بدأ الحظر البحري الذي فرضته صنعاء على الملاحة المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر وباب المندب يترك آثاراً مباشرة على حركة صادرات النفط السعودي، بعدما دفع عدداً من الناقلات والسفن التجارية إلى تغيير مساراتها، وأجبر الرياض على إعادة تقييم الطرق التي اعتمدت عليها سابقاً لتجاوز اضطرابات الخليج ومضيق هرمز.
ويشير مرصد “بقش” الاقتصادي إلى أن الأسواق الآسيوية باتت الوجهة الرئيسية للنفط السعودي، ما يجعل أي اضطراب في الممرات البحرية المؤدية إليها أكثر تأثيراً على حركة الصادرات وعوائدها. ومع دخول البحر الأحمر وباب المندب دائرة التهديد، لم تعد الرحلات من موانئ الساحل الغربي السعودي إلى آسيا قادرة على استخدام المسار الأقصر والمعتاد بالكلفة والمدة نفسيهما.
وبحسب التقرير، فإن نقل النفط من ميناء ينبع إلى تايوان عبر المسارات البديلة يرفع زمن الرحلة من نحو 19 يوماً إلى 48 يوماً، أي بزيادة تقارب شهراً كاملاً. كما ترتفع تكلفة الوقود للناقلة الواحدة من نحو 1.26 مليون دولار إلى 2.87 مليون دولار، فضلاً عن رسوم عبور قناة السويس التي تقارب مليون دولار، بما يضيف نحو 2.5 مليون دولار إلى تكلفة الرحلة الواحدة.
ولا تقتصر الخسائر على الزيادة المباشرة في الوقود والرسوم، إذ تؤدي الرحلات الأطول إلى انخفاض عدد الرحلات التي تستطيع كل ناقلة تنفيذها خلال العام، وارتفاع أجور الطواقم والتأمين والصيانة، إضافة إلى تأخير وصول الشحنات إلى المشترين ورفع مخاطر اضطراب العقود وسلاسل التوريد.
وكانت السعودية قد وسعت اعتمادها على البحر الأحمر وخط أنابيب الشرق–الغرب لنقل النفط إلى ميناء ينبع، في محاولة لتقليل تأثير تعطل الملاحة في الخليج. غير أن انتقال الضغط إلى باب المندب أعاد وضع هذا المسار البديل نفسه تحت الخطر، وحوّل البحر الأحمر من منفذ إنقاذ إلى جبهة جديدة تضغط على صادرات الطاقة السعودية.
وقد تدفع القيود التشغيلية في قناة السويس بعض الناقلات العملاقة إلى استخدام خط أنابيب “سوميد” الذي يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، إلا أن طاقته المقدرة بنحو 2.5 مليون برميل يومياً لا تكفي لاستيعاب كامل الصادرات السعودية التي تقترب من سبعة ملايين برميل يومياً، ما يعني أن البدائل المتاحة تظل محدودة وغير قادرة على تعويض المسار المباشر نحو آسيا.
وفي السياق ذاته، أكدت صحيفة “ذا هيل” الأمريكية أن تداعيات الحظر اليمني لن تقتصر على السعودية، بل ستتوسع لتشمل تجارة النفط العالمية، نظراً للأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وباب المندب باعتبارهما ممراً رئيسياً لحركة الخام والطاقة بين الخليج وآسيا وأوروبا.
وأشارت الصحيفة إلى أن آثار القرار بدأت تظهر فعلياً، مع تغيير ناقلات نفط وسفن تجارية مساراتها استجابة للتحذيرات اليمنية، وهو ما يفرض على شركات الشحن والمشترين إعادة حساب الكلفة والمخاطر قبل الاقتراب من الموانئ السعودية أو عبور المناطق المشمولة بالحظر.
وترى الصحيفة أن نجاح صنعاء في تهديد مسار الصادرات السعودية يضيف مستوى جديداً من المخاطر إلى أسواق الطاقة، ولا سيما أن نسبة كبيرة من النفط السعودي أصبحت تعتمد على مسارات البحر الأحمر بعد اضطراب مضيق هرمز. ومع تعطل هذا الخيار أيضاً، قد تواجه الأسواق نقصاً في الإمدادات أو تأخراً في وصولها، بما يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.
وأوضحت أن الغارات السعودية التي استهدفت مطار صنعاء الدولي شكلت الشرارة المباشرة للتصعيد، بعدما اعتبرتها صنعاء خرقاً واضحاً لمرحلة خفض التصعيد القائمة منذ عام 2022، وردت بنقل المواجهة إلى البحر وفرض معادلة “الحصار بالحصار” على الملاحة والمصالح السعودية.
ويكشف هذا التطور أن الحظر اليمني لم يعد مجرد تهديد عسكري، بل تحول إلى ضغط اقتصادي ولوجستي فعلي يمتد إلى التكاليف والتأمين ومسارات الشحن وقرارات المستوردين. فكل ناقلة تغير مسارها، وكل رحلة تطول، وكل وثيقة تأمين ترتفع كلفتها، تمثل جزءاً من الثمن الذي بدأت الرياض تدفعه نتيجة استمرار الحصار والعدوان على اليمن.
وفي المحصلة، يضع الحظر البحري اليمني السعودية أمام معضلة استراتيجية متصاعدة: مضيق هرمز يضغط على صادرات الشرق، وباب المندب يهدد البديل الغربي عبر ينبع والبحر الأحمر. ومع محدودية خط “سوميد” وطول طريق رأس الرجاء الصالح، تصبح الخيارات المتاحة أكثر كلفة وأبطأ وأقل قدرة على استيعاب كامل الصادرات.
وبذلك، لا تتوقف نتائج الحظر عند إطالة الرحلات أو إضافة ملايين الدولارات إلى كل شحنة، بل تمتد إلى إعادة رسم خريطة تجارة النفط السعودي، وإرباك الأسواق الآسيوية، ورفع المخاطر أمام إمدادات الطاقة العالمية، بما يؤكد أن استمرار الحصار على اليمن بات يرتد مباشرة على الاقتصاد السعودي وسلاسل النقل الدولية.









