الرئيسية بلوق الصفحة 143

أكاديميةُ الزَّيفِ والهلوسةِ الترامبية.. حينُ تُدارُ الحروبُ بعقلٍ مكسور

ترامب ونتنياهو

من وَهْمِ إسقاط طهران إلى مهزلةِ إسلام آباد:

في واحدةٍ من أكثر لحظات التاريخ السياسي المعاصر انحطاطا، استفاق العالمُ في فبراير/شباط 2026 على حربٍ أعلنت لا من غرفِ التخطيط الاستراتيجي، بل من غرفِ الهلوسة في عقل ترامب وشريكه نتنياهو.

حربٌ قُدِّمت على أنها خاطفة، محسومة، نهائية… فإذا بها تتحوّل إلى صفعةٍ مدوّية قلبت الطاولة، وكسرت الغرور، وفضحت هشاشة الإمبراطورية التي ظنّت أن التغريدة صارت بديلًا عن الواقع.

الردُّ الإيراني لم يكن مُجَـرّد فعلٍ عسكري، بل كسرٌ معرفيٌّ لمعادلة القوة.

أربعون يومًا من الاشتباك كشفت أن النار لا تُدار بالاستعراض، وأن الجغرافيا لا تُهزم بالتصريحات.

قدّمت طهران دمًا، لكنها احتفظت بقرارها، وبالطلقة الأخيرة، وبمعنى السيادة في زمن الانبطاح.

ثم جاءت الاستراحة.. لا هدنةَ عقلٍ، بل استراحةَ كذب، أطلق عليها زورًا اسم دبلوماسية، في إسلام آباد.

وما جرى هناك لم يكن تفاوضًا، بل فصلًا إضافيًّا من مسرحية أمريكية هابطة.

ما نواجهه اليوم ليس صراع جيوش، بل منظومةَ تضليلٍ كاملة؛ أكاديميةً قائمة بذاتها، تُدرّس الزيف، وتُخرّج الأوهام، ويقودها خطابٌ ترامبيٌّ منفصلٌ عن الواقع كما ينفصل الهذيان عن الوعي.

كذبٌ بلا سقف.. وتناقضٌ بلا خجل

لم يعد خطابُ ترامب كاذبًا فحسب، بل صار فضيحةً لغوية وسياسية.

 قال في مارس إنه «قضى على النظام الإيراني»، ثم عاد ليزعم أن قادة طهران «يتوسلونه».

وبعد أَيَّـام، هدّد بإفناء حضارةٍ كاملة «في ليلة واحدة».

هذا ليس خطابَ رئيس، بل نوباتُ هذيانٍ علنيّة تُبثّ على شاشات العالم.

المضيق: من نصرٍ وهمي إلى عجزٍ فاضح

تباهى بأن الملاحة عادت، وأن البحرية الإيرانية انتهت، بينما عجز عن تمرير سفينةٍ واحدة من أساطيله.

 هدّد بمحو إيران إن لم تفتح المضيق، ثم ارتدّ إلى الخلف ليعلن حصارًا بحريًّا.

 هذا ليس تناقضًا سياسيًّا؛ هذا ارتباك مهزومٍ يحاول تغطية الفشل بالضجيج.

المفاوض الوهمي.. والحديث مع الأشباح

ادّعى محادثاتٍ سرّية ناجحة مع «شخصياتٍ إيرانية رفيعة»، ليتبيّن أن واشنطن كانت تفاوض الفراغ، وتحاور ظلالًا، وتحاول شقّ الصف الإيراني بأدوات بالية لم تعد تخدع أحدًا.

إسلام آباد: قمةُ الكذب الدبلوماسي

اجتمعوا 21 ساعة، خرجوا بلا ورقة، بلا توقيع، بلا إنجاز.

ومع ذلك أعلن ترامب «نصرًا دبلوماسيًا».

ثم بلغ العبث ذروته حين زعم أن إيران ستسلّمه اليورانيوم، وتغلق برنامجها النووي، وتفتح المضيق، ولم يتبقَّ سوى أن يذهب لتوقيع الاتّفاق!

بينما الواقع يقول بوضوح: ترامب يعيش في فقاعة، والعالم يشاهد الانهيار بثًّا مباشرًا.

الخطر الحقيقي: تطبيع الكذب

المأساة ليست في الحرب وحدها، بل في تحويل الكذب إلى سياسة رسمية.

حين تُدار الأزمات النووية بعقلية «تلفزيون الواقع»، يصبح الدم مادةً دعائية، وتغدو الشعوب وقودًا لطموحاتٍ انتخابية مريضة.

الحقيقة القاطعة:

الهلوسة الترامبية لا تُنهي حربًا ولا تصنع سلامًا.

إنها فقط تُخفي الغرق بالصراخ.

 و«اتّفاق إسلام آباد» ليس إلا فاصلًا إعلانيًّا لجولةٍ أكثر وحشية، قد لا ينجو العالم من ارتداداتها.

ما بين نار فبراير ومهزلة التفاوض، تَسقُطُ العنتريات، وتنهار الأقنعة.

الشرق الأوسط يدخل طورًا جديدًا تُرسم فيه الجغرافيا بالإرادَة لا بالتهديد، وبالوقائع لا بالهلوسة.

العالم لم يعد يضحك من ترامب.. بل ينتظر نهاية العرض، وسقوط الستار، وبداية زمنٍ تُدار فيه السياسة بعقلٍ حيّ، لا بعقلٍ يهذي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

طوفان الجنيد

الحرس الثوري يلوّح بـ”حرب عالمية”: إذا استؤنف العدوان فسنطلق صواريخ ومسيّرات إنتاج 2026

ضربات دقيقة تُصيب العمق الإسرائيلي: أهم المواقع الحساسة التي استهدفتها الصواريخ الإيرانية

في تصعيد لافت في الخطاب الإيراني، أعاد مستشار قائد حرس الثورة الإسلامية العميد محمد رضا نقدي رسم سقف المواجهة المحتملة مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، محذراً من أن الحرب الحالية قد تتحول إلى حرب عالمية إذا استمرت، ومؤكداً أن إيران لا تتحدث من موقع الدفاع المرتبك، بل من موقع الجهوزية الكاملة والتصعيد المحسوب. وقال نقدي بوضوح إن استئناف الحرب سيقابَل بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة تاريخ إنتاجها يناير 2026، في رسالة مباشرة مفادها أن خطوط التسليح والتطوير العسكري الإيراني لم تتوقف، وأن أي جولة مقبلة لن تُدار بمخزون قديم أو بردود محدودة، بل بقدرات متجددة أُعدّت لهذه المرحلة وما بعدها.

ويكشف هذا التصريح أن طهران تريد تثبيت معادلة جديدة عنوانها أن التهديد بالحرب لن ينتزع منها التنازلات، وأن أي رهان أمريكي إسرائيلي على استنزاف الوقت أو الضغط البحري أو التفاوض القسري سيصطدم بحقيقة أن إيران ما تزال تنتج، وتطوّر، وتراكم أوراق القوة. ولهذا لم يكتفِ نقدي بالتحذير من اتساع الحرب، بل سخر أيضاً من الرواية الأمريكية التي زعمت تحييد القوة البحرية الإيرانية، متسائلاً: إذا كان الأعداء قد قضوا على القوة البحرية الإيرانية كما يزعمون، فلماذا لا يستطيعون فتح مضيق هرمز؟. وبذلك، حوّل ملف هرمز من مجرد ممر بحري متنازع عليه إلى دليل ميداني على عجز الخصم عن ترجمة دعايته إلى وقائع عملية.

بدوره، رسم المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الصورة الكاملة لمسار الهدنة والتفاوض والاشتباك البحري، مؤكداً أن من بين الشروط الأساسية لقبول إيران وقف إطلاق نار مؤقتاً وقف النار في جميع الجبهات بما في ذلك لبنان، وأن العدو الصهيوني انتهك الاتفاق منذ البداية بعدوانه على لبنان وحزب الله. وأوضح المجلس أن إصرار الجمهورية الإسلامية هو الذي دفع الكيان الصهيوني إلى القبول بوقف إطلاق النار في لبنان، وأن التفاهم نصّ على أنه في حال التزام العدو بوقف إطلاق النار في جميع الجبهات، يتم فتح مضيق هرمز بشكل مؤقت وحتى نهاية فترة الهدنة، على أن يقتصر العبور على السفن التجارية فقط دون العسكرية، مع منع مرور السفن غير العسكرية التابعة للدول المعادية، وبما يجعل عملية المرور تحت رقابة وترخيص القوات المسلحة الإيرانية، ومن خلال المسارات التي تحددها إيران وبشكل مشروط.

وكشف المجلس أن رسائل وطلبات الأميركيين لوقف إطلاق النار بدأت منذ اليوم العاشر للحرب بعد هزيمة الأعداء ميدانياً، مضيفاً أن إيران وافقت في اليوم الأربعين على التفاوض بعد قبول ترامب البنود العشرة. وأشار إلى أن المفاوضات استمرت 21 ساعة دون انقطاع، وأن الوفد الإيراني طرح مطالبه في ذروة انعدام الثقة بأمريكا، لكن العدو ــ رغم قبوله المسبق بالعمل وفق المواد العشر ــ عاد إلى طرح مطالب اتسمت بالغطرسة، وهو ما قوبل بموقف حازم من الوفد الإيراني، حتى أدرك الطرف الآخر أن طهران لن تقدم تنازلات. ونتيجة لذلك، انتهت المرحلة الأولى من المفاوضات من دون نتيجة محددة، وتم إرجاء المسار التفاوضي إلى وقت يتخلى فيه العدو عن أطماعه ويعيد صياغة مطالبه وفقاً لواقع الميدان لا وفق أوهامه السياسية.

أما نائب الرئيس الإيراني محمد رضا عارف، فقد أكد أن سياسات ترامب ليست سوى مزيج من الأوهام والخطابات المتناقضة، وأن تغريداته لا قيمة لها أمام ما أسماه “عظمة الميدان”. واعتبر أن كسر الحصار البحري المزعوم، إلى جانب القفزة النوعية في صادرات النفط بمقدار يصل إلى ثلاثة أضعاف، يمثلان خير دليل على انتصار إيران الحاسم، مشدداً على أن اقتدار هذه الأمة لن يخدشه الهذيان، وأن الرد الإيراني الحقيقي لا يُقاس بالكلمات بل بما يفرضه الواقع الميداني في البحر والاقتصاد والسياسة.

وفي السياق نفسه، أوضح مساعد الرئيس الإيراني للعلاقات العامة مهدي طباطبائي أن طهران أتاحت المرور المشروط عبر مضيق هرمز لإثبات حسن نواياها وسعيها للسلام، إلا أن نكث العهد مجدداً واستغلال هذا التسامح الإيراني الكبير لأغراض دعائية هو الذي أدى إلى إغلاق المضيق مرة أخرى. وأضاف أن التاريخ أثبت أن إيران، بقدر ما هي أهل سلام، فإنها تملك أيضاً القدرة على إعادة الطواغيت إلى حجمهم الطبيعي، في إشارة إلى أن الصبر الإيراني لا يعني التراجع، وأن ضبط النفس لا يلغي القدرة على الرد.

وفي وقت سابق، كان مقر خاتم الأنبياء قد أعلن أن إيران وافقت، بناء على التفاهمات السابقة، على مرور عدد محدود من ناقلات النفط والسفن التجارية عبر مضيق هرمز، لكنه اتهم الولايات المتحدة بأنها واصلت خروقاتها المتكررة ولا تزال تمارس القرصنة البحرية تحت مسمى “الحصار”، مؤكداً أن مضيق هرمز سيبقى ضمن إدارة القوات المسلحة الإيرانية وتحت رقابة مشددة، وهو ما ينسجم مع الخط العام الذي بات يحكم هذا الملف: لا عبور حراً خارج الشروط الإيرانية، ولا إدارة دولية للمضيق خارج السيادة الميدانية التي فرضتها طهران.

وتعززت هذه الصورة مع ما نقلته وكالة فارس الإيرانية عن مواقع تتبع السفن، والتي أظهرت أن خمس ناقلات نفط خاضعة لعقوبات أمريكية عبرت مضيق هرمز، في إشارة مباشرة إلى أن الحصار البحري الأمريكي المزعوم لم ينجح في شل الحركة المرتبطة بإيران. وترافق ذلك مع تصريح النائب الأول للرئيس الإيراني بأن إدارة مضيق هرمز بيد إيران، وأن طهران إما أن تُمنح حقها على طاولة التفاوض أو تنتزعه في الميدان، وهو تصريح يلخص بوضوح كيف تنظر الجمهورية الإسلامية إلى هذا المضيق: ورقة سيادية وميدانية في آن واحد.

واللافت أن الرواية الإيرانية لم تعد وحدها من يقر بهذه الحقيقة، إذ نقلت فوكس نيوز عن مسؤول استخباراتي أن مضيق هرمز يخضع بالكامل لسيطرة الحرس الثوري الإيراني، وأنه مغلق فعلياً الآن، في اعتراف يكشف أن القرار البحري في هذا الممر الاستراتيجي لم يعد أمريكياً كما أرادت واشنطن أن توهم العالم، بل بات محكوماً بميزان الردع الإيراني وبالضوابط التي تفرضها طهران وفقاً لتقديرها للميدان والالتزام السياسي للخصوم.

وفي المحصلة، فإن المشهد الذي تقدمه طهران اليوم واضح وحاسم: وقف النار المؤقت كان مشروطاً، وفتح هرمز كان مشروطاً، والتفاوض نفسه بات مشروطاً. وكل هذه الملفات باتت مرتبطة بعامل واحد هو مدى التزام العدو بما تم الاتفاق عليه، وتخليه عن الغطرسة والخروقات والقرصنة البحرية. ومن هنا، تبدو الرسالة الإيرانية شديدة الوضوح: هرمز ليس ممراً مفتوحاً بقرار أمريكي، بل ورقة قوة بيد الجمهورية الإسلامية، والتفاوض لن يتقدم ما لم يعترف الطرف الآخر بأن ما فشل في انتزاعه بالحرب لن ينتزعه بالابتزاز ولا بالخداع السياسي.

البحر الأحمر على حافة الاشتعال.. تلميح يمني باستهداف موانئ سعودية كبرى مع وصول “جيرالد فورد”

البحر الأحمر على حافة الاشتعال.. تلميح يمني باستهداف موانئ سعودية كبرى مع وصول "جيرالد فورد"

عاد البحر الأحمر، السبت، إلى واجهة التوتر الإقليمي على وقع مؤشرات متسارعة تنذر بمرحلة أكثر حساسية، مع إعلان أمريكي عن وصول حاملة الطائرات “جيرالد فورد” إلى مسرح العمليات برفقة بارجتين، في خطوة تعكس إصرار واشنطن على إعادة ضخ القوة العسكرية في واحد من أكثر الممرات اشتعالًا، رغم الإخفاقات السابقة التي رافقت حضور الحاملة نفسها في المنطقة.

وفي موازاة هذا التحرك، برز تلميح يمني لافت حمل أبعادًا عسكرية وسياسية واضحة، مع إثارة احتمال انتقال المواجهة إلى الموانئ السعودية الكبرى على البحر الأحمر، وعلى رأسها ينبع ونيوم، في حال استمر توظيف الجغرافيا السعودية لخدمة التحركات العسكرية الأمريكية. وجاء هذا التلميح عبر ما طرحه حزام الأسد، عضو المكتب السياسي لأنصار الله، حين تساءل عمّا إذا كانت “المصالح الأمريكية في ينبع ونيوم ستتحول إلى مواجهة مقبلة بين الجمهورية الإسلامية ومحور إبستين”، في إشارة مباشرة إلى التحالف الأمريكي – الإسرائيلي – الخليجي.

ويكتسب هذا التلميح أهميته من توقيته، إذ جاء عشية تأكيد أمريكي، نقلته وكالة أسوشيتد برس عن مسؤول أمريكي، بدخول “جيرالد فورد” إلى البحر الأحمر، وهي عودة تحمل دلالة خاصة، كونها المرة الثانية التي تعاود فيها الحاملة انتشارها في هذه المياه منذ اندلاع الحرب على إيران أواخر فبراير الماضي. وهذا يعني أن واشنطن لا تعود إلى منطقة هادئة، بل إلى مسرح مشبع بالرسائل النارية والتهديدات المتبادلة، وفي بيئة إقليمية باتت أكثر استعدادًا لتوسيع نطاق الاشتباك.

وتستحضر عودة الحاملة أيضًا مشهد الانسحاب السابق الذي اضطرّت إليه بعد أسابيع من انتشارها الشهر الماضي، حين غادرت البحر الأحمر وسط تلميحات إيرانية إلى تلقيها رسائل من اليمن عقب اندلاع حريق ضخم على متنها، وهو الحادث الذي دفعها إلى المغادرة، رغم محاولة البحرية الأمريكية آنذاك تقديم الأمر على أنه انسحاب لأغراض الصيانة. إلا أن عودتها اليوم تعني أن واشنطن تريد إعادة اختبار ميزان الردع في البحر الأحمر، في لحظة تبدو فيها الأطراف المقابلة أكثر جاهزية لرسم خطوط اشتباك جديدة.

ويعكس التلميح اليمني الأخير أن المعادلة لم تعد محصورة في اعتراض السفن أو تهديد الملاحة فقط، بل قد تتطور نحو استهداف البنية الحيوية المرتبطة بالحضور الأمريكي على الضفة المقابلة من البحر الأحمر، بما في ذلك الموانئ والمنشآت ذات الصلة بالتمركز أو الإسناد اللوجستي. وهذا تطور، إن تحقق، يعني أن الساحل السعودي الغربي قد يدخل مباشرة دائرة النار، لا بوصفه ساحة جانبية، بل كجزء من بيئة الدعم والتحرك العسكري الأمريكي في المنطقة.

وتأتي هذه المؤشرات في ظل فشل الهدنة في إيران وعودة المواجهات إلى لبنان، ما يجعل البحر الأحمر مرشحًا لأن يتحول مجددًا إلى ساحة اشتباك مفتوحة بين محورين: محور يسعى إلى تثبيت الهيمنة عبر حاملات الطائرات والقواعد والأساطيل، ومحور يقول بوضوح إن الرد لن يبقى محصورًا في الجبهة التقليدية، وإن كلفة الانخراط في العدوان ستطال المصالح والممرات والمنشآت الحيوية.

وبذلك، فإن وصول “جيرالد فورد” لا يبدو خطوة ردع بقدر ما يبدو مغامرة جديدة في مياه ملغومة سياسيًا وعسكريًا، بينما يحمل التلميح اليمني رسالة واضحة مفادها أن البحر الأحمر لم يعد فضاءً آمنًا للبوارج الأمريكية، وأن الموانئ التي تفتح أبوابها لهذا الحضور قد تصبح أهدافًا في أي جولة مقبلة. وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن المنطقة تقف أمام مرحلة بحرية أكثر خطورة، قد يتحول فيها أي تموضع أمريكي جديد إلى شرارة مواجهة أوسع تمتد من سطح البحر إلى عمق الموانئ والسواحل.

صنعاء ترفع السقف: الوجود الإسرائيلي في “أرض الصومال” خط أحمر.. وأي تموضع سيتم مواجهته

صنعاء ترفع السقف: الوجود الإسرائيلي في "أرض الصومال" خط أحمر.. وأي تموضع سيتم مواجهته

في موقف سياسي حازم يحمل أبعاداً أمنية وإقليمية واسعة، جدّدت وزارة الخارجية والمغتربين في صنعاء التأكيد أن أي تواجد لكيان العدو الإسرائيلي في إقليم أرض الصومال يُعد “خطاً أحمر”، وأن هذا المسار لن يُقبل به وسيتم مواجهته، في تحذير واضح من تداعيات محاولات العدو الإسرائيلي التمدد في واحدة من أكثر المناطق حساسية على مستوى البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الإفريقي.

وقالت الوزارة، في بيانها، إن الخطوة الإسرائيلية الأخيرة والمتمثلة في تعيين سفير للكيان في مدينة هرجيسا تمثل “انتهاكاً صارخاً وسافراً للقانون الدولي، ولسيادة الصومال واستقلاله ووحدة أراضيه”، معتبرة أن هذا التحرك يكشف بوضوح طبيعة المخطط الإسرائيلي الهادف إلى التغلغل في الصومال وتحويل بعض مناطقه إلى منصات تخدم أجندته المعادية ضد دول المنطقة.

وأكد البيان أن المساعي الإسرائيلية الرامية إلى جعل إقليم أرض الصومال منطلقاً لأنشطة كيان العدو ضد الصومال ودول الجوار “لن يكتب لها النجاح”، مشدداً على أن هذا الحضور لا يمكن التعامل معه كتحرك دبلوماسي عادي، بل باعتباره اختراقاً أمنياً وسياسياً خطيراً يهدد التوازنات القائمة في منطقة شديدة الحساسية جغرافياً واستراتيجياً.

وربطت صنعاء بين هذا التمدد الإسرائيلي وبين تهديد مباشر لأمن البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الإفريقي، موضحة أن أي موطئ قدم للعدو في هذه الجغرافيا يعني عملياً توسيع دائرة التهديد للملاحة الدولية والتجارة العالمية، ومحاولة فرض واقع جديد في ممرات بحرية تعد من الأهم على مستوى العالم.

وفي لهجة تحذيرية واضحة، شددت الخارجية على أن التواجد الإسرائيلي في الصومال لا يستهدف الداخل الصومالي وحده، بل يندرج ضمن مخطط صهيوني أوسع يسعى إلى تطويق المنطقة، والتمدد في محيطها البحري، وإيجاد نقاط ارتكاز تخدم أنشطة العدو الاستخباراتية والعسكرية والأمنية. ومن هنا، فإن الموقف الصادر عن صنعاء يعكس قناعة بأن المسألة ليست شأناً صومالياً داخلياً فقط، بل قضية أمن إقليمي وقومي تمس اليمن ودول المنطقة بشكل مباشر.

ودعت الوزارة الدول المطلة على البحر الأحمر وكافة الدول العربية والإسلامية إلى اتخاذ خطوات جادة لمواجهة المخططات الصهيونية في الصومال، وعدم التعامل معها ببرود أو تجاهل، لأن تركها تتقدم سيعني فتح الباب أمام تحولات أخطر في معادلة الأمن البحري والإقليمي. كما جددت التأكيد على موقف اليمن الثابت في دعم الشعب الصومالي ووحدة أراضيه وأمنه واستقراره، ورفض أي محاولات لاستغلال وضعه الداخلي لصالح مشاريع خارجية معادية.

ويحمل هذا البيان في مضمونه رسالة مزدوجة: الأولى أن صنعاء تنظر إلى القرن الإفريقي والضفة المقابلة للبحر الأحمر باعتبارهما جزءاً من دائرة الأمن الحيوي للمنطقة، والثانية أن أي تحرك لكيان العدو الإسرائيلي في هذه المساحة لن يمر باعتباره أمراً واقعاً، بل سيُواجَه بموقف سياسي وعسكري صلب وتحذير واضح من تبعاته.

هرمز تحت القبضة الإيرانية.. طهران تُجمّد التفاوض وتربط فتح المضيق بوقف القرصنة الأمريكية

هرمز على فوهة الانفجار.. طهران تلوّح برد عسكري "غير مسبوق" إذا استمر الحصار وواشنطن تتجه إلى حصار بحري طويل لخنق إيران

في تطور سياسي وعسكري لافت، رسمت طهران، اليوم، معالم موقف جديد أكثر صرامة في ملف مضيق هرمز ومسار التفاوض مع واشنطن، مؤكدة أن حرية الملاحة من وإلى إيران لم تعد ملفاً منفصلاً عن السلوك الأمريكي العدواني، وأن أي حديث عن جولة تفاوض جديدة أو عودة كاملة لحركة العبور يمر أولاً عبر إنهاء الحصار البحري الأمريكي والالتزام الفعلي بشروط وقف إطلاق النار.

ووفق التصريحات الصادرة عن مقر خاتم الأنبياء، فإن إيران وافقت، بناء على التفاهمات السابقة، على مرور عدد محدود من ناقلات النفط والسفن التجارية عبر مضيق هرمز، في خطوة توحي بأنها لا تزال تترك هامشاً فنياً محدوداً لحركة العبور، لكنها في الوقت نفسه أبقت على السيطرة الكاملة والرقابة المشددة على المضيق، مؤكدة أن الوضع سيظل كذلك حتى تلتزم الولايات المتحدة بحرية الملاحة الكاملة من وإلى إيران. وفي المقابل، اتهمت طهران واشنطن بأنها واصلت خروقاتها المتكررة، وبأنها ما تزال تمارس القرصنة البحرية تحت مسمى “الحصار”.

هذا الموقف الإيراني لم يأتِ بصيغة دبلوماسية ناعمة، بل رافقته لهجة سياسية وعسكرية حادة. فقد قال رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني إبراهيم عزيزي مخاطباً الأمريكيين: “حذرناكم لكنكم لم تنتبهوا، الآن استمتعوا بعودة وضع مضيق هرمز إلى ما كان عليه سابقاً”، في رسالة واضحة مفادها أن طهران تعتبر ما يجري اليوم نتيجة مباشرة لتجاهل واشنطن للتحذيرات السابقة، وأن العودة إلى الوضع الطبيعي في المضيق لم تعد قراراً أمريكياً أو دولياً أحادياً، بل باتت مرتبطة بالإرادة الإيرانية وشروطها.

وفي السياق نفسه، أكدت قيادة القوة البحرية في حرس الثورة أن وضع مضيق هرمز سيبقى على حاله السابق ما دامت حركة السفن من وإلى إيران مهددة، مضيفة أن كل خرق للعهود من قبل الولايات المتحدة سيقابل برد مناسب. وبهذا، تبدو طهران وكأنها تنتقل من مرحلة التحذير السياسي إلى مرحلة تثبيت معادلة ردع بحرية قائمة على مبدأ بسيط وحاسم: إذا ظلت السفن الإيرانية تحت التهديد، فلن تكون الملاحة في هرمز مفتوحة على النحو الذي تريده واشنطن.

أما على مستوى التفاوض، فقد كشفت وكالة تسنيم أن إيران لم توافق على الجولة المقبلة من المفاوضات بسبب إعلان ترامب الحصار البحري على إيران، وأنها أبلغت المسؤولين الأمريكيين بموقفها عبر الوسيط الباكستاني. لاحقاً، جاء تصريح نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده ليؤكد هذا الاتجاه، إذ قال إن تحديد موعد الجولة المقبلة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة مرتبط أولاً بالتوصل إلى اتفاق بشأن إطار تفاهم، مضيفاً أن واشنطن إذا كانت تريد رؤية مضيق هرمز مفتوحاً مجدداً فعليها أن تتخلى عن نهجها العدواني، ومحذراً من أنه إذا واصلت انتهاك شروط وقف إطلاق النار وعدم احترام الوعود فستكون لذلك عواقب.

وهكذا، فإن الرسالة الإيرانية في هذا الملف أصبحت مزدوجة وواضحة: لا تفاوض تحت الحصار، ولا فتح كاملاً للمضيق تحت التهديد. طهران لا ترفض المسار السياسي من حيث المبدأ، لكنها ترفض أن يتحول إلى غطاء لابتزازها بحرياً وعسكرياً، وتربط أي تقدم تفاوضي بحد أدنى من الالتزام الأمريكي العملي لا بمجرد الوعود أو الوساطات.

بالتوازي مع هذا التشدد السياسي، حمل يوم الجيش الإيراني زخماً رمزياً وعسكرياً واضحاً. فقد أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن الجيش يبرهن دائماً على حقيقة قوة الشعب الإيراني وتفانيه، وأنه أثبت أن هذا الشعب لن يخضع أبداً للتهديدات وسيظل حتى آخر نفس يدافع عن استقلال وأمن وكرامة الوطن. كما شدد السيد مجتبى خامنئي، في رسالته بالمناسبة، على ضرورة متابعة تطوير القدرات المتنوعة للجيش بشكل مضاعف، مؤكداً أن الجيش الإيراني يدافع ببسالة عن الأرض والراية، ويقف في صفوف متراصة مع سائر المجاهدين في القوات المسلحة، وأن القوة البحرية الإيرانية على أهبة الاستعداد لتذيق الأعداء مرارة هزائم جديدة.

هذه الإشارات العسكرية لم تكن منفصلة عن ملف هرمز، بل جاءت لتمنح الموقف السياسي غطاءً ردعياً مباشراً. فطهران تريد أن تقول إن المضيق لا يُدار فقط بقرارات التفاوض، بل أيضاً بجهوزية السلاح، وإن أي رهان أمريكي على كسر الإرادة الإيرانية عبر الضغط البحري أو التهديدات المتدرجة سيصطدم بواقع مختلف: إيران تمسك بالمضيق سياسياً وعسكرياً، وتتحكم بإيقاع التهدئة والتصعيد وفقاً لمدى التزام الطرف الآخر.

في الخلاصة، تكشف مستجدات اليوم أن هرمز ما يزال تحت القبضة الإيرانية المشددة، وأن طهران قررت تعليق الانتقال إلى جولة تفاوض جديدة إلى أن تتضح قواعد اللعبة المقبلة. فالمشكلة بالنسبة لإيران لم تعد فقط في مضمون التفاهمات، بل في سلوك واشنطن نفسه: حصار من جهة، وخروقات من جهة أخرى، وحديث عن تفاوض من جهة ثالثة. ومن هنا، فإن الموقف الإيراني يبدو حاسماً: إما تفاهم واضح يوقف القرصنة الأمريكية ويحترم حرية الملاحة من وإلى إيران، أو استمرار الوضع الحالي في المضيق بكل ما يحمله من ضغط وتعقيد ورسائل ردع.

مسيرات بالعاصمة صنعاء والمحافظات تؤكد ثبات صنعاء: لا تراجع عن وحدة الساحات واستعداد كامل لأي جولة مقبلة

جدّدت مسيرات “ساحاتنا واحدة.. مع فلسطين ضد الطغيان ولن نترك لبنان” التأكيد على أن الموقف الشعبي والرسمي في صنعاء ما يزال ثابتاً في حمل راية الجهاد، وأن قضية الأمة المركزية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، ستبقى في صدارة الأولويات مهما تعاظمت الضغوط أو تبدلت مسارات المواجهة.

وأكد بيان المسيرات أن اليمن لن يتخلى عن فلسطين ولبنان ولا عن بقية جبهات محور الجهاد والمقاومة، مشدداً على الالتزام الصريح بمعادلة وحدة الساحات بوصفها الإطار الجامع لمواجهة العدوان والمخططات التي تستهدف شعوب المنطقة ومقدساتها. ووفق البيان، فإن هذا الموقف لا يندرج في إطار التضامن المعنوي فقط، بل يعكس ثباتاً عملياً واستعداداً متواصلاً لمواكبة أي تطورات ميدانية أو سياسية في المرحلة المقبلة.

وفي البعد السياسي، عبّر البيان عن رفض قاطع لما يسمى “تغيير الشرق الأوسط”، معتبراً أن هذا الشعار ليس سوى مظلة لمشروع أوسع يستهدف فرض وقائع جديدة على حساب شعوب المنطقة، وفي قلبها مخطط “إسرائيل الكبرى”. وأوضح أن اليمن يتعامل مع هذه المرحلة باعتبارها محطة مفصلية تستوجب الاستعداد الكامل للجولة القادمة من الصراع مع الأعداء، وعدم السماح بتمرير مشاريع التفكيك والهيمنة تحت أي عنوان.

كما توقف البيان عند التطورات في جبهة جنوب لبنان، مباركاً ما وصفه بـ بطولات حزب الله، ولا سيما في بنت جبيل، ومعتبراً أن ما جرى هناك يمثل ضربة موجعة للعدو الإسرائيلي وكسرًا لاندفاعته في واحدة من أكثر ساحات المواجهة حساسية. ويكشف هذا التركيز على بنت جبيل أن المسيرات أرادت توجيه رسالة واضحة مفادها أن جبهة لبنان ليست معزولة عن بقية الجبهات، وأن ما يتحقق فيها يُقرأ ضمن معركة واحدة مترابطة تمتد من فلسطين إلى لبنان واليمن.

وفي السياق ذاته، شدد البيان على أن اليمن شعباً وجيشاً يقف على أتم الاستعداد خلف قائد الثورة لكل الخيارات والتطورات المحتملة، في إشارة إلى أن مرحلة الترقب الحالية لا تعني السكون، بل تعني جاهزية مرتفعة للتعامل مع أي تصعيد جديد في الإقليم، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الإعلامي.

ولم يقتصر البيان على البعد الميداني، بل أولى اهتماماً كبيراً لـ معركة الوعي، إذ دعا شعوب الأمة إلى رفع حالة الوعي الإيماني القرآني ومقاومة ما وصفه بـ هجمات الأعداء التي تستهدف الوعي والهوية. كما حذر من خداع الأعداء وأبواقهم ومن محاولات تشويه الوعي الجمعي، وتقسيم المجتمعات، وتفكيك كيان الأمة من الداخل، باعتبار أن هذه الجبهة تمثل جزءاً أساسياً من الصراع القائم، ولا تقل خطورة عن المواجهة العسكرية المباشرة.

وفي الخلاصة، قدّم بيان مسيرات 17 أبريل صورة متكاملة عن الموقف اليمني في هذه المرحلة: ثبات على نصرة فلسطين ولبنان، تمسك بمعادلة وحدة الساحات، رفض لمشاريع الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية، استعداد لكل الاحتمالات، وتركيز متزايد على معركة الوعي بوصفها أحد ميادين الحسم الأساسية. وبهذا، بدت المسيرات بمثابة رسالة سياسية وشعبية واضحة بأن صنعاء ترى أن المرحلة الراهنة ليست لحظة تهدئة أو تراجع، بل فرصة لإعادة تثبيت الموقف، وتعزيز الجهوزية، والاستعداد لما هو قادم.

أزمة الغاز تخنق عدن.. أسعار الأسطوانات تقفز إلى أكثر من 42 ألف ريال ومعاناة السكان تتفاقم

أزمة الغاز تخنق عدن.. أسعار الأسطوانات تقفز إلى أكثر من 42 ألف ريال ومعاناة السكان تتفاقم

تتواصل في مدينة عدن والمحافظات الواقعة تحت سيطرة تحالف العدوان ومرتزقته أزمة الغاز المنزلي بوتيرة متصاعدة، في ظل شحّ مستمر في المادة وارتفاع غير مسبوق في أسعار الأسطوانات، التي تجاوزت حاجز 42 ألف ريال، الأمر الذي فاقم الأعباء المعيشية على المواطنين وأثار حالة استياء واسعة في أوساط السكان.

وتكشف المشاهد المتداولة عن جانب من هذه الأزمة المتفاقمة، حيث تتزايد شكاوى المواطنين من صعوبة الحصول على أسطوانات الغاز، بالتزامن مع استمرار الارتفاع الحاد في الأسعار، بما يجعل هذه المادة الأساسية خارج متناول كثير من الأسر، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والتدهور المعيشي الذي تشهده المدينة.

وبحسب ما يظهر في المادة المصورة، فإن أزمة الغاز لم تعد مجرد اختلال خَدَمي عابر، بل تحولت إلى معاناة يومية تمس حياة الناس بشكل مباشر، بعدما بات تأمين أسطوانة الغاز يتطلب مبالغ باهظة تفوق قدرة شريحة واسعة من السكان، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة الأزمة واستمرارها دون حلول حقيقية.

ويؤكد مواطنون أن استمرار شح المادة وغياب المعالجات الجادة أديا إلى تضاعف معاناتهم، في ظل سوق غير منضبط وارتفاعات متلاحقة في الأسعار، مطالبين بسرعة التدخل لوضع حد لهذه الأزمة، وضبط عملية التوزيع، وتأمين الغاز المنزلي بأسعار مناسبة تخفف من حجم المعاناة المتفاقمة.

وتعكس هذه الأزمة جانبًا من الاختلالات الخدمية والمعيشية المتواصلة في عدن، حيث باتت الاحتياجات الأساسية للمواطنين عرضة للأزمات والارتفاعات المتكررة، في مشهد يزيد من الضغوط على السكان، ويفتح الباب أمام مزيد من السخط الشعبي ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة تنهي هذا الملف الذي بات يؤرق حياة الآلاف من الأسر بشكل يومي.

صواريخ “حزب الله” تدّك شمال الاحتلال وتربك الجبهة وتوقع إصابات وأضراراً واسعة في كرميئيل ونهاريا

شهدت الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، مساء الخميس 16 أبريل/نيسان 2026، تصعيداً نارياً متسارعاً بعد هجمات متتالية بالصواريخ والمسيّرات انطلقت من لبنان، وأدت إلى إصابات مباشرة وأضرار مادية واسعة في عدد من مستوطنات ومدن الشمال، في مقدمتها كرميئيل ونهاريا، وسط حالة ارتباك ميداني واضحة داخل منظومة الطوارئ والإنقاذ الإسرائيلية.

وبدأ الهجوم بموجة متلاحقة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، قبل أن تعترف وسائل إعلام صهيونية بأن 25 صاروخاً و3 مسيّرات أطلقت من لبنان باتجاه شمال  الإحتلال خلال ساعة واحدة فقط، في تطور يعكس كثافة النيران واتساع مساحة الاستهداف في وقت زمني قصير.

وفي كرميئيل، تحدثت مصادر صهيونية عن عدد من الإصابات جراء الضربات الصاروخية، قبل أن يعلن الإسعاف الصهيوني تباعاً عن إصابة 6 أشخاص، أحدهم بجروح خطيرة، ثم عاد ليرفع التقدير إلى 6 إصابات بينها حالتان خطيرتان. كما أشارت وسائل الإعلام الصهيونية إلى انقطاع التيار الكهربائي في عدة مناطق داخل المدينة، ما يكشف عن الأثر المباشر للهجوم على البنية الخدمية إلى جانب الخسائر البشرية.

أما في نهاريا، فقد سُجلت بلاغات أولية عن سقوط صواريخ أو شظايا، تزامنت مع إعلان وسائل إعلام العدو اشتعال النيران في عدد من السيارات داخل المدينة. ولاحقاً، أُعلن عن إصابة شخص بجروح، ثم تحدثت وسائل الإعلام العدو عن إصابة شخصين في نهاريا بجروح خطيرة ومتوسطة، في مؤشر على أن المدينة كانت ضمن نطاق الاستهداف الفعلي لا مجرد منطقة تأثر بالشظايا أو الاعتراضات.

وفي ظل هذا المشهد، أقر جيش الإحتلال الإسرائيلي بأن فرق الطوارئ تعمل في عدة مواقع سقطت فيها صواريخ في شمال الإحتلال، بينما أعلنت الجبهة الداخلية للعدو إطلاق صفارات الإنذار في نهاريا ومحيطها بعد رصد تسلل مسيّرة، وهو ما يعكس استمرار التهديد وعدم انحساره مع انتهاء الموجة الصاروخية الأولى. كما أعلن الإسعاف الصهيوني في حصيلة لاحقة إجلاء 8 أشخاص أصيبوا بجروح مختلفة جراء الهجوم على مناطق الشمال.

بالتوازي مع القصف على عمق الشمال، أعلن حزب الله أنه استهدف بدفعة صاروخية تجمعاً لآليات وجنود جيش الاحتلال جنوب مدينة الخيام جنوبي لبنان، ما يعني أن التصعيد لم يكن مقتصراً على ضرب العمق الإسرائيلي، بل شمل أيضاً الضغط الميداني المباشر على القوات الصهيونية المنتشرة قبالة الحدود.

وتكشف مجمل هذه التطورات أن الجبهة الشمالية للاحتلال دخلت ساعات من الاضطراب الميداني المتزامن، حيث اجتمع القصف الصاروخي الكثيف، والتسلل المسيّر، والإصابات البشرية، واندلاع الحرائق، وانقطاع الكهرباء، وتحرك فرق الطوارئ في أكثر من موقع. وهذا يمنح الهجوم بعداً يتجاوز مجرد الضربات الموضعية، ليعكس مستوى أعلى من الضغط العملياتي على الشمال الإسرائيلي في توقيت بالغ الحساسية.

وفي المحصلة، فإن ما جرى في كرميئيل ونهاريا ومحيطهما يوضح أن الجبهة الشمالية ما تزال قابلة للاشتعال السريع، وأن أي موجة مركبة من الصواريخ والمسيّرات قادرة على إرباك منظومات الإنذار والاستجابة، وإحداث خسائر بشرية ومادية مباشرة في عمق المناطق المأهولة شمالي فلسطين المحتلة.

السيد الحوثي: الهدنة ثمرة فشل العدوان على إيران.. ولبنان في قلب المواجهة الكبرى والمخطط الصهيوني يستهدف الأمة كلها

في كلمته حول آخر التطورات والمستجدات، قدّم قائد أنصار الله السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي قراءة سياسية شاملة لما تشهده المنطقة، معتبراً أن الاعتداء الكبير على الجمهورية الإسلامية في إيران لا يمكن النظر إليه كحدث منفصل أو كجولة عسكرية عابرة، بل هو ـ بحسب توصيفه ـ محطة خطيرة ضمن المخطط الصهيوني الهادف إلى إعادة تشكيل المنطقة وإخضاع شعوبها. وأكد أن الوضع الراهن يندرج ضمن المواجهة الكبرى بين محور الإسلام والجهاد والمقاومة من جهة، وأعداء الأمة من الأمريكي والإسرائيلي ومن يقف في فلكهما من جهة أخرى، مشيراً إلى أن هذا العدوان استهدف في جوهره إسقاط النظام الإسلامي في إيران، والسيطرة على الشعب الإيراني، وإزاحة الجمهورية الإسلامية بما تمثله من ثقل إسلامي وسند أساسي لشعوب المنطقة في مواجهة المشروع الصهيوني.

ورأى السيد الحوثي أن الهدنة القائمة لم تأت نتيجة حسن نية أمريكية أو إسرائيلية، ولا ثمرة توازن تفاوضي حقيقي، وإنما جاءت نتيجة اضطرار واضح بعد الفشل الكبير في تحقيق أهداف العدوان. وقال إن العدو الأمريكي والإسرائيلي اضطر اضطراراً إلى القبول بهذه الهدنة بعد أن تكبد خسائر واسعة على المستويات كافة، موضحاً أن تلك الخسائر لم تقتصر على الجانب العسكري المباشر، بل شملت الجنود والقوة البشرية والعتاد والقواعد والطائرات، إلى جانب الخسائر الاقتصادية الضخمة التي طالت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي نتيجة الحرب وما نتج عنها من ارتباك في الأسواق وارتفاع في التضخم والأسعار والوقود وتداعيات على الاقتصاد العالمي. وبحسب الكلمة، فإن العدو الأمريكي خسر عشرات الطائرات، بينها طائرات مقاتلة وطائرات شحن وتزويد بالوقود وطائرات إنذار مبكر وغيرها، كما تكبد خسائر كبيرة في العملية التي خطط لها في أصفهان، فضلاً عن خسائر مباشرة وغير مباشرة في تكاليف الحرب وصيانة الطائرات ونقص المخزون العسكري، إضافة إلى تريليونات الدولارات في أسواق المال، وخسائر اقتصادية ومالية امتدت آثارها إلى أوروبا وغيرها.

وفي هذا السياق، شدد السيد الحوثي على أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران لا يستند إلى أي مبرر حقيقي، وأن ما بات واضحاً على المستوى العالمي هو أنه عدوان صهيوني بأهداف شيطانية وعدوانية تستهدف المنطقة العربية والإسلامية بأسرها. وأشار إلى أن كثيراً من الدول، بما في ذلك دول أوروبية وحتى أطراف في حلف الناتو، لم تقبل التورط في هذا العدوان إدراكاً منها لكلفته العالية، وخطورته على الاستقرار العالمي، بينما تورطت بعض الأنظمة العربية عبر فتح الأجواء والأراضي وتقديم أشكال متنوعة من المساندة. وأوضح أن هذا الرفض الدولي لا يعني بالضرورة موقفاً مبدئياً منصفاً تجاه إيران، لكنه يعكس إدراكاً متزايداً بأن هذا العدوان ينتج خسائر كبيرة ومتوقعة الفشل، ويؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي، ولذلك لم تجد كثير من الدول مصلحة في الانخراط فيه. وأضاف أن هناك امتعاضاً أمريكياً مكشوفاً في تصريحات ترامب ومواقفه من مختلف الدول التي رفضت التورط معه، في مقابل إشادته ببعض الأنظمة العربية التي وقفت إلى جانبه في هذه الجولة.

وانتقل السيد الحوثي إلى مسار الهدنة والمفاوضات، موضحاً أن الأمريكي، حين اتجه إلى التفاوض، لم يذهب بروح التفاهم أو مراعاة الحقوق، وإنما بمنهجية الغرور والتكبر والطغيان والإملاء. وقال إن مفهوم التفاوض عند الأمريكي هو تقديم المطالب التعجيزية وفرض الإذعان، وإنه حاول من خلال المفاوضات أن يحصل على ما فشل في انتزاعه بالعدوان العسكري، الأمر الذي حال دون الوصول إلى نتائج منطقية أو منصفة، وأفشل الجولة الأولى من المفاوضات في باكستان. وأضاف أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الأمريكي لا يراعي حقوق الآخرين، ولا يتعامل على قواعد الإنصاف والتفاهم والأخذ والعطاء، وأن تاريخه في نقض التعهدات وتغيير المواقف يجعل أي تفاوض معه محاطاً بالشكوك الكبيرة. كما لفت إلى أن هناك مساعي حثيثة لعقد جولة ثانية من المفاوضات، لكن ما يهدد هذا المسار هو استمرار السلوك الأمريكي والإسرائيلي على الأرض، وخاصة في الجبهة اللبنانية.

وفي الملف اللبناني، خصص السيد الحوثي مساحة واسعة من كلمته لتأكيد أن لبنان يقف اليوم في قلب المواجهة الكبرى، وأن العدو الإسرائيلي يحاول استغلال الهدنة الهشة للانفراد بهذه الجبهة الأساسية في محور المقاومة. وقال إن العدو يتحرك بخمس فرق عسكرية في جنوب لبنان، وإن ذلك يمثل خرقاً واضحاً لوقف إطلاق النار وعدم التزام بالهدنة، معتبراً أن ما يقوم به هناك هو عدوان كبير ضد جبهة رئيسية ومباشرة في محور الجهاد والمقاومة، وأن السكوت عليه من شأنه أن يهدد الهدنة كلها ويضرب المعادلة التي أرساها المحور خلال هذه الجولة من المواجهة. وأكد أن لبنان مشمول باتفاق الهدنة، وأنه لا يمكن لا للجمهورية الإسلامية في إيران ولا لبقية جبهات المحور أن تقف مكتوفة الأيدي ومتفرجة على ما يرتكبه العدو الإسرائيلي ضد لبنان، لأن ذلك يعني تمكينه من تحقيق مكاسب خطيرة في إطار المخطط الصهيوني. كما شدد على أن لا مجال للتغاضي عن العدوان على لبنان، وأن الأمريكي والإسرائيلي اعتادا اللجوء إلى هدن هشة كلما عجزا عن تحقيق مكاسب حقيقية بالقوة المباشرة.

وانطلاقاً من ذلك، قدّم السيد الحوثي موقفاً واضحاً في الدفاع عن المقاومة الإسلامية في لبنان وحزب الله، معتبراً أن الإشكال الحقيقي في لبنان ليس سلاح المقاومة، بل سلاح العدو الإسرائيلي نفسه ومخططه وعدوانه. وأكد أن اليهود الصهاينة استهدفوا لبنان قبل نشأة حزب الله، وأن طرد الاحتلال الصهيوني من لبنان لم يتحقق إلا بالمقاومة والجهاد والتضحيات والسلاح، وأن الردع الذي حمى لبنان بعد عام 2006 كان ثمرة قوة المقاومة الإسلامية. وقال إن المقاومة في لبنان قائمة ومستمرّة، وتمتلك عناصر القوة والثبات، وخيارها مشروع ومجدي لدحر العدو الإسرائيلي عن لبنان. وفي المقابل، انتقد السلطة اللبنانية وبعض الأنظمة العربية التي قال إنها تتبنى المنطق الإسرائيلي نفسه، وتقدّم المشكلة وكأنها في سلاح حزب الله، بينما تتجاهل أصل المشكلة المتمثل في الاحتلال والعدوان. واعتبر أن من أكبر الاختلالات في الموقف الرسمي اللبناني أنه يقدّم حالة إطماع للعدو الإسرائيلي وآمالاً في إثارة الفتنة الداخلية، ويتجه إلى لوم المقاومة بدلاً من الوقوف معها وحماية الشعب اللبناني. كما عبّر عن أسفه لأن المستوى الرسمي العربي والإسلامي في معظمه لم يرتق حتى إلى مستوى بعض المواقف الأوروبية التي تطالب بأن يكون لبنان مشمولاً بوقف إطلاق النار.

وفي هذا الإطار، أشاد السيد الحوثي بـ عمليات “العصف المأكول”، معتبراً أنها عمل مشروع وضرورة لدفع الخطر عن لبنان ومواجهة العدو، ومؤكداً أن حزب الله يدافع عن لبنان ببسالة عظيمة رغم حجم العدوان وتحرك الفرق الصهيونية الخمس. كما شدد على أن مساندة حزب الله والشعب اللبناني أمر لا بد منه، ولا يمكن السكوت أو التغاضي عن العدوان الإسرائيلي عليه، داعياً إلى موقف حازم على مستوى المحور في إطار الالتزام بمبدأ وحدة الساحات. واعتبر أن جبهة لبنان ليست شأناً محلياً لبنانياً فقط، بل جبهة لكل الأمة في مواجهة عدو الجميع، وهي من أكبر الجبهات المساندة والمؤثرة في نصرة الشعب الفلسطيني وقضيته، ولذلك فإن السكوت على المجازر المرتكبة في لبنان يمثل تفريطاً خطيراً في معركة مصيرية تخص المنطقة كلها.

أما في القضية الفلسطينية، فقد أكد السيد الحوثي أن فلسطين تبقى الخندق الأول للأمة والمترس المتقدم في مواجهة العدو الإسرائيلي، وأن ما تشهده المنطقة اليوم هو في جوهره نتيجة مباشرة لتفريط الأمة التاريخي في نصرة الشعب الفلسطيني. وقال إن منشأ ما يحدث في كل المنطقة هو هذا التفريط، وإن العدو الإسرائيلي كلما تمكن أكثر من السيطرة على فلسطين وحسم الأمر فيها، تفرغ لبقية الشعوب والبلدان في المنطقة. وفي هذا السياق، شدد على أهمية المسجد الأقصى وقدسيته وموقعه في المقدسات الإسلامية، محذراً من سياسة الترويض التي يستفيد منها العدو الإسرائيلي، ومن تحويل الانتهاكات اليومية والاقتحامات المستمرة إلى مشهد عادي لا يثير المسؤولية. وأكد أن الاستخفاف بالمسجد الأقصى والمقدسات خطيئة كبرى، وأن الأمة إذا فقدت الإحساس بالمسؤولية تجاه مقدساتها تصبح أمة قابلة لأن تُسحق وتُذل وتُستعبد، لأن من لا يبالي بمقدساته يمكن أن يطمع فيه العدو في كل شيء. كما لفت إلى أن العدو لا يكتفي بانتهاك الأقصى، بل يعمل على تهويد القدس وطمس معالمها الإسلامية ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية وهدم المنازل وتهجير الأهالي.

وفي حديثه عن غزة، قال السيد الحوثي إن ما يدخل من احتياجات إلى القطاع لا يزال نسبة ضئيلة جداً، وإن الشعب الفلسطيني هناك يعيش المأساة بكل معناها، في ظل حالة من التضييق والحصار والتعذيب الشامل. وأكد أن العدو الإسرائيلي لم ينسحب من المناطق التي احتلها في غزة، ولا يزال يسيطر على مساحة كبيرة من القطاع، ويحرّك بعض العصابات الإجرامية من الخونة للاعتداء على المدنيين، ويعمل بكل ما يستطيع لمضايقة الشعب الفلسطيني، مع وجود مؤشرات على التحضير لمجزرة جديدة وجرائم كبيرة في القطاع. ومن هنا، شدد على أن الأمة الإسلامية كلها تتحمل مسؤولية دينية وإنسانية وأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني، وأن التفريط المتكرر في هذه المسؤولية ستكون له تبعات خطيرة على الأمة نفسها، لأن الخطر الإسرائيلي لا يتوقف عند فلسطين، بل يتجاوزها كلما ترك له المجال. بل ذهب إلى القول إن العدو الإسرائيلي سيصل في يوم ما إلى استهداف مصر والأردن، ويواصل استكمال احتلال سوريا، لأن كل بلدان المنطقة مستهدفة بالمخطط الصهيوني.

وفي ما يخص سوريا، قال السيد الحوثي إن الجنوب السوري محتل والاستباحة مستمرة فيه بكل أشكالها، من قتل وتوغلات واختطافات وانتهاكات، منتقداً توجه الجماعات المسيطرة هناك التي تؤكد أنها لا تعادي العدو الإسرائيلي بل تعادي الآخرين، معتبراً أن هذا المسار لا يجدي نفعاً، لأن العدو الإسرائيلي والأمريكي يثيران الاضطرابات والمشاكل في المنطقة والعالم انطلاقاً من التوجه العدواني القائم على تنفيذ المخطط الصهيوني ضد الأمة. وأكد أن الأمريكي والإسرائيلي لا يفون بالتزامات ولا اتفاقات ولا مواثيق، ولا يقدمان أي اعتبار للقانون الدولي، وأن ممارساتهما تنتج مخاطر كبيرة واضطرابات وتهديداً للأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، ولهذا ينبغي أن يتجه اللوم كله والضغط كله نحوهما، لا نحو من يتصدون لهما ويدافعون عن أوطانهم وشعوبهم.

وفي البعد الفكري والسياسي الأشمل، قدّم السيد الحوثي توصيفاً واضحاً لطبيعة المشروع الصهيوني، مؤكداً أن الأمريكي والإسرائيلي حالة طارئة معتدية في المنطقة، وأن شعوب المنطقة راسخة وثابتة ولا يمكن شطبها من الخارطة لإحلال قوى العدوان والاحتلال محلها. وقال إن اليهود الصهاينة مصدر شر دائم على هذه المنطقة، وإن الخطر الصهيوني قائم قبل الثورة الإسلامية في إيران بوقت طويل، مستشهداً بأن فلسطين ولبنان وسوريا والأردن ومصر تعرضت لاعتداءات واحتلال قبل قيام الجمهورية الإسلامية. وبذلك، رفض مقولة إن المشكلة هي “وكلاء إيران”، واعتبر أن الأمريكي والإسرائيلي اخترعا هذا المصطلح لتجريم كل من يقف من أبناء الأمة في مواجهة العدو، وتقديم العرب وكأنهم أمة لا قضية لها ولا مقدسات ولا حق ولا حرية. وقال إن أبواق الصهيونية في المنطقة العربية تردد هذه التسمية الباطلة بهدف نزع الشرعية عن أي مقاومة مشروعة، معتبراً أن الجمهورية الإسلامية في إيران هي سند لهذه الشعوب، تجمعها معها اعتبارات الانتماء الإسلامي والمصلحة المشتركة في استقرار المنطقة.

وعلى المستوى العالمي، أشار السيد الحوثي إلى أن الخطر الإسرائيلي لم يعد يهدد المنطقة وحدها، بل بات يؤثر حتى على الاستقرار العالمي، لأن العدو الإسرائيلي لا يقبل الالتزام بقانون دولي ولا بمواثيق الأمم المتحدة، فيما ترامب بلغ ـ بحسب وصفه ـ مستوى سيئاً جداً من الطغيان، حتى وصل إلى نشر صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي يقدم فيها نفسه إلهاً على الأرض، معتبراً أن ذلك من قمة الطغيان، وأنه في النهاية مجرد دمية بيد الصهيونية. وقال أيضاً إن نتنياهو وصل به الحال إلى أن يصرح بأن الإدارة الأمريكية تقدم له تقارير عملها، ما يعكس ـ حسب الكلمة ـ مستوى الخضوع الكامل للنظام الرسمي الأمريكي للوبي اليهودي الصهيوني، سواء في البيت الأبيض أو الكونغرس، مع ما لذلك من تأثيرات على أمن المنطقة واستقرارها والعالم.

وفي جانب بالغ الأهمية من الكلمة، حذر السيد الحوثي من الخطوة الأمريكية في خليج عُمان، موضحاً أن الأمريكي اتجه إلى التضييق على مضيق هرمز ومنع حركة السفن في محاولة لمواجهة الإجراءات المشروعة التي تقوم بها الجمهورية الإسلامية في المضيق. واعتبر أن هذه الخطوة قرصنة وعدوان وبغي وطغيان وتأزيم للاقتصاد العالمي، وليس لها أي مشروعية قانونية أو أخلاقية، وأنها تعكس استمرار النهج الأمريكي في البطش والبلطجة بدلاً من الاتجاه إلى الإيقاف الكامل للعدوان على هذه الأمة. وبحسب كلمته، فإن الاستمرار في العدوان واتخاذ مثل هذه الإجراءات العدائية يزيد من تأزيم الوضع الاقتصادي عالمياً، ويؤكد أن المشكلة ليست في ردود فعل محور المقاومة، بل في النهج الأمريكي الإسرائيلي نفسه.

وفي المقابل، أبرز السيد الحوثي أن وحدة الساحات أثبتت قيمة كبيرة جداً في هذه الجولة، وكانت لها ثمرة كبرى ونتيجة مهمة في مواجهة الهجمة الأمريكية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن الأمة أو أحرارها حين يجتمعون في مواجهة أعدائهم فإنهم يجسدون عملاً مقدساً وعظيماً ومباركاً منسجماً مع المبادئ الإسلامية الكبرى في الوحدة والتعاون. وقال إن فشل العدوان الأمريكي الإسرائيلي كان نتيجة الإعداد والجهوزية والفاعلية والروح الجهادية لدى الجمهورية الإسلامية في إيران، وإن هذه التجربة كشفت النتائج الإيجابية للتوجه التحرري وإعداد القوة، في مقابل محاولات الأعداء وأبواقهم في المنطقة تشويه مبدأ وحدة الساحات وتجريمه. وأكد أن التعاون بين أبناء الأمة في مواجهة أعدائهم قيمة إيمانية وأخلاقية وإنسانية، لا يجوز التنصل عنها أو تحريفها.

وفي ختام كلمته، وجّه السيد الحوثي خطاباً مباشراً إلى الأمة الإسلامية وإلى الشعب اليمني، مؤكداً أن المرحلة الحالية تستدعي اليقظة العالية والجهوزية الكبيرة، لأن هدنة الأسبوعين هشة وقد مضى منها أسبوع، فيما العدو ما يزال يواصل خطواته العدوانية. وشدد على أن الخيار الصحيح والمشروع هو خيار الجهاد في سبيل الله لمواجهة المخطط الصهيوني، وأن طاعة العدو أو الخضوع لإملاءاته خسارة وإذلال للأمة، فيما التربص أو التخاذل أو الخدمة للأعداء لا نجاة فيها. وقال إن شعب اليمن بهويته الإيمانية شعب لا يقبل بالذل ولا بالاستعباد، ولا يمكن أن يخنع للمخطط الصهيوني، وإنه رفع راية الجهاد في سبيل الله ويتحرك بعزة. كما دعا إلى الخروج المليوني العظيم في صنعاء والمحافظات تأكيداً على الثبات على الموقف، ونصرة للبنان وحزب الله، واستعداداً لكل التطورات المحتملة، معتبراً أن هذا الحضور الشعبي جزء من الجهاد، وعنصراً مهماً يمنح الموقف زخماً وقوة ويبعث رسالة واضحة للأعداء بأن الشعب اليمني ثابت في موقفه ضمن محور الجهاد والمقاومة، ومع لبنان وحزب الله، وفي كل ما تقتضيه التطورات.

“التايمز” البريطانية: الحصار الأمريكي على هرمز يتعثر مبكراً وسفن مرتبطة بإيران تعبر رغم الطوق المعلن

كشفت صحيفة التايمز البريطانية أن الحصار البحري الذي أعلنت الولايات المتحدة فرضه على مضيق هرمز لم ينجح في وقف عبور سفن مرتبطة بإيران، في تطور يسلط الضوء على التباين بين الخطاب الأمريكي المعلن والواقع الميداني في أحد أكثر الممرات حساسية في العالم. ووفق ما ورد، فإن أنظمة تتبع السفن أظهرت عبور سفينتين مرتبطتين بإيران إلى الموانئ الإيرانية خلال الساعات الأولى التي أعقبت بدء الحصار، ما يعني أن الطوق البحري الذي رُوّج له كأداة ضغط حاسمة لم يتمكن من فرض إغلاق فعلي كامل على حركة السفن المستهدفة.

وبحسب التقرير، فإن السفينتين “إلبيس” و**”ريتش ستاري”** تخضعان أصلاً لعقوبات أمريكية بسبب ما تصفه واشنطن بدورهما في نقل النفط الإيراني إلى الصين، وهو ما يضاعف دلالة عبورهما، لأن الأمر لا يتعلق بسفن عادية أو رمادية الهوية فقط، بل بسفن مدرجة سلفاً ضمن نطاق الاستهداف الأمريكي. وهذا يعني أن الحصار، حتى في تعريفه الأمريكي الضيق، لم يمنع سفناً معروفة ومحددة من مواصلة الحركة، ما يطرح أسئلة صعبة حول فعاليته وحدود قدرته التنفيذية.

ويتوقف التقرير عند ما يعرف بـ “الأسطول الرمادي” الذي تعتمد عليه إيران والصين في نقل النفط، وهو أسطول يعمل غالباً في بيئة بحرية معقدة، ويستخدم وسائل تفادي الرصد وإطفاء أجهزة التتبع ونقل الشحنات في عرض البحر. غير أن أخطر ما يكشفه التقرير ليس فقط وجود هذا الأسطول، بل حالة الغموض والتناقض داخل الموقف الأمريكي نفسه. فبينما تحدث دونالد ترامب عن حصار شامل لكل السفن في المضيق، بدت رواية القيادة المركزية الأمريكية أضيق بكثير، إذ حصرت نطاق الحصار في السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها، ما خلق ارتباكاً واضحاً في فهم قواعد الاشتباك وحدود التدخل.

هذا التناقض الأمريكي لا يبدو تفصيلاً إجرائياً، بل ثغرة استراتيجية تضرب صدقية الحصار ذاته. فإذا كانت واشنطن غير قادرة على تقديم تعريف موحد لطبيعة الطوق البحري الذي تفرضه، فإن ذلك يفتح الباب أمام مساحات واسعة للمناورة والاختراق والالتفاف، ويجعل أي تطبيق عملي عرضة للارتباك والتردد، خصوصاً في الحالات المعقدة مثل السفن ذات الملكية الصينية أو الارتباطات التجارية المتشابكة، حيث قد يؤدي أي اعتراض مباشر إلى تصعيد دولي أوسع لا يبدو أن واشنطن مستعدة لتحمل تبعاته بالكامل.

وفي المحصلة، يظهر من قراءة التقرير أن الحصار الأمريكي على هرمز دخل مرحلة التشكيك المبكر قبل أن يثبت نفسه كأداة ناجحة للضغط، إذ إن عبور سفن مرتبطة بإيران رغم بدء الطوق، إلى جانب التضارب الأمريكي في تعريف الحصار ونطاقه، يعكسان واقعاً ميدانياً أكثر تعقيداً من الرواية السياسية التي سعت واشنطن إلى تسويقها. وبذلك، فإن ما أرادت الولايات المتحدة تقديمه كخطوة حاسمة لخنق إيران بحرياً، بدأ يبدو أقرب إلى حصار مرتبك ومحدود الفعالية، تلاحقه الشكوك الغربية نفسها، وتتصاعد حوله الدعوات إلى المسار الدبلوماسي بدلاً من المغامرة بتصعيد قد يفشل في تحقيق أهدافه ويزيد في الوقت نفسه من هشاشة الملاحة وأمن الطاقة في المنطقة.