كونها مواعيد جامدة. ووفق هذه القراءة، فإن واشنطن قد تمنح المسار التفاوضي آخر فرصة شكلية، ثم تنتقل سريعًا إلى الخيار العسكري إذا اعتبرت أن طهران تناور أو تماطل.

السيناريو الثالث يتناول احتمال تأجيل الهجوم إلى ما بعد 19 مارس/آذار، أي بعد انتهاء شهر رمضان، انطلاقًا من حسابات سياسية ودعائية تتعلق بردود الفعل في العالم الإسلامي، وحساسية توقيت الحرب خلال الشهر الكريم. ويشير المقال إلى أن بعض دوائر القرار قد ترى في هذا التأجيل وسيلة لتفادي منح طهران أوراق تعبئة إضافية، لكن الكاتب يلفت في المقابل إلى أن كلفة إبقاء الحشد العسكري الأمريكي الضخم في حالة تأهب تجعل التأجيل الطويل خيارًا مكلفًا ومعقدًا.

أما السيناريو الرابع، فهو تأجيل الهجوم إلى مدى أبعد، لكنه -بحسب المقال الإسرائيلي- الأضعف احتمالًا، لأن واشنطن نشرت بالفعل بنية عسكرية كبيرة تشمل حاملتي طائرات ومدمرات وقوات جوية ضخمة، والإبقاء على هذا الانتشار لفترة طويلة دون استخدامه أو دون الوصول لاتفاق واضح يعني استنزافًا ماليًا وعسكريًا وسياسيًا. لذلك تميل القراءة الإسرائيلية إلى أن إدارة ترمب لن تُبقي هذا الحشد قائمًا إلى ما بعد منتصف مارس دون حسم: إما ضربة عسكرية أو اتفاق.

ويكشف المقال أيضًا عن نقطة مركزية في التفكير الصهيوني والغربي، وهي أن إيران تُجيد إدارة الوقت التفاوضي وتوسيع هوامش المناورة، وهو ما يُستخدم في الخطاب الإسرائيلي بوصفه عاملًا ضاغطًا على ترمب للإسراع بالحسم. لكن هذه القراءة نفسها تعكس، بصورة غير مباشرة، أن طهران نجحت في إبقاء المسار الدبلوماسي قائمًا رغم الحشود والتهديدات، وفرضت على واشنطن أن تتعامل مع المفاوضات كمسار لا يمكن تجاوزه بسهولة.

في المحصلة، يقدم مقال “جيروزاليم بوست” صورة مكثفة عن القلق الصهيوني من لحظة القرار الأمريكي: واشنطن تحشد للحرب، لكنها لم تحسم الحرب؛ وتضغط بالتفاوض، لكنها لم تنتزع الاستسلام. وبين هذين المسارين، يبدو أن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة ستتجه إلى صفقة تحت الضغط أم إلى مواجهة واسعة تُشعل الإقليم بأكمله.

إدانة دولية واسعة لخطوات الضم.. 20 دولة تكشف المسار الاستيطاني للاحتلال في الضفة

الضفة
إدانة دولية واسعة لخطوات الضم.. 20 دولة تكشف المسار الاستيطاني للاحتلال في الضفة

في تطور سياسي لافت، أصدرت 20 دولة عربية وإسلامية وأوروبية بياناً مشتركاً أدانت فيه بشدة قرارات كيان الاحتلال الأخيرة الهادفة إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية غير القانونية على الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أن ما يجري ليس إجراءً إدارياً عابراً، بل مساراً منظماً نحو الضم الفعلي وفرض وقائع ميدانية بالقوة على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية.

وأكد البيان أن المستوطنات الإسرائيلية تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وتشكل جزءاً من مشروع استعماري متدرج يستهدف تغيير البنية القانونية والديموغرافية للأرض الفلسطينية المحتلة، في تحدٍ مباشر للمواثيق الدولية وقرارات الشرعية الأممية.

ودعت الدول الموقعة حكومة الاحتلال إلى التراجع الفوري عن التوسع الاستيطاني غير القانوني، والالتزام بواجباتها القانونية الدولية، مشددة على ضرورة وقف أي إجراءات تؤدي إلى تغييرات دائمة في الوضع القانوني والإداري للأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك السياسات التي تمهد لفرض السيادة الإسرائيلية بالقوة.

كما شدد البيان على ضرورة وضع حد لعنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، في إشارة إلى التصعيد الممنهج الذي يجري تحت حماية جيش الاحتلال وغطاء حكومته المتطرفة، والذي بات يشكل أحد أدوات الضغط والتهجير القسري بحق السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وفي موقف يحمل دلالات سياسية مهمة، أكدت الدول الموقعة التزامها باتخاذ خطوات لمواجهة التوسع الاستيطاني وسياسات التهجير القسري والضم، وهو ما يعكس اتساع القناعة الدولية بأن ما ينفذه الاحتلال لم يعد مجرد “استيطان”، بل مشروع ابتلاع كامل للأرض الفلسطينية ضمن سياسة فرض الأمر الواقع.

ويأتي هذا البيان في ظل تصاعد غير مسبوق في مخططات التهويد والاستيطان، بالتوازي مع العدوان المستمر على غزة، بما يؤكد أن الاحتلال يدير معركة مفتوحة على كل الجغرافيا الفلسطينية، مستفيداً من الدعم الأمريكي والغربي، ومحاولاً استثمار الحرب لتسريع مشروعه الاستعماري في الضفة والقدس.

كمين صنعاء الجوي.. كيف أسقط اليمن هيبة الـF-16 وأجبر “الطيارين الأمريكيين” على الهروب تحت النار

كمين صنعاء الجوي.. كيف أسقط اليمن هيبة الـF-16 وأجبر "الطيارين الأمريكيين" على الهروب تحت النار

يكشف التقرير الأمريكي نفسه، رغم لغته المليئة بمحاولات التبرير، جانباً بالغ الأهمية من حقيقة المعركة الجوية فوق اليمن: القوات اليمنية لم تكن هدفاً سهلاً كما روّجت واشنطن، بل استطاعت خلال عملية جوية أمريكية معقّدة أن تفاجئ طياري مقاتلات F-16 الأمريكية بكمين دفاع جوي محكم حوّل المهاجم إلى هدف مباشر خلال ثوانٍ معدودة، وأدخل الطيارين في مواجهة حياة أو موت فوق سماء اليمن والبحر الأحمر.

وبحسب تفاصيل الرواية المنشورة في مجلة القوات الجوية والفضائية الأمريكية، فإن العملية وقعت ليلة 27 مارس/آذار 2025 ضمن حملة “Rough Rider” الجوية ضد اليمن، وشاركت فيها قاذفات B-2 Spirit وطائرات أخرى، فيما أُنيط بطائرتين من طراز F-16 Wild Weasel تنفيذ مهمة قمع الدفاعات الجوية (SEAD) تمهيداً لتأمين الضربة. غير أن ما جرى ميدانياً أظهر أن الدفاعات اليمنية لم تكن غائبة عن المشهد، بل كانت تراقب وتنتظر اللحظة المناسبة للرد.

التقرير الأمريكي يقرّ بوضوح أن الطيارين أدركا فجأة، بعد انتهاء الضربة وأثناء الانسحاب، أنهما أصبحا في مرمى صاروخ أرض-جو، وأنهما لم يحصلا إلا على إنذار مبكر محدود جداً لا يتجاوز 15 إلى 20 ثانية، وهي مدة تعكس -عسكرياً- فعالية عالية في الإخفاء والتمويه والتوقيت من جانب الدفاعات اليمنية. والأهم من ذلك أن التقييمات الأمريكية اللاحقة خلصت إلى أن اليمنيين دمجوا بين صواريخ موجّهة بالرادار ومراقبة بصرية وأنظمة كهروبصرية وتحت الحمراء (EO/IR)، بما سمح لهم بتجاوز جزء من قدرات الاستشعار الأمريكية، وهو اعتراف ضمني بأن واشنطن لم تكن تمتلك صورة كاملة عن شبكة الدفاع الجوي اليمنية.

وفي وصف بالغ الدلالة، يقر أحد الطيارين الأمريكيين بأن الصاروخ اليمني مرّ أسفل جناح طائرته مباشرة وبقرب شديد جعله يسمع هديره، بينما مرّ صاروخ آخر قرب مقدمة طائرة زميله بمسافة تُقدّر بأقل من طول الطائرة نفسها. كما يقرّ التقرير بأن الطائرتين تعرضتا خلال دقائق إلى ستة صواريخ في ما يشبه “سامبوش” (كمين صاروخي)، وأن الطيارين اضطرا إلى تنفيذ مناورات دفاعية حادة واستخدام وسائل التشويش والخداع الحراري بشكل مكثف للنجاة.

هذا التطور لم يكن مجرد حادث تكتيكي عابر، بل حمل دلالات أوسع على مستوى إدارة المعركة. فالمجلة الأمريكية نفسها تشير إلى أن العملية أُديرت بهيكل قيادي غير معتاد، بعد نقل إدارة العمليات الجوية ضد اليمن من القيادة الجوية المركزية إلى قيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC)، في خطوة وصفت بأنها مثيرة للجدل حتى داخل الأوساط العسكرية الأمريكية. ويعكس ذلك، في أحد أبعاده، ارتباكاً في المقاربة الأمريكية بين منطق “اصطياد القيادات” ومنطق الحرب الجوية الكلاسيكية التي تتطلب تفكيكاً منهجياً لمنظومات الدفاع والسيطرة.

كما يلفت التقرير إلى أن القوات الأمريكية لم تفهم بالكامل طبيعة شبكة الدفاع الجوي اليمنية، وأنها لم تصل إلى “وضوح بنسبة 100%” حول كيفية بناء اليمنيين لصورتهم القتالية الجوية. وهذا اعتراف مهم، لأنه يعني أن التفوّق التقني الأمريكي لم ينجح في حسم معركة الوعي الميداني، وأن اليمن فرض معادلات اشتباك قائمة على المفاجأة والتكيّف والدمج الذكي للوسائط القتالية.

ورغم أن الجانب الأمريكي قدّم ما جرى بوصفه “نجاة بطولية” لطياريه، فإن القراءة العسكرية المقابلة تكشف أن الحدث يثبت شيئاً أكثر عمقاً: الدفاعات اليمنية نجحت في اختراق الإيقاع العملياتي الأمريكي، وضربت الثقة التكتيكية لطائرات SEAD نفسها، وهي الطائرات التي تُفترض مهمتها الأساسية اصطياد بطاريات الدفاع الجوي لا الوقوع في شراكها. وهذا يعني أن سماء اليمن لم تكن مفتوحة، وأن كلفة أي توغل جوي أمريكي كانت ولا تزال أعلى بكثير مما ترغب واشنطن في إظهاره.

الأخطر بالنسبة للأمريكيين أن الكمين الصاروخي لم يكتفِ بتهديد الطائرتين، بل دفعهما إلى استهلاك وقود حرج خلال مناورات الهروب، ما اضطر القيادة الأمريكية إلى إقحام طائرات التزوّد بالوقود قرب مناطق الخطر لإنقاذ الموقف. وبذلك، لم يقتصر تأثير الدفاع الجوي اليمني على الطائرات المقاتلة فقط، بل امتد إلى إرباك السلسلة اللوجستية الجوية الأمريكية وفرض مخاطر إضافية على طائرات الدعم.

في المحصلة، يكشف هذا التقرير -من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها- أن اليمن لم يكن مجرد ساحة قصف، بل مسرح مواجهة جوية حقيقية استطاع فيه المقاتل اليمني أن يفرض معادلة ردع ميدانية متطورة نسبياً، وأن يحوّل واحدة من أكثر المهام حساسية في العقيدة الجوية الأمريكية إلى لحظات رعب ونجاة تحت النار. وبينما تحتفي واشنطن بمنح الأوسمة لطياريها، فإن الوقائع التي روتها مجلتها العسكرية تفضح حقيقة أوضح: الكمين اليمني أصاب العمق النفسي والعملياتي للقوة الجوية الأمريكية، وأثبت أن سماء اليمن ليست نزهة للطائرات المعتدية.

الحياة أو الموت فوق اليمن: كيف نجا طياران من طراز F-16 من سامبوش الحوثي

حوالي 15 ثانية فصلت F-16 “Wild Weasel” الطيارين المحدودة. العقيد. وليام “سكيت” باركس والميجور. مايكل “خطر” بليا من الحياة أو الموت في سماء الليل فوق اليمن.

إلى جانب العديد من قاذفات القنابل من طراز B-2 Spirit وغيرها من الطائرات، كانت جزءًا من مهمة معقدة لضرب منشآت إنتاج الصواريخ الباليستية الحوثية في اليمن في 27 مارس 2025. وأسقطت طائرات “بي-2” قنابلها، وتقشر طائرات “إف-16” بعيدا عن أهدافها، على أمل أن تصبح قريبا “رطبة” فوق البحر الأحمر.

ولكن فجأة، كانوا أهدافا. عند اكتشاف ومضة من الأرض أسفل، أدرك باركس وبليا أنهما كانا في مرمى نيران صاروخ أرض–جو وارد، وأصبح الصياد الآن هو المطارد.

منحت القوات الجوية مقابلات أجرتها مجلة القوات الجوية والفضائية مع باركس وبليا لمناقشة مهمتهما المروعة، والتي حصل كل منهما على نجمة فضية — فقط اثنين من أقل من 100 من ميداليات الشجاعة الممنوحة للطيارين منذ تأسست القوات الجوية الأمريكية في عام 1947. النجمة الفضية هي جائزة الشجاعة الثالثة للجيش الأمريكي، بعد وسام الشرف وصلبات الخدمة.

ولم يحدد الطياران ولا المتحدثان باسم القوات الجوية العدو أو البلد المعني، لكن مقابلات مع العديد من المسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين أكدوا أن الإجراءات وقعت فوق اليمن والبحر الأحمر. كما يشار إلى تصرفات السرب ضد الحوثيين في اقتباس واحد على الأقل من الجوائز.

وتستند هذه الرواية الخاصة بالمهمة وعملية “روف رايدر”، الحملة الجوية ضد الحوثيين التي استمرت 52 يوما، إلى مقابلات مع مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين على دراية بالحملة الجوية.

كما تم الحصول على جوائز أخرى في تلك الليلة. حصل طاقم ناقلة — طياران ومشغل ازدهار غامر في “طريق الأذى” — على الصلبان الطائرة المتميزة لجهودهم. وقال مسؤول في سلاح الجو إن الميداليات ستقدم رسميا في مارس آذار. كما حصل باركس على نجم برونزي لعمله خلال نشر السرب.

الولايات المتحدة طائرات F-16 تابعة للقوات الجوية من سرب المقاتلات الاستكشافية الـ480 فوق الولايات المتحدة منطقة مسؤولية القيادة المركزية، فبراير. 11، 2025. الولايات المتحدة صورة للقوات الجوية من قبل Staff Sgt. جاكسون مانسك.

كانت العملية جديرة بالملاحظة لهيكل قيادتها غير العادي. قبل عملية Rough Rider، قائد الولايات المتحدة آنذاك القيادة المركزية، جنرال الجيش مايكل “إريك” كوريلا، حوّل السيطرة على العمليات الجوية ضد الحوثيين من القوات الجوية الوسطى وقائد المكونات الجوية للقوات المشتركة، أو CFACC، إلى قيادة العمليات الخاصة المشتركة JSOC في فورت براج، شمال قوسد، بقيادة نائب الأدميرال آنذاك فرانك “ميتش” برادلي.

ومن المرجح أنها كانت المرة الأولى التي تدار فيها حملة جوية في الشرق الأوسط بهذا الحجم من قبل JSOC، وهو قرار لا يزال مثيرًا للجدل بين بعض الضباط العسكريين الحاليين والمتقاعدين. في حين يقول بعض المشغلين الخاصين السابقين إن هذا التحول كان مناسبًا لأن JSOC لديها عقود من الخبرة، يقول منتقدو هذه الخطوة إن التحول رجح الحملة أكثر من اللازم نحو مطاردة قادة الحوثيين ولم يعط اهتمامًا كافيًا لتطوير ومهاجمة الأهداف التي يستخدمها الحوثيون للسيطرة على البلاد، بما في ذلك مواقع الدفاع الجوي.

“أولاً، آخر مرة”

عملية Rough Rider، الحملة الشاملة التي تستهدف الحوثيين، التي أطلقت في 15 مارس 2025. حاملة الطائرات هاري س. ترومان كان ترومان متمركزًا قبالة الساحل اليمني، حيث كان سطحه يمتلئ بمقاتلات متعددة المهام من طراز F/A-18 Super Hornet وطائرات الهجوم الإلكترونية EA-18 Growler. وانضمت طائرات بدون طيار من طراز MQ-9 Reaper تعمل عن بعد إلى العملية.

وبحلول 25 مارس، كان نصف دزينة من طراز B-2s يصلون إلى جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، وفقا لبيانات مفتوحة المصدر. وعلى الرغم من أن القوات الجوية رفضت التعليق على دور طائرات B-2، إلا أن أشخاصا مطلعين على العملية يقولون إنهم شاركوا في هجوم 27 مارس.

تم نشر باركس وبليا، وهما عضوان في سرب المقاتلات الـ480 المتمركز في قاعدة سبانغداليم الجوية بألمانيا، في الشرق الأوسط في أكتوبر 2024 وظلت الوحدة هناك حتى يوليو 2025. مقاتلات سبانغدهليم هي “Wild Weasels”، مدربة ومجهزة لقمع الدفاعات الجوية للعدو، وهي مهمة تعرف باسم SEAD تعود إلى حرب فيتنام.

تحمل طائرات F-16 480 رادارات Active Electronically Scanned Array ونظام الصواريخ الموجهة بالليزر المعروف باسم APKWS لمواجهة الطائرات بدون طيار الواردة. يساعدهم نظام استهداف HARM، أو قرون HTS، على اختيار مواقع SAM للعدو واستهدافها.

يعكس شعار Wild Weasel أدوارهم في دور SEAD وحماية الطائرات الأخرى، وهو “First In, Last Out”، والذي يتكرر كاستجابة للاتصال بين الوحدة. تصور بقع معنوياتهم عبارة أخرى، باستخدام اختصارها المكون من خمسة أحرف فقط — YGBSM — أسفل صورة ابن عرس مرتبك.

كانت مهمة 27 مارس هي أول عملية ليلية لباركس للحملة. وبصفته قائد البعثة في تلك الليلة، كان قد بدأ إحاطاته قبل يومين، وضغط على زملائه في الفريق لتحويل عقليتهم من العمل كقاذفات مقاتلة متعددة المهام في عملية العزم الصلب ضد داعش في سوريا للتركيز بدلاً من ذلك على مهمة الدائرة في اليمن.

ورفض الجيش الأمريكي تحديد قاعدة إف-16 في الشرق الأوسط، لكن القيود على المجال الجوي أرسلتها فوق البحر الأحمر أثناء اختراقها وخروجها من المجال الجوي اليمني.

في ليلة 27 مارس، اتبعوا هذا الطريق مع اثنين آخرين من طائرات F-16 من سربهم. كانت المهمة هي SEAD، التي تهدف إلى إتلاف أو تدمير الدفاعات الجوية للحوثيين بينما تشتت انتباه الحوثيين أيضًا عن الجزء الآخر من مهمة الهجوم.

“إن شعار Wild Weasel هو أن ينظر إلينا الخصوم وينتبهوا إلينا”، قال باركس. وأضاف: “هذا لا يعني بالضرورة أننا نرغب أو نريد أو حتى نتوقع أن نبدأ في إطلاق النار بالكامل”.

لم تبدأ المهمة قبل أن يكون من الواضح أن الحوثيين كانوا يعرفون أن عملية جارية. في البداية، بدأت الأرض أدناه تتألق مثل الألعاب النارية، ولكن كانت في الواقع علامة على أنه تم ملاحظتها، وكما قيّم بعض المسؤولين لاحقًا، فإن المدافعين عن الهواء الحوثيين كانوا يشيرون إلى بعضهم البعض.

“إنهم يعلمون أننا هنا. نحن بحاجة إليهم في الاهتمام بنا”، قال باركس. وأضاف: “نحن بحاجة إلى اتخاذ قرار شخصي هادف للبدء في التحول إلى منطقة الخطر، وهو ليس قرارًا ممتعًا، لكنه كان بالتأكيد قرارًا كنا نعلم أنه كان علينا القيام به”.

لم تدرك القوات الأمريكية أبدًا المدى الكامل للدفاع الجوي المتكامل المخصص للحوثيين، كما يقول المسؤولون الأمريكيون الحاليون والسابقون. يشير التحليل اللاحق إلى أن الحوثيين جمعوا صواريخ سام الموجهة بالرادار مع مراقبين بصريين وأجهزة استشعار كهروضوئية وأشعة تحت الحمراء، مما يعني سلبية أن أجهزة الاستشعار الأمريكية لم تلتقط.

“حاولنا أن نفهم ما كان يحدث بالضبط”، قال مسؤول دفاعي أمريكي كبير لمجلة القوات الجوية والفضائية. وأضاف: “لقد بذلنا جهودًا متضافرة لفهم جميع المعلومات التي كانوا يحصلون عليها لبناء صورتهم. ولا أعتقد أننا حصلنا على وضوح بنسبة 100 في المئة في ذلك”.

وقد وصلت الحدائق والبلي إلى هدفهما بالقرب من العاصمة اليمنية صنعاء وأطلق كل منهما صاروخًا مضادًا للإشعاع من طراز AGM-88 HARM. وكان الضربان من بين ما يقرب من 50 تم إطلاقهما خلال الحملة خلال ما يقرب من عشرين اشتباكا ضد مواقع صواريخ أرض–جو والمدفعية المضادة للطائرات.

وعثرت الصواريخ على أهدافها وظهرت الدفاعات الجوية الحوثية صامتة. ولكن مع بدء خروج الطائرات الأمريكية من البلاد، كان الحوثيون يلعبون بوسوم، في انتظار فرصتهم للرد.

وقال باركس: “الضربة الرئيسية تمر، ويحدث ذلك في لحظة، ثم انتهى، وكان كل شيء هادئا”. كانت مهمة القاذفات ناجحة وبدأت حزم الضربات خروجها. “لا يوجد AAA، لا يوجد شيء”، يتذكر باركس. وأضاف: “الأنظمة التي رأيناها على الهواء قد أطفأت الهواء، والآن نحن نستعد للعودة إلى المنزل”.

لكن الطائرة كانت تتعقب أثناء تحليقها باتجاه البحر الأحمر ولم يقم الحوثيون بتشغيل راداراتهم حتى أصبح لديهم سام على استعداد للإطلاق على الطائرات الأمريكية، ما يسمى سامبوش.

“لقد كان كمينًا لأننا لم نحصل على الكثير من المؤشرات في وقت مبكر”، قال باركس. وأضاف: “لم يكن لدينا سوى حوالي 15-20 ثانية من المؤشرات في وقت مبكر”.

“سبب آخر قد تضعه في سياق هذا كمينًا هو حقيقة أن هذا قد حدث بعد وقوع الضربة”، أضاف باركس. وأضاف أن “الصواريخ الفعلية بدأت تحلق مهمة ما بعد الضربة”.

كان لدى باركس خيارات قليلة، لذلك توجه مباشرة إلى الصاروخ — وهو طريقة الملاذ الأخير — حيث حاول إرباك الذخيرة والتسبب في تجاوزها.

وقال باركس: “ترى هذا الضوء الأبيض الساطع… يمر مباشرة إلى أسفل جناحي الأيسر، قريب بما فيه الكفاية يمكنني سماع الهزة، وهذا شيء عالق معي حتى يومنا هذا”.

وقد نجت الحدائق، ولكن الآن حياة بليا معلقة في الميزان.

وقال بليا: “شاهدت عملية الإطلاق، وبعد ذلك أستطيع أن أرى الصاروخ طوال الوقت… هذه هي فرصتي الوحيدة. لدي فرصة واحدة لجعل هذه الفوضى”.

لقد فعل ذلك — بالكاد. “كان يطير على بعد أقدام من مقدمة أنفي”، قال بليا. يقدر في وقت لاحق مسافة أقل من طول طائرته — F-16 أقل بقليل من 50 قدمًا.

خلال ربع الساعة التالية، كان الطيارون يسحبون المناورات الدفاعية ويوزعون التدابير المضادة.

وقال بليا: “إنها 15 دقيقة من ذلك بالنسبة لما مجموعه ستة صواريخ يتم إطلاقها علينا نحن الاثنين… والعمل فقط كفريق”.

ونظرًا لأن طائرات F-16 تحرق المزيد من الوقود الذي يسحب Gs، واجه الطيارون تحديًا آخر: من شبه المؤكد أن النفاد من الغاز سيؤدي إلى القذف فوق الأراضي المعادية أو إلى البحر الأحمر، ولا خيار جذاب.

“لم أكن أريد أن أضرب لأنني نفد مني الغاز”، قال باركس. “كنا نستخدم معدل وقود أعلى بكثير… يضعنا على الفور تقريبا وراء الوقود”.

وإدراكًا للمخاطر، تأرجح مركز العمليات الجوية المشتركة التابع للقوات الجوية المركزية، والذي كان مسؤولاً عن سلامة الطيران، إلى العمل. تم إرسال طاقم ناقلة أقرب إلى أراضي العدو وإلى “طريق الأذى”. بليا يتجه للحصول على الوقود أولا.

وقال بليا: “سأدين إلى الأبد بالامتنان لطواقم الناقلات في تلك الليلة”، مضيفًا: “كانوا على الفور على استعداد للدعم”.

يشير اقتباس النجم البرونزي من Parks إلى إنجازات سرب المقاتلة الاستكشافية 480. كان باركس قائد الوحدة، حيث قاد 56 طيارًا و12 طائرة F-16. كان السرب واحدًا من أوائل الذين استخدموا APKWS كأسلحة جوية قصيرة وساعدوا في تطوير “التكتيكات المبتكرة” لهزيمة الطائرات بدون طيار، كما استخدمت AIM-9M Sidewinders القديمة، مدعية أن أول عملية قتل جو–جو بواسطة AIM-9M منذ أكثر من 30 عامًا. وسجلت الوحدة 108 قتلا جويا من الطائرات بدون طيار وصواريخ كروز خلال عملية الانتشار. تم تعيين باركس الآن لدور في البنتاغون بينما لا يزال بليا مع 480th.

“نفذت الـ480 حملة عالية الخطورة ضد قوات الحوثيين، مستخدمة أكثر من 134 قنبلة و47 صاروخا من طراز AGM-88 أثناء تحليقها بقوة 9 آلاف ساعة و1.4 ألف طلعة جوية تحت خطر جسيم من 22 اشتباكا في مدفعية الدفاع الجوي وصواريخ أرض-جو”.

لكن الرد الأكثر مكافأة جاء عندما هبط الطيارون أخيرًا في القاعدة واستقبلهم العشرات من المشرفين والطاقم الآخرين الذين حافظوا على تحليق الطائرة.

وقال بليا: “أحول الزاوية إلى مكان لوقوف السيارات، وأرى على الأرجح في حدود 30 شخصا يقفون في المقدمة من هناك… هذه هي المرة الأولى التي تسمح فيها لعقلك بالعودة إلى تلك اللحظة”.

بينما كان بليا غير مقيد بمقعد طرده، تسلق أحد أصدقائه المقربين السلم، مصرخًا: “يا صاح، أنت في المنزل!”

ثم اقتربت باركس من بليا.

“لا شيء يجب أن يقال”، قال بليا، متذكرا اللحظة. “نحن ننظر إلى بعضنا البعض… نجاح باهر! الأول، يا لها من ليلة. وثانيًا، كلانا هنا… لقد فعلنا ما كان من المفترض أن نفعله… كلانا نجح في ذلك”.

ـــــــــــــــــــــــــــ
كريس جوردون

من الإذلال إلى الإعدام الصامت.. الاحتلال يحوّل الأسرى الفلسطينيين إلى ساحة انتقام مفتوحة

في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال حربه المدمرة على غزة، فتح جبهة موازية داخل السجون ومراكز الاحتجاز، لكن هذه المرة بأدوات مختلفة: القمع المنهجي، والتجويع، والإخفاء القسري، والإذلال المصوَّر. لم تعد الانتهاكات تُرتكب فقط خلف الجدران، بل باتت تُقدَّم عمداً في الإعلام الإسرائيلي بوصفها مشهداً دعائياً موجهاً، في محاولة لتحويل جسد الأسير الفلسطيني إلى مادة للانتقام السياسي واستعادة “الهيبة” الإسرائيلية المكسورة بعد 7 أكتوبر.

وبحسب المعطيات الواردة، يبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال نحو 10 آلاف أسير، بينما يبقى ملف أسرى غزة الأكثر غموضاً وخطورة، إذ يُحتجزون ضمن مسارين: سجون رسمية تتبع مصلحة السجون، ومراكز احتجاز عسكرية خارج الإطار القانوني المعتاد. وتُدرج إسرائيل 1249 أسيراً تحت تصنيف “المقاتلين غير الشرعيين”، وهو تصنيف يشمل غالبية معتقلي غزة، لكن الرقم الفعلي يبقى مرجحاً للارتفاع بسبب وجود مفقودين ترفض سلطات الاحتلال الكشف عن مصيرهم، ما بين الاحتجاز السري والتصفية الميدانية.

وتؤكد تقارير حقوقية أن ملف الأسرى بات جزءاً من منظومة إساءة ممنهجة تشمل التعذيب الشديد، والتجويع، وحرمان العلاج، والإجهاد المتعمد، والتعطيل القضائي، في ظل غياب الشفافية داخل مراكز احتجاز مثل سديه تيمان وغيرها. كما تشير المعطيات إلى ارتقاء 88 شهيداً من الحركة الأسيرة منذ بدء حرب غزة، بينهم 52 من أسرى غزة، في مؤشر خطير على تصاعد القتل البطيء داخل السجون.

في موازاة ذلك، يدفع وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير نحو تقنين الانتقام عبر مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، مدعوماً بمناخ سياسي إسرائيلي عام بات ينظر إلى التشدد ضد الأسرى كوسيلة تعبئة انتخابية. وقد مرّ القانون بالقراءة التمهيدية، كما أُقرّ قانون لمحاكمة مقاتلي “نخبة القسام” أمام محاكم خاصة مع بث علني للجلسات، في تحول خطير يدمج القضاء بالحرب النفسية، ويمنح الاحتلال أدوات قانونية استثنائية لفرض أحكام تصل إلى الإعدام، حتى مع تجاوز قواعد الإثبات والإجراءات المعتادة.

المشهد هنا لا يتعلق فقط بتشديد العقوبة، بل بإعادة تعريف الأسير الفلسطيني داخل الوعي الإسرائيلي: من “معتقل” إلى رمز يُستخدم لإعادة بناء الردع الإسرائيلي بالقوة والإذلال. فمشاهد الركوع، والتقييد، والاعتداء، التي تُنشر تحت رعاية مسؤولين رسميين، ليست فقط انتهاكات؛ بل رسائل سياسية داخلية تخدم اليمين المتطرف، وتمنحه رصيداً شعبوياً سريعاً في موسم التنافس الانتخابي، حيث بات التطرف ضد الفلسطينيين هو العملة الأكثر تداولاً بين الحكومة والمعارضة معاً.

وتكشف هذه الوقائع أن الأسير الفلسطيني أصبح اليوم ساحة صراع داخلية إسرائيلية بقدر ما هو ضحية مباشرة للاحتلال. فكلما تراجعت حالة التعبئة الانتقامية داخل المجتمع الإسرائيلي بفعل طول الحرب والخسائر، جرى ضخ مزيد من مشاهد القسوة داخل السجون لإعادة شحن المزاج العام، وصرف الأنظار عن مسؤولية المؤسسة الأمنية والسياسية عن الفشل التاريخي الذي أصاب صورة الردع الإسرائيلي.

أما على مستوى المصير، فإن الصورة تبدو أكثر قتامة، خصوصاً لأسرى غزة. فبعد تعثر مسارات التبادل وإغلاق نوافذ الإفراج، أصبح هؤلاء الأسرى تحت رحمة إجماع إسرائيلي يميني–أمني يشرعن الإخفاء والتعذيب والتجويع، ويضعهم على حافة الإعدام القانوني أو الصامت. وفي ظل تراجع فاعلية القضاء الإسرائيلي في كبح هذه الانتهاكات، ورفض المحكمة العليا عشرات الالتماسات المتعلقة بظروف الاحتجاز أو الكشف عن مصير المختفين، تتجه السجون الإسرائيلية إلى ما يشبه مناطق موت بطيء خارج أي محاسبة حقيقية.

الخلاصة أن ما يجري اليوم ليس مجرد انتهاكات متفرقة، بل سياسة دولة: استخدام الأسرى الفلسطينيين كأداة انتقام، وورقة تعبئة، ومنصة لاستعراض القوة. وبين الإذلال الممنهج والتمهيد للإعدام، يقف ملف الأسرى أمام أخطر تحول منذ عقود، في ظل صمت دولي وعجز قانوني، بينما تتوسع آلة الاحتلال في تحويل السجن إلى امتداد مباشر للحرب.

الصياد تحوّل إلى فريسة.. اعتراف أمريكي خطير: الدفاعات اليمنية حوّلت مقاتلات “F-16” إلى أهداف مباشرة وأفشلت هيبة التفوق الجوي

في كشفٍ أمريكي بالغ الدلالة، أقرت مجلة القوات الجوية والفضائية الأمريكية بأن الدفاعات اليمنية نجحت في نصب كمين صاروخي محكم لطائرتين أمريكيتين من طراز F-16 خلال مهمة ليلية فوق اليمن في 27 مارس/آذار 2025، مؤكدة أن 15 ثانية فقط فصلت بين الطيارين الأمريكيين وبين الموت، في واحدة من أكثر لحظات الاشتباك الجوي حساسية وإحراجًا للآلة العسكرية الأمريكية.

وبحسب ما ورد في التقرير الأمريكي، فإن الطائرتين كانتا ضمن عملية جوية معقدة شاركت فيها قاذفات B-2 Spirit ومنصات قتالية أخرى، إلا أن مسار المهمة انقلب بشكل مفاجئ أثناء الانسحاب باتجاه البحر الأحمر، بعدما تعرض الطياران ويليام باركس ومايكل بليا لهجوم صاروخي يمني مباغت، لتتحول العملية من استعراض قوة إلى معركة بقاء في السماء.

ويعكس هذا الاعتراف بوضوح أن اليمن لم يعد ساحة مفتوحة للطيران الأمريكي، بل بات يمتلك بيئة دفاع جوي متقدمة ميدانيًا قادرة على المفاجأة والمطاردة وفرض معادلات اشتباك جديدة، حتى على مقاتلات تُعد من أعمدة القوة الجوية الأمريكية. وقد وصفت المجلة نفسها المشهد بعبارة لافتة حين أشارت إلى أن “الصياد تحوّل إلى فريسة”، في توصيف نادر لحالة الارتباك التي أصابت الطيارين الأمريكيين داخل المجال العملياتي اليمني.

وأفادت الرواية الأمريكية أن الطيارين لم يتلقيا سوى إنذار مبكر محدود جدًا (15 إلى 20 ثانية) قبل دخول الصواريخ اليمنية في مسار الاشتباك، ثم تلا ذلك إطلاق 6 صواريخ أرض-جو خلال دقائق، ما أجبر الطائرتين على تنفيذ مناورات دفاعية عنيفة واستخدام مكثف لوسائل التشويش والخداع الحراري. كما أقر أحد الطيارين بأن أحد الصواريخ مرّ أسفل جناح طائرته مباشرة وعلى مسافة قريبة للغاية، لدرجة أنه سمع هدير الصاروخ بوضوح، وهي شهادة ميدانية تكشف حجم الخطر الذي واجهته القوة الجوية الأمريكية في تلك اللحظة.

الأهم في هذا الاعتراف ليس فقط كثافة النيران اليمنية، بل ما كشفته التحليلات الأمريكية اللاحقة عن طبيعة الكمين نفسه؛ إذ أشارت المجلة إلى أن اليمنيين دمجوا بين الصواريخ الموجهة بالرادار وبين المراقبة البصرية والمستشعرات الكهروبصرية وتحت الحمراء، وهي منظومة اشتباك مركبة مكّنت الدفاعات اليمنية من تجاوز بعض أنماط الرصد التقليدية للطائرات الأمريكية، وقلّصت فعالية التحذير المبكر لدى الخصم. وهذه النقطة بالذات تمثل اعترافًا تقنيًا مهمًا بأن الدفاعات اليمنية باتت تعمل بعقلية تكامل ميداني وليس بمنطق الإطلاق العشوائي.

كما كشف التقرير عن جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أن العملية الجوية الأمريكية في اليمن أُديرت بهيكل قيادي غير مألوف، بعد أن نُقلت إدارة العمليات من القيادة الجوية المركزية إلى قيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC) في فورت براغ، في خطوة توحي بأن واشنطن تتعامل مع الساحة اليمنية كملف شديد التعقيد، يحتاج إلى نمط قيادة استثنائي بسبب تصاعد المخاطر وتراجع هامش الأمان الجوي.

سياسيًا وعسكريًا، يثبت هذا التطور أن اليمن نجح في استنزاف الثقة الأمريكية بالتفوق الجوي المطلق، وفرض واقع ميداني يجعل حتى الطلعات الهجومية عالية التقنية عرضة للمفاجأة والتهديد المباشر. فحين تعترف مجلة عسكرية أمريكية متخصصة بأن طياري F-16 كانوا على بُعد ثوانٍ من الهلاك، وأنهم تعرضوا لكمين منظم أثناء الانسحاب، فإن ذلك يعني أن القدرة اليمنية على الردع الجوي لم تعد مجرد رسالة إعلامية، بل واقع عملياتي يقر به الخصم نفسه.

وفي المحصلة، فإن ما جرى فوق اليمن في تلك الليلة لم يكن حادثًا عابرًا، بل مؤشرًا واضحًا على أن ميزان الاشتباك يتغير: اليمن يراكم خبرة ميدانية وتقنية في إدارة الدفاع الجوي، والولايات المتحدة تواجه ساحة قتال لم تعد تقبل قواعد الهيمنة القديمة. وهذا بحد ذاته تطور استراتيجي بالغ الأثر في مسار المواجهة، لأن كسر هيبة الطيران الأمريكي هو بداية إسقاط أهم أدوات الضغط العسكري في المنطقة.

بين التفاوض والتهديد.. “واشنطن” تحشد للحرب و”طهران” تثبّت حقها النووي ومعادلة الردع

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يتقدّم مسار التفاوض بين واشنطن وطهران تحت سقف تهديدات عسكرية أمريكية متصاعدة، بينما تُصرّ إيران على إدارة المواجهة من موقع السيادة والردع لا من موقع الاستجابة للابتزاز. وبحسب ما نقلته نيويورك تايمز، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أبلغ مستشاريه بأنه يدرس خيارات ضرب إيران إذا لم تستجب طهران لمطالب واشنطن، مع إبقاء احتمالات التصعيد مفتوحة لاحقًا، بما في ذلك توسيع نطاق الهجوم إذا فشلت الضغوط الأولية في فرض الشروط الأمريكية. كما تحدثت التسريبات عن أهداف قيد الدراسة تشمل مقرات للحرس الثوري، والمنشآت النووية، وبرنامج الصواريخ الباليستية، في مؤشر واضح على أن واشنطن تستخدم التفاوض كغطاء لضغط عسكري متدرج لا يخفي نواياه السياسية والأمنية.

وفي مقابل هذا التصعيد، تتحرك طهران بثبات محسوب، رافضة معادلة “الاستسلام تحت الحشد”. فالموقف الإيراني الرسمي، كما عبّر عنه وزير الخارجية عباس عراقجي، يقوم على أن تخصيب اليورانيوم حق سيادي وقانوني تكفله معاهدة عدم الانتشار، وأنه لا يمكن التعامل مع هذا الحق كـ“تنازل تفاوضي” أو مادة للمقايضة الإعلامية. عراقجي شدد على أن البرنامج النووي الإيراني سلمي ويخضع للرقابة الدولية، وأن المشكلة الحقيقية ليست في طبيعة البرنامج، بل في إصرار واشنطن على تحويل الملف النووي إلى أداة لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية وفرض قيود تتجاوز النووي إلى بنية القوة الإيرانية نفسها.

وفي السياق نفسه، تؤكد طهران أنها لا ترفض التفاوض، لكنها ترفض التفاوض تحت الإكراه. ولهذا تتمسك بأن تكون المحادثات غير مباشرة، عبر الوسيط العُماني، حفاظًا على هامش المناورة ومنع واشنطن من تحويل اللقاءات المباشرة إلى منصة ضغط نفسي وسياسي. ومع ذلك، لا تُغلق إيران الباب بالكامل، إذ تبقي على المرونة التكتيكية إذا ثبتت جدية الطرف الآخر والتزم بأساسيات التفاوض المتكافئ: الاحترام المتبادل، وعدم الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، وربط أي تفاهم نووي برفع فعلي للعقوبات.

وعلى خط المفاوضات الجارية، أفادت تقارير أمريكية بأن واشنطن تنتظر مقترحًا إيرانيًا مكتوبًا خلال مهلة قصيرة، وأنها مستعدة لعقد جولة جديدة في جنيف إذا تسلمت مسودة تفصيلية من طهران، مع طرح أمريكي لبحث ترتيبات مؤقتة قبل اتفاق شامل. هذا الطرح، وإن قُدّم إعلاميًا كمرونة أمريكية، يعكس في جوهره سعيًا أمريكيًا لشراء الوقت وتثبيت سقف ضغوطها العسكرية بالتوازي مع اختبار ما يمكن انتزاعه تفاوضيًا من إيران.

لكن الموقف الإيراني الميداني والسياسي جاء حاسمًا في إسقاط سردية “الضربة المحدودة” التي يروّج لها البيت الأبيض. فقد أكد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب‌آبادي أن الأعداء قد يتمكنون من بدء الحرب، لكنهم لن يكونوا قادرين على رسم خط نهايتها، وأن آثار أي عدوان لن تبقى محصورة بين طرفين، بل ستتمدّد إلى الإقليم كله. هذا التحذير لا يُقرأ كتصعيد لفظي فقط، بل كتثبيت لعقيدة الردع الإيرانية التي ترى أن أي هجوم أمريكي، مهما كان حجمه، سيفتح مسرحًا واسعًا للصراع يتجاوز الحسابات الأمريكية التقليدية.

وفي الاتجاه ذاته، شدد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على أن “لا توجد ضربة محدودة” في نظر طهران، وأن أي عدوان سيُعامل كعدوان كامل يستوجب ردًا قويًا وفق حق الدفاع المشروع المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، مع نفيه القاطع لما تروّجه بعض المنابر عن “اتفاق مؤقت” جاهز، وتأكيده أن إيران لا تقبل سوى تفاهم يضمن حقوقها النووية ويرفع العقوبات ويعترف بسيادتها. هذا الموقف الإيراني ينسف محاولات واشنطن خلق انطباع بأن طهران تتجه إلى تنازلات تحت الضغط، ويؤكد أن الجاهزية العسكرية والدبلوماسية تسيران معًا لا كبديلين، بل كمسارين متكاملين.

وعسكريًا، تتعامل واشنطن مع المنطقة بمنطق الحشد الشامل، وليس مجرد “رسالة ردع”. فالمعطيات المتداولة عن التحركات الأمريكية تشير إلى بناء حزام عملياتي ولوجستي واسع يبدأ من حاملات الطائرات في الشرق الأوسط ولا ينتهي عند القواعد المتقدمة في الخليج، بل يمتد عبر شبكة قواعد وممرات جوية في أوروبا والبحر المتوسط والمحيط الهندي، بما في ذلك بريطانيا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال ودييغو غارسيا. هذا “الحزام الاستراتيجي” يمنح واشنطن قدرة أعلى على إدارة حرب جوية ممتدة، وتأمين الإمداد والسيطرة والاستخبارات، لكنه في الوقت ذاته يعكس حجم القلق الأمريكي من قدرة إيران على تحويل أي مواجهة إلى حرب استنزاف إقليمي مركّب.

كما أن تسريبات وتقارير غربية وإسرائيلية عن سيناريوهات توقيت الهجوم—من “ضربة خلال أيام” إلى “تأجيل لما بعد جولات جنيف” أو حتى “الانتظار لما بعد رمضان”—تعكس ارتباكًا داخل المعسكر الأمريكي-الإسرائيلي، لا سيما مع غياب اليقين حول فعالية الضربات الجوية وحدها في تحقيق أهداف سياسية كبرى مثل إخضاع طهران أو زعزعة مركز القرار فيها. وتزداد هذه الحيرة مع إدراك متنامٍ داخل الدوائر العسكرية الأمريكية لكلفة الحرب واتساع مسرحها، خصوصًا بعد تجارب المواجهة السابقة وما أظهرته إيران من قدرة على الرد وتوسيع نطاق الاشتباك.

في المقابل، تتعامل إيران مع هذا المشهد بذاكرة مفتوحة على تجربة العام الماضي، حين جرت المفاوضات بالتوازي مع التصعيد وانتهت المنطقة إلى حرب الـ12 يومًا. لذلك، تُصرّ طهران اليوم على أن الدبلوماسية لا تعني خفض الجاهزية، بل تُدار تحت حماية الردع. ومن هنا تتقاطع مواقف الخارجية والجيش الإيراني والحرس الثوري في رسالة واحدة: إيران لن تبدأ الحرب، لكنها لن تسمح بفرض شروط الحرب عليها. وهي رسالة تعزّزها الاستعدادات العسكرية المعلنة، وحالة التأهب المستمرة، والتحركات البحرية والجوية، والتنسيق مع الحلفاء، إلى جانب التلويح الدائم بإمكانية استهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة إذا فُرض عليها القتال.

وفي البعد الدولي، تبدو أوروبا أكثر قلقًا من الانزلاق إلى مواجهة جديدة. فقد دعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى حل دبلوماسي، مؤكدة أن المنطقة لا تحتمل حربًا إضافية، وهو موقف يعكس إدراكًا أوروبيًا بأن التصعيد الأمريكي لا يهدد إيران وحدها، بل يهدد أمن الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد والاستقرار الإقليمي برمته. صحيح أن الخطاب الأوروبي لا يخرج بالكامل من الإطار الغربي الضاغط على طهران، لكنه في هذه المرحلة يرسل إشارة واضحة إلى أن خيار الحرب الأمريكية يفتقر إلى إجماع دولي حقيقي.

خلاصة المشهد أن واشنطن تحاول الجمع بين التهديد العسكري، والمهل الزمنية، وتسويق “صفقة اضطرارية” تُجبر طهران على تقليص برنامجها النووي والتراجع تحت ضغط الأساطيل. أما إيران، فتخوض الجولة بعقيدة مختلفة: تفاوضٌ بلا استسلام، ومرونةٌ بلا تفريط، وردعٌ يمنع تحويل التفاوض إلى فخ. ولهذا فإن المسار المقبل—في جنيف أو بعدها—لن يُحسم فقط على طاولة النصوص والمسودات، بل أيضًا في ميزان الإرادة: هل تستطيع واشنطن فرض “اتفاق بالإكراه”، أم أن طهران ستنجح في تكريس معادلة أن الحقوق السيادية لا تُنتزع بالحصار ولا تُكسر بالحشد؟

عاصفة ثلجية تشلّ نيويورك والشمال الشرقي الأمريكي: إلغاءات واسعة للرحلات وقيود على التنقّل وانقطاعات متفرقة للكهرباء

اجتاحت عاصفة شتوية قوية من نوع “نورإيستر” الساحل الشرقي للولايات المتحدة بين مساء الأحد 22 فبراير 2026 وصباح الاثنين 23 فبراير 2026، متسببة في شلل واسع بمدينة نيويورك وعدة ولايات في الشمال الشرقي، وسط تساقط كثيف للثلوج ورياح عاتية وانخفاض حاد في مدى الرؤية. ووفق تقديرات جهات الأرصاد وتقارير إعلامية متطابقة، تجاوزت سماكات الثلوج في مناطق من نيويورك وما حولها قدمًا كاملة، بينما سجّلت سنترال بارك في مانهاتن أكثر من 15 بوصة، مع استمرار الهطول لساعات قبل أن تبدأ العاصفة بالانحسار تدريجيًا بعد ظهر الاثنين في نيويورك.

في نيويورك، اتخذت السلطات إجراءات طارئة للحد من الحركة وحماية فرق الإنقاذ وعمليات الجرف، إذ فُرضت قيود صارمة على التنقل وجرى التحذير من “السفر غير الضروري” خلال ذروة العاصفة، مع تنبيهات متكررة للسكان بالبقاء في المنازل لتفادي حوادث الانزلاق واصطدامات الطرق وتراكم الثلوج على المركبات. وترافقت الثلوج مع رياح قوية وصلت هبّاتها في نطاقات واسعة إلى نحو 60 ميلًا/ساعة، ما أدى إلى تكوّن “انجرافات ثلجية” ورفع مخاطر سقوط الأشجار وانقطاع الكهرباء في أحياء وضواحٍ مختلفة، خصوصًا في لونغ آيلاند ومقاطعات شمال المدينة.

أكبر الضربات ظهرت في قطاع النقل، حيث شُلّت حركة الطيران في مطارات المنطقة الحيوية: جون كينيدي ولاغوارديا ونيوارك، إضافة إلى بوسطن لوغان وفيلادلفيا، مع موجة إلغاءات وتأخيرات واسعة النطاق تجاوزت 5,700 رحلة ملغاة وأكثر من 900 رحلة متأخرة بحسب إحصاءات يوم الاثنين، فيما تحدثت مصادر أخرى عن مستويات إلغاء بالآلاف منذ مساء الأحد، مع تركز التعطّل في مطارات نيويورك ونيوجيرسي وماساتشوستس. كما تأثرت حركة القطارات والحافلات في عدة نقاط، وأُغلقت طرق، وتكررت التحذيرات من القيادة على الطرق السريعة بسبب الانجماد وتراجع الرؤية أثناء العواصف الثلجية.

وعلى مستوى الولايات، اتسع نطاق التأثر خارج نيويورك ليشمل نيوجيرسي وكونيتيكت وبنسلفانيا ورود آيلاند وماساتشوستس وأجزاء من نيوهامبشر وماين، حيث رُفعت درجة الاستنفار، وأُعلنت حالات طوارئ في عدة ولايات للتعامل مع تراكمات الثلوج والرياح ومخاطر انقطاع التيار. وفي بعض المناطق الساحلية والشمالية الشرقية، تحدثت توقعات عن معدلات تساقط مرتفعة وصلت إلى “2–3 بوصات في الساعة” خلال فترات الذروة، ما جعل أعمال الإزاحة والجرف سباقًا مع الزمن، وأجبر مدارس ومؤسسات على الإغلاق ليوم الاثنين على نطاق واسع.

الآثار اليومية وصلت أيضًا إلى الخدمات الأساسية والاستهلاكية داخل نيويورك، إذ علّقت بعض منصات توصيل الطعام عملها مؤقتًا خلال ساعات الذروة حمايةً للسائقين وتماشيًا مع قرارات تقييد الحركة، قبل أن تبدأ العودة تدريجيًا مع تحسن الظروف. وفي موازاة ذلك، برزت مشكلة انقطاعات الكهرباء في مناطق متفرقة نتيجة الرياح الثقيلة وتساقط الأشجار على خطوط التوزيع، مع استمرار فرق المرافق في إصلاح الأعطال خلال ظروف ميدانية صعبة.

وفي شمال ولاية نيويورك، خصوصًا غرب الولاية ومحيط بافلو، لم تكن العاصفة الساحلية في قلب التأثير كما هو حال نيويورك سيتي ونيوإنغلاند، لكنها بقيت “قريبة بما يكفي” لإعادة أجواء الشتاء القاسي عبر فترات ثلوج خفيفة إلى متوسطة وتحذيرات محلية من أحوال شتوية خطرة، مع دعوات لمتابعة تحديثات الأرصاد لاحتمالات تغير المسارات والرياح المصاحبة.

وبينما بدأت نيويورك تتنفس الصعداء مع اتجاه العاصفة شمالًا وشرقًا، استمر تأثيرها الأطول على أجزاء من نيوإنغلاند خلال ليل الاثنين، حيث توقع خبراء الأرصاد بقاء الثلوج والرياح لفترة أطول مقارنةً بنيويورك. وفي المحصلة، أعادت العاصفة طرح سيناريو “العاصفة التاريخية” في مدن الشمال الشرقي: توقف شبه كامل للحركة، ضغط هائل على البنية التحتية للنقل، وإجراءات طوارئ تمتد من البلديات إلى حكومات الولايات، في وقت واصل فيه السكان التعامل مع تراكمات الثلوج وأرصفة زلقة وعودة تدريجية للخدمات.

تحذير إيراني من إشعال المنطقة.. لا تنازل عن التخصيب وجاهزية شاملة لردع أي عدوان

تخوض إيران المرحلة الراهنة من التفاوض مع الولايات المتحدة وفق مقاربة مزدوجة تجمع بين الثبات على الحقوق السيادية والانفتاح المدروس على الحل الدبلوماسي، مع إبقاء الجاهزية العسكرية في أعلى مستوياتها لمواجهة أي تصعيد. ويظهر من مجمل مواقف المسؤولين الإيرانيين أن طهران لا تتعامل مع الملف النووي كمسألة تقنية قابلة للمساومة، بل كجزء من السيادة الوطنية والكرامة الاستراتيجية التي دفعت ثمنها سنوات طويلة من العقوبات والضغوط والاغتيالات واستهداف المنشآت والعلماء.

في هذا السياق، أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن تخصيب اليورانيوم حق قانوني ومشروع لإيران بصفتها عضوًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وأن كيفية ممارسة هذا الحق شأن داخلي لا يخضع للإملاءات الخارجية. وشدد على أن البرنامج النووي الإيراني سلمي بالكامل ويخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مذكرًا بأن إيران التزمت بالاتفاقات السابقة، بينما كانت واشنطن الطرف الذي انسحب منها ونقض تعهداته. كما أوضح أن طهران منفتحة على الحل الدبلوماسي إذا التزمت الولايات المتحدة بمبدأ الاحترام المتبادل والمساواة والمصلحة المشتركة، مع رفض تحويل التفاوض إلى منصة للضغوط الإعلامية أو فرض الشروط المسبقة.

عراقجي أكد أيضًا أن الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة لن يرهب إيران، وأن أي اعتداء أمريكي سيُعتبر عملًا عدوانيًا يتيح لطهران ممارسة حقها المشروع في الدفاع عن النفس، بما يشمل استهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة. وبذلك، ترسخ طهران معادلة واضحة: الدبلوماسية خيار قائم، لكن الردع حاضر، والحقوق غير قابلة للتنازل.

على المستوى العسكري، شدد القائد العام للجيش الإيراني اللواء أمير حاتمي على أن القوات المسلحة الإيرانية جاهزة بالكامل لمواجهة أي “حرب مركبة” تمتد من الميدان العسكري إلى المجالات السياسية والاقتصادية والنفسية والإعلامية. وأكد أن رهان الأعداء على إخضاع إيران عبر التهديد والضغوط رهان خاسر، مستشهدًا بسجل الهزائم الأمريكية في فيتنام وأفغانستان والعراق، ومشيرًا إلى أن العامل الحاسم في إفشال مشاريع الهيمنة هو ثبات الشعوب ووعيها واستعدادها للتضحية. كما أوضح أن إيران تمتلك من الصلابة الشعبية والجاهزية الميدانية ما يفشل أي محاولة لفرض الإرادة عليها بالقوة.

وفي الإطار القانوني والدبلوماسي، حذر نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب‌آبادي من أن أي حرب جديدة ضد إيران لن تبقى محصورة بطرفيها، بل ستتوسع آثارها إلى أطراف إقليمية ودولية أخرى، مؤكدًا أن من يبدأ الحرب قد لا يكون قادرًا على إنهائها. وأوضح أن إيران لن تكون البادئة بأي عدوان، لكنها ستقف بحزم أمام أي مؤامرة تمس أمنها واستقرارها، مجددًا التأكيد على أن البرنامج النووي الإيراني سلمي ولا يستهدف امتلاك سلاح نووي، وأن طهران ترفض المعايير المزدوجة في ملف نزع السلاح، خصوصًا تجاه الدول النووية التي لا تفي بالتزاماتها.

كما أكد غريب‌آبادي أن أي مفاوضات قابلة للاستمرار يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والتطبيق غير الانتقائي للقانون الدولي، في إشارة إلى أن طهران ترفض الدخول في عملية تفاوضية تُستخدم كغطاء لانتزاع تنازلات أحادية أو لتكريس اختلال التوازن في الالتزامات.

أما المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، فقد قدّم صورة أكثر تفصيلًا عن إدارة طهران للمفاوضات، نافياً التقارير التي تحدثت عن “اتفاق مؤقت” مع واشنطن، ومؤكدًا أن هذه التسريبات لا أساس لها. وأوضح أن إيران تفضّل مفاوضات جادة ومكثفة تفضي إلى نتائج ملموسة، لا جولات شكلية متقطعة، وأن هدفها الأساسي هو رفع العقوبات الجائرة وضمان الحقوق النووية المشروعة. كما شدد على أن أي تفاوض يهدف إلى فرض تنازلات أحادية لن يصل إلى نتيجة، وأن طهران ماضية في المسار الدبلوماسي انطلاقًا من ثقتها بعدالة موقفها وقوة حجتها.

بقائي تناول أيضًا التناقضات في التصريحات الأمريكية، خصوصًا ما يتصل بمزاعم “تصفير التخصيب” أو تحديد مهل وضغوط سياسية، معتبرًا أن هذه الازدواجية تمثل عقبة حقيقية أمام تقدم المفاوضات، وتكشف ارتباكًا في النهج الأمريكي. وفي المقابل، أكد أن مفهوم الاستسلام مرفوض لدى الشعب الإيراني سياسيًا وثقافيًا وتاريخيًا، وأن أي اتفاق “رابح للجميع” يجب أن يقوم على إعادة الحقوق الاقتصادية للإيرانيين واحترام حقهم في الطاقة النووية السلمية، لا على فرض الوصاية أو الإملاءات.

وفي ما يتعلق بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أوضح بقائي أن إيران لا تضع شروطًا مسبقة على زيارات الوكالة، لكنها تميز بين التعاون الفني المعتاد وبين مسألة تفتيش المنشآت المتضررة، التي تحتاج إلى آلية جديدة وتفاهم مشترك. كما أشار إلى أن أي خطوات طوعية إضافية، مثل تطبيق البروتوكول الإضافي، تبقى مرتبطة بمبدأ تبادل المكاسب، أي أن تقديم الضمانات الفنية يجب أن يقابله رفع فعلي للعقوبات، لا مجرد وعود سياسية.

وفي البعد الإقليمي، أكدت طهران أن الخطر الصهيوني لا يستهدف طرفًا بعينه، بل يهدد المنطقة بأكملها، وأن إسرائيل تمارس دورًا تخريبيًا في كل مسار دبلوماسي، بدعم من تيارات نافذة داخل الولايات المتحدة تسعى لتغليب أجندة الاحتلال على أي تسوية متوازنة. كما شددت على أن العقوبات الأمريكية لم تعد تُخفى أهدافها، بل باتت أداة ضغط مباشرة على الشعب الإيراني لإثارة الاضطراب الداخلي، وهو ما تعتبره إيران دليلًا إضافيًا على الطابع العدائي للسياسة الأمريكية.

في المحصلة، يتضح أن إيران تدير هذه المرحلة وفق استراتيجية متماسكة: تفاوض جاد من دون تفريط، تمسّك كامل بحق التخصيب والحقوق النووية، إصرار على رفع العقوبات، جاهزية عسكرية لمواجهة أي عدوان، وتحذير صريح من أن أي حرب جديدة لن يمكن احتواؤها داخل حدود إيران. هذه المعادلة تعكس أن طهران تفاوض من موقع السيادة لا من موقع الضغط، وتتعامل مع التهديدات باعتبارها جزءًا من معركة إرادة مفتوحة، لا سببًا للتراجع.