فاضت أبواب صنعاء كما يفيض الدم من عرق أدمته طعنات الحصار، وازدحمت الأزقة بالوجوه التي أكل الحصار من خبزها ولم يأكل من ملامحها، وخرجت الأكف التي غاب عنها الراتب طويلاً ولم تغب عنها الكبرياء، ومن المطابخ التي صار الطحين فيها يقسم كما تقسم الوصايا الأخيرة، كانوا كثيرين إلى الحد الذي بدا معه الميدان أصغر من موقف قادته جراح صارت أوسع من الصمت، حتى خُيّل أن المدينة فجرت جدرانها وصبت كل أبنائها بحراً من البشر أمواجاً لم تجد الساحات له شاطئاً، حتى بدا التاريخ واقفاً على حافة صفحاته يرفع أطراف ثوبه مخافة أن تبلله أمواج البشر، ويبحث في دفاتره القديمة عن حبر يليق بما يرى، فلا يجد.
لقد اعتاد التاريخ أن يكتب الشعوب سطوراً، أما ذلك اليوم فقد جاءت صنعاء كتاباً كاملًا، جاءت صفحاته من سنين القحط ووجوه أنحلها الحصار ولم ينحل فيها الإباء، ومن أقدام أثقلها الجوع ولم تركعها سنوات العدوان، بدا التاريخ مبهوتاً ككاتب باغتته ملحمة أكبر من لغته، وداهمته مأثرة فاقت قدراته.
وحين امتلأت الأرض بأهلها، أطلت السماء، رأت تحتها بحراً من البشر فتذكرت وجهها المنسي في قلب الطوفان، فخجلت أن تبقى يابسة فوق السيول، وانشقّ قلب الغيم شوقاً بأغزر فلذاته ودقاً، كأن السحاب كان يحتفظ منذ أعوام بكل دمعةٍ لم يجد اليمنيون فيها وقتاً للبكاء.
وانضمت السماء للأرض، وراحت تغسل الرايات لتزداد ألوانها بهاء وجلالاً، وتجري فوق الجباه كما تجري يد الأم على وجه ابنها العائد من المعركة، التقى عندها بحران، بحرٌ من الأرض يصعد، وبحرٌ من السماء يهبط، حتى لم يعد يُعرف أيهما كان يمطر على الآخر، واختلط هدير الحناجر بهدير الغيم، كان الرعد يتكسّر فوق الجبال، غير أن حناجر الميدان كانت أشد، حتى بدا الرعد كأنه صدى الجموع وموقفها البليغ مقتحماً أرجاء السماء، وصار البرق يلتقط التاريخ على ضوئه صورته، ويزيد ملامح المشهد مهابة ووضوحاً، قبل أن يشرع بالإمضاء على آخر صفحات الحصار بقلمٍ من نار شق أفق الفضاء.
كان الماء غزيراً لكن البشر كانوا أغزر، ابتلت الثياب لكن الموقف ظل جافاً من الوهن، فالماء يبلغ الجلد، ولا يبلغ الموقف ولا يطفئ اليقين، ثقلت الرايات بالماء، لكنها خفّت في الأيدي، لأن الراية لا يثقلها المطر، وإنما يثقلها الخوف الذي هز أبواب الغرف البعيدة في عواصم المنفى، وخفقت الرايات عالية كأشرعة سفينة قررت كسر الحصار من فوق أمواجه.
في هذه اللحظة الخالصة رأى أمير النفط مأزقاً يملأ شاشاته ففتش عما يمكِّنه من إرباك التاريخ دافعاً ببراميل النفط إلى فضاءات السخرية والتكذيب، لكن النفط وحده أخرس ولا يصفع ولا يعض ولا يقطع راتباً، وعندما يحاصر وطناً يحتاج يداً من أبنائه تغلق عليه الباب، وناباً من ذريته ينهش جراحه، ولساناً من لغته يشتم أهله ويبرر للغريب ما يعجز الغريب عن قوله، فاستعان بأيدي وأنياب من الداخل بأعقاب السيجارة وزجاجات العطر لتغطية نتانة مجاري الهيمنة، وفزع الفراشون على أبواب أمير النفط وانهالوا بأحدِّ أنياب الرماح والسهام نحو بحر البشر، ولأنهم عجزوا عن امتلاك المشهد، اتهموا أصحابه بأنهم لا يملكون أنفسهم، فالطوفان خرج مكرهاً، وجموع الشعب عبيد وتم إذلالهم وإهانتهم تحت المطر، ثم جعلوا المطر عقوبةً إلهية، وكأن الغيم لا يجوز له أن يمر فوق صنعاء قبل أن يختم جوازه في الرياض، مثلما أرادوا لطائرات كسر الحصار أن تفعل.
وبينما كان التاريخ يحدق في المشهد تعالت قهقهات القوم الممزوجة بالشماتة من رجل حمل قارورة ماء صغيرة قروية ملفوفة بشوالة تحفظ برودها، واعتبروها مثالاً لفقر وعبودية الرجل لصنعاء، انتزعوا صورة قارورة «الفقير المهان» من البحر البشري معتقدين أنها أسقطت هيبة المشهد حتى مالت عين التاريخ عليها وهي تطفو جواره، اقترب ومد يده لالتقاطها، غير أن القارورة لم تكن كما تخيلها الراؤون، بل احتضنت في جوفها كاتلوج المشهد بالكامل، رسالة قديمة طواها روح وفنار الوطنية اليمنية الكاملة الأديب والمفكر العملاق عبدالله البردوني، وألقاها منذ عقود في بحر الزمن، كما كان الغرقى والتائهون يودعون رسائلهم جوف القوارير ثم يقذفونها إلى الموج، لعل شاطئاً بعيداً يفهم ما عجز القريبون عن فهمه، عبرت القارورة بحاراً من الحروب وماجت بها الأمواج، ومرّت على شواطئ كثيرة لم يحسن أهلها القراءة، حتى حملها الموج أخيراً إلى صنعاء، وهناك وسط طوفان البشر استقرت في يد ذلك الرجل، كان ساعي بريد بين شاعرٍ رحل وهو يرى الآتي، وشعب بقي حياً ليثبت أنه جاء.
وفي لحظةٍ واحدة، صار التاريخ تحت رحمة المشهد الذي صعقه من السطر الأول «فظيعٌ جهل ما يجري — وأفظع منه أن تدري»، أطال التاريخ تأمله يتهجى الرسالة ويعلي حاجبيه فيما تتسع حدقات عينيه ويرمق بنظره للحشود ثم يعود لقراءة الرسالة بنهم أكبر، «غزاةٌ لا أشاهدهمُ — وسيفُ الغزو في صدري»، لم يشاهد البردوني الغزاة، لكنه شعر بأثر سيطرتهم وضررهم المحسوس في صدره، أكمل التاريخ قراءة القصيدة وطاف بنظره للمشهد مجدداً ثم التفت شزراً لنعيق الفراشين على أبواب فنادق الأمير، وأدرك أن الرسالة لم تعد بحاجة لإسقاط، وكأن القصيدة كتبت بحبر سري ولا تظهر إلا عندما تأتي سفن صنعاء من تابوتها العفن إلى الآتي في المكان والتوقيت الأمثل، بعدما انثنت إلى تاريخها الوثني في سنين الغربة والتيه.
وفوق وجوههم وجهي — وتحت خيولهم ظهري
لبس المستعمر السرّي وجه اليمن طويلاً، وفوق وجوههم كان وجه البردوني وتحت خيولهم ظهره، سرق من ملامح أبنائه ليحاربهم بها، واستعار لهجاتهم، وتحدث باسمهم بينما كانت خيولهم تمشي على ظهر الموظف المحروم من راتبه والأب العاجز أمام أطفاله، ومن قارورة العطر خرج المستعمر السري متأنقاً، ليستر روائح اللؤم وعفن الغزو، فالمستعمر لا يحتل الأرض فقط بل قاموسها، يأتي مجملاً بالمصطلحات، مهندماً بالبيانات، يضع على القيد ربطة عنق، ويصبح الوقوف تحت مظلة الخارج «استقلال»، وتقاسم المظلات تحت غيث سماء البلاد «إذلال»، يسمي الخضوع «حرية»، والمقاومة «عبودية»، والاحتلال «تحرير»، والحصار «إجراء روتيني»، والتجويع «ضغط اقتصادي»، وقطع الراتب «خلاف إداري»، والارتهان والذل «شراكة واستقرار»، والعدوان والقتل والتدمير «تحالف ومساعدة وشرعية» وفي أعنف الحالات «أضرار جانبية»، ثم يطلب من الضحية أن تشكر القيد على أناقته، والحصار على ذوقه.
سرقوا وجه الشعب طويلاً، فلما ظهر الشعب بوجهه سخروا منه، ظهر غزاة البردوني في اللغة التي حاولت أن تسلب الميدان معناه، لم يستطيعوا إنكار الجموع فأنكروا إرادتها، ولم يقدروا على محو البحر فاحتقروا الشعب واتهموه بالعبودية وكأن اليمني لا يصبح حراً إلا حين يكون يداً للغزاة، ومن باع قراره للخارج صار يوزع شهادات الحرية على من بقي في وطنه، صارت القصيدة تشريحاً دقيقاً للسان الذي يستعيره الغازي من أهل البلاد، فالغريب لا يستطيع احتقار اليمني بهذه الوقاحة والصفاقة إلا إذا وجد يمنياً يعيره فمه، ولا يستطيع أن يطعن الوطن في كرامته إلا إذا اشترى من جسده ناباً، لم يضطر أمير النفط للظهور بنفسه فقد أعاروه أيديهم ليخنق وطنهم، وأعطوه ألسنتهم لتشتم شعبهم وتبرر له ما يستحي الغازي من التصريح به، فالغازي -مهما توحش- يظل ناقص الأعضاء حتى يمنحه بعض أبناء البلاد أيديهم وأفواههم وأنيابهم ووجوههم، ذلك هو الغزو من الداخل أن يحاصر الأمير وطنك ويسرق راتبك، ثم يخرج نابٌ من أهلك لينهش لحمك ويسخر من جوعك ويعايرك بفقرك.
عجزوا عن هزيمة المشهد فرأوا الناس عبيداً مهانين تحت المطر ولم يروا إهانته تحت القصف والحصار وقطع الرواتب، ولم يروا الاستعباد في كشوفات الإعاشة لأكوام الفراشين على أبواب الأمير ينتظرون ربع ميزانية الدولة من فضلات وبقايا أكوابه، لم يروها في منح الطلاب المسروقة لأنسالهم وزوجاتهم، كانت مقاعد الابتعاث خيولاً مربوطة في إسطبل النافذين تسحق ظهور المتفوقين، وبدلاً من مكافأة المتفوقين بمقاعد دراسية يستحقونها صارت المنح أيضاً هبات وهدايا للخطوبة تقدم لأهداب العبقرية الحرة التي ولدت حرة في البطاقة العائلية الحرة لذنب الأمير سعادة الوزير وسعادة السفير، أسماء تتناسل من أسماء، وحقائب سفر تقلع وأخرى تهبط في مطارات العالم لأبناء المحظوظين والمحظوظات، ومقاعد المتفوقين والتعينات والمناصب والوظائف تحولت إلى عقارات وأراضٍ من أملاك الوالد الذيل تورث أيضاً، فيرث الابن والبنت والزوجة الأولى والثانية والثالثة أما الرابعة فهي قرة العين التي لا تغيب عن الذيل حتى لا يفقد توازنه من فضلات كؤوس الأمير.
ترقّى العار من بيعٍ — إلى بيعٍ بلا ثمن
تطور استيلاء بني سعود على الأقاليم اليمنية جيزان ونجران وعسير إلى التفاف على معاهدة الطائف ولم يعاملوا المغترب اليمني كمواطن سعودي بموجبها، وصار المغترب اليوم يدفع الجزية لبني سعود التي تجني سنوياً من المغتربين اليمنيين نحو 60 مليار ريال سعودي ما يعادل عوائدها من الحج والعمرة، وترسيم الخونة للحدود الذين «باعوا الأصابع وخلوا الجسم للديدان» أسفر عما كان ما كان بعودة احتلال الأمس في تشكيله العصري، فسقف ثروات الشعب ومشاريع التنمية محددة مسبقاً، وحسن الجوار تطور هو الآخر للعدوان والحصار الشامل على اليمن أرضاً وإنساناً، وبأنياب خونة الداخل وعمامات «باسم الله -جل الله» بلغت مراحل متقدمة من الخيانة والغزو لجارتها اليمن وقامت بقطع رواتب موظفيها وتدمير اقتصادهم وطباعة عملة محلية ضعف احتياج السوق لسحق قيمتها وإلغاء العملة القديمة وتوريد عائدات ثروة اليمنيين للبنك الأهلي السعودي، وبتصفيق سروال المثقف الخائن نقلت رموز السيادة الوطنية إلى الرياض فمن هناك تلفزيون اليمن وجريدته ووكالته الرسمية.
رغم كل ذلك ما زال لسان خير أذناب الأمير مستمراً بالتصفيق بالأيدي والأرجل «لقد جئنا نجر الشعب في أعتاب أعتابك»، وبأقصى درجات الذل والتبعية يتشرفون بمسح «نعل حجابه»، ونستجديك ألقاباً نتوجها بألقابك، ترقى بيع هؤلاء لوطنهم من بيع بمقابل إلى بيع بلا ثمن، رغم التاريخ والحاضر العدواني لبني سعود على شعبهم ووطنهم تراهم يبذلون أرواحهم ودماءهم في سبيل الأمير لحماية حدوده، «ومن دمنا على دمنا تموقع جيش إرهابك»، ومن أجسادهم وأجساد أبناء جلدتهم يعبدون الطريق لدباباته لاحتلال أرضهم وتمكينه من إلحاق وطنهم إلى أملاك الأمير، «فنم يا بابك الخرمي على بلقيس يا بابك، ذوائبها سرير هواك بعض ذيول أربابك».
حين صار الجيش ناباً في فم الأمير
مرتبة من الارتهان لم تخطر حتى على سوق النخاسة القديم عندما كان العبد قديماً يباع فيأخذ سيده الثمن، أما هنا فيباع المرتزق ثم يدفع هو ثمن نفسه، يقدم بندقيته عربوناً ودمه دفعة من الحساب ومن رواتب شعبه وأرواح أطفال ونساء ومعاناة أبناء وطنه يستمر بالدفع والدفع والدفع، فيما الغازي المحتل فهو محظوظ بهؤلاء، قديماً كان يرسل المحتل جنوده إلى أرضك أما المحتل الأذكى فيأتيك بجنودك، ذلك هو الانتصار الكامل للمستعمر السري، ألا تراه في الميدان لأن الميدان كله صار يؤدي وظيفته، يختفي الأمير وتبقى أصابعه، يغيب لسانه وتبقى أبواقه، فترى وجهه يمني، ودمه يمني، وبندقيته على كتف يمني، ثم يخرج الناب مرتدياً البزة العسكرية، ويقرأ بياناً باسم الوطن الذي ينهشه، لأن بعض الحقائق تبلغ من الوقاحة حد أنها لا تحتاج خصماً يفضحها، خرج بيانهم العسكري هذه المرة ليتولى المهمة بنفسه، كأن الناب الذي تحدث عنه البردوني قرر أن يشرح للناس بلسانه الرسمي كيف تعمل داخل فك الأمير.
فأسخف من السخف نفسه أن يتحدث هؤلاء باسم الجيش اليمني ويرعدون ويزبدون بأن «الاعتداء على أي جبهة هو اعتداء على جميع الجبهات والتشكيلات»، فقد أصبح للأنياب جهاز عصبي واحد، اضرب ناباً ينهش مأرب فتتألم أسنان مغروسة في حضرموت وتتحرك فكوكه على امتداد خطوط التماس، شبكة كاملة تستشعر الوخزة في اللحظة ذاتها، وما كان ينقص الصورة إلا أن نعرف أين يقع الرأس، لكن البيان كريم ولم يترك القارئ طويلاً في حيرته فأعلن أن الإجراءات العسكرية ستكون «وفقاً لتوجيهات القيادة السياسية والعسكرية» فحيثما ولى الأمير شطر الأمير وجهه تيمموا، ولاكتمال مشهد السخرية السوداء يدعون «قبائل اليمن إلى الالتفاف والمساندة وتوحيد الصف» وهي عبارة تصلح أن تكتب على باب الإسطبل القابعين فيه، يطلبون من القبيلة أن تقدم أبناءها قرابين للأمير، ومن الأم أن تقدم قلبها لا في سبيل الله بل في سبيل قطع الراتب عن أبناء جلدته، وبلغت ذروة تراجيديا المشهد عندما تحدثوا عن «عودة مؤسسات الدولة» وتلك وحدها تحتاج إلى شاعر آخر، فأي دولة مؤسسات هذه التي لا تجد الطريق إلى البنك والميناء والمطار والسيادة والقرار.
فالجيش آخر ما ينبغي أن يبقى للوطن وهو آخر باب لا يملك الغريب مفتاحه حين تسقط كل الأبواب، وإذا تنازع الجميع بقيت بندقية الجيش عند باب البلاد لا عند باب الأمير، ويد الجيش التي كانت من المفترض أن تحمي وطنها صارت تحمل سكيناً يمزق الوطن أرضاً وإنساناً، والجيش الذي أضاع وحدة أراضيه وفرط بسيادة وحرية وكرامة بلده أصبح يفاخر «بوحدة القيادة والسيطرة» على تدمير بلده وحصار شعبه، فأي وحدة هذه التي يجري الاحتفال بإحكام السيطرة عليها، لكن من يقرأ المشهد اليمني المبعثر بين الرعاة والتشكيلات يستطيع أن يسمع خلف العبارة صرير الخيوط وهي تُشد، غزاة لا تشاهدهم تكاثرت أسماؤهم حتى ضاع الاسم ألوية وحراس وأحزمة ودروع ومقاومات وقيادات وغرف عمليات، حتى كأن اليمن لم يعد يحتاج إلى وزارة دفاع بل إلى معجم يشرح أسماء جمهوريات البنادق فلكل قوة راية ولكل راية ممول ولكل ممول حساباته ووسط هذه الغابة ينتفضون لحماية السيادة من طائرة كسرت الحصار عن شعبهم، ولا يعرفون من الجمهورية إلا الاسم المطبوع فوق كشف الراتب، أما حراس الجمهورية كان لهم مفهوم آخر للجمهورية، وهي أن تحرس تل أبيب من جبهة إسناد وطنك لغزة وفلسطين، وهنا يستطيع الهجاء أن يرى كيف وجدت تل أبيب حراساً لا يحملون نجمتها، ولا يتكلمون لغتها، وربما يلعنونها في مجالسهم كما يلعنون الأمير الشاب ليل نهار، ينعقون باسم الحضن العربي والأجندات الخارجية وأسيافهم تغور في المسجد الأقصى والمجاهدين في غزة.
حرية الغثيان
إثنا عشر عاماً واليمنيون منفيون في وطنهم عن مرتباتهم وحقوقهم، ويمنيون يبيعون الشعارات والوطنية في فنادق المنفى، أغلقوا أبواب الاقتصاد ثم سخروا من مظاهر الركود، نهبوا الرواتب ثم اتهموا المجني عليه بسرقتها وسخروا من فقر الشعب والقارورة القروية وكأن الشعب مطالب بالحضور ببدلات رسمية وربطات عنق ومياه مستوردة، إنها «حرية الغثيان» عندما تنعت من خرجوا مطالبين بحقوقهم ورواتبهم في ساحات وطنهم تحت المطر ليستردوا الوطن من المنفى «بالعبيد الذين خرجوا مكرهين»، لو كان الإكراه قادراً على خلق مثل هذا المشهد، لأولى بهم أن يستعيروا منه قليلاً لتخفيف مستويات الخسة واللؤم في دمائهم، لكن الإكراه الحقيقي أن تجبرك الحشود على اختراع رواية بهذا السخف، ومن يعش تحت مظلة أحذية الاستعمار وسلطة المال والبنون يصعب عليه فهم شعب تحت المطر فالوطنية درجات حرارة!
بعدما احتلوا معنى الحرية أرادوا احتلال معنى الرحمة والعقاب، وعندما هزمهم الميدان استنجدوا بنشرة الطقس ورأوا المطر عقوبة إلهية، وكأن الغيم ملحق عائلي في إحدى السفارات، فكرامة هؤلاء لا تنزف تحت القصف، لكنها تعطس أمام قطرة ماء، كان المطر عقاباً بالفعل لكن لروايتهم التي جرفتها السيول، نزل ليعاقب المستعمر السري القابع في دمائهم.
فظيعٌ جهلُ ما يجري — وأفظعُ منه أن تدري
فظيعٌ أن يجهلوا لماذا امتلأت الساحات، لكن الأفظع أن يعرفوا من حاصرها ومن قطع الرواتب وحول حاجة الشعب إلى أوراق ضغط لتركيعه، الأفظع أن يعرفوا ما فعلته يد الأمير على مدى عقود ثم يتطوعوا ليكونوا أصابعه وأنيابه، الأفظع أن يعرفوا موضع السوط، ثم يفتشوا عن العبودية في ظهر الضحية، فظيع أن تجهل الحقيقة لكن الأفظع أن تكون جندياً في صف الفظاعة نفسها، الأفظع من ألا تعرف الحقيقة، أن تعرفها جيداً ثم تتقاضى راتبك من لعق فضلات أكواب الأمير مقابل دفنها، الجاهل قد تضلله العتمة ولا يرى المستعمر السري، أما من يعرف ثم يزوّر، فقد اتخذ من بصيرته مصباحاً يدل الغزاة على داره، يفتح له الباب ويعطره، ويمنحه اسماً وطنياً، ثم يقف حارساً على جريمته.
في ذلك اليوم، هطل المطر حتى لم يبق في الميدان شيء مستور، ظهرت الوجوه والمواقف، وظهر المستعمر السري في الكلمات التي نطق بها الفراشون على باب الأمير، كان أمير النفط يملك البراميل وأيدي أذنابه وأنيابهم، لكنه لم يملك قطرة واحدة في بحر إرادة اليمني الذي أرادوه قطيعاً في زريبة الأمير، كانت صنعاء تُستشفى من الطاعون الذي تسلل خفية في جسدها وتستعيد أعضاءها واحداً واحداً فالماء يقتل الوباء، مضت تحمل قارورةً فيها قصيدة، وقصيدة فيها وطن، ووطناً لو ارتشف القادة العطشى منه لاستغنوا عن فضلات الأكواب، شربت يومها صنعاء من الغيم، وغسلت وجهها بالمطر، ومضت بين الرعد والرايات تاركةً خلفها سؤال البردوني يطارد الذين يعرفون ولا يخجلون «فظيعٌ جهلُ ما يجري وأفظعُ منه أن تدري»، وبقي التاريخ على شاطئ صفحاته، يحاول كتابة فصل لم يجد له عنواناً أجمل من ترك صنعاء كتاباً كاملاً دون حاشية أو ملاحظة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحرر السياسي
المشهد اليمني الأول
9 أغسطس 2026م









