كشفت مجزرة قرية تل غرب نابلس الوجه الحقيقي للمشروع الصهيوني في الضفة الغربية، حيث تحوّل دم أربعة فلسطينيين استشهدوا خلال تصديهم لاقتحام المستوطنين إلى ذريعة إسرائيلية جديدة لتوسيع الاستيطان، وفرض العقوبات الجماعية، ورفع منسوب التحريض الانتخابي داخل حكومة الاحتلال ومعارضته على حد سواء.
ولم تتوقف تداعيات المواجهة التي شهدتها القرية يوم الجمعة 24 يوليو 2026 عند استشهاد أربعة فلسطينيين ومقتل مستوطنين اثنين، بل سرعان ما استثمرتها حكومة بنيامين نتنياهو لتبرير موجة جديدة من القمع والاعتقالات والاستيطان، وتحويل الحدث إلى ورقة انتخابية يتنافس عبرها قادة اليمين الصهيوني على إظهار من هو الأكثر تطرفاً وعدوانية تجاه الفلسطينيين.
وحتى الرواية الأمنية للاحتلال الإسرائيلية أقرت بأن عشرات المستوطنين دخلوا محيط قرية تل من دون تنسيق مع جيش الاحتلال، وأن المواجهة اندلعت قرب مسجد القرية، بما يدحض محاولات تصوير ما جرى على أنه هجوم فلسطيني مخطط، ويؤكد أن الشرارة بدأت باقتحام استيطاني مسلح واستفزاز متعمد للسكان.
وأكدت تقارير عبرية أن الفلسطيني الذي واجه المستوطنين انتزع سلاح أحد عناصر الحراسة وأطلق النار عقب اندلاع المواجهات، في حين اعترف الجيش بأن الحادث لم يكن عملية منظمة، بل نتيجة مباشرة للاحتكاك الذي صنعته عصابات المستوطنين باقتحام القرية.
ووصف محللون إسرائيليون ما جرى بأنه حادث “كان يمكن منعه”، وحمّلوا المسؤولية لحكومة الاحتلال التي تسمح بالعنف اليهودي، ولشرطة توفر الغطاء للمستوطنين، ولجيش وجهاز “الشاباك” يترددان في مواجهة الجماعات الاستيطانية المسلحة.
كما خرجت تحذيرات من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها من أن الضفة الغربية باتت “على وشك الانفجار”، وأن سلوك المستوطنين تحول من اعتداءات فردية إلى “إرهاب يهودي” منظم، قادر على إشعال انتفاضة واسعة واستنزاف القوات الإسرائيلية التي تحمي البؤر والمزارع الاستيطانية.
وتكشف هذه الاعترافات أن المستوطن لم يعد عنصراً منفلتاً على هامش الدولة، بل أصبح أداة مركزية في تنفيذ مشروع الاحتلال، يتحرك تحت حماية الجيش، ويعتدي تحت غطاء الشرطة، ثم تتحول جرائمه إلى مبرر لاقتحام القرى واعتقال أبنائها ومصادرة أراضيها.
ورأت تحليلات عبرية أن ما انهار في قرية تل لم يكن الأمن الإسرائيلي، بل “ضبط النفس الفلسطيني” بعد سنوات من اقتحامات المستوطنين وحرق الممتلكات والاعتداء على المزارعين وسرقة الأراضي، في ظل حماية رسمية وتشجيع سياسي مباشر من وزراء حكومة الاحتلال.
وأكد فلسطينيون من القرية أن “حاجز الخوف انكسر”، وأن ما جرى لم يكن معزولاً عن الحملة الانتخابية التي يقودها نتنياهو ووزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، حيث يجري استخدام الدم الفلسطيني لتعزيز خطاب الانتقام والتوسع الاستيطاني.
وعقب المجزرة، شن المستوطنون موجة اعتداءات انتقامية شملت قرى وبلدات عدة، وأطلقوا النار وأحرقوا الممتلكات والمركبات وحتى شاحنة إطفاء، فيما عاد نحو عشرين مستوطناً إلى قرية تل، وأُقيمت أربع بؤر استيطانية جديدة قربها وفي محيط نابلس، بعضها داخل المنطقة المصنفة “ب”.
وفي المقابل، اقتحم جيش الاحتلال القرى الفلسطينية واعتقل أكثر من 70 فلسطينياً، واستجوب عشرات آخرين، في تطبيق واضح لمنظومة العقاب الجماعي التي تعاقب الضحية وتحمي المعتدي، وتحوّل اقتحامات المستوطنين إلى فرصة لتوسيع القبضة الأمنية على السكان.
وبينما سقط الفلسطينيون برصاص المستوطنين والجنود، تجاهل رئيس الاحتلال إسحاق هرتسوغ دماء الشهداء، واكتفى بتعزية عائلة المستوطنين والدعوة إلى منع ما سماه “انتصار الإرهاب”، من دون إدانة اقتحام القرية أو الاعتراف بمقتل أربعة فلسطينيين.
أما داخل المعسكر الحكومي، فقد تحولت المجزرة إلى حفلة تحريض علنية، إذ تعهد نتنياهو باستخدام القوة، وطالب بن غفير بتدمير المنازل بالطائرات وجرافات “دي 9”، فيما تصاعدت الدعوات إلى تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وتوسيع الاستيطان.
ولم تكن هذه الدعوات رد فعل طارئاً، بل جاءت في سياق مشروع استيطاني معد مسبقاً، يقوده سموتريتش تحت عنوان “خطة الحسم”، والتي تقوم على تفكيك التجمعات الفلسطينية، ومصادرة الأرض، وزرع المزارع والبؤر الاستيطانية، ودفع السكان إلى الرحيل القسري.
وتؤكد المعطيات الإسرائيلية وجود 19 مستوطنة جديدة، وأكثر من 80 بؤرة، و126 مزرعة استيطانية تحتاج إلى حماية عسكرية مستمرة، ما يحول الجيش الإسرائيلي إلى قوة حراسة لمشروع نهب منظم، ويستنزف وحداته التي جرى نقل بعضها من غزة ولبنان إلى الضفة.
ووصف ضباط إسرائيليون الضفة بأنها “قنبلة موقوتة”، محذرين من أن البؤر الاستيطانية العنيفة تعرقل السيطرة الميدانية وتدفع إلى احتكاكات متكررة قد تفتح جبهة جديدة في وقت يعاني فيه جيش الاحتلال من الاستنزاف.
كما حذر باحثون إسرائيليون من أن ما يسمى “ثورة سموتريتش الاستيطانية” تدفع نحو واقع انفجاري ودولة فصل عنصري واحدة، وتخلق مواجهة لا تنبع من بنى فلسطينية منظمة، بل من اقتحامات مقصودة تنفذها مجموعات المستوطنين لإجبار الفلسطينيين على الرحيل.
وتكشف الخلفية السياسية أن الاحتلال كان قد أقر إنشاء 22 مستوطنة جديدة، نصفها مستوطنات مستحدثة والنصف الآخر بؤر يجري شرعنتها، ضمن مسار يهدف إلى رفع عدد المستوطنات التي أقامتها الحكومة، وقطع التواصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية ودفن أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية.
وقبل مجزرة تل بيومين فقط، ثبّت سموتريتش ما يسمى “إدارة الاستيطان” كهيئة رسمية داخل وزارة الدفاع، ومدد ولاية المسؤولين عن التخطيط والأراضي، لضمان استمرار مشروع الضم والاستيطان حتى بعد الانتخابات، ما يؤكد أن الحادث استُخدم لتسريع خطة جاهزة، لا لصياغة رد أمني مؤقت.
ولم تكن المعارضة الصهيونية أكثر نزاهة، إذ تبنت قطاعات واسعة منها خطاب حكومة الاحتلال حول “مكافحة الإرهاب”، وتجنبت إدانة المستوطنين أو ذكر الشهداء الفلسطينيين الأربعة، في تأكيد أن الخلاف بين معسكرات الاحتلال لا يدور حول حقوق الفلسطينيين، بل حول كيفية إدارة المشروع الاستعماري وحمايته.
حتى بعض الأصوات الصهيونية الناقدة حذرت من أن نشر المزارع الاستيطانية وسط التجمعات الفلسطينية سيحول الاحتلال إلى كيان منبوذ، وأن “اللهيب سيطال الجميع”، لكنها بقيت أسيرة خطاب السيطرة الأمنية والكتل الاستيطانية الكبرى، ولم تقترب من جوهر الجريمة المتمثل في الاحتلال نفسه.
وتثبت مجزرة تل أن المستوطنين لا يعملون خارج كيان الاحتلال، بل في قلب مشروعه السياسي والعسكري؛ فالجيش يحرسهم، والشرطة تحميهم، والحكومة تشرعن بؤرهم، والإعلام يحول اعتداءاتهم إلى رواية أمنية، ثم تستخدم دماء الفلسطينيين في الحملات الانتخابية.
فكل قرية تُقتحم تتحول إلى هدف للعقاب، وكل شهيد فلسطيني يُمحى من الرواية، وكل مستوطن يُقتل يصبح ذريعة لبؤرة جديدة، بينما تتنافس الأحزاب الإسرائيلية على التحريض والانتقام وتوسيع الاستيطان.
وفي المحصلة، فإن ما جرى في تل لم يكن حادثاً عابراً، بل نموذجاً متكاملاً لسياسة الاحتلال: مستوطنون يقتحمون، فلسطينيون يدافعون عن أنفسهم، جيش يعاقب الضحايا، وحكومة تستثمر الدم في الانتخابات والضم والاستيطان.
وهكذا يتحول الدم الفلسطيني، في الحسابات الصهيونية، إلى وقود لصناديق الاقتراع ومادة لتوسيع المستوطنات، بينما تتجه الضفة الغربية نحو انفجار أكبر تصنعه إسرائيل بيدها، ويحرسه جيشها، ويباركه قادتها المتطرفون.









