الرئيسية بلوق الصفحة 27

عندما رست سفينة البردوني في طوفان صنعاء

فاضت أبواب صنعاء كما يفيض الدم من عرق أدمته طعنات الحصار، وازدحمت الأزقة بالوجوه التي أكل الحصار من خبزها ولم يأكل من ملامحها، وخرجت الأكف التي غاب عنها الراتب طويلاً ولم تغب عنها الكبرياء، ومن المطابخ التي صار الطحين فيها يقسم كما تقسم الوصايا الأخيرة، كانوا كثيرين إلى الحد الذي بدا معه الميدان أصغر من موقف قادته جراح صارت أوسع من الصمت، حتى خُيّل أن المدينة فجرت جدرانها وصبت كل أبنائها بحراً من البشر أمواجاً لم تجد الساحات له شاطئاً، حتى بدا التاريخ واقفاً على حافة صفحاته يرفع أطراف ثوبه مخافة أن تبلله أمواج البشر، ويبحث في دفاتره القديمة عن حبر يليق بما يرى، فلا يجد.

لقد اعتاد التاريخ أن يكتب الشعوب سطوراً، أما ذلك اليوم فقد جاءت صنعاء كتاباً كاملًا، جاءت صفحاته من سنين القحط ووجوه أنحلها الحصار ولم ينحل فيها الإباء، ومن أقدام أثقلها الجوع ولم تركعها سنوات العدوان، بدا التاريخ مبهوتاً ككاتب باغتته ملحمة أكبر من لغته، وداهمته مأثرة فاقت قدراته.

وحين امتلأت الأرض بأهلها، أطلت السماء، رأت تحتها بحراً من البشر فتذكرت وجهها المنسي في قلب الطوفان، فخجلت أن تبقى يابسة فوق السيول، وانشقّ قلب الغيم شوقاً بأغزر فلذاته ودقاً، كأن السحاب كان يحتفظ منذ أعوام بكل دمعةٍ لم يجد اليمنيون فيها وقتاً للبكاء.

وانضمت السماء للأرض، وراحت تغسل الرايات لتزداد ألوانها بهاء وجلالاً، وتجري فوق الجباه كما تجري يد الأم على وجه ابنها العائد من المعركة، التقى عندها بحران، بحرٌ من الأرض يصعد، وبحرٌ من السماء يهبط، حتى لم يعد يُعرف أيهما كان يمطر على الآخر، واختلط هدير الحناجر بهدير الغيم، كان الرعد يتكسّر فوق الجبال، غير أن حناجر الميدان كانت أشد، حتى بدا الرعد كأنه صدى الجموع وموقفها البليغ مقتحماً أرجاء السماء، وصار البرق يلتقط التاريخ على ضوئه صورته، ويزيد ملامح المشهد مهابة ووضوحاً، قبل أن يشرع بالإمضاء على آخر صفحات الحصار بقلمٍ من نار شق أفق الفضاء.

كان الماء غزيراً لكن البشر كانوا أغزر، ابتلت الثياب لكن الموقف ظل جافاً من الوهن، فالماء يبلغ الجلد، ولا يبلغ الموقف ولا يطفئ اليقين، ثقلت الرايات بالماء، لكنها خفّت في الأيدي، لأن الراية لا يثقلها المطر، وإنما يثقلها الخوف الذي هز أبواب الغرف البعيدة في عواصم المنفى، وخفقت الرايات عالية كأشرعة سفينة قررت كسر الحصار من فوق أمواجه.

في هذه اللحظة الخالصة رأى أمير النفط مأزقاً يملأ شاشاته ففتش عما يمكِّنه من إرباك التاريخ دافعاً ببراميل النفط إلى فضاءات السخرية والتكذيب، لكن النفط وحده أخرس ولا يصفع ولا يعض ولا يقطع راتباً، وعندما يحاصر وطناً يحتاج يداً من أبنائه تغلق عليه الباب، وناباً من ذريته ينهش جراحه، ولساناً من لغته يشتم أهله ويبرر للغريب ما يعجز الغريب عن قوله، فاستعان بأيدي وأنياب من الداخل بأعقاب السيجارة وزجاجات العطر لتغطية نتانة مجاري الهيمنة، وفزع الفراشون على أبواب أمير النفط وانهالوا بأحدِّ أنياب الرماح والسهام نحو بحر البشر، ولأنهم عجزوا عن امتلاك المشهد، اتهموا أصحابه بأنهم لا يملكون أنفسهم، فالطوفان خرج مكرهاً، وجموع الشعب عبيد وتم إذلالهم وإهانتهم تحت المطر، ثم جعلوا المطر عقوبةً إلهية، وكأن الغيم لا يجوز له أن يمر فوق صنعاء قبل أن يختم جوازه في الرياض، مثلما أرادوا لطائرات كسر الحصار أن تفعل.

وبينما كان التاريخ يحدق في المشهد تعالت قهقهات القوم الممزوجة بالشماتة من رجل حمل قارورة ماء صغيرة قروية ملفوفة بشوالة تحفظ برودها، واعتبروها مثالاً لفقر وعبودية الرجل لصنعاء، انتزعوا صورة قارورة «الفقير المهان» من البحر البشري معتقدين أنها أسقطت هيبة المشهد حتى مالت عين التاريخ عليها وهي تطفو جواره، اقترب ومد يده لالتقاطها، غير أن القارورة لم تكن كما تخيلها الراؤون، بل احتضنت في جوفها كاتلوج المشهد بالكامل، رسالة قديمة طواها روح وفنار الوطنية اليمنية الكاملة الأديب والمفكر العملاق عبدالله البردوني، وألقاها منذ عقود في بحر الزمن، كما كان الغرقى والتائهون يودعون رسائلهم جوف القوارير ثم يقذفونها إلى الموج، لعل شاطئاً بعيداً يفهم ما عجز القريبون عن فهمه، عبرت القارورة بحاراً من الحروب وماجت بها الأمواج، ومرّت على شواطئ كثيرة لم يحسن أهلها القراءة، حتى حملها الموج أخيراً إلى صنعاء، وهناك وسط طوفان البشر استقرت في يد ذلك الرجل، كان ساعي بريد بين شاعرٍ رحل وهو يرى الآتي، وشعب بقي حياً ليثبت أنه جاء.

وفي لحظةٍ واحدة، صار التاريخ تحت رحمة المشهد الذي صعقه من السطر الأول «فظيعٌ جهل ما يجري — وأفظع منه أن تدري»، أطال التاريخ تأمله يتهجى الرسالة ويعلي حاجبيه فيما تتسع حدقات عينيه ويرمق بنظره للحشود ثم يعود لقراءة الرسالة بنهم أكبر، «غزاةٌ لا أشاهدهمُ — وسيفُ الغزو في صدري»، لم يشاهد البردوني الغزاة، لكنه شعر بأثر سيطرتهم وضررهم المحسوس في صدره، أكمل التاريخ قراءة القصيدة وطاف بنظره للمشهد مجدداً ثم التفت شزراً لنعيق الفراشين على أبواب فنادق الأمير، وأدرك أن الرسالة لم تعد بحاجة لإسقاط، وكأن القصيدة كتبت بحبر سري ولا تظهر إلا عندما تأتي سفن صنعاء من تابوتها العفن إلى الآتي في المكان والتوقيت الأمثل، بعدما انثنت إلى تاريخها الوثني في سنين الغربة والتيه.

وفوق وجوههم وجهي — وتحت خيولهم ظهري

لبس المستعمر السرّي وجه اليمن طويلاً، وفوق وجوههم كان وجه البردوني وتحت خيولهم ظهره، سرق من ملامح أبنائه ليحاربهم بها، واستعار لهجاتهم، وتحدث باسمهم بينما كانت خيولهم تمشي على ظهر الموظف المحروم من راتبه والأب العاجز أمام أطفاله، ومن قارورة العطر خرج المستعمر السري متأنقاً، ليستر روائح اللؤم وعفن الغزو، فالمستعمر لا يحتل الأرض فقط بل قاموسها، يأتي مجملاً بالمصطلحات، مهندماً بالبيانات، يضع على القيد ربطة عنق، ويصبح الوقوف تحت مظلة الخارج «استقلال»، وتقاسم المظلات تحت غيث سماء البلاد «إذلال»، يسمي الخضوع «حرية»، والمقاومة «عبودية»، والاحتلال «تحرير»، والحصار «إجراء روتيني»، والتجويع «ضغط اقتصادي»، وقطع الراتب «خلاف إداري»، والارتهان والذل «شراكة واستقرار»، والعدوان والقتل والتدمير «تحالف ومساعدة وشرعية» وفي أعنف الحالات «أضرار جانبية»، ثم يطلب من الضحية أن تشكر القيد على أناقته، والحصار على ذوقه.

سرقوا وجه الشعب طويلاً، فلما ظهر الشعب بوجهه سخروا منه، ظهر غزاة البردوني في اللغة التي حاولت أن تسلب الميدان معناه، لم يستطيعوا إنكار الجموع فأنكروا إرادتها، ولم يقدروا على محو البحر فاحتقروا الشعب واتهموه بالعبودية وكأن اليمني لا يصبح حراً إلا حين يكون يداً للغزاة، ومن باع قراره للخارج صار يوزع شهادات الحرية على من بقي في وطنه، صارت القصيدة تشريحاً دقيقاً للسان الذي يستعيره الغازي من أهل البلاد، فالغريب لا يستطيع احتقار اليمني بهذه الوقاحة والصفاقة إلا إذا وجد يمنياً يعيره فمه، ولا يستطيع أن يطعن الوطن في كرامته إلا إذا اشترى من جسده ناباً، لم يضطر أمير النفط للظهور بنفسه فقد أعاروه أيديهم ليخنق وطنهم، وأعطوه ألسنتهم لتشتم شعبهم وتبرر له ما يستحي الغازي من التصريح به، فالغازي -مهما توحش- يظل ناقص الأعضاء حتى يمنحه بعض أبناء البلاد أيديهم وأفواههم وأنيابهم ووجوههم، ذلك هو الغزو من الداخل أن يحاصر الأمير وطنك ويسرق راتبك، ثم يخرج نابٌ من أهلك لينهش لحمك ويسخر من جوعك ويعايرك بفقرك.

عجزوا عن هزيمة المشهد فرأوا الناس عبيداً مهانين تحت المطر ولم يروا إهانته تحت القصف والحصار وقطع الرواتب، ولم يروا الاستعباد في كشوفات الإعاشة لأكوام الفراشين على أبواب الأمير ينتظرون ربع ميزانية الدولة من فضلات وبقايا أكوابه، لم يروها في منح الطلاب المسروقة لأنسالهم وزوجاتهم، كانت مقاعد الابتعاث خيولاً مربوطة في إسطبل النافذين تسحق ظهور المتفوقين، وبدلاً من مكافأة المتفوقين بمقاعد دراسية يستحقونها صارت المنح أيضاً هبات وهدايا للخطوبة تقدم لأهداب العبقرية الحرة التي ولدت حرة في البطاقة العائلية الحرة لذنب الأمير سعادة الوزير وسعادة السفير، أسماء تتناسل من أسماء، وحقائب سفر تقلع وأخرى تهبط في مطارات العالم لأبناء المحظوظين والمحظوظات، ومقاعد المتفوقين والتعينات والمناصب والوظائف تحولت إلى عقارات وأراضٍ من أملاك الوالد الذيل تورث أيضاً، فيرث الابن والبنت والزوجة الأولى والثانية والثالثة أما الرابعة فهي قرة العين التي لا تغيب عن الذيل حتى لا يفقد توازنه من فضلات كؤوس الأمير.

ترقّى العار من بيعٍ — إلى بيعٍ بلا ثمن

تطور استيلاء بني سعود على الأقاليم اليمنية جيزان ونجران وعسير إلى التفاف على معاهدة الطائف ولم يعاملوا المغترب اليمني كمواطن سعودي بموجبها، وصار المغترب اليوم يدفع الجزية لبني سعود التي تجني سنوياً من المغتربين اليمنيين نحو 60 مليار ريال سعودي ما يعادل عوائدها من الحج والعمرة، وترسيم الخونة للحدود الذين «باعوا الأصابع وخلوا الجسم للديدان» أسفر عما كان ما كان بعودة احتلال الأمس في تشكيله العصري، فسقف ثروات الشعب ومشاريع التنمية محددة مسبقاً، وحسن الجوار تطور هو الآخر للعدوان والحصار الشامل على اليمن أرضاً وإنساناً، وبأنياب خونة الداخل وعمامات «باسم الله -جل الله» بلغت مراحل متقدمة من الخيانة والغزو لجارتها اليمن وقامت بقطع رواتب موظفيها وتدمير اقتصادهم وطباعة عملة محلية ضعف احتياج السوق لسحق قيمتها وإلغاء العملة القديمة وتوريد عائدات ثروة اليمنيين للبنك الأهلي السعودي، وبتصفيق سروال المثقف الخائن نقلت رموز السيادة الوطنية إلى الرياض فمن هناك تلفزيون اليمن وجريدته ووكالته الرسمية.

رغم كل ذلك ما زال لسان خير أذناب الأمير مستمراً بالتصفيق بالأيدي والأرجل «لقد جئنا نجر الشعب في أعتاب أعتابك»، وبأقصى درجات الذل والتبعية يتشرفون بمسح «نعل حجابه»، ونستجديك ألقاباً نتوجها بألقابك، ترقى بيع هؤلاء لوطنهم من بيع بمقابل إلى بيع بلا ثمن، رغم التاريخ والحاضر العدواني لبني سعود على شعبهم ووطنهم تراهم يبذلون أرواحهم ودماءهم في سبيل الأمير لحماية حدوده، «ومن دمنا على دمنا تموقع جيش إرهابك»، ومن أجسادهم وأجساد أبناء جلدتهم يعبدون الطريق لدباباته لاحتلال أرضهم وتمكينه من إلحاق وطنهم إلى أملاك الأمير، «فنم يا بابك الخرمي على بلقيس يا بابك، ذوائبها سرير هواك بعض ذيول أربابك».

حين صار الجيش ناباً في فم الأمير

مرتبة من الارتهان لم تخطر حتى على سوق النخاسة القديم عندما كان العبد قديماً يباع فيأخذ سيده الثمن، أما هنا فيباع المرتزق ثم يدفع هو ثمن نفسه، يقدم بندقيته عربوناً ودمه دفعة من الحساب ومن رواتب شعبه وأرواح أطفال ونساء ومعاناة أبناء وطنه يستمر بالدفع والدفع والدفع، فيما الغازي المحتل فهو محظوظ بهؤلاء، قديماً كان يرسل المحتل جنوده إلى أرضك أما المحتل الأذكى فيأتيك بجنودك، ذلك هو الانتصار الكامل للمستعمر السري، ألا تراه في الميدان لأن الميدان كله صار يؤدي وظيفته، يختفي الأمير وتبقى أصابعه، يغيب لسانه وتبقى أبواقه، فترى وجهه يمني، ودمه يمني، وبندقيته على كتف يمني، ثم يخرج الناب مرتدياً البزة العسكرية، ويقرأ بياناً باسم الوطن الذي ينهشه، لأن بعض الحقائق تبلغ من الوقاحة حد أنها لا تحتاج خصماً يفضحها، خرج بيانهم العسكري هذه المرة ليتولى المهمة بنفسه، كأن الناب الذي تحدث عنه البردوني قرر أن يشرح للناس بلسانه الرسمي كيف تعمل داخل فك الأمير.

فأسخف من السخف نفسه أن يتحدث هؤلاء باسم الجيش اليمني ويرعدون ويزبدون بأن «الاعتداء على أي جبهة هو اعتداء على جميع الجبهات والتشكيلات»، فقد أصبح للأنياب جهاز عصبي واحد، اضرب ناباً ينهش مأرب فتتألم أسنان مغروسة في حضرموت وتتحرك فكوكه على امتداد خطوط التماس، شبكة كاملة تستشعر الوخزة في اللحظة ذاتها، وما كان ينقص الصورة إلا أن نعرف أين يقع الرأس، لكن البيان كريم ولم يترك القارئ طويلاً في حيرته فأعلن أن الإجراءات العسكرية ستكون «وفقاً لتوجيهات القيادة السياسية والعسكرية» فحيثما ولى الأمير شطر الأمير وجهه تيمموا، ولاكتمال مشهد السخرية السوداء يدعون «قبائل اليمن إلى الالتفاف والمساندة وتوحيد الصف» وهي عبارة تصلح أن تكتب على باب الإسطبل القابعين فيه، يطلبون من القبيلة أن تقدم أبناءها قرابين للأمير، ومن الأم أن تقدم قلبها لا في سبيل الله بل في سبيل قطع الراتب عن أبناء جلدته، وبلغت ذروة تراجيديا المشهد عندما تحدثوا عن «عودة مؤسسات الدولة» وتلك وحدها تحتاج إلى شاعر آخر، فأي دولة مؤسسات هذه التي لا تجد الطريق إلى البنك والميناء والمطار والسيادة والقرار.

فالجيش آخر ما ينبغي أن يبقى للوطن وهو آخر باب لا يملك الغريب مفتاحه حين تسقط كل الأبواب، وإذا تنازع الجميع بقيت بندقية الجيش عند باب البلاد لا عند باب الأمير، ويد الجيش التي كانت من المفترض أن تحمي وطنها صارت تحمل سكيناً يمزق الوطن أرضاً وإنساناً، والجيش الذي أضاع وحدة أراضيه وفرط بسيادة وحرية وكرامة بلده أصبح يفاخر «بوحدة القيادة والسيطرة» على تدمير بلده وحصار شعبه، فأي وحدة هذه التي يجري الاحتفال بإحكام السيطرة عليها، لكن من يقرأ المشهد اليمني المبعثر بين الرعاة والتشكيلات يستطيع أن يسمع خلف العبارة صرير الخيوط وهي تُشد، غزاة لا تشاهدهم تكاثرت أسماؤهم حتى ضاع الاسم ألوية وحراس وأحزمة ودروع ومقاومات وقيادات وغرف عمليات، حتى كأن اليمن لم يعد يحتاج إلى وزارة دفاع بل إلى معجم يشرح أسماء جمهوريات البنادق فلكل قوة راية ولكل راية ممول ولكل ممول حساباته ووسط هذه الغابة ينتفضون لحماية السيادة من طائرة كسرت الحصار عن شعبهم، ولا يعرفون من الجمهورية إلا الاسم المطبوع فوق كشف الراتب، أما حراس الجمهورية كان لهم مفهوم آخر للجمهورية، وهي أن تحرس تل أبيب من جبهة إسناد وطنك لغزة وفلسطين، وهنا يستطيع الهجاء أن يرى كيف وجدت تل أبيب حراساً لا يحملون نجمتها، ولا يتكلمون لغتها، وربما يلعنونها في مجالسهم كما يلعنون الأمير الشاب ليل نهار، ينعقون باسم الحضن العربي والأجندات الخارجية وأسيافهم تغور في المسجد الأقصى والمجاهدين في غزة.

حرية الغثيان

إثنا عشر عاماً واليمنيون منفيون في وطنهم عن مرتباتهم وحقوقهم، ويمنيون يبيعون الشعارات والوطنية في فنادق المنفى، أغلقوا أبواب الاقتصاد ثم سخروا من مظاهر الركود، نهبوا الرواتب ثم اتهموا المجني عليه بسرقتها وسخروا من فقر الشعب والقارورة القروية وكأن الشعب مطالب بالحضور ببدلات رسمية وربطات عنق ومياه مستوردة، إنها «حرية الغثيان» عندما تنعت من خرجوا مطالبين بحقوقهم ورواتبهم في ساحات وطنهم تحت المطر ليستردوا الوطن من المنفى «بالعبيد الذين خرجوا مكرهين»، لو كان الإكراه قادراً على خلق مثل هذا المشهد، لأولى بهم أن يستعيروا منه قليلاً لتخفيف مستويات الخسة واللؤم في دمائهم، لكن الإكراه الحقيقي أن تجبرك الحشود على اختراع رواية بهذا السخف، ومن يعش تحت مظلة أحذية الاستعمار وسلطة المال والبنون يصعب عليه فهم شعب تحت المطر فالوطنية درجات حرارة!

بعدما احتلوا معنى الحرية أرادوا احتلال معنى الرحمة والعقاب، وعندما هزمهم الميدان استنجدوا بنشرة الطقس ورأوا المطر عقوبة إلهية، وكأن الغيم ملحق عائلي في إحدى السفارات، فكرامة هؤلاء لا تنزف تحت القصف، لكنها تعطس أمام قطرة ماء، كان المطر عقاباً بالفعل لكن لروايتهم التي جرفتها السيول، نزل ليعاقب المستعمر السري القابع في دمائهم.

فظيعٌ جهلُ ما يجري — وأفظعُ منه أن تدري

فظيعٌ أن يجهلوا لماذا امتلأت الساحات، لكن الأفظع أن يعرفوا من حاصرها ومن قطع الرواتب وحول حاجة الشعب إلى أوراق ضغط لتركيعه، الأفظع أن يعرفوا ما فعلته يد الأمير على مدى عقود ثم يتطوعوا ليكونوا أصابعه وأنيابه، الأفظع أن يعرفوا موضع السوط، ثم يفتشوا عن العبودية في ظهر الضحية، فظيع أن تجهل الحقيقة لكن الأفظع أن تكون جندياً في صف الفظاعة نفسها، الأفظع من ألا تعرف الحقيقة، أن تعرفها جيداً ثم تتقاضى راتبك من لعق فضلات أكواب الأمير مقابل دفنها، الجاهل قد تضلله العتمة ولا يرى المستعمر السري، أما من يعرف ثم يزوّر، فقد اتخذ من بصيرته مصباحاً يدل الغزاة على داره، يفتح له الباب ويعطره، ويمنحه اسماً وطنياً، ثم يقف حارساً على جريمته.

في ذلك اليوم، هطل المطر حتى لم يبق في الميدان شيء مستور، ظهرت الوجوه والمواقف، وظهر المستعمر السري في الكلمات التي نطق بها الفراشون على باب الأمير، كان أمير النفط يملك البراميل وأيدي أذنابه وأنيابهم، لكنه لم يملك قطرة واحدة في بحر إرادة اليمني الذي أرادوه قطيعاً في زريبة الأمير، كانت صنعاء تُستشفى من الطاعون الذي تسلل خفية في جسدها وتستعيد أعضاءها واحداً واحداً فالماء يقتل الوباء، مضت تحمل قارورةً فيها قصيدة، وقصيدة فيها وطن، ووطناً لو ارتشف القادة العطشى منه لاستغنوا عن فضلات الأكواب، شربت يومها صنعاء من الغيم، وغسلت وجهها بالمطر، ومضت بين الرعد والرايات تاركةً خلفها سؤال البردوني يطارد الذين يعرفون ولا يخجلون «فظيعٌ جهلُ ما يجري وأفظعُ منه أن تدري»، وبقي التاريخ على شاطئ صفحاته، يحاول كتابة فصل لم يجد له عنواناً أجمل من ترك صنعاء كتاباً كاملاً دون حاشية أو ملاحظة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحرر السياسي
المشهد اليمني الأول
9 أغسطس 2026م

تحالف الرياض الثلاثي.. تباينات مبكرة وسقف منخفض ومحاولة جديدة للمشاركة في “حلب السعودي”

لم يحمل الإعلان عن التحالف الثلاثي السعودي–التركي–الباكستاني مؤشرات على تحول عسكري كبير في المنطقة بقدر ما كشف منذ بدايته عن تباينات واضحة بين الرياض وشريكيها، وحدود صارمة وضعتها أنقرة وإسلام آباد أمام أي محاولة سعودية لتحويله إلى منصة حرب ضد اليمن وإيران والعراق.

فبينما حاولت السعودية إظهار التفاهم الجديد باعتباره إطاراً دفاعياً واسعاً في مواجهة ما تصفه بالتهديدات الإقليمية، سارعت تركيا وباكستان إلى إصدار مواقف منفصلة تقلل عملياً من الطابع العسكري للتحالف وتحصره في مجالات أكثر محدودية.

وحرصت الرئاسة التركية على تقديم التفاهم باعتباره إطاراً للتعاون في الصناعات العسكرية والقدرات الدفاعية، مع التأكيد على مواصلة الحوار والحلول الدبلوماسية وعدم الانخراط في حروب جديدة.

كما شددت أنقرة على أن التحالف الجديد لن يكون بديلاً عن التزاماتها داخل حلف الناتو ولن يستهدف أي طرف إقليمي أو دولي، بما يعكس حرصها على منع الرياض من تفسير التفاهم باعتباره تفويضاً مفتوحاً للدخول في مواجهاتها الإقليمية.

أما باكستان فذهبت إلى موقف أكثر وضوحاً، بتأكيدها أنها لن تنخرط في أي مواجهة ضد اليمن أو إيران أو العراق، واضعة بذلك خطاً أحمر مباشراً أمام توظيف التحالف في حرب سعودية جديدة.

ويكتسب ذكر اليمن وإيران والعراق بالاسم دلالة لافتة، خصوصاً أن الخطاب السعودي الذي سبق اللقاء الثلاثي حاول تسويق مزاعم عن وجود تحالف إيراني–عراقي–يمني يستهدف المملكة، قبل أن تأتي المواقف التركية والباكستانية لتسحب عملياً الطابع الهجومي من التفاهم الجديد.

وبذلك، بدت الرواية السعودية أكبر من مضمون الاتفاق نفسه؛ فالرياض حاولت تقديمه كإطار أمني وعسكري جديد، في حين تعاملت معه أنقرة وإسلام آباد باعتباره تعاوناً دفاعياً محدوداً تحكمه مصالح كل طرف ولا يعني الانخراط التلقائي في حروب السعودية.

كما تعكس هذه المواقف إدراك تركيا وباكستان لحساسية الدخول في مواجهة مفتوحة مع صنعاء أو طهران أو بغداد، وما يمكن أن تفرضه مثل هذه الخطوة من كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية لا يرغب الطرفان في تحملها.

وتزداد محدودية التحالف مع استمرار الدور التركي والباكستاني في التحركات الدبلوماسية الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يجعل الانخراط في مشروع تصعيد سعودي واسع متناقضاً مع طبيعة أدوارهما السياسية الحالية.

وفي المقابل، يبدو أن الرياض تسعى إلى استثمار علاقاتها مع أنقرة وإسلام آباد للحصول على غطاء سياسي وأمني أوسع، ومحاولة إدخال ملفات اليمن وإيران والملاحة الإقليمية ضمن الترتيبات الجارية في المنطقة.

غير أن المواقف الصادرة عن الطرفين تؤكد أن السعودية لم تحصل على تفويض مفتوح، ولا على جبهة عسكرية جاهزة لخوض حروبها، بل على إطار تحكمه حسابات متباينة ومصالح اقتصادية ودفاعية منفصلة.

ولهذا قوبل الإعلان في أوساط منتقدة للرياض بموجة من التعليقات الساخرة التي قللت من قيمته، واعتبرت أن الأمر أقرب إلى فرصة جديدة للاستفادة من المال السعودي وعقود التسليح والاستثمارات منه إلى تحالف قادر على تغيير موازين المنطقة.

وذهب بعض المعلقين إلى وصفه ساخراً بأنه محاولة جديدة للاشتراك في “حلب السعودي”، في إشارة إلى أن المستفيد الأكبر بالنسبة لتركيا وباكستان قد يكون التمويل والعقود الدفاعية، بينما تبقى التزامات الحرب الفعلية خارج حساباتهما.

وتكتسب هذه القراءة زخماً مع احتياجات البلدين الاقتصادية، وما يمكن أن توفره الأموال السعودية من استثمارات وتمويل للصناعات الدفاعية والمشاريع المشتركة، وهو ما يجعل البعد المالي والاقتصادي أكثر وضوحاً من البعد العسكري المباشر.

كما أن إصدار بيانات منفصلة من أنقرة وإسلام آباد، ووضعهما خطوطاً حمراء واضحة، يكشف أن التحالف ليس كتلة موحدة كما تحاول الرياض تصويره، بل تفاهم مرن يحتفظ فيه كل طرف بحساباته الخاصة.

“سي إن إن”: ضربات اليمن تُدخل السعودية في كابوس عسكري واقتصادي وتنسف معادلة الحصار بلا رد

سلطت شبكة “سي إن إن” الضوء على المأزق المتصاعد الذي تواجهه السعودية مع اتساع العمليات العسكرية اليمنية براً وبحراً، مؤكدة أن عودة الضربات الصاروخية والمسيّرة وفرض الحظر على الملاحة السعودية وضعت الرياض أمام تهديد عسكري واقتصادي بالغ الكلفة.

وأشارت الشبكة إلى أن حركة أنصار الله أصبحت من أقوى مكونات محور المقاومة وأكثرها قدرة على العمل في أكثر من جبهة في وقت واحد، سواء عبر استهداف العمق السعودي أو ضرب المعسكرات والتحشيدات التابعة للرياض داخل اليمن.

واستعادت “سي إن إن” مسار الحرب الذي بدأ مع العدوان السعودي الواسع على اليمن في 2015، مؤكدة أن الرياض أمضت سنوات طويلة في محاولة فاشلة لإسقاط صنعاء، قبل أن تنتهي المواجهة إلى هدنة عام 2022 من دون التوصل إلى سلام دائم.

وبحسب التقرير، فإن السعودية تواجه اليوم واقعاً مختلفاً تماماً عن السنوات الأولى للحرب؛ إذ برزت القوات المسلحة اليمنية كقوة قادرة على استهداف الأراضي السعودية وناقلات النفط والتحشيدات التابعة للرياض وفرض قيود فعلية على حركة الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.

ونقلت الشبكة عن داني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لفرع إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، قوله إن جوهر مشكلة الرياض يتمثل في أن اليمنيين “تجاوزوا عتبة سياسية وعسكرية” ولم يعودوا مستعدين للعودة إلى واقع تستطيع فيه السعودية فرض حصار بري وبحري على المحافظات الشمالية من دون أن تدفع مقابله ثمناً مباشراً.

وتكشف هذه القراءة التحول الجوهري في معادلة المواجهة؛ فبعد سنوات حاولت فيها الرياض فرض الحصار مع إبقاء أراضيها ومصالحها الاقتصادية خارج دائرة الرد، كرّست صنعاء اليوم معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”.

ورأت “سي إن إن” أن الدخول في مواجهة أوسع مع اليمن سيكون خياراً شديد الخطورة والكلفة بالنسبة للسعودية، خصوصاً في ظل سعي الرياض خلال السنوات الأخيرة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتحويل صورتها من دولة حرب إلى مركز اقتصادي وسياحي إقليمي.

وتضع العمليات اليمنية هذه الاستراتيجية أمام اختبار صعب، لأن أي تصعيد واسع يعني عودة المخاطر إلى المنشآت النفطية والموانئ والمطارات وخطوط التجارة التي تعتمد عليها المشاريع الاقتصادية السعودية.

وتزداد الضغوط على الرياض مع استمرار أزمة مضيق هرمز، إذ كانت السعودية تراهن على زيادة تصدير النفط عبر البحر الأحمر لتقليل اعتمادها على الخليج، قبل أن يأتي الحظر اليمني ليضع باب المندب والبحر الأحمر أيضاً تحت الضغط.

وبحسب التقرير، انخفضت صادرات النفط الخام السعودي عبر باب المندب إلى النصف على الأقل منذ إعلان القوات المسلحة اليمنية الحظر على السفن المرتبطة بالمملكة.

ويعني ذلك أن الرياض أصبحت محاصرة بين عقدتين بحريتين بالغتي الأهمية؛ هرمز شرقاً تحت الضغط الإيراني، وباب المندب والبحر الأحمر غرباً تحت الضغط اليمني، وهو ما يرفع كلفة تصدير النفط ويقيد خيارات المناورة أمام أرامكو وشركات الشحن.

كما أن استهداف الناقلات المرتبطة بالسعودية وتوسيع نطاق العمليات شمال البحر الأحمر أظهر أن تغيير المسارات لم يعد كافياً للهرب من دائرة الاستهداف، وهو ما يضاعف المخاطر على التجارة والطاقة السعودية.

وأشارت الشبكة إلى أن الرياض تحاول مواجهة هذا المأزق عبر تعزيز منظومتها الدفاعية والبحث عن مظلات وتحالفات جديدة، في ظل حديث عن تفاهمات دفاعية مع تركيا وباكستان. غير أن هذا التحرك يعكس بحد ذاته حجم القلق السعودي من قدرة صنعاء على فرض معادلات جديدة، خصوصاً بعد إخفاق سنوات الحرب السابقة في إخضاع اليمن بالقوة العسكرية.

وتأتي الضغوط البحرية بالتوازي مع الضربات الاستباقية التي استهدفت تحشيدات سعودية في مأرب وحضرموت والمخا ومعسكر «صحن الجن»، لتجد الرياض نفسها أمام ضغط مزدوج: مصالحها الاقتصادية في البحر تحت التهديد، وأدواتها العسكرية داخل اليمن تتعرض للاستهداف قبل تحركها.

ويكشف هذا التزامن أن صنعاء لم تعد تدير مواجهة محدودة على جبهة واحدة، بل أصبحت قادرة على الجمع بين الحرب البحرية والضربات العابرة للحدود والعمليات الاستباقية ضد المعسكرات والتحشيدات الداخلية.

“ذا ناشيونال”: ضربات صنعاء الاستباقية أحبطت تحضيرات سعودية لجولة جديدة من الحرب

كشفت صحيفة “ذا ناشيونال” أن العمليات العسكرية المتصاعدة التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية ضد الأهداف والتحشيدات السعودية تأتي ضمن تحرك استباقي هدفه إحباط استعدادات الرياض لجولة جديدة من الحرب في اليمن.

وأوضحت الصحيفة أن تصعيد صنعاء جاء بعد استمرار السعودية في رفض رفع الحصار عن اليمن، بالتزامن مع تزايد المؤشرات على وجود ترتيبات وتحشيدات عسكرية تمهد لتصعيد جديد ضد المحافظات الحرة.

وبحسب التحليل، فإن الضربات الأخيرة لم تكن عمليات منفصلة، بل جاءت في إطار استراتيجية استباقية تضرب التحشيدات السعودية قبل انتقالها إلى مرحلة الهجوم، وتمنع الرياض من امتلاك زمام المبادرة أو تحديد توقيت الجولة المقبلة من المواجهة.

وأشار التقرير إلى أن صنعاء استفادت من سنوات الهدوء النسبي التي أعقبت تفاهمات 2022 في إعادة بناء قدراتها العسكرية وتطوير ترسانتها الصاروخية والطائرات المسيّرة وتعزيز قدرتها على تنفيذ عمليات بعيدة ودقيقة.

وبرزت نتائج هذا التطور في فرض الحظر البحري على الملاحة السعودية، واستهداف مواقع في العمق السعودي، وتنفيذ ضربات واسعة ضد التحشيدات التابعة للرياض في مأرب وحضرموت والمخا.

ونقلت الصحيفة عن محللين أن عمليات صنعاء تبدو “تحركاً استباقياً”، وأنها تعكس استعداد القوات اليمنية لمواجهة أي محاولة سعودية للعودة إلى الحرب، سواء عبر الضربات العابرة للحدود أو من خلال أدوات الرياض داخل اليمن.

ويكشف توالي العمليات من الرويك والعبر والثنية والوديعة وصحن الجن وصولاً إلى المخا أن القوات المسلحة اليمنية باتت تمتلك قدرة استخباراتية وعسكرية تمكنها من رصد مراكز التجميع والإمداد ومخازن الأسلحة وضربها قبل استخدامها في أي هجوم.

كما أظهرت العمليات أن التحشيدات السعودية لم تعد قادرة على الاحتماء بالمسافات الجغرافية أو المعسكرات الخلفية، بعدما وصلت الصواريخ والمسيّرات اليمنية إلى مراكز القيادة والتخزين والتحشيد في الشرق والغرب والعمق الحدودي.

عملية المخا تكشف تفوقاً استخباراتياً لصنعاء.. رصد دقيق لتحشيدات الرياض وضربات استباقية تربك مخطط الساحل الغربي

كشفت العملية العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية ضد التحشيدات السعودية في المخا، وما سبقها من عمليات في مأرب وحضرموت، عن قدرات استخباراتية متقدمة مكّنت صنعاء من رصد تحركات الضباط السعوديين والقوات التابعة لهم ومتابعة مواقع الإمداد والتخزين قبل استهدافها بدقة.

وأعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع أن العملية استهدفت “تحشيدات العدو السعودي ومخازن أسلحته في منطقة المخا”، باستخدام عدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مؤكداً أن الإصابات كانت دقيقة.

وأضاف أن الضربات أدت إلى “تدمير واسع في المعدات والأسلحة ومصرع وإصابة العشرات بينهم سعوديون”، في مؤشر على حجم الانخراط السعودي المباشر في إدارة وتعزيز التشكيلات العسكرية المنتشرة في الساحل الغربي.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الإمدادات العسكرية السعودية قرب ميناء المخا تعرضت لدمار واسع، بالتزامن مع سماع انفجارات عنيفة ومتلاحقة نتيجة احتراق مخازن أسلحة أصابتها الصواريخ والمسيّرات.

ويعكس اختيار الأهداف وطبيعة الضربات قدرة صنعاء على تحديد مراكز التجميع ومخازن الذخيرة ومسارات الإمداد ومواقع وجود العناصر السعودية، ثم توجيه القوة النارية إليها في توقيت يجعل الخسائر أكبر ويمنع نقل المعدات أو إعادة تموضع القوات.

كما تكشف العملية عن امتلاك القوات المسلحة اليمنية ترسانة صاروخية ومسيّرة قادرة على تنفيذ عمليات متزامنة وعلى نطاق جغرافي واسع، بعد أن توالت الضربات خلال أيام من حضرموت ومأرب شرقاً إلى المخا والساحل الغربي.

وتأتي عملية المخا بعد العملية الواسعة التي استهدفت تحشيدات ومعسكرات سعودية في الرويك والعبر والثنية والوديعة وصحن الجن، والتي أعلنت القوات المسلحة أنها أسفرت عن مصرع وإصابة المئات وتدمير مخازن وآليات وتحشيدات عسكرية.

وبحسب مصادر عسكرية، كانت التعزيزات السعودية التي وصلت إلى المخا جزءاً من ترتيبات لعملية برية واسعة في الساحل الغربي، الأمر الذي يجعل الضربة اليمنية امتداداً لنهج العمليات الاستباقية الهادفة إلى إحباط التحشيدات قبل انتقالها إلى مرحلة الهجوم.

وتكشف هذه السلسلة من العمليات أن صنعاء لم تعد تنتظر وصول قوات العدو إلى خطوط المواجهة، بل باتت تعتمد على الرصد المبكر وضرب مراكز الإعداد والتموين والقيادة قبل بدء أي تصعيد فعلي.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة في الساحل الغربي، حيث تعتمد الفصائل التابعة للرياض وأبوظبي على المخا بوصفها مركزاً لوجستياً وعسكرياً لتمويل وتسليح وإدارة وحداتها المنتشرة في جبهات الساحل وتعز.

وأكد بيان القوات المسلحة أنها “لن تسمح للعدو السعودي بتحقيق أهدافه المتمثلة في استهداف شعبنا والزج بأبنائه إلى محارق الموت”، مشددة على استمرارها في “رصد وتتبع كافة التحركات والتحشيدات السعودية واستهدافها بشكل دقيق ومباشر”.

كما جددت صنعاء التمسك بمعادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، إلى جانب استهداف أي تحشيدات تُعد ضد الشعب اليمني والمحافظات الحرة.

ابن مسؤول في حكومة المرتزقة يهدي 20 ألف دولار لمؤثرة مغربية.. والموظفون اليمنيون ينتظرون رواتبهم المنهوبة في البنك الأهلي السعودي

في وقت يعيش فيه ملايين اليمنيين أوضاعاً اقتصادية ومعيشية قاسية جراء الحصار السعودي واستمرار أزمة رواتب موظفي الدولة، أثارت واقعة تحويل نجل مسؤول يمني في حكومة ما تسمى بـ”شرعية الفنادق” مبلغ 20 ألف دولار إلى مؤثرة مغربية على منصة “تيك توك“، موجة واسعة من الجدل والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأقدم نجل المسؤول على تحويل المبلغ للمؤثرة المعروفة باسم “سنو المغربية”، في واقعة أعادت تسليط الضوء على التفاوت الصارخ بين حياة أبناء بعض المسؤولين في حكومة المرتزقة وبين معاناة ملايين الموظفين اليمنيين الذين ما يزالون ينتظرون رواتبهم.

وتزداد المفارقة قسوة في ظل استمرار أزمة المرتبات، واتهامات صنعاء للرياض بمصادرة عائدات وموارد يمنية وتوريد أموال إلى البنك الأهلي السعودي بدلاً من توجيهها لصرف رواتب الموظفين، فيما تتآكل القدرة الشرائية للأسر اليمنية وتتسع دائرة الفقر والاحتياج.

وبينما يعاني موظفون من تأخر رواتبهم ويواجه المواطنون ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، يظهر أبناء مسؤولين في حكومة المرتزقة وهم يتصرفون بمبالغ مالية كبيرة في معاملات شخصية وترفيهية، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول مصادر هذه الأموال وحجم الفساد والثراء الذي راكمته قيادات مرتبطة بالرياض خلال سنوات الحرب.

وتحظى “سنو المغربية” بمتابعة واسعة من الجمهور العربي واليمني عبر مقاطع تفاعلية تستخدم فيها الأغاني والموسيقى اليمنية، قبل أن تتحول واقعة التحويل المالي الأخيرة إلى محور جدل واسع بين المتابعين.

وفي أول تعليق لها، نفت المؤثرة المغربية أن تكون قد احتالت على الشاب اليمني أو طلبت منه تحويل المبلغ، مؤكدة أنه بادر من تلقاء نفسه بعرض الدعم المالي وأرسل الأموال إليها بإرادته.

وقالت إن مبلغ الـ 20 ألف دولار “حلال”، وإنها لم تجبره أو تطلب منه إرساله، محاولةً إبعاد نفسها عن الاتهامات التي رافقت انتشار القضية.

غير أن الجدل لم يتوقف عند موقف المؤثرة، بل تركز بصورة أكبر على هوية مرسل الأموال والفارق الهائل بين مبلغ التحويل والأوضاع المعيشية التي يعيشها الموظفون والمواطنون اليمنيون.

وتكشف الواقعة جانباً من صورة الانفصال بين بعض دوائر حكومة المرتزقة والواقع الذي يعيشه الشعب اليمني؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه تلك الحكومة عن أزمات مالية وعجز عن دفع المرتبات، تظهر مبالغ بعشرات آلاف الدولارات في إنفاق شخصي لأبناء مسؤولين.

ثمانية أعوام على مجزرة أطفال ضحيان.. جريمة تختصر سجل العدوان السعودي–الأمريكي المفتوح في اليمن

مجزرة أطفال ضحيان
مجزرة أطفال ضحيان

تحل الذكرى الثامنة لمجزرة أطفال ضحيان، فيما لا تزال صور الحافلة المدرسية المحترقة وحقائب الأطفال الملطخة بالدماء شاهداً حياً على واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها تحالف العدوان السعودي–الإماراتي، بدعم وتسليح أمريكي، بحق الشعب اليمني خلال سنوات الحرب والحصار.

لم تكن ضحيان جريمة معزولة أو خطأً عسكرياً عابراً كما حاول التحالف تصويرها لاحقاً، بل جاءت ضمن سلسلة طويلة من الغارات التي طالت الأسواق والمنازل والأعراس وصالات العزاء والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية، وحولت حياة ملايين اليمنيين إلى هدف دائم لطائرات التحالف وحصاره.

في صباح التاسع من أغسطس 2018، كانت حافلة تقل عشرات الأطفال المشاركين في مركز صيفي تمر عبر سوق مدينة ضحيان بمحافظة صعدة، قبل أن تستهدفها طائرة تابعة للتحالف بقنبلة موجهة، فتحولت الرحلة في لحظات إلى مجزرة مروعة تناثرت فيها أجساد الأطفال وحقائبهم بين ركام الحافلة والمحلات المجاورة.

ووفق إحصائية وزارة الصحة في صنعاء، أسفرت الجريمة عن استشهاد 51 مدنياً، بينهم 40 طفلاً، وإصابة 79 آخرين، بينهم 56 طفلاً، بإجمالي 130 شهيداً وجريحاً غالبيتهم من الأطفال.

وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر حينها أن أحد المستشفيات المدعومة منها في صعدة استقبل جثامين 29 طفلاً تقل أعمارهم عن 15 عاماً، إضافة إلى عشرات الجرحى، قبل أن ترتفع الحصيلة مع وصول المزيد من الضحايا.

والأكثر دلالة أن أداة الجريمة لم تكن مجهولة المصدر؛ إذ أظهرت بقايا السلاح المستخدم أنه قنبلة أمريكية موجهة بالليزر من طراز GBU-12 Paveway II، مبنية على قنبلة Mk-82 وتزن نحو 227 كيلوغراماً.

وكانت القنبلة جزءاً من منظومة التسليح الأمريكية التي تدفقت إلى السعودية خلال الحرب على اليمن، وهو ما جعل مجزرة ضحيان نموذجاً مكثفاً لشراكة العدوان: قرار سعودي، وطائرة للتحالف، وسلاح أمريكي، والهدف أطفال يمنيون.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تظهر فيها ذخائر أمريكية بين أنقاض المواقع المدنية في اليمن، إذ وثقت منظمات حقوقية العثور على أسلحة أمريكية الصنع في مواقع تعرضت لغارات التحالف، بما عزز الاتهامات لواشنطن بالمشاركة في توفير الغطاء والتسليح للحرب.

وعقب المجزرة، حاول متحدث التحالف تركي المالكي تبرير الهجوم والقول إن الحافلة كانت “هدفاً عسكرياً مشروعاً”، لكن حجم الجريمة وصور الضحايا الأطفال نسفت الرواية سريعاً وأثارت موجة غضب وإدانة واسعة.

وبعد أسابيع، اضطر فريق تقييم الحوادث التابع للتحالف إلى الاعتراف بأن الغارة كانت “غير مبررة” وأن أخطاء ارتكبت أثناء تنفيذها، مع الحديث عن اتخاذ إجراءات بحق المسؤولين وتعويض أسر الضحايا.

إلا أن تلك الوعود انتهت من دون كشف أسماء من أصدروا الأوامر أو نفذوا الضربة، ومن دون محاكمات شفافة أو تحقيق دولي مستقل، لتتحول آلية التحقيق التي شكلها التحالف إلى غطاء سياسي لاحتواء الفضيحة بدلاً من محاسبة مرتكبيها.

وهنا تلتقي ضحيان مع عشرات المجازر التي سبقتها وأعقبتها؛ ففي كل مرة كانت الغارات تسقط المدنيين، يعيد التحالف إنتاج الرواية ذاتها: إنكار أولي، ثم تبرير، ثم تحقيق داخلي، ثم طي الملف من دون عدالة.

وخلال سنوات العدوان، لم يقتصر استهداف اليمن على القصف المباشر، بل امتد إلى الحصار الجوي والبحري، وإغلاق مطار صنعاء، وعرقلة الموانئ، ومنع وصول الاحتياجات الأساسية، وتعطيل المرتبات، واستنزاف الاقتصاد ونهب الموارد والثروات السيادية، لتصبح الحرب العسكرية جزءاً من منظومة أوسع من الضغط على المجتمع اليمني بأكمله.

ولهذا لم تعد ضحيان في الذاكرة اليمنية مجرد اسم لمجزرة، بل تحولت إلى رمز لسجل كامل من الجرائم التي استهدفت الإنسان اليمني في حياته وأمنه وغذائه ودوائه وحقه في التنقل والعيش بكرامة.

كما كشفت الجريمة حجم الحماية السياسية التي تمتع بها التحالف، إذ لم تؤدِ الإدانات الدولية ولا المطالبات بالتحقيق إلى إنشاء مسار قضائي جاد يطال المسؤولين عن اتخاذ القرار أو الجهات التي زودت التحالف بالسلاح المستخدم.

وبينما بقي مرتكبو الجريمة خارج المحاسبة، واصل الشعب اليمني دفع ثمن الحرب والحصار، في وقت استمرت فيه القوى المحلية المرتبطة بالرياض وأبوظبي في توفير الغطاء السياسي والميداني لتحالف مسؤول عن واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ اليمن الحديث.

وبعد ثمانية أعوام، تبقى مجزرة أطفال ضحيان اختصاراً واضحاً لطبيعة تلك الحرب: أطفال في حافلة مدرسية، قنبلة أمريكية، طائرة تابعة للتحالف، قرار عسكري سعودي، ثم تحقيق بلا عقاب وعدالة مؤجلة.

وتبقى القضية بالنسبة لليمنيين أبعد من مجرد إحياء ذكرى؛ فهي ملف حقوقي وسيادي مفتوح يؤكد أن الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين، وما رافقها من حصار وتجويع وتدمير ونهب للثروات، لا يمكن إسقاطها بالزمن أو طيها بتسوية سياسية.

وهكذا تظل ضحيان شاهداً على أن جرائم تحالف العدوان السعودي–الأمريكي لم تكن أحداثاً منفصلة، بل مساراً متكاملاً استهدف اليمن أرضاً وإنساناً وسيادةً وثروة، وأن حق الضحايا في العدالة والمحاسبة والتعويض سيبقى قائماً مهما طال الزمن.

فدماء أطفال ضحيان ليست رقماً في أرشيف الحرب، بل دين في ذمة كل من خطط وأمر ونفذ وسلّح وموّل وغطّى العدوان على اليمن، وجرح مفتوح لن يغلقه إلا إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن جرائم السنوات الماضية.

حصاد القرارات المصيرية الخاطئة

على السعودية أن تدرك أن الدول والممالك حين تصل إلى أوج قوتها ومنعتها وعظمتها، فإن قراراً مصيرياً خاطئاً واحداً تتخذه في لحظة كبر أو غرور أو شعور بالعظمة قد يكون كفيلاً بإسقاطها نهائياً وإلى الأبد..

نابليون بونابرت ـ مثلاً ـ الذي اجتاح بجيوشه الشرقَ والغربَ، ودان له الشرقُ والغرب، كيف سقط..؟

سقط بقرار خاطئ أحمقَ وغير مدروس، وهو قرارُ غزو روسيا المترامية الأطراف..

وكذلك هتلر الذي اجتاح بقواته بولندا وهولندا وبلجيكا وفرنسا في فترة قياسية جداً، كيف سقط..؟

سقط أيضاً بقرار خاطئ أحمق واحد اتخذه في لحظة زهو وشعور بالعظمة، قرار غزو الاتحاد السوفيتي، ومتى..؟

في وقت كان يُفترَضُ أنه موقِّعٌ فيه على معاهدة عدم اعتداء مع ستالين، وقت كان الاتحادُ السوفيتي فيه من أهم المصادر المزوِّدة لألمانيا بالوقود والمواد الخام..

لكنه، ومع ذلك، أوقف فجأةً غزوَ «بريطانيا» التي كانت قد أعلنت مع فرنسـا الحربَ عليه مسبقاً، وذهب بلا سابق إنذار يغزو الاتّحادَ السوفيتي الذي لم يكن يشكّل عليه أي خطر أمني أو عسكري يذكر..

والنتيجة ماذا..؟

سقطت العاصمة برلين لاحقاً، وتقسمت ألمانيا، وانهار «الرايخ»، وانتحر «الفهرر» بمجرد وصول الجيش الأحمر ودخوله العاصمةَ برلين..!

وهكذا هو حالُ الدول والممالك التي تصلُ إلى أوج قوتها ومنعتها وعظمتها، لكنها تغتر بنفسها للدرجة التي تعمَى فيها عن اختيار واتخاذ القرارات الصائبة..

الأمر نفسه اليوم بالطبع ينطبق على السعودية أيضاً التي

وصل بها غرورها وزهوها وشعورها بالعظمة إلى أن تعمَى عن اختيار واتخـاذ القرار السليم والصائب في تعاملها وتعاطيها مع المِلف اليمني.

فبدلاً من أن تحتكم إلى العقل والمنطق الذي يقول بضرورة السير في اتجاه إغلاق هذا المِلف والعمل على معالجة القضايا الإنسانية الملحة بناءً على ما تضمنه اتفاق الهدنة وخفض التصعيد، ركبها غرورها، وذهبت في اتجاه تأجيج الوضع وتفجيره على أمل إخضاع وتركيع اليمن متجاهلة كل ما قد يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة وكارثية على أمنها القومي ومصالحها الإستراتيجية…!

وهذا بالطبع لا يشير إلا إلى أنها بهذا القرار الخاطئ قد وصلت إلى حالةٍ من التخبط التي لم تعد فيها قادرة على التمييز والاختيار..

وهذا إن دل على شيء؛ فإنما يدل على أنها تسير بنفسها في اتجاه كتابة آخر فصل من فصول تاريخها، وبالطريقة ذاتها التي سار عليها هتلر ونابليون من قبل..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالمنان السنبلي

هكذا تتعامل صنعاء مع خصومها!

تعتمد صنعاء سياسة ثابتة تقوم على عدم التهديد والوعيد، بل ترك الفصل والرد للميدان؛ إذ تحرص في تعاملها مع الخص وم -سواء في الداخل أو الخارج- على إقامة الحجة وتغليب منطق العقل والحكمة.

إن سياسة صنعاء تنبع من ثقافة إيمانية قرآنية ومسؤولية تهدف إلى حقن الدماء وتجنب الاقتتال الداخلي في الأمة؛ حيث تتقدم العقلانية والأخلاق الإيمانية في إدارة المواجهة.

ومع ذلك، فإن تجنب التصعيد لا يعني الضعف، هو تأكيد على أن معيار النصر الحقيقي يكمن في الميدان وشرعية القضية، إذ لا يمكن للقوة المالية أو العسكرية أن تحسم المعارك لمن يفتقر إلى القضية العادلة، بينما تكون العاقبة والتمكين لأصحاب الحق.

إن قرارات القيادة الثورية ممثلة بالسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي تتسم بالتأني والحصافة؛ إذ تنطلق من التوكل على الله وحماية الدم اليمني وصون السيادة الوطنية. لقد رُفضت كافة العروض والمساومات الخارجية المادية والسياسية للتراجع عن مساندة المستضعفين في غزة، انطلاقاً من المبدأ الإيماني الذي لا يشتري ولا يبيع في دماء الأحرار ولا يرهن القرار الوطني لأي أجندات أجنبية. فالروح الإيمانية والسيادة الوطنية ليست محلاً للمكاسب الدنيوية أو الشراء والبيع، والغاية الأساسية هي تحقيق الحرية والعزة والاستقلال التام لليمن.

التلاحم القيادي وثبات المسار

تتميز قيادة صنعاء بالتكامل والتلاحم بين مستوياتها الثورية والسياسية والعسكرية، حيث تسير بخطى واثقة نحو هدف مشروع يتمثل في تحرير الأرض، وحماية الإنسان، واستعادة الحقوق المسلوبة.

إن غاية السعي تكمن في فرض استقلال القرار السيادي اليمني وإبعاد التدخلات الخارجية، وهو حق مشروع يكفله الدستور والقوانين، ومبدأ أساسي من مبادئ الثورة الإيمانية.

إذن، يتأكد للجميع أن صنعاء ثابتة على مواقفها وأهدافها الاستراتيجية؛ فلا تراجع ولا تنازل عن تحقيق السيادة الوطنية الكاملة وإسناد قضايا الأمة، مهما بلغت التحديات والتبعات، مصداقاً لقوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحيى صالح الحَمامي

ورد الآن.. تفاصيل جديدة وخطيرة عن ضربة المخا: سقوط ضباط استخبارات سعوديون بقصف غرفة العمليات وانفجارات متواصلة حد اللحظة (تفاصيل كاملة)

تكشفت تفاصيل إضافية عن العملية العسكرية الواسعة التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية، الأحد، ضد التحشيدات ومخازن الأسلحة التابعة للعدو السعودي في مدينة المخا، مع ورود معلومات عن استهداف غرفة عمليات يشرف عليها ضباط استخبارات سعوديون وسقوط عدد منهم بين قتيل وجريح.

وأفادت مصادر طبية بأن عدداً من الضباط والجنود السعوديين نُقلوا إلى المستشفى السعودي الميداني في المخا عقب الضربات، وسط حديث عن استهداف مواقع وشقق كانت تستخدم لإقامة عناصر سعودية تعمل في إدارة ومتابعة العمليات العسكرية بالساحل الغربي.

وبحسب مصادر عسكرية خاصة، كانت تلك المواقع تُستخدم من قبل ضباط سعوديين للإشراف على غرفة عمليات مرتبطة بالفصائل المنتشرة في خطوط التماس، إلى جانب متابعة ترتيبات عسكرية تتصل بإعادة تنظيم ودمج التشكيلات الموالية للتحالف في الساحل الغربي.

ويأتي ذلك ضمن العملية التي أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذها باستخدام عدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ضد تحشيدات العدو السعودي ومخازن أسلحته في المخا، مؤكدة أن الضربات كانت دقيقة وأسفرت عن تدمير واسع في المعدات والأسلحة ومصرع وإصابة العشرات بينهم سعوديون.

وأكد البيان العسكري أن العملية جاءت رداً على استمرار السعودية في تحشيد أدواتها وتعزيزها بالأسلحة والمعدات ومواصلة الاعتداءات في الساحل الغربي وتعز، مشدداً على أن صنعاء ستواصل رصد وتتبع كل التحركات والتحشيدات السعودية واستهدافها بشكل مباشر.

وفي مؤشر على حجم ما أصاب المواقع المستهدفة، تواصلت الانفجارات داخل مدينة المخا لساعات بعد الضربة الأولى، فيما تحدثت تقارير إعلامية عن سماع نحو 21 انفجاراً في مناطق متفرقة من المدينة.

وأظهرت مقاطع متداولة تصاعد أعمدة الدخان واستمرار الانفجارات داخل مواقع قريبة من ميناء المخا، وسط ترجيحات بأن يكون جزء منها ناتجاً عن انفجار مخازن أسلحة وذخائر أصابتها الصواريخ والمسيّرات.

كما أشارت مشاهد متداولة إلى تطاير قذائف وذخائر بصورة عشوائية من بعض المواقع، وهو ما يعزز الروايات التي تتحدث عن إصابة مخازن عسكرية بصورة مباشرة.

وفي تطور آخر، ساد الغموض بشأن مصير قائد الفصائل المدعومة إماراتياً في الساحل الغربي طارق عفاش، وسط روايات متضاربة تحدثت عن تعرضه للإصابة، في حين لم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي يحسم وضعه.

وأكدت مصادر طبية، إصابة محافظ الحديدة الموالي لتحالف العدوان الحسن طاهر، ونقله للعلاج في المستشفى الميداني بالمخا، بينما تحدثت مصادر أخرى عن وجوده برفقة طارق صالح وقت إحدى الضربات.

وتكشف العملية، في مجملها، أن المخا لم تعد تمثل عمقاً آمناً لتحالف العدوان، بل باتت جزءاً من بنك الأهداف اليمني الذي يشمل غرف العمليات ومخازن الأسلحة والتحشيدات ومراكز القيادة والإمداد.

كما تؤكد الضربة استمرار النهج الاستباقي الذي اتبعته صنعاء خلال الأيام الماضية، بدءاً من الرويك والعبر والثنية والوديعة وصحن الجن، وصولاً إلى الساحل الغربي.

وتشير المعطيات الجديدة إلى أن عملية المخا لم تستهدف مجرد مخازن وآليات، بل طالت منظومة القيادة والإشراف السعودي المباشر داخل الساحل الغربي، وأوقعت خسائر بشرية في صفوف السعوديين، بالتوازي مع دمار واسع وانفجارات متواصلة داخل المواقع العسكرية المستهدفة.