الرئيسية بلوق الصفحة 207

تحت ستار الأمن البحري: الرياض ولندن تعسكران البحر الأحمر تمهيدًا لحرب واشنطن على إيران وكسر معادلة الردع اليمنية

تحت عباءة “الأمن البحري” تعود غرف الرياض إلى إنتاج المؤامرة بصيغةٍ مموّهة، عبر تنسيقٍ سعودي–بريطاني جديد يهدف إلى عسكرة البحر الأحمر وإحياء أدوات الوصاية التي سقطت ميدانيًا أمام معادلة الردع التي فرضتها صنعاء، في لحظةٍ إقليمية مشحونة تتزامن مع مؤشرات تصعيد أمريكي مرتقب ضد إيران، ما يجعل البحر الأحمر – مجددًا – أحد مسارح التحضير والتموضع لا “حماية الملاحة” كما تزعم الدعاية الغربية.

مصادر مطلعة أفادت بأن لقاءً عُقد في الرياض، الخميس 29 يناير، جمع السفيرة البريطانية لدى اليمن “عبدة شريف” مع مسؤولين في نظام الرياض وواجهاته من المرتزقة تحت عنوان “شراكة الأمن البحري”، غير أن المضمون – وفق قراءات سياسية – يتجاوز التنسيق البروتوكولي إلى محاولة رسم غرفة تشغيل بحرية تُقدّم كغطاءٍ لإدخال أذرع أجنبية عبر ما يسمى “خفر السواحل” التابع للمرتزقة، بما يحول البحر الأحمر إلى ساحة تدخل دولي مباشر، ويمنح لندن موطئ قدمٍ عملي في معركة النفوذ والطرق البحرية.

اللافت أن اللقاء ناقش تفعيل “صندوق المساعدة الفنية” المعروف باسم (TAFFY)، وهو عنوان يبدو “تقنيًا” ظاهريًا لكنه يُستخدم – وفق مراقبين – كقناة تمويل وإدارة أمنية من خلف الستار، لإعادة تدوير أدوات العجز في الجنوب والساحل، وإعادة ترتيب مسارات التسلح والتدريب والاستخبارات بما يخدم خطة أوسع: تأمين الخاصرة البحرية للتحالف الأمريكي–البريطاني إذا ما انفتح مسرح المواجهة مع إيران، أو إذا قررت واشنطن تحويل البحر الأحمر إلى خط إمداد عسكري وإلكتروني في أي حرب قادمة.

ومن زاوية صنعاء، فإن توقيت هذا الحراك ليس تفصيلاً، بل يتقاطع مع ذروة التهديدات الأمريكية لطهران وحشد الحاملات والمنظومات الدفاعية في الإقليم، ما يفسر سعي الرياض ولندن لتجهيز “بيئة بحرية” بديلة تُخفف كلفة أي ردّ إقليمي محتمل، وتمنح واشنطن مساحة مناورة في باب المندب والبحر الأحمر بعيدًا عن الضربات الدقيقة التي أثبتت صنعاء قدرتها على فرضها. هنا بالذات يظهر وجه المشروع الحقيقي: تطويق مسارات الإسناد اليمني للمقاومة وخلق شرعية زائفة لتدويل البحر الأحمر قبل أن يتحول إلى نقطة ضغط كبرى في حال توسع المواجهة نحو إيران.

وبينما تحاول بريطانيا الظهور كـ“شريك أمن” فإن السجلّ الاستعماري – القديم الجديد – يطل بوضوح: تدخلٌ سيادي، إدارةٌ أمنية عبر المال السعودي، وشرعنةٌ لوجود مرتزق تحت مظلة “مؤسسات” شكلية. إنها محاولة لاستعادة ما فقده العدوان طوال سنوات: القدرة على التحكم بالممرات وابتزاز المنطقة عبر التجارة والطاقة، بعدما أسقط اليمن هيبة الأساطيل وفرض معادلة “الردع مقابل العدوان”.

وفي المقابل، تؤكد صنعاء – سياسيًا وميدانيًا – أن البحر الأحمر ليس ساحةً مفتوحة للتأجير ولا منصةً لتمرير أجندة واشنطن ولندن، وأن أي مسار لعسكرة البحر تحت لافتة “الأمن” سيُقرأ كعملٍ عدائي مباشر، وأن أدوات المرتزقة التي تُستخدم كحصان طروادة لن تصنع “سيادة” بل ستستجلب مزيدًا من الانكشاف والارتداد.

الخلاصة أن ما يجري في الرياض ليس شراكةً لحماية الملاحة، بل محاولة استباقية لإعادة تموضع العدوان في البحر الأحمر قبل انفجار الإقليم، ومحاولة لتأمين خطوط واشنطن إذا قررت إشعال مواجهة مع إيران، غير أن هذه الحسابات تصطدم بحقيقة واحدة: اليمن لم يعد ساحة نفوذ، بل صار مركز قرار وردع، ومن يختبر البحر الأحمر سيكتشف أن زمن “الوصاية” انتهى، وأن كلفة العبث أعلى من قدرة التحالف على الاحتمال.

أوروبا تُشعل الفتيل: تصنيف “الحرس الثوري” كإرهاب وعقوباتٍ انتقائية.. وطهران تردّ بـ”تحالف البحر” وتعزيزات المسيرات

في تصعيدٍ أوروبيٍّ جديد يُقرأ في طهران بوصفه اصطفافًا مكشوفًا خلف واشنطن وكيان الاحتلال، أعلن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني والمدعي العام محمد موحدي آزاد والقاضي إيمان أفشاري، بالتزامن مع إعلان الممثلة العليا للشؤون الخارجية كايا كالاس أن وزراء خارجية الاتحاد اتفقوا على تصنيف الحرس الثوري الإيراني “منظمة إرهابية”، في خطوةٍ وصفتها دوائر إيرانية بأنها انتقالٌ من سياسة الضغط إلى سياسة “تأجيج الصراع” ودفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع.

وبرّر الاتحاد قراره باتهاماتٍ تتصل بقمع احتجاجات واعتقالات، فيما اعتبر وزير الخارجية الألماني أن التصنيف “رسالة سياسية قوية” إلى طهران، لكن الرد الإيراني جاء حادًا ومباشرًا: إذ قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن أوروبا ترتكب “خطأً استراتيجيًا فادحًا” بتصنيفها “قواتنا الوطنية” منظمةً إرهابية، محذرًا من أن الموقف الأوروبي الحالي “يضرّ بمصالحه ضررًا بالغًا”، ومضيفًا أن أوروبا “منشغلة بتأجيج الصراع” وأنه “لا توجد أي دولة أوروبية تعمل على تجنب حرب شاملة”، في توصيفٍ يضع العواصم الأوروبية في خانة المموّل السياسي للانفجار بدل أن تكون صمّام أمان.

وفي لهجةٍ تتعمد كشف الازدواجية، اتهم عراقجي أوروبا بـ”النفاق والمسرحية الإعلامية” قائلًا إن القارة التي لم تتحرك عمليًا أمام “الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة” تُسارع اليوم لرفع لافتات حقوق الإنسان ضد إيران، محذرًا من أن أي “حرب شاملة” سترتد على أوروبا نفسها، خصوصًا عبر أسعار الطاقة وتداعيات الأمن البحري وسلاسل الإمداد.

وميدانيًا، جاءت الإشارات الإيرانية على قاعدة “الردع قبل الانفجار”: فقد أكد نائب قائد الحرس الثوري أن إيران “لا تخشى التهديدات” وأنها منعت “العدو” من المغامرة بفضل “قوة الردع وإرادة الشعب”، مشددًا على أن محاولات تصوير إيران كطرف ضعيف هي محض تضليل، وأن “أعداءنا يعانون من الارتباك”. وعلى خطٍ موازٍ، استدعت وزارة الخارجية الإيرانية السفير الألماني على خلفية “تصريحات مسيئة” من مستشار ألمانيا ومواقف وُصفت بأنها استفزازية بحق القوات المسلحة الإيرانية، في رسالة بأن طهران لن تسمح بتحويل الخطاب الأوروبي إلى غطاء لإجراءاتٍ عدائية ثم طلب “تهدئة” لاحقًا.

وبالتزامن مع هذا الاشتباك السياسي، برزت مؤشرات ردعٍ بحرية ذات دلالة ثقيلة: مصادر إيرانية تحدثت عن مناورات بحرية مرتقبة ستجريها طهران مع بكين وموسكو في بحر عُمان والمحيط الهندي خلال أيام، وهي خطوة تُقرأ كترجمة عملية لفكرة أن حصار إيران سياسيًا سيقابله توسيع دوائر الشراكة الاستراتيجية في نقاط تماس حساسة للملاحة العالمية.

وفي الداخل العسكري، قالت وكالة “تسنيم” إن قائد الجيش أمر بتعزيز قواته بـ“ألف طائرة مسيّرة استراتيجية” صُممت وفق التهديدات الحديثة ودروس “حرب الاثني عشر يومًا”، وتتضمن مهام الهجوم والتدمير والاستطلاع والحرب الإلكترونية، مع قابلية استهداف أهداف ثابتة ومتحركة في البحر والجو والبر، فيما أكد قائد الجيش أن الأولوية هي الحفاظ على المزايا الاستراتيجية وتطويرها بما يضمن الرد السريع على أي اعتداء.

وفي قراءةٍ سياسية موازية، شدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على أن إيران تؤمن بالحوار والدبلوماسية القائمة على الثقة والاحترام بدل لغة التهديد، داعيًا الرئيس الأمريكي إلى إبعاد “دعاة الحرب” ومن يطالبون إيران بالاستسلام إذا كان يريد تفاوضًا حقيقيًا وسلامًا، في محاولة لتثبيت معادلة أن طهران لا تغلق باب السياسة، لكنها ترفض أن يتحول التفاوض إلى إملاءٍ تحت فوهة التهديد.

وعلى الضفة الأخرى من الصورة، تتقاطع هذه التطورات مع تسريبات أمريكية عبر “أكسيوس” عن أن طهران لا تبدو مهتمة باتفاقٍ وفق “الشروط القصوى”، ومع حديثٍ عن تبادل معلومات استخبارية بين واشنطن ووفدٍ إسرائيلي بشأن “أهداف محتملة” داخل إيران، ما يعزز الانطباع الإيراني بأن التصعيد الأوروبي ليس حدثًا منفصلًا بل جزءٌ من بيئة تمهيد سياسية وإعلامية واستخبارية لرفع سقف الضغط—لكن طهران ترد بإشارةٍ واحدة لا لبس فيها: أي محاولة لعزل إيران ستقابلها إيران بتوسيع معادلة الردع، من البر إلى البحر، ومن السياسة إلى التكنولوجيا، ومن الشراكة إلى الجاهزية.

المهرة تكشف الستار: “قضم سعودي” للأراضي وتلاعب بالحدود.. ووثائق تدين الوصاية وتحرج صناعها

فجّر القيادي في المجلس الانتقالي “المنحل” راجح سعيد باكريت ملفًا شديد الحساسية يتصل بحدود وأراضي محافظة المهرة، متحدثًا عمّا وصفه باستقطاعٍ طال “الحدود المهرية مع السعودية”، واقتطاع “أجزاء واسعة” من أراضي المحافظة وضمّها إداريًا لصالح حضرموت، في خطوة اعتبرها “مخالفة واضحة للحدود التاريخية والجغرافية المعروفة”، وجرى تمريرها ـ وفق طرحه ـ “دون أي مسوغ قانوني أو موافقة من أبناء المحافظة”، بما يرقى إلى انتهاكٍ صريحٍ للحقوق السيادية والتاريخية لأبناء المهرة على أرضهم.

وبلهجة تُسقط أقنعة “شرعية”تحالف العدوان، وجّه باكريت مطالبته إلى رشاد العليمي بفتح ملف الأراضي والحدود وتنفيذ توجيهات صادرة منذ عام 2004 تتعلق بوقف الاستحداثات والتجاوزات، مؤكّدًا أن القضية “حقوق ثابتة ووثائق رسمية” وليست ادعاءً طارئًا، وأن أي تغييرات تمت خارج القانون “تظل باطلة” مهما طال الزمن، واضعًا هذه الوقائع أمام المجتمع الإقليمي والدولي والأمم المتحدة بوصفها اختبارًا مباشرًا لمعنى العدالة حين تكون المهرة هي الضحية.

ويأتي هذا التطور كصفعة سياسية من داخل معسكر المرتزقة أنفسهم؛ إذ يفتح من جديد سؤال السيادة في شرق اليمن: من يحكم الأرض فعلاً، ومن يرسم الحدود، ومن يملك قرار المهرة؟ فحين يخرج الاتهام من قلب أدوات التحالف، تصبح الرواية أكثر فداحة: هيمنةٌ تُدار بخرائط صامتة، وضمٌّ إداريٌّ بالقوة الناعمة والخشنة، وإفقارٌ للخدمات وتفكيكٌ لمؤسسات الدولة تحت لافتات “الدعم” و“الشراكة”، بينما يُترك أبناء المهرة أمام واقعٍ يُراد له أن يُفرض كأمرٍ واقع، لا كحقٍّ يُصان.

الرياض تطفئ “حوار الجنوب” وتُفرغ الوفود: “مخصصات ترحيل” مقابل صمتٍ سياسي.. وإعادة هيكلة المليشيات لفكّها عن الانتقالي

أنهت السلطات السعودية عمليًا مسار ما سُمّي بمؤتمر “الحوار الجنوبي” عبر البدء بفضّ الوفود التي جرى استقدامها إلى الرياض، في خطوة عكست تراجع فرص انعقاد المؤتمر وتصاعد الخلافات بين الأطراف الجنوبية، وتحويل “الحوار” من واجهة سياسية إلى أداة ضبطٍ وإخضاع.

وبحسب مصادر إعلامية، قامت لجان سعودية بصرف مبالغ مالية للوافدين من محافظات جنوب وشرق اليمن—قرابة “50 ألف ريال للإعلاميين” ونحو “120 ألف ريال للسياسيين”—مع إبلاغهم بأن المؤتمر “لن ينعقد قريبًا” وطلب مغادرتهم، بالتوازي مع إنهاء ترتيبات إقامتهم في الفنادق المخصصة لهم، بما بدا كعملية تفريغٍ منظّمة لقاعةٍ لم تُفتح أصلًا، ورسالة بأن القرار في الرياض لا في “الوفود”.

وفي مقابل ترحيل الواجهات المدنية والإعلامية، أبقت الرياض القيادات العسكرية الجنوبية لفترة أطول، ضمن ترتيبات تقول مصادر إنها تستهدف إعادة هيكلة المليشيات وفك ارتباطها بالمجلس الانتقالي، بما يُعيد تشكيل الخارطة الأمنية جنوبًا وفق ميزان سعودي خالص، ويُحوّل “الشركاء” إلى وحداتٍ وظيفية تُدار بريموت السيطرة.

وتأتي هذه الخطوات بعد تسريبات سابقة تحدثت عن تأجيل المؤتمر ثلاثة أشهر ونقل مقره إلى عدن دون لجنة تحضيرية، رغم حملات حشدٍ إعلامي سبقتها واستقدام مئات الناشطين والقيادات العسكرية والأمنية إلى الرياض، في ما وصفته مصادر بأنه “عمليات استتابة” سياسية للانتقالي وقيادته، لا مسار حوارٍ متكافئ.

ويرى مراقبون أن ما جرى أسقط مصداقية نخبٍ جنوبية راهنت على “الختم السعودي” لتثبيت حضورها، قبل أن تُعاد من الباب ذاته الذي دخلت منه، بينما بقيت القيادات الميدانية خارج هذه الترتيبات على خلافٍ مع مسار الرياض، في وقت يظل مصير عدد من المقاتلين والقيادات غامضًا وسط عمليات إعادة فرزٍ وتدوير.

وبقراءةٍ أشمل، تعكس الخطوة رغبة سعودية في إعادة ترتيب الجنوب بالكامل تحت نفوذها المباشر، وإبقاء القيادات العسكرية في وضعٍ حرج يسمح للرياض بفرض قبضتها على القرارين السياسي والأمني في المحافظات الجنوبية، ليصبح “الحوار” مجرد عنوانٍ يُرفع عند الحاجة ويُسحب عند اكتمال المهمة.

محور المقاومة يرفع سقف الردع: قصف إيران = اشتعال الإقليم.. تهديدات ترامب تُحرك حاملات الطائرات وتستفزّ جبهات لبنان والعراق واليمن

على وقع تصعيدٍ أمريكي متدرّج، تتقدم المنطقة نحو لحظة اختبار ثقيلة، بعدما لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتحريك “أسطول ضخم” باتجاه إيران، مهددًا بأن عدم “التعاون” سيقود إلى “هجوم أسوأ بكثير”، في محاولة لإعادة فرض معادلة الإكراه بالقوة تحت غطاء “اتفاق عادل”.

في المقابل، لم تتعامل طهران مع لغة الترهيب بوصفها ضغطًا تفاوضيًا فحسب، بل كجزء من تهيئة مسرح ضربة، وهو ما انعكس في تصريحات مباشرة تُسقط فكرة “الضربة المحدودة” وتصفها بأنها “وهم”؛ إذ أكد علي شمخاني أن “أي عمل عسكري.. سيُعد بداية حرب”، متوعدًا برد “فوري وشامل وغير مسبوق” يستهدف المعتدي و“قلب تل أبيب” وكل من يدعمه.

وعلى خط التمركز العسكري، ترافقت التهديدات مع مؤشرات ميدانية: تقارير غربية تحدثت عن دفع واشنطن منظومات دفاع جوي إضافية إلى الشرق الأوسط، ووصول/تحرك حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” ومرافقتها ضمن مسار يُقرأ كرسالة ضغط واستعداد، لا كمجرد استعراض عابر.

لكن الأخطر في المشهد ليس التحشيد الأمريكي وحده، بل اتساع دائرة الردع المقابل. ففي لبنان، جاء موقف حزب الله بعبارة محسوبة تُبقي الباب مفتوحًا على قرار الميدان: “نعبر الجسر عندما نصل إليه”، بما يعني أن قرار الاشتباك مرتبط بـ”ساعة الصفر” الأمريكية.  وفي العراق، ارتفعت اللهجة بشكل أوضح؛ إذ صدرت دعوات للاستعداد لـ“حرب شاملة” إذا استُهدفت إيران، مع تأكيد أن استهداف طهران لن يمر دون كلفة إقليمية تُدفع من تموضع واشنطن نفسه.

أما صنعاء، فقد عادت لتضع البحرين الأحمر والعربي داخل معادلة الرد: مصدر عسكري نقلت عنه وسائل إعلام إيرانية تحدث عن أن اقتراب أي بوارج أو حاملات أمريكية سيُعامل كـ“تهديد مباشر”، في تذكيرٍ بأن البحر ليس مساحة حياد حين تتحول حاملات الطائرات إلى منصة ضغط على المنطقة بأكملها.

على الضفة الأخرى، تقول تل أبيب إنها ترفع الجاهزية لاحتمالات “الرد من الأطراف”، وذهبت تقديرات صحفية إسرائيلية إلى الحديث عن مخاوف من هجمات عبر “الحدود الشرقية”، في ظل حالة استنفار وتوسيع إجراءات المراقبة والتحصين على خطوط تماس حساسة.

الخلاصة أن واشنطن تحاول انتزاع “اتفاق” من فوهة الأساطيل، بينما تُعيد طهران ومحورها تذكيرها بأن منطق الإكراه قد يفتح أبوابًا لا يمكن ضبطها: ضربة على إيران لن تبقى ضربة، بل قد تتحول—بحسابات القوى المتقابلة—إلى سلسلة اشتباكات متزامنة تمتد من قواعد وتموضع الولايات المتحدة إلى خطوط الردع الإقليمية، حيث لم يعد الصراع مجرد ملف نووي، بل معركة سيادة وإرادات وحدود نفوذ.

سيناريوهات المواجهة بين “إيران وأمريكا” وحلفائهما

تتسارع مؤشرات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مع انتقال التهديد من مستوى الخطاب إلى مستوى الحشد، بعدما أعلن دونالد ترامب أن “أرمادا ضخمة” تقودها حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” تتجه نحو إيران، مرفقًا ذلك بإنذار سياسي بأن “الوقت ينفد” أمام طهران لإبرام تفاهم نووي وفق شروط واشنطن، ولوّح بأن أي ضربة مقبلة ستكون “أشد” مما سبق.

وفي المقابل، جاء الرد الإيراني مُحكَم الإغلاق أمام مناورة “الضربة المحدودة”، إذ أكد مستشار قائد الثورة الإسلامية علي شمخاني أن “الضربة المحدودة خداع/وهم” وأن “أي عمل عسكري أمريكي من أي مصدر وعلى أي مستوى سيُعد بداية حرب” مع تهديد برد “فوري وشامل وغير مسبوق” يصل إلى “قلب تل أبيب” ويطال المعتدي و”مؤيديه”. وبالتوازي، شدد عباس عراقجي على أن القوات المسلحة “أصابعها على الزناد” للرد “فورًا وبحزم” على أي عدوان، بما يعني أن طهران تتعامل مع أي ضربة باعتبارها محاولة كسر إرادة دولة لا حادثًا تكتيكيًا معزولًا.

المعضلة الاستراتيجية هنا أن واشنطن تميل—في إدارة الأزمات—إلى خيار “الضربة المحسوبة” التي تُسوَّق كرسالة ردع لا كحرب. غير أن الحالة الإيرانية تُفخّخ هذا النموذج من أساسه: لا “ضربة محدودة” إذا كانت تُصنَّف في العقيدة الإيرانية كـ«بداية حرب».  لذلك يصبح المسار الأقرب للتحقق—إن وقع القرار الأمريكي—ليس “ضربة ثم تهدئة” بل سلسلة تفاعلات قد تتجاوز سريعًا قدرة البيت الأبيض على ضبط سقفها السياسي، لأن طهران تُلوّح بمنطق ردٍ يجعل الكلفة متشعبة ومتراكمة لا موضعية.

أما “نوع الأهداف” التي قد تُدرجها واشنطن ضمن خياراتها—تحليلًا لا تشغيلًا—فهي تُقرأ ضمن فئات عامة: شلّ قدرة إيران على إدارة القتال (مستويات القيادة والسيطرة والاتصال)، تقليص حرية الحركة الدفاعية (منظومات الرصد والإنذار والدفاع الجوي)، وإضعاف عناصر الردع النوعي (قدرات عسكرية–صناعية وبنى تشغيلية حساسة). وفي المقابل، منطق الرد الإيراني—وفق تعبيرات من طراز «المعتدي ومؤيديه»—يرجح أن يستهدف منظومة الوجود والإسناد المرتبطة بالقرار الأمريكي: قواعد وتموضعات ومصالح تُستخدم لإدامة الضغط، مع قابلية عالية لتحويل الصدمة إلى كلفة ممتدة على الحلفاء والأسواق بدل حصرها داخل الجغرافيا الإيرانية. وهنا تتضح فلسفة الردع الإيرانية: حرمان واشنطن من ميزة «الضربة دون تبعات».

في هذا السياق تتبلور في طهران مقاربة متعددة المستويات: ردع قاسٍ مع جاهزية عسكرية وشعبية، وترك نافذة دبلوماسية مواربة أمام وساطات إقليمية ودولية بشرط التخلي عن منطق التهديد وفرض الشروط. التحذيرات الإيرانية من استهداف البنية النفطية—بوصفها عصبًا استراتيجيًا—تندرج ضمن رسالة ردعية أشمل: أي مساس بالبنى الحيوية لن يُقرأ كعمل “جراحي”، بل كاستهدافٍ لمرتكزات الدولة يفتح الباب أمام ردٍ يُوسِّع الكلفة على منظومة الطاقة الإقليمية، بما يضغط على قرار الاستمرار لا على قرار البدء فقط.

أما عن الدول المرشحة للمشاركة إلى جانب الولايات المتحدة فالأرجح—في المستوى القتالي/الاستخباري—هو الكيان الإسرائيلي، لأنه ينظر لأي تصعيد مع إيران كملف وجودي مرتبط بمعادلة الردع الإقليمي. مشاركة بريطانيا أو فرنسا تبقى احتمالًا متوسطًا إذا توسعت المواجهة إلى عنوان “حماية قواعد/سفن/حرية ملاحة”، بينما يبقى السيناريو الأكثر واقعية خليجيًا هو تسهيلات وتموضع ودعم لوجستي أكثر من دخول قتالي معلن، لأن كلفة الانخراط المباشر وارتداداته على الداخل والاقتصاد والطاقة مرتفعة.

وعلى الضفة المقابلة، فإن “دولًا تدخل بجيوشها نظاميًا مع إيران ضد واشنطن” احتمالها أقل، لكن الإسناد الواقعي يأتي بثلاث صور: دعم سياسي/تقني/استخباري من قوى كبرى (تقييد اندفاعة واشنطن دوليًا وتكنولوجيًا دون إعلان حرب مباشرة)، إسناد “ساحاتي” من قوى محور المقاومة (تغيير ميزان الكلفة عبر تعدد الجبهات)، وإسناد ردعي عبر أدوات الضغط الاقتصادي–الطاقي التي تُربك حسابات الاستدامة.

وبخصوص دور صنعاء في هذا المشهد، فإنه يُدرج كـاحتمال دخول لا كعنوان للمواجهة: فاعليتها السابقة في خلق ضغط بحري/اقتصادي تجعلها ورقة قابلة للتفعيل إذا اتجهت الأزمة إلى اتساع إقليمي أو إذا تحولت الضربات إلى نمطٍ مفتوح ومتكرر.

وبميزان الترجيح: كلما بقيت الأزمة أقرب إلى “ضربة واحدة ورسالة”، انخفضت فرص فتح ساحات إضافية؛ وكلما انزلقت إلى “حرب تتكرر ضرباتها”، ارتفعت احتمالات تفعيل ساحات ضغط موازية.

زمنيًا، يمكن ترجيح ثلاثة مسارات بواقعية أعلى من التحليلات الفضفاضة: المسار الأول (مرجّح) أن تبدأ الأزمة بجولة قصيرة (أيام) إذا وقع قرار الضربة، مع رد محسوب ثم اندفاع وساطات لاحتواء الاشتعال؛ لكن نجاح هذا المسار يتوقف على قبول طهران بسقف يفرضه خصمها، وهو ما تُضعفه تصريحات من نوع «أي عمل… بداية حرب».  المسار الثاني (احتمال متوسط) أن تتحول إلى أسابيع من شد وجذب لأن الردود قد تطال تموضعات ومصالح تتطلب “ردًا على الرد”، وهنا يصبح الاقتصاد (الطاقة، التأمين، الملاحة) عنصر ضغط دولي لإيقاف النزيف. المسار الثالث (أقل احتمالًا لكنه الأخطر) اتساع متعدد الساحات إذا دخلت إسرائيل علنًا وبشكل متكرر أو إذا تحولت الضربات إلى حملة، ما يرفع احتمالات تفعيل أدوات الردع الإقليمي بصورة أوسع.

الخلاصة الاستراتيجية المنحازة لإيران أن واشنطن تحاول فرض معادلة: تهديد + حشد = تنازل، بينما ترد طهران بمعادلة مضادة: “أي ضربة = بداية حرب”. هذه ليست بلاغة سياسية فحسب، بل إعلان قواعد اشتباك هدفه حرمان الولايات المتحدة من وهم “العملية النظيفة”، ونقل كلفة التصعيد من طهران وحدها إلى الإقليم ومنظومة المصالح التي تحمي القرار الأمريكي—بحيث يصبح خيار الحرب، حتى لو بدأ بقرارٍ أمريكي، غير قابل للاحتكار في نهايته.

الوجه القبيح لأمريكا: كيف تصنع “واشنطن” الحروب باسم “الحرية” وتكسر سيادة الدول باسم “السلام”

تُتقن الولايات المتحدة تقديم نفسها كحارسٍ لـ”النظام الدولي” وراعيةٍ لـ”السلام”، وتُغلف تدخلاتها بخطابٍ مصقول عن “الحرية” و”حقوق الإنسان” و”حماية المدنيين”. لكن ما تكشفه الوقائع على امتداد عقود هو وجهٌ آخر أشد قسوة: دولة تُدير العالم بمنطق الغرفة العملياتية؛ تُصنّف الدول إلى “مطيعة” و”خارجة عن الخط”، ثم تُحرّك أدوات الضغط لإعادة هندسة القرار الوطني وفق مصالحها—بلا اعتبارٍ حقيقي لسيادة الشعوب أو استقرار البلدان.

في النسخة الأمريكية من السياسة الدولية، ليست السيادة مبدأً محترمًا، بل امتيازًا مشروطًا. الدولة “مرحّب بها” طالما التزمت سقف واشنطن، وحين يتغير اتجاهها أو تُحاول امتلاك قرارها الاقتصادي أو الأمني يبدأ المسار المعتاد: تحذير، ابتزاز، حصار، ثم تدخل مباشر أو بالوكالة. إنها سلسلة تُدار كحملة عسكرية متعددة الوسائط، حتى لو ارتدت ثوب الدبلوماسية.

تأريخ واشنطن في العبث بسيادة الدول مليء بنماذج صريحة تُظهر كيف تُدار “الحرية” كواجهة والهيمنة كحقيقة؛ ففي إيران 1953 شاركت الاستخبارات الأمريكية والبريطانية في إسقاط حكومة محمد مصدّق بعد صراع على قرار النفط والسيادة، وفي غواتيمالا 1954 دعمت عملية أطاحت بحكومة أربينز ومهّدت لعقود من الاضطراب، ثم جاء نموذج تشيلي 1973 حيث ساندت واشنطن بيئة الانقلاب على سلفادور أليندي لتصفية تجربة سياسية مستقلة. وبعد ذلك انتقلت من الانقلابات إلى الحروب المفتوحة: أفغانستان 2001 كحرب طويلة انتهت بفراغٍ أمني، والعراق 2003 كغزو بُني على ذريعة “أسلحة الدمار الشامل” وانتهى بتفكيك الدولة وإطلاق سلسلة صراعات.

ومن النماذج الحديثة، يبرز النموذج الفنزويلي كأخطر تجليات الهيمنة العابرة للسيادة في السنوات الأخيرة؛ حين جرى تصوير عملية عسكرية واسعة داخل أراضي دولة ذات سيادة على أنها إجراء “قانوني”، بينما حملت سمات عمل حربي متكامل شمل ضربات جوية وتشويشًا إلكترونيًا واقتحامات في قلب العاصمة، وانتهى باحتجاز الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو” ونقله قسرًا خارج البلاد. كما يُعدّ ملف غرينلاند نموذجًا معاصرًا لهيمنة تُمارَس تحت لافتة “الأمن القومي”. فحين أعادت واشنطن فتح قضية الجزيرة القطبية، لم تكتفِ بتوسيع حضورها العسكري القائم، بل صعّدت الخطاب إلى حدّ اعتبار غرينلاند “ضرورة أمنية وقومية” لا غنى عنها لمنظومات دفاعها الصاروخي، ملوّحة بفرض السيطرة “بطريقة أو بأخرى”.

وفي الوجه الأقل صخبًا والأشد قسوة استخدمت واشنطن العقوبات كسلاح سيادي ضد دول مثل كوبا وإيران وفنزويلا لإخضاع القرار السياسي عبر إنهاك الاقتصاد، بينما اعتمدت في ساحات أخرى نموذج الحرب بالوكالة بتسليح وتوجيه أطراف محلية وإقليمية لإطالة النزاعات. وحتى حين لا تُسقط نظامًا، تُقيم قواعد وتُبرم اتفاقات أمنية تجعل الدولة “مستقلة شكليًا” لكنها عمليًا تحت شبكة التزامات تُقيّد قرارها وتربط أمنها واقتصادها بإشارة خارجية.

تأريخ التدخلات يُظهر أن واشنطن لا تحتاج دائمًا إلى إنزالٍ عسكري كي تُسقط دولة في الفوضى؛ لديها ترسانة كاملة من الأدوات: عمليات سرية، انقلاب ناعم، تمويل نخب، تصنيع معارضة على المقاس، عقوبات تُخنق الاقتصاد، ثم “ممرات إنسانية” تتحول لاحقًا إلى ممرات نفوذ. والنتيجة في كثير من الحالات ليست “ديمقراطية” كما تُروِّج، بل تفكيك مؤسسات، إنهاك المجتمع، وتمديد عمر الأزمات حتى يصبح البلد ساحة مستباحة تُدار من الخارج.

وعندما تختار واشنطن الحرب المباشرة، فإنها تُطلق عليها أسماء مُطمئنة: “تحرير”، “مكافحة الإرهاب”، “حماية الأمن العالمي”. غير أن حصيلة الأرض تكون عادةً مختلفة: دول مكسورة، جيوش مُفرَّغة، حدود رخوة، وصراعات أهلية طويلة. الأخطر أن هذه الحروب لا تتوقف عند إسقاط نظام؛ بل تُعيد تشكيل البيئة السياسية لتولد سلطات مرتبطة، أو كيانات متصارعة، أو فراغًا يسمح بتدوير الجماعات المتطرفة كلما احتاجت واشنطن ذريعة جديدة لعودةٍ جديدة.

أما العقوبات، فهي السلاح الذي يُطلق دون طلقة واحدة لكنه يُصيب المدن والأحياء والدواء والخبز. تُسوّق واشنطن العقوبات كـ”ضغط على الحكومات”، لكنها عمليًا تُحوّل حياة المدنيين إلى ورقة تفاوض: شريان مالي يُقطع، عملة تُستنزف، استيراد يتعطل، ثم يُطلب من الشعب أن يُحمّل نفسه مسؤولية الحصار. إنها حرب اقتصادية تُدار بمنطق تجويع القرار السياسي حتى يلين.

وفي نموذج الحروب بالوكالة، تتفوق واشنطن في إبقاء يدها نظيفة على الورق، بينما تُغرق الميدان بالسلاح والتمويل والتوجيه الاستخباري. تُصبح الأزمة “مُدارة” لا “محلولة“، لأن الحل لا يخدمها دائمًا. ومع الزمن تتحول الدول إلى خرائط نفوذ: مناطق مُمَولة، وأخرى مُحاصرة، وأخرى تُستثمر فيها الانقسامات لتوليد “توازنات” تمنع قيام دولة قوية مستقلة.

وتحت عنوان “الشراكات الأمنية“، تُقام قواعد وتُوقَّع اتفاقات تُقيد القرار السيادي، فيصبح التسليح والصيانة والمعلومات والغطاء السياسي سلاسل تحكم. دولة مستقلة شكليًا، لكن قرارها الاستراتيجي مُعلَّق بخيوط خارجية: من يملك قطع الغيار يملك زمن الحرب والسلم، ومن يملك المعلومة يملك اتجاه البوصلة، ومن يملك الغطاء يملك حق الفيتو على سياساتك.

وبينما تتحدث واشنطن عن القانون الدولي، فإنها تُمارس ازدواجية فاضحة: تُقدّس السيادة حين تخدمها، وتدوسها حين تعيق مصالحها. تُطالب الآخرين بضبط النفس، وتمنح نفسها حق “الضرب الاستباقي”. تُدين التدخلات عند الخصوم، وتُسمي تدخلاتها “مبادرة” أو “مسؤولية”. بهذا السلوك، لا تُضعف فقط الثقة بالنظام الدولي، بل تُرسخ قناعة واسعة بأن “القانون” في النسخة الأمريكية أداة ضغط لا مرجعية عدل.

الخلاصة أن واشنطن—خلف خطابها اللامع—تتحرك بعقيدة ثابتة: القوة أولًا، ثم الرواية. تُسقط دولًا أو تُحاصرها أو تُعيد تشكيلها، ثم تُقدّم ذلك للعالم على أنه “مهمة نبيلة”. لكن المحصلة التي تراها الشعوب هي شيء آخر: سيادة منزوعة، مؤسسات متآكلة، واقتصاد مُرهَق، وصراعات تُطيل عمر النفوذ الأمريكي بدل أن تُنهي الألم. وفي كل مرة تُرفع فيها راية “السلام” الأمريكية، تتذكر الدول أن السلام عند واشنطن ليس نهاية الحرب… بل طريقة أكثر ذكاءً لإدامة السيطرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحرر السياسي
المشهد اليمني الأول
29 يناير 2026م

ترتيبات عسكرية لتحويل “قاعدة العند” إلى منصة حرب ضد “إيران”

قاعدة العند قرب عدن

تشهد المحافظات الجنوبية المحتلة تصعيدًا لافتًا يكشف ملامح مرحلة جديدة من مؤامرة التحالف الأمريكي السعودي على اليمن والمنطقة. حيث شهدت المناطق الجنوبية تصعيدًا لافتًا على المستويين العسكري والدبلوماسي، مع ورود معلومات ميدانية عن وصول وفد عسكري مشترك يضم قيادات سعودية وأمريكية إلى مطار عدن، قبل توجهه إلى قاعدة العند الجوية في محافظة لحج، في توقيت يتقاطع بوضوح مع ذروة التصعيد الأمريكي ضد الجمهورية الإسلامية في إيران.

وبحسب المصادر، فإن زيارة الوفد لا تُقرأ كجولة بروتوكولية، بل كخطوة عملية تهدف إلى إعادة تهيئة العند بما يتناسب مع التحولات الجديدة في خطط الانتشار والتحكم العملياتي؛ إذ أشارت المعطيات إلى توجه لإفراغ محيط القاعدة من أي سلاح أو تقنيات روسية قديمة، وفتح الطريق أمام إدخال منظومات دفاعية حديثة، إلى جانب تجهيز غرفة عمليات مشتركة تُدار ضمن مقاربة أمنية تتسق مع أولويات “التحالف الدولي” والقيادة المركزية الأمريكية.

وفي موازاة الحراك العسكري، تصاعدت الإشارات الدبلوماسية المرتبطة بالمشهد. فقد لفتت مصادر محلية عبر منصة “إكس”، إلى نشاط تم وصفه بـ“اللافت” للسفير الأمريكي ستيفن فاجن، مؤكدةً أنه أجرى سلسلة لقاءات مكثفة خلال اليومين الماضيين، في تحرك يُقدَّم بوصفه غير مسبوق من حيث الإيقاع والتزامن.

هذا التوازي بين ترتيبات العند وارتفاع وتيرة الاتصالات الأمريكية في الملف اليمني يُعزز قراءة مفادها أن اليمن يجري التعامل معه كمساحة جاهزة لإعادة التموضع، وأن الجنوب—تحديدًا—يُراد له أن يتحول إلى عمق تشغيل يخدم حسابات واشنطن الإقليمية إذا انفتح باب الصدام المباشر مع إيران.

ويرى مراقبون أن الخط الأخطر في هذه التحركات لا يكمن في مجرد الزيارة أو اللقاءات، بل في الرسالة الضمنية: إعادة هندسة دور اليمن داخل خارطة الاشتباك الإقليمي، ومحاولة تحويل أراضيه وقواعده إلى “منصة انطلاق” تُستخدم عند الحاجة، بما يعني عمليًا جرّ البلاد إلى مسار صدامات كبرى تُدار من خارجها وتُدفع فاتورتها داخلها.

بلومبيرغ تكشف انهيار “رؤية 2030”: الرياض تُقلّص نيوم وتُجمّد “ذا لاين” وتؤجّل بطولات تحت ضغط الكلفة

كشفت وكالة بلومبيرغ عن شروع السعودية في مراجعات شاملة لحزمة من المشاريع العملاقة التي تمتد من نيوم إلى جدة والرياض، في مؤشر واضح على تعثر مالي وتخطيطي يفرض نفسه على مسار ما يُعرف بـ“رؤية 2030”.

وأفادت الوكالة بأن السلطات السعودية قررت تأجيل دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029، على خلفية التكاليف المرتفعة وتعقيدات إنشاء منحدرات تزلج في بيئة صحراوية، ما يعكس فجوة بين الطموح الدعائي والواقع التنفيذي.

وفي السياق ذاته، نقلت بلومبيرغ أن الرياض تعيد تقييم مشروع “ذا لاين” داخل نيوم، مع تعليق مؤقت للتصميم وترجيح تقليص الحجم، إضافة إلى إلغاء ملعب كأس العالم المزمع إدراجه ضمن المشروع، في تراجع يُقرأ على أنه إعادة ضبط قسرية لأكثر المشاريع إثارة للجدل. وأشار رئيس تحليل الاقتصاد الكلي لدول مجلس التعاون الخليجي—وفق الوكالة—إلى أن بعض المشاريع التي يجري تأجيلها أو تقليصها كانت “مفرطة الطموح”، وأن السلطات باتت تختار نهجًا أكثر انتقائية تحت ضغط التمويل والجدوى.

كما أفادت بلومبيرغ بأن صندوق الاستثمارات العامة كثّف مساعيه لاستمالة العائلات السعودية البارزة والقطاع الخاص للمشاركة في تمويل المشاريع الكبرى، في محاولة لتخفيف عبء الإنفاق عن الخزينة، بما يكشف تحوّلًا من نموذج التمويل الحكومي المكثف إلى البحث عن شركاء داخليين بعد تضخم الكلفة وتباطؤ العوائد.

وتعكس هذه التطورات مرحلة إعادة تموضع قسرية لمشاريع وُصفت سابقًا بأنها قاطرة التحول الاقتصادي، لكنها اصطدمت بحدود الواقع المالي والهندسي، لتتحول من شعارات “مدن المستقبل” إلى قرارات تقليص وتأجيل تضع علامات استفهام كبيرة حول الجدول الزمني والقدرة على الاستمرار.

أمريكا تحيي فعالية “يوم المحرقة” في “الرياض” بمشاركة شخصيات صهيونية

أقامت السفارة الأمريكية في المملكة العربية السعودية، مساء الثلاثاء، فعالية بمناسبة ما تسميه الأمم المتحدة “اليوم الدولي لإحياء ذكرى المحرقة”، في خطوة وُصفت بأنها سابقة لافتة داخل بلد خليجي بعدما أظهرت صور نشرَتها السفارة على منصة “إكس” حضور مشاركين يهود/إسرائيليين ضمن الفعالية، بالتزامن مع تصاعد الاعتراضات الشعبية العربية والفلسطينية على ما اعتُبر تسويقًا سياسيًا ورمزيًا لرواية إسرائيلية في لحظة إقليمية مشتعلة.

وبررت السفارة الأمريكية الفعالية بعبارات تؤكد أن “التثقيف الدقيق حول المحرقة بالغ الأهمية لمكافحة معاداة السامية وتعزيز الحرية الدينية”، معتبرة أن المناسبة تمثل “واجبًا عالميًا” لحماية “الإنسانية المشتركة” عبر الثقافات والأديان والدول.

لكن موجة الاستنكار التي تلت المشهد ربطت بين المغزى السياسي للتوقيت والمكان وبين استمرار الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، معتبرة أن احتضان فعالية ذات حمولة رمزية عالية بحضور شخصيات إسرائيلية—وبغطاء أمريكي مباشر—يُقرأ كرسالة تطبيع ناعمة تُقدَّم للرأي العام، بينما تُترك غزة تحت النار، وتُدار الذاكرة بوصفها أداة اصطفاف لا مبدأً إنسانيًا متوازنًا