كشف تقرير نشره موقع “Vox” الأمريكي أن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد اليمن انتهت إلى نتيجة معاكسة لأهدافها، إذ عززت موقع صنعاء وحولتها إلى قوة مؤثرة في أمن الطاقة والملاحة الدولية، بعدما أصبح البحر الأحمر وباب المندب منفذاً حاسماً للصادرات النفطية السعودية.
ونشر موقع “Vox” الأمريكي تقريراً للكاتب جوشوا كيتنغ، في 29 يوليو/تموز 2026 تحت عنوان: “لم تعد أمامنا طرق كثيرة لإخراج النفط من الشرق الأوسط”.
وأوضح التقرير أن تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز بفعل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران رفع الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر، ومنح القوات المسلحة اليمنية ورقة ضغط مضاعفة، في ظل وقوع أهم ممرين لصادرات الطاقة في المنطقة تحت تأثير إيران في هرمز واليمن في باب المندب.
وبدأ التحول في 20 يوليو/تموز 2026، عندما أعلنت القوات المسلحة اليمنية فرض حظر بحري على السفن والمصالح السعودية، رداً على استمرار الحصار المفروض على اليمن والاعتداء على مطار صنعاء الدولي.
ولم يبق القرار في حدود التهديد السياسي، بل أعقبته عمليات طالت ناقلات ومنشآت سعودية، ما دفع سفناً مرتبطة بالرياض إلى تغيير مساراتها والابتعاد عن السواحل اليمنية.
وأشار التقرير إلى أن العمليات اليمنية أسهمت في دفع أسعار النفط إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، بعدما أدركت الأسواق أن الطريق الذي اعتمدت عليه السعودية بديلاً عن مضيق هرمز لم يعد آمناً أمام صادراتها.
وبذلك انقلبت المعادلة؛ فبعد سنوات من حصار السعودية للموانئ والمطارات اليمنية، باتت صنعاء قادرة على فرض كلفة مباشرة على الصادرات النفطية السعودية وتعطيل خطوط إمدادها الحيوية.
ومع تراجع الاعتماد على مضيق هرمز، لجأت الرياض إلى نقل كميات كبيرة من النفط عبر خط أنابيب “شرق–غرب” وصولاً إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر.
وبحسب التقرير، باتت السعودية تمرر نحو 70% من صادراتها النفطية عبر هذا المسار، ما جعل باب المندب ممراً بالغ الحساسية بالنسبة إلى اقتصادها ومشاريعها المستقبلية.
ويعبر من طريق البحر الأحمر ما يقارب 7% من إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما يمنح صنعاء قدرة تأثير تتجاوز حدود اليمن إلى أسواق النفط والتجارة الدولية.
ويرى التقرير أن واشنطن، بإشعالها الحرب في المنطقة وتعطيل هرمز، منحت اليمن من حيث لم تقصد نفوذاً إقليمياً أكبر، لأن الممر الخاضع لقدراته العسكرية أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وأكد التقرير أن اختزال قرارات صنعاء باعتبارها أوامر إيرانية يمثل قراءة قاصرة، موضحاً أن أنصار الله، رغم وجودهم ضمن محور المقاومة، يمتلكون أهدافاً وحسابات وطنية يمنية مستقلة.
ويرتبط التصعيد اليمني بمطالب واضحة، في مقدمتها رفع الحصار، وفتح الموانئ والمطارات، ودفع التعويضات، واستعادة السيادة على المجالين البحري والجوي، وإنهاء التدخل السعودي في الشأن اليمني.
وبذلك، فإن العمليات اليمنية لا تمثل امتداداً آلياً لأي حرب خارجية، بل تأتي ضمن معركة وطنية مستقلة لانتزاع الحقوق التي رفضت الرياض تنفيذها طوال سنوات التفاوض والمماطلة.
وأثبتت القوات اليمنية خلال عمليات إسناد غزة قدرتها على تحويل الموقع الجغرافي لليمن إلى قوة عسكرية واقتصادية مؤثرة، عبر استهداف أكثر من 100 سفينة مرتبطة بكيان العدو الإسرائيلي أو متجهة إلى موانئه خلال عامي 2023 و2024.
وأدت العمليات إلى تحويل السفن نحو رأس الرجاء الصالح، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتراجع حركة الملاحة عبر البحر الأحمر.
وأظهر اليمن أن الصواريخ والمسيّرات والزوارق منخفضة الكلفة تستطيع تعطيل مصالح دول تمتلك أساطيل وميزانيات عسكرية ضخمة، وتحويل البحر من مساحة تهيمن عليها القوى الكبرى إلى ساحة تفرض فيها المقاومة قواعد جديدة.
واستعرض التقرير نتائج الحملة الأمريكية على اليمن خلال عام 2025، مشيراً إلى تنفيذ أكثر من ألف غارة جوية خلال 52 يوماً في إطار عملية “الراكب الخشن”.
ورغم حجم الغارات والأسلحة المستخدمة، فشلت واشنطن في تدمير القدرات اليمنية أو إعادة الملاحة إلى وضعها السابق، واضطرت في نهاية المطاف إلى وقف حملتها بموجب تفاهم رعته سلطنة عُمان.
واحتفظت صنعاء بحقها في مواصلة العمليات ضد كيان العدو الإسرائيلي، في تأكيد جديد على أن حاملات الطائرات والقاذفات الأمريكية لم تنجح في فرض الردع أو تغيير القرار اليمني.
كما تواجه أي محاولة أمريكية للعودة إلى التصعيد عقبات تتعلق بتناقص مخزونات الذخائر واتساع جبهات الحرب وصعوبة فتح مواجهة جديدة مع قوة أثبتت قدرتها على الصمود والرد.
وأظهرت البيانات الواردة في التقرير تراجع حركة الملاحة عبر باب المندب بنحو 22% منذ إعلان الحظر على السعودية.
ورغم تأكيد صنعاء أن الحظر لا يستهدف الملاحة الدولية، فإن شركات الشحن والتأمين تتعامل بحذر شديد مع التحذيرات اليمنية، نظراً إلى امتلاك القوات المسلحة قدرات متنوعة تشمل الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة والزوارق القتالية وعمليات السيطرة على السفن.
ولا تحتاج صنعاء إلى استهداف كل سفينة، إذ يكفي ارتفاع مستوى المخاطر وأقساط التأمين لدفع الناقلات إلى تغيير مساراتها وتحميل الاقتصاد السعودي تكاليف إضافية.
ويضع التصعيد السعودية أمام خيارين صعبين: الاستجابة للمطالب اليمنية ورفع الحصار، أو العودة إلى حرب فشلت في حسمها طوال سنوات.
فالعودة إلى المواجهة تعني تعريض الموانئ والمنشآت النفطية وخطوط الأنابيب والمطارات السعودية لضربات جديدة، خصوصاً بعد أن أصبحت منشآت ينبع والساحل الغربي ذات أهمية استثنائية لتصدير النفط.
أما المسارات البديلة، مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح أو استخدام قناة السويس وخطوط التفريغ وإعادة التحميل، فهي خيارات طويلة ومكلفة ومعقدة، ولا تقدم حلاً سريعاً لأزمة الصادرات السعودية.
كما أن مشاريع الأنابيب البديلة عبر العراق وتركيا تحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة، ما يجعل الرياض عاجزة عن تجاوز الضغط اليمني في المدى القريب.
ويخلص التقرير إلى أن التجربة اليمنية تكشف تحولاً في مفهوم القوة؛ إذ تستطيع دولة محاصرة تمتلك موقعاً جغرافياً حساساً وصواريخ ومسيّرات منخفضة التكلفة أن تعاقب قوى تفوقها عسكرياً واقتصادياً.
فصنعاء لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على البحر الأحمر، بل يكفي أن تثبت قدرتها على الوصول إلى السفن والمنشآت الحيوية حتى تتغير قرارات الأسواق وشركات الملاحة والتأمين.
وبذلك انتقل اليمن من بلد تعرض للعدوان والحصار إلى قوة تؤثر في أسعار النفط، ومسارات التجارة، وحسابات السعودية، وقرارات الولايات المتحدة وكيان العدو الإسرائيلي.
وتكشف النتيجة أن الحرب الأمريكية لم تضعف صنعاء، بل منحتها حضوراً أوسع في معادلات الطاقة والأمن البحري، ورسخت حقيقة أن استمرار حصار اليمن سيقابله حصار للمصالح السعودية ورفع متواصل لكلفة العدوان.