تحوّل الإفراج الأخير عن أكبر دفعة من وثائق “جيفري إبستين” إلى مواجهة سياسية شاملة داخل الولايات المتحدة، تجاوزت حدود الملف القضائي، لتكشف هشاشة الخطاب الرسمي حول الشفافية، وحدود توظيف القضاء والأرشيف الأمني في سياق الاستقطاب الحاد. فحجم الوثائق المفرج عنها، وما رافقه من تنقيح واسع وحذف ممنهج، إلى جانب النفي القاطع لوجود ما سُمّي بـ“قائمة العملاء“، أثار تساؤلات جدية حول الغاية السياسية من توقيت الإفراج وشكله: هل هو محاولة لإغلاق الملف، أم لإدارته والتحكم في تداعياته قبل أن يتحول إلى عبء انتخابي ثقيل؟
وجدت إدارة الرئيس دونالد ترامب نفسها في موقع دفاعي واضح. فبالرغم من غياب اتهامات جنائية مثبتة، فإن ورود اسم ترامب في بلاغات وتحقيقات أولية، إلى جانب سحب بعض الوثائق ثم إعادة نشرها لاحقًا، أسهم في ترسيخ انطباع عام بأن الإدارة تسعى إلى احتواء الضرر السياسي أكثر من سعيها إلى معالجة الملف ضمن أبعاده القانونية والأخلاقية. ويعزز هذا الانطباع إخفاق الإدارة في الالتزام بآجال “قانون شفافية ملفات إبستين”، مكتفية بإفراج متأخر ومنقوص، مثقل بالحذف والتظليل والحجب.
الجدل لم يقتصر على شخص الرئيس، بل امتد ليطال مصداقية مؤسسات الدولة نفسها. اعتراضات الديمقراطيين، وبيانات ضحايا إبستين، وتساؤلات متصاعدة حول ملايين الصفحات غير المنشورة، كلها أسهمت في تعميق أزمة الثقة بين الرأي العام والمؤسسة العدلية. وتكتسب هذه الأزمة خطورة مضاعفة مع اقتراب الانتخابات النصفية، حيث تتحول أي ثغرة إجرائية أو أخلاقية إلى أداة اشتباك سياسي، ليس فقط بين الحزبين، بل أيضًا داخل الحزب الجمهوري ذاته.
في هذا السياق، أعادت بعض الوثائق والتقارير غير المدققة بالكامل، المدرجة ضمن الإفراج الأخير، تسليط الضوء على دور جاريد كوشنر وموقعه داخل إدارة ترامب وعلاقته بإسرائيل. إذ تضمن أحد التقارير، المنسوب إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي استنادًا إلى إفادات مصدر بشري سري، مزاعم عن نفوذ إسرائيلي واسع داخل الإدارة الأميركية، وصل حد الحديث عن تأثير ضاغط أو مساومة سياسية على الرئيس. ووفق هذه الرواية، جرى تصوير كوشنر ليس كمستشار نافذ فحسب، بل بوصفه العقل المنسّق الحقيقي لإدارة ترامب، مستندًا إلى شبكة علاقات سياسية وأمنية وثيقة مع إسرائيل.
من هنا، يمكن فهم إصرار إدارة ترامب على نفي وجود أي “قائمة سرية”، والتشديد على أن ما ورد في الوثائق لا يتجاوز ادعاءات غير مثبتة. فأي انتقال للملف من خانة الشبهات غير المدققة إلى منطقة الشك السياسي المنهجي من شأنه أن يوسّع الشرخ داخل القاعدة المحافظة، ويمنح الديمقراطيين مادة إضافية لتأطير ترامب بوصفه جزءًا من شبكة نفوذ نخبوية فاسدة—وهو الخطاب الذي بنى ترامب مسيرته السياسية على مناهضته.
غير أن البعد الأخطر يتمثل في كيفية إدارة هذه الأزمة خارجياً. فالتاريخ السياسي الأميركي يُظهر أن الإدارات المحاصَرة داخليًا تميل، في لحظات معينة، إلى تصعيد خارجي محسوب لإعادة توحيد الرأي العام خلف القيادة. وفي هذا الإطار، تعود إيران إلى الواجهة بوصفها «الخصم الجاهز»، القادر على لعب دور الملهِي الاستراتيجي دون كلفة سياسية داخلية فورية، مع وجود دوافع إضافية على رأسها الضغط والدفع الإسرائيلي.
لا يعني ذلك أن توجيه ضربة عسكرية لإيران خيار حتمي، إذ تبقى الكلفة الإقليمية والدولية لأي مواجهة مفتوحة مرتفعة. غير أن رفع مستوى التوتر—عبر استعراضات عسكرية، أو تشديد العقوبات، أو عمليات أمنية محدودة بالوكالة—يبقى ضمن خيارات إدارة تسعى إلى نقل النقاش من ملفات أخلاقية محرجة إلى خطاب “الأمن القومي” القادر على إعادة ضبط المشهد الداخلي. وتجارب الإدارات الأميركية السابقة، من بيل كلينتون إلى جورج دبليو بوش، تؤكد أن السياسة الخارجية كثيرًا ما استُخدمت كأداة لإعادة ترتيب الداخل.
في المقابل، تدرك القوى المناوئة لواشنطن، وفي مقدمتها طهران، هذا النمط جيدًا. لذا فإن أي محاولة لتصدير الأزمة عبر التصعيد قد تستجلب تصعيدًا مضادًا، ما يضيّق هامش المناورة أمام إدارة ترامب، ويجعلها أمام معادلة شديدة الحساسية في إدارة السخط المتراكم، سواء مما كُشف في الوثائق أو مما بقي طيّ الكتمان.
في المحصلة، لا تكمن خطورة ملفات إبستين في ما أُفرج عنه فحسب، بل في ما لم يُكشف، وفي الطريقة التي أُدير بها الإفراج. فقد تجاوزت القضية كونها ملفًا لرجل متهم بجرائم جنسية، لتتحول إلى مرآة تعكس تداخل القضاء بالسياسة، وحدود الشفافية في نظام يرفعها شعارًا ويقيّدها ممارسة. ومع اقتراب الانتخابات النصفية، يبدو أن هذه القضية ستظل حاضرة في صدارة المشهد السياسي والإعلامي، سواء رغبت إدارة ترامب في ذلك أم لا.