تكشف المعطيات التي وثقتها منصة «إيكاد» بشأن تحويل ميناء المخا إلى قاعدة عسكرية إماراتية متكاملة، أن العمليات الأخيرة التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية في المدينة لم تستهدف مجرد معسكرات متناثرة أو مخازن سلاح محدودة، بل طالت قلب بنية عسكرية ولوجستية أنشأتها أبوظبي على واحد من أهم المواقع الاستراتيجية المطلة على باب المندب.
فميناء المخا، الذي كان يفترض أن يؤدي دوراً مدنياً واقتصادياً، جرى تحويله خلال السنوات الماضية إلى مركز عسكري متقدم يضم مدرجاً بطول 2.4 كيلومتر، ومخازن أسلحة وذخائر، ومرافق لاستقبال سفن الإنزال والإمداد، ومواقع لإيواء القوات والمعدات.
وتكشف صور الأقمار الصناعية والبيانات الملاحية التي استند إليها تحقيق «إيكاد» أن إنشاء هذه البنية لم يكن مشروعاً عابراً، بل جرى ضمن شبكة إمداد إماراتية مترابطة تمتد من قاعدة عصب في إريتريا إلى المخا، وصولاً إلى عبد الكوري وسقطرى.
ووفق التحقيق، استقبل ميناء المخا سفناً إماراتية بصورة متكررة خلال مراحل إنشاء المدرج والمنشآت العسكرية، كما جرى نقل جنود ومدرعات ومعدات من القواعد الإماراتية في القرن الأفريقي إلى الساحل اليمني.
وهذا ما يمنح العمليات التي أعلنت عنها صنعاء خلال الأيام الأخيرة دلالة أعمق؛ إذ أكدت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ عملية واسعة ونوعية استهدفت تحشيدات العدو السعودي ومخازن أسلحته في المخا بعدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
وأسفرت العملية، وفق البيان العسكري، عن تدمير واسع في المعدات والأسلحة ومصرع وإصابة العشرات بينهم سعوديون، قبل أن تتبعها موجات أخرى من الضربات استهدفت مراكز التحشيد وغرف العمليات ومخازن السلاح في المدينة ومحيطها.
كما أفادت مصادر ميدانية بأن الضربات طالت جبل النار وعدداً من المواقع والمعسكرات العسكرية، بينما استمرت الانفجارات لساعات نتيجة احتراق مخازن للذخيرة والسلاح.
وتكشف هذه التطورات أن ما تعرضت له المخا لم يكن مجرد استهداف لواجهة محلية تابعة لطارق صالح، بل ضرب منظومة عسكرية أجنبية متكاملة تم بناؤها لخدمة الوجود السعودي–الإماراتي في الساحل الغربي.
كما برزت معلومات ميدانية عن استهداف غرف عمليات يشرف عليها ضباط سعوديون، ونقل عدد من القتلى والجرحى السعوديين إلى المستشفى الميداني في المخا، بما يعكس حجم الانخراط المباشر للرياض في إدارة التحشيدات والعمليات العسكرية هناك.
وتتقاطع هذه المعطيات مع ما كشفه تحقيق «إيكاد» حول تحول المخا إلى منصة إمداد وقيادة واستقبال للقوات والسلاح والمعدات الأجنبية، بما يفسر الأهمية التي باتت تمثلها المدينة في بنك الأهداف اليمني.
فصنعاء لا تتعامل مع المخا باعتبارها مجرد منطقة تحت سيطرة فصيل محلي، بل باعتبارها قاعدة متقدمة للعدوان، ومركزاً لنقل السلاح والجنود، وغرفة خلفية لإدارة التحركات العسكرية في الساحل الغربي وتعز.
ويكتسب استهداف المخا أهمية أكبر مع تأكيد القوات المسلحة أنها ستواصل “رصد وتتبع كافة التحركات والتحشيدات السعودية واستهدافها بشكل دقيق ومباشر”، في إطار معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”.
وهنا يظهر البعد الاستخباراتي للعملية؛ إذ لا يكفي امتلاك الصواريخ والمسيّرات للوصول إلى هذه المواقع، بل يتطلب الأمر معرفة دقيقة بطبيعة المنشآت، ومواقع التخزين، وغرف العمليات، ومسارات الإمداد، وأماكن وجود الضباط والقوات.
ومن هذا المنظور، فإن العمليات الأخيرة في المخا تمثل ضربة مزدوجة: الأولى عسكرية استهدفت المخازن والتحشيدات وغرف العمليات، والثانية استراتيجية ضربت الثقة التي بنتها أبوظبي والرياض حول المخا باعتبارها قاعدة آمنة خلف خطوط المواجهة.
كما أن استمرار الانفجارات بعد انتهاء الموجة الأولى من القصف كشف أن الضربات وصلت إلى مخازن ذخيرة ومواقع حساسة داخل البنية العسكرية نفسها، وليس فقط إلى محيط المعسكرات.
وتتحول بذلك المخا من نقطة ارتكاز لتحالف العدوان إلى نقطة انكشاف خطيرة؛ فالموقع الذي أنفقت أبوظبي سنوات في تحصينه وربطه بقواعدها البحرية والجوية أصبح اليوم مكشوفاً أمام الصواريخ والمسيّرات اليمنية.
وبذلك، فإن العمليات التي نفذتها صنعاء لا تُقرأ فقط باعتبارها رداً على تحشيدات جديدة، بل باعتبارها بداية تفكيك عملي للشبكة العسكرية الأجنبية الممتدة على الساحل الغربي وقرب باب المندب.
وهكذا، يتحول المخا من منصة كانت أبوظبي والرياض تراهنان عليها لفرض السيطرة على الساحل وباب المندب إلى هدف مكشوف داخل معادلة الردع اليمنية، فيما تؤكد صنعاء أن أي قاعدة أجنبية أو غرفة عمليات أو مخزن سلاح يُستخدم للتحشيد ضد اليمن سيبقى تحت الرصد والاستهداف مهما كان موقعه أو الجهة التي تقف خلفه.