الرئيسية بلوق الصفحة 79

مجلس الخبراء يضع سقفاً صارماً للمفاوضات: لا تنازل عن هرمز والحقوق النووية وخروج أمريكا من المنطقة

أصدر عدد من أعضاء مجلس خبراء القيادة في إيران بياناً حاداً، وضعوا فيه مجموعة من الضوابط الصارمة أمام الفريق الإيراني المفاوض، مؤكدين أن المرحلة الراهنة لا تحتمل التهاون أو إطالة أمد المحادثات، وأن أي تفاوض يجب أن يبقى محكوماً بـ الخطوط الحمراء التي حددها قائد الثورة الإسلامية.

وشدد البيان على أن مراعاة هذه الخطوط الحمراء تمثل “واجباً شرعياً”، وأن تجاوزها “غير جائز بأي حال”، داعياً المفاوضين إلى استحضار تجارب المفاوضات السابقة، والحذر من مكائد العدو الذي يسعى، بحسب البيان، إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقه بعد فشله في تحقيق أهدافه بالحرب والضغط.

وأكد أعضاء مجلس الخبراء أن الحقوق النووية الإيرانية يجب ألا تكون محل نقاش أو مساومة، مشددين على ضرورة إخراجها بالكامل من دائرة المحادثات، باعتبارها حقاً ثابتاً للبلاد لا يجوز التعامل معه كورقة تفاوضية أو مدخل لابتزاز جديد.

كما وضع البيان مطالب أساسية لا تقبل التجاوز، في مقدمتها تثبيت إدارة إيران لمضيق هرمز، الحصول على تعويضات الأضرار، استعادة الأموال المجمدة، رفع العقوبات، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، مؤكداً أن هذه المطالب تمثل إرادة القائد والشعب، وأن أي تهاون فيها سيقابل برد فعل شعبي وسياسي واسع.

وفي ملف وقف إطلاق النار، اعتبر البيان أن استمرار اعتداءات الكيان الصهيوني في لبنان وعدم انسحابه من المناطق المحتلة يمثل انتهاكاً صريحاً للبند الأول من مذكرة التفاهم، محذراً من أن إعادة فتح مضيق هرمز في ظل هذا الخرق تعد “خطأ استراتيجياً” من شأنه تشجيع العدو على مواصلة الغدر والانتهاكات.

وطالب البيان بالرد الفوري على أي غدر أو نقض لبنود مذكرة التفاهم، مؤكداً أن أي خرق من جانب الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني يجب ألا يمر دون موقف حاسم، لأن التراخي في مواجهة الانتهاكات سيمنح الطرف الآخر فرصة لتوسيع عدوانه وإعادة إنتاج الضغوط من جديد.

وفي السياق ذاته، شدد أعضاء مجلس الخبراء على ضرورة تحديد المعتدي وملاحقة مرتكبي الجرائم في الحرب العدوانية الأخيرة، وفي مقدمتهم قادة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، مؤكدين أن دماء الشهداء لا يمكن تجاوزها في أي مسار سياسي أو تفاوضي.

وحذر البيان المسؤولين الإيرانيين من إطلاق أي تصريحات يمكن أن تفسر على أنها ضعف أو تراجع، مؤكداً أن مقاومة الشعب والقوات المسلحة أوصلت العدو إلى طريق مسدود، ولا ينبغي صدور أي خطاب يوهم الخصوم بأن البلاد عاجزة أو غير قادرة على تحمل الضغوط.

كما أكد البيان أن رأي ولي الأمر في نظام ولاية الفقيه هو “الفيصل”، وأنه لا يجوز لأي مسؤول اتخاذ خطوة تخالف الرأي القطعي للقيادة، بما يعكس محاولة واضحة لضبط المسار التفاوضي ومنع أي اجتهاد سياسي يتجاوز سقف القرار الاستراتيجي للدولة.

ودعا أعضاء مجلس الخبراء إلى حسم الملفات المطروحة في مذكرة التفاهم ضمن المدد المحددة، وهي 30 يوماً و60 يوماً، محذرين من إطالة المحادثات، لأن الأدلة، بحسب البيان، تشير إلى أن العدو يسعى إلى كسب الوقت لترميم قواه وتحقيق أهداف سياسية وعسكرية لاحقة.

وفي البعد الداخلي، دعا البيان الشعب الإيراني إلى مواصلة حضوره الواعي والصلب في الميدان، والحفاظ على الوحدة المقدسة، وتجنب كل ما يخل بتماسك الجبهة الداخلية، مؤكداً أن الحضور الشعبي سيبقى ضرورياً ومحدداً طالما رأت القيادة مصلحة في ذلك.

واختتم أعضاء مجلس الخبراء بيانهم بالتأكيد أنهم، باعتبارهم جزءاً من الشعب وإلى جانب القيادة، سيواصلون مراقبة تنفيذ الشروط والوعود، وسيقومون بواجبهم الشرعي عند الحاجة، في رسالة واضحة إلى المفاوضين بأن أي مسار تفاوضي لن يكون مفتوحاً بلا رقابة أو خارج سقف الثوابت الوطنية.

الفرح: الخليج يقرأ التحول الكبير.. الحماية الأمريكية تتآكل ومحور المقاومة يفرض معادلة الردع

محمد الفرح

اعتبر عضو المكتب السياسي لأنصار الله، محمد الفرح، أن تصريحات وزير الإعلام الكويتي الأسبق سامي النصف بشأن تجنب دول الخليج الانخراط في أي مواجهة عسكرية مع إيران، تكشف تحولاً لافتاً في قراءة المشهد الإقليمي، وتعكس إدراكاً متزايداً داخل الأوساط الخليجية بأن الحرب المقبلة، إن اندلعت، لن تكون محدودة ولا مضمونة النتائج.

وأوضح الفرح، في تدوينة على منصة “إكس”، أن حديث النصف عن حكمة تجنب الرد العسكري على إيران لا يقف عند حدود الموقف السياسي، بل يحمل دلالة استراتيجية أعمق، مفادها أن دول الخليج بدأت تدرك أن الدخول في مواجهة مفتوحة قد يحمّلها الكلفة الأكبر، بينما قد تنسحب الولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي من ساحة الاشتباك عند تغير الحسابات والمصالح.

وأشار الفرح إلى أن تصريحات الوزير الكويتي الأسبق تكشف تراجع الثقة الخليجية بالحماية الأمريكية، وتؤكد أن واشنطن تتعامل مع أمن حلفائها وفق مصالحها وأولوياتها الخاصة، لا وفق ضمانات ثابتة أو التزامات دائمة. فالتجربة، بحسب هذه القراءة، أثبتت أن الولايات المتحدة قد تدفع حلفاءها إلى حافة المواجهة، ثم تعيد حساباتها عندما تصبح الكلفة أكبر من المكاسب.

ولفت الفرح إلى أن دول الخليج تمتلك نقاط ضعف حساسة، وفي مقدمتها منشآت الطاقة والنفط والبنية التحتية الحيوية، وهي أهداف قد تتحول إلى ساحات ضغط مباشرة إذا توسعت المواجهة مع إيران أو محور المقاومة. ولذلك، فإن أي قرار بالانخراط في حرب لن يكون مجرد موقف سياسي، بل مخاطرة استراتيجية تهدد الاقتصاد والاستقرار الداخلي.

وأكد أن التطورات الأخيرة أظهرت بوضوح أن أطراف محور الجهاد والمقاومة باتت أكثر استعداداً للدخول في مواجهة متزامنة دعماً لبعضها البعض، بما يجعل أي تصعيد ضد طرف من أطراف المحور قابلاً للتمدد إلى ساحات متعددة، من العراق إلى اليمن ولبنان وفلسطين، وصولاً إلى الخليج والبحر الأحمر.

وشدد الفرح على أن هذه المعادلة الجديدة تعزز الردع في المنطقة، لأنها تجعل كلفة التصعيد أعلى بكثير من السابق، وتمنع حصر المواجهة في جبهة واحدة أو ضد طرف واحد. فزمن الحروب المنفصلة، وفق هذه القراءة، يتراجع أمام معادلة الإسناد المتبادل التي باتت حاضرة في حسابات الجميع.

وأضاف أن إدراك دول الخليج لهذه الحقيقة يدفعها إلى الحذر من الانجرار خلف المشاريع الأمريكية والإسرائيلية، لأن أي مواجهة كبرى لن تترك منشآت النفط والطاقة والموانئ والقواعد العسكرية بمعزل عن دائرة الاستهداف، ولن تسمح لواشنطن بأن تدير الحرب من بعيد دون أن يدفع حلفاؤها الثمن.

ونوه عضو المكتب السياسي لأنصار الله إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تطورات مهمة على مستوى توازنات المنطقة، مؤكداً أن معادلة الإسناد بين أطراف محور المقاومة أصبحت أكثر وضوحاً، وستكون حاضرة في أي استحقاقات قادمة، بما في ذلك معركة التحرير المقبلة في اليمن.

اعتراف عبري بسقوط رهان نتنياهو: إيران صعدت والاحتلال يغرق في العزلة والانقسام

أقرت وسائل إعلام عبرية بأن سياسات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تحولت إلى عبء استراتيجي على الكيان، بعدما عمّقت عزلته الدولية، وأضعفت موقعه الإقليمي، وفتحت في المقابل الطريق أمام إيران لتعزيز حضورها وتوسيع قدراتها الاستراتيجية.

وقالت صحيفة “معاريف” العبرية، في مقال للكاتب والمحلل الإسرائيلي بن كسبيت، إن نتنياهو يتحمل المسؤولية المباشرة عن سلسلة من الإخفاقات السياسية والعسكرية التي راكمها الكيان خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها الضغط على الإدارة الأمريكية للانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018.

وبحسب كسبيت، فإن تلك الخطوة التي سوّقها نتنياهو باعتبارها ضربة لطهران، تحولت عملياً إلى هدية استراتيجية لإيران، إذ منحتها مساحة أوسع للتحرر من القيود السابقة، وتسريع تطوير برنامجها النووي، وتعزيز أوراق قوتها في مواجهة الاحتلال والولايات المتحدة.

وتكشف هذه القراءة العبرية أن نتنياهو لم ينجح في كبح إيران، بل ساهم، بسياساته وحساباته الخاطئة، في دفعها نحو موقع أقوى. فالمواجهة الأخيرة لم تؤد إلى إضعاف طهران أو إسقاط نظامها أو فرض وقائع جديدة عليها، بل خرجت إيران أكثر ثباتاً، فيما وجد الاحتلال نفسه أمام فشل استراتيجي مكلف.

وأكدت الصحيفة أن نتائج المواجهة مع إيران لم تصب في مصلحة الكيان، إذ حافظت طهران على تماسكها السياسي، وواصلت تطوير قدراتها النووية والعسكرية، بينما عجز الاحتلال عن تحقيق الأهداف التي أعلنها، ما جعل حصيلة المعركة أقرب إلى انتكاسة بعيدة المدى لا إلى إنجاز يمكن تسويقه داخلياً أو خارجياً.

ولم تقف تداعيات سياسات نتنياهو عند حدود الملف الإيراني، بل امتدت إلى علاقات الكيان مع حلفائه وشركائه الدوليين والإقليميين. فقد أدت مغامراته المتكررة إلى تراجع الدعم السياسي للاحتلال، وزيادة تردد الحلفاء في الانخراط في مواجهة جديدة ضد إيران، خشية اتساع رقعة الحرب وارتفاع كلفتها الأمنية والاقتصادية.

وتبدو خطورة الاعتراف العبري في أنه ينسف الرواية التي حاول نتنياهو ترسيخها لسنوات، ومفادها أنه الأكثر قدرة على حماية الكيان من إيران. فالمحصلة، وفق ما تظهره التحليلات الإسرائيلية نفسها، أن سياساته عمّقت عزلة الاحتلال، وقلّصت هامش حركته، وأضعفت قدرته على حشد التأييد الدولي لمواقفه.

وفي السياق ذاته، حذر رئيس حزب “يسرائيل بيتنا” المعارض، أفيغدور ليبرمان، من استمرار النهج الذي تتبعه حكومة نتنياهو، معتبراً أنها تدفع الكيان نحو مزيد من الانقسام الداخلي، وتفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية، في لحظة يواجه فيها تحديات أمنية واستراتيجية متزايدة.

وأكد ليبرمان أن حكومة الاحتلال الحالية تضع بقاءها السياسي فوق الاعتبارات العامة، محذراً من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى تعميق الانقسامات وإضعاف الجبهة الداخلية، بما يجعل الكيان أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية والتهديدات الإقليمية.

وبذلك، يتحول النقاش داخل الإعلام العبري من سؤال “كيف نوقف إيران؟” إلى سؤال أكثر قسوة على نتنياهو: كيف تحولت سياساته إلى عامل قوة لطهران وعامل استنزاف للكيان؟ فالنتيجة التي تفرض نفسها اليوم أن الاحتلال لم يخرج من المواجهة أكثر أمناً، بل أكثر عزلة وانقساماً، بينما خرجت إيران أكثر حضوراً في معادلات المنطقة.

وفي الخلاصة، فإن اعتراف “معاريف” يعكس حجم الانقلاب في ميزان التقدير داخل الكيان: نتنياهو الذي وعد بكسر إيران انتهى إلى تعزيز موقعها، والذي روّج لنفسه باعتباره رجل الأمن الأول، قاد الاحتلال إلى عزلة أعمق وأزمة داخلية أخطر. إنها ليست مجرد إخفاقات سياسية متفرقة، بل سقوط لرؤية كاملة راهنت على الضغط والحرب، فإذا بها ترتد على أصحابها وتمنح إيران فرصة استراتيجية جديدة.

هرمز يشتعل مجدداً.. عدوان أمريكي على سواحل إيران وطهران ترد بضرب مواقع أمريكية في الكويت والبحرين

عاد التصعيد الأمريكي الإيراني إلى واجهة المشهد الإقليمي من بوابة مضيق هرمز، بعد عدوان أمريكي جديد استهدف مواقع ساحلية إيرانية جنوب البلاد، قابلته طهران برد عسكري مباشر ضد مواقع أمريكية في المنطقة، في تطور يهدد مسار وقف إطلاق النار ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة من الاشتباك البحري والعسكري.

وبحسب وسائل إعلام إيرانية، سُمع دوي عدة انفجارات في مدينة سيريك جنوبي إيران، قبل أن يتضح أن العدوان الأمريكي استهدف برج اتصالات في قرية طاهروي بمدينة سيريك، إلى جانب أنباء عن دوي انفجار في قرية ميسين بجزيرة قشم جنوبي البلاد، ما يشير إلى أن الهجوم طال منشآت رصد واتصال واستطلاع على الساحل الجنوبي الإيراني.

وأعلن حرس الثورة الإسلامية أن العملية الإيرانية جاءت “رداً حاسماً على الاعتداءات الأمريكية الأخيرة”، مؤكداً أن القوات الأمريكية هاجمت فجر اليوم 5 مواقع ساحلية إيرانية بذريعة اعتراض سفينة مخالفة في مضيق هرمز، في محاولة أمريكية، بحسب طهران، للالتفاف على ترتيبات الملاحة الجديدة وخلط ملف العبور البحري بالتصعيد العسكري.

وشدد حرس الثورة على أن إيران تتولى تنظيم حركة العبور في مضيق هرمز بموجب تفاهم إسلام آباد، مؤكداً أن التعامل مع السفن المخالفة سيكون “بقوة أكبر من السابق”، وأن أي اعتداء أمريكي جديد، مهما كانت ذرائعه أو حجم أهدافه، سيقابل بـ “رد ساحق”.

وفي بيان أكثر حدة، أكدت بحرية حرس الثورة أن إطلاق النار على السفن المخالفة يأتي لتذكير بقية السفن بـ “مسار العبور الآمن”، مشددة على أن العدوان الأمريكي العشوائي على سيريك لن يغيّر حقيقة إشراف إيران على المضيق، ولن يحل، بحسب تعبيرها، “لغز إشرافنا على المضيق”.

وذهبت بحرية الحرس إلى التحذير من أن القواعد الأمريكية في المنطقة لها حساب آخر، وأن الأمريكيين سيواجهون “الجحيم خلال هذه الأيام”، في إشارة إلى أن الرد الإيراني قد لا يقتصر على مسرح واحد، بل قد يمتد إلى مواقع الوجود العسكري الأمريكي في أكثر من دولة خليجية.

وفي هذا السياق، أعلن حرس الثورة الإسلامية تنفيذ هجوم بـ الصواريخ والطائرات المسيّرة استهدف مواقع عسكرية أمريكية في الكويت والبحرين، رداً على الاعتداءات الأمريكية، مؤكداً أن أي خرق جديد لوقف إطلاق النار أو اعتداء إضافي سيقابل برد أشد وأوسع، مع الاستمرار في تشديد الرقابة على الملاحة في مضيق هرمز والتعامل بحزم مع السفن المخالفة.

سياسياً، أدانت الخارجية الإيرانية بشدة العدوان الأمريكي على منشآت الرصد والاستطلاع على الساحل الجنوبي للبلاد، معتبرة أن الولايات المتحدة لا تولي أي أهمية أو مصداقية لالتزاماتها، وأن “نقض الوعود جزء لا يتجزأ من طبيعة نظامها”. كما ذكّرت طهران مجلس الأمن بمسؤوليته تجاه السلم والأمن الدوليين، مؤكدة عزمها على الدفاع عن سيادة إيران وسلامة أراضيها في مواجهة أي عدوان عسكري أمريكي.

واعتبرت الخارجية الإيرانية أن الاعتداءات الأمريكية تمثل انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة وخرقاً صريحاً لـ المادة الأولى من مذكرة التفاهم، محذرة من أن انتهاك وقف إطلاق النار سيؤدي إلى توقف كامل لجميع المسارات، بما يعني أن طهران تربط استمرار التفاهمات السياسية والأمنية بالتزام واشنطن العملي بوقف التصعيد.

وفي موازاة ذلك، توجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العراق لإجراء مشاورات مع كبار المسؤولين العراقيين بشأن العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، في خطوة تعكس تحركاً دبلوماسياً موازياً للرد العسكري، خصوصاً مع اتساع رقعة الاشتباك وارتباط العراق بحسابات الوجود الأمريكي ومسارات التهدئة الإقليمية.

أما عسكرياً، فقد أكد المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا أن القوات المسلحة طورت معدات أكثر تطوراً خلال حرب الأربعين يوماً، مشيراً إلى استخدام طائرات مسيّرة جديدة كانت في مراحل البحث والتطوير وتم تشغيلها أثناء الحرب، إلى جانب استخدام صواريخ محسنة ذات جودة أعلى خلال المواجهة الأخيرة.

وتكشف هذه التصريحات أن إيران لا تتعامل مع المواجهة بوصفها رداً لحظياً فقط، بل كجزء من معركة تطوير قدراتها العسكرية ورفع مستوى الردع أمام واشنطن. فالحديث عن مسيّرات جديدة وصواريخ محسنة يعني أن طهران دخلت مرحلة اختبار ميداني لمنظوماتها، بالتوازي مع تثبيت معادلة إدارة هرمز بالقوة والقواعد الجديدة.

وتتمحور خطورة التطورات الأخيرة حول ثلاث نقاط أساسية: الأولى أن واشنطن عادت إلى استهداف منشآت ساحلية إيرانية تحت ذريعة الملاحة، والثانية أن إيران ردت بتوسيع دائرة الاستهداف إلى مواقع عسكرية أمريكية في الكويت والبحرين، والثالثة أن طهران لوحت بوقف كامل للمسارات إذا استمر خرق وقف إطلاق النار أو محاولة الالتفاف على تفاهم إسلام آباد.

وبذلك، يدخل مضيق هرمز مرحلة اختبار جديدة بين واشنطن وطهران، عنوانها: لا عبور خارج القواعد الإيرانية، لا غطاء لعدوان أمريكي تحت ذريعة السفن المخالفة، ولا استمرار للتفاهمات إذا تحولت إلى غطاء للتصعيد. فالمعادلة التي تحاول إيران تثبيتها اليوم واضحة: أمن الملاحة يمر عبر احترام قواعد هرمز، وأي محاولة لكسر هذه القواعد ستقابل برد مباشر على المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة.

قبائل اليمن تعلن النفير العام: جهوزية شعبية وعسكرية لإنهاء العدوان والحصار واستعادة السيادة

شهدت محافظات حجة وريمة وعمران وذمار ومأرب والمحويت والجوف موجة واسعة من الفعاليات القبلية والشعبية المسلحة، أكدت خلالها القبائل اليمنية الجهوزية الكاملة والاستنفار الشامل لإنهاء العدوان والحصار، استجابة لدعوة قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، وتجديداً للثبات على الموقف الوطني والإيماني في مواجهة قوى العدوان والاحتلال وأدواتهما.

وتأتي هذه التحركات القبلية المتزامنة في سياق تصاعد الحراك الشعبي والقبلي الداعم لخيارات القيادة الثورية والقوات المسلحة، بما يعكس حالة تعبئة وطنية شاملة تتجاوز الطابع المحلي، وتؤكد أن القبيلة اليمنية ما تزال حاضرة في قلب معركة التحرر والسيادة، ومستعدة للدفاع عن الأرض والثروات والقرار الوطني.

في محافظة حجة، نظمت قبائل مديرية مبين نكفاً قبلياً مسلحاً وحاشداً، أعلنت فيه الاستعداد لتقديم التضحيات حتى إنهاء العدوان والحصار، مؤكدة ضرورة توحيد الصفوف ورص الجهود في مواجهة المؤامرات التي تستهدف الشعب اليمني أرضاً وإنساناً وسيادة واستقلالاً. وخلال الفعالية، أكد وكيل المحافظة أحمد الأخفش أهمية استلهام الدروس من تضحيات الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة الطغيان، مشيراً إلى أن فلسطين ستظل البوصلة المركزية في معركة الأمة ضد العدو الصهيوني والأمريكي. كما شدد مدير مديرية مبين منصور حمزة على استمرار أبناء المديرية في رفد الجبهات والدفاع عن الوطن، فيما أعلن بيان النكف النفير العام بعزيمة لا تلين، والاستعداد لتنفيذ خيارات القيادة الثورية في مواجهة أي تصعيد أمريكي أو إسرائيلي.

وفي محافظة ريمة، أقامت قبائل مديرية الجبين وقفة مسلحة حاشدة، أعلنت خلالها النفير العام والجهوزية الكاملة لإسناد القوات المسلحة حتى إنهاء العدوان والاحتلال. وأكد المشاركون أن أبناء الجبين سيظلون في مقدمة الصفوف دفاعاً عن السيادة الوطنية، مشددين على أن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا عبر إنهاء العدوان ورفع الحصار واستعادة الحقوق والثروات الوطنية. وجدد بيان قبائل ريمة مباركة مضامين خطاب قائد الثورة بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية، مؤكداً الوفاء لتضحيات الشهداء والجرحى والأسرى، والدعوة إلى توحيد الصفوف والعمل المشترك لتحرير الأراضي اليمنية واستعادة الاستقلال الكامل.

أما محافظة عمران، فقد شهدت عدداً من المديريات مسيرات راجلة نظمتها قوات التعبئة تحت شعار “جهوزية واستنفار لإنهاء العدوان والحصار”، شارك فيها أبناء عزل ومديريات متعددة، رافعين شعارات تؤكد الاستعداد لمواصلة التعبئة العامة، وتعزيز الاستنفار الشعبي حتى تحقيق الاستقلال الكامل. وأعلن المشاركون في عمران النفير العام وفتح مراكز التدريب والتأهيل، مؤكدين التفويض المطلق لقائد الثورة في اتخاذ الخيارات المناسبة لمواجهة العدوان، وداعين أبناء الشعب اليمني في مختلف المحافظات إلى تعزيز التلاحم الوطني والعمل المشترك حتى تحرير كامل الأراضي اليمنية واستعادة الثروات السيادية.

وفي محافظة ذمار، نظمت قبائل مديرية جبل الشرق لقاءً قبلياً مسلحاً موسعاً، امتداداً للحراك القبلي المتصاعد في مختلف المحافظات، أعلنت فيه الجهوزية العسكرية التامة لإنهاء الحرب والاحتلال وفك القيود والحصار عن الشعب اليمني. وأكد عضو مجلس النواب محمد المقداد أن قبائل جبل الشرق ستظل في مقدمة الصفوف المدافعة عن السيادة الوطنية والرافدة للجبهات بالمال والرجال، فيما شدد مدير المديرية محسن شقدم على أن هذه الهبة القبلية ليست للاستعراض، بل رسالة جهوزية لرفد القوات المسلحة بالمقاتلين، وانتزاع حقوق الشعب اليمني المنهوبة، ومواكبة خيارات القيادة في مواجهة الأخطار والتهديدات.

وجدد بيان قبائل جبل الشرق التأييد الكامل لمضامين خطاب قائد الثورة بمناسبة العام الهجري الجديد 1448هـ، مؤكداً التفويض المطلق له باتخاذ الخيارات المناسبة لإنهاء الحصار، والجهوزية العالية لمواجهة أي تصعيد من قبل التحالف الصهيو-أمريكي تجاه غزة أو أي ساحة في محور القدس والجهاد والمقاومة، والتمسك الثابت بمعادلة “وحدة الساحات”.

وفي محافظة مأرب، أعلنت قبائل مديريات بدبدة والقراميش وصرواح في وقفات قبلية مسلحة الجهوزية القتالية لمواجهة الأعداء، وتنفيذ خيارات قائد الثورة، والتعبئة العامة لانتزاع ثروات الشعب اليمني من أيدي الغزاة والمرتزقة. وتعكس هذه التحركات في مأرب أهمية المحافظة في معركة السيادة والثروة، باعتبارها إحدى الساحات المركزية في الصراع على القرار الوطني والموارد اليمنية.

وفي محافظة الجوف، جاءت مشاركة قبائل بني نوف لتضيف زخماً قبلياً وسياسياً مهماً إلى موجة النفير العام، حيث أعلنت كبرى قبائل المحافظة الجهوزية العسكرية التامة للمضي في كل الخيارات التي يتخذها قائد أنصار الله لإنهاء العدوان والحصار المستمر منذ 11 عاماً. وجددت قبائل بني نوف تفويضها الكامل للقيادة، مؤكدة أن القيود الاقتصادية الأمريكية السعودية الإماراتية لن تزيد اليمنيين إلا إصراراً على استعادة الحقوق، وتحرير الأرض، وتمكين الشعب من العيش بكرامة والاستفادة من ثرواته الوطنية.

وفي محافظة المحويت، شهدت مديرية الرجم نكفاً قبلياً مسلحاً واسعاً، أعلنت خلاله القبائل الجهوزية الكاملة والاستنفار الشامل لمواجهة التحديات وإنهاء العدوان والحصار. وأكد المشاركون أن اليمن سيظل عصياً على الغزاة والطامعين بفضل صمود أبنائه ووحدة صفهم وتمسكهم بقيم العزة والكرامة. وخلال الفعالية، أكد مسؤول التعبئة العامة بالمحافظة أهمية رفع مستوى الجهوزية والاستنفار لمواجهة أي تصعيد يستهدف الوطن وسيادته، مشيداً بالمواقف الوطنية لقبائل الرجم وإسهاماتها في معركة الدفاع عن اليمن. كما شدد بيان النكف على استمرار التعبئة العامة والالتحاق بمراكز التدريب العسكري، وإعلان الجهوزية العالية لتحرير كامل الأراضي اليمنية من أي وجود أجنبي.

وتحمل هذه الفعاليات المتزامنة دلالات عسكرية وسياسية عميقة؛ فهي تؤكد أن القبائل اليمنية لم تعد تتعامل مع العدوان والحصار كملف سياسي قابل للمساومة، بل كمعركة تحرر وطني شاملة عنوانها السيادة، وهدفها إنهاء الاحتلال، واستعادة الثروات، وحماية القرار اليمني المستقل. كما تكشف عن ترابط واضح بين الجبهة الداخلية اليمنية والقضية الفلسطينية، إذ حضرت فلسطين وغزة ومحور المقاومة في بيانات القبائل بوصفها امتداداً طبيعياً لمعركة اليمن ضد المشروع الأمريكي الإسرائيلي، وباعتبار أن الموقف اليمني من فلسطين جزء من هوية الصراع لا تفصيلاً خارجياً.

واستراتيجياً، تعكس الوقفات والنكفات القبلية مستوى متقدماً من التلاحم بين القيادة الثورية والقبيلة والقوات المسلحة، وتؤكد أن أي تصعيد خارجي سيواجه بجبهة داخلية أكثر تماسكاً، وبحاضنة شعبية مستعدة لتحويل الموقف السياسي إلى فعل تعبوي وميداني.

في الخلاصة، فإن إعلان النفير العام والجهوزية في هذه المحافظات يمثل رسالة يمنية حاسمة إلى قوى العدوان والاحتلال: زمن الاستنزاف والحصار لم يكسر إرادة الشعب اليمني، بل صنع جبهة أكثر صلابة واستعداداً لخوض معركة التحرير والسيادة. فالقبائل التي حضرت اليوم بسلاحها ومواقفها وتفويضها للقيادة، تؤكد أن اليمن ماضٍ نحو إنهاء العدوان والحصار، واستعادة أرضه وثرواته، والانتصار لقضايا الأمة وفي مقدمتها فلسطين.

النظام الرَّسمي العربي.. امتداد وجودي لمشروع كيان الاحتلال الصهيوني وحارسُه الأمين

منذُ انطلاقةِ معركةِ طُوفانِ الأقصى المُباركِ بتاريخِ 7 أُكتوبر / 2023م بقيادةِ المُقاومةِ الإسلاميَّةِ، والوطنيَّةِ الفلسطينيَّةِ في قطاعِ غزَّةَ، واستمرار ذلكَ الطُّوفانِ، أَو الزِّلزالِ حَتَّى يومِنا هذا في منطقتِنا العربيَّةِ والإسلاميَّةِ، وما زالتْ ارتداداتُها، وتأثيرها الإيجابيُّ، والسِّلبيُّ يطوفُ على أرجاءِ كُرتِنا الأرضيَّةِ.

​إنَّ صُمودَ قياداتِ عناصرِ المُقاومةِ الفلسطينيَّةِ، وعمومِ الشَّعبِ الفلسطينيّ، وثباتَها في الدَّاخلِ والخارجِ كانَ لهُ الأثرُ المُباشرُ، والكبيرُ في كشفِ وتعريةِ الأساليب الوحشيَّةِ النَّازيَّةِ التي ارتكبتْها جحافلُ جيشِ العدوّ الإسرائيليّ الصُّهيونيّ، وحليفتِهِ الاستراتيجيَّةِ في المنطقةِ، وهي جيشُ أمريكاUSA وبمُساعدةٍ استخباريَّةٍ قذرهٍ من جيشِ بريطانيا (العُظمى).

كُـلّ هؤلاءِ القَتَلَةِ المُجرمينَ قد مارسُوا طيلةَ عامينِ ونيفٍ أبشعَ جرائمِ الحربِ، وضدَّ الإنسانيَّةِ، وأعمالَ إبادة جماعيَّةٍ، وتطهيرًا عرقيًّا غيرَ مسبوقٍ من قتلٍ وتعذيبٍ وتشريدٍ دونَ رحمةٍ، وتدميرٍ للبُنى التحتيَّةِ من غيرِ شفقهٍ، قد استنكرَتْها مُعظمُ دولِ العالمِ، وشعوبِها الحُرَّةِ، تلكَ الإباداتُ الجماعيَّةُ قد تمَّ إدانتُها بقراراتِ محكمةِ العدلِ الدَّوليَّة.

​ولتذكيرِ القارئِ اللبيبِ بأنَّ كيانَ العدوّ الإسرائيليّ قد أحكمَ إغلاقَ منافذِ قطاعِ غزَّةَ، وأبوابها، وأسوارها؛ لمنعِ إدخَال الغذاءِ بجميعِ أنواعهِ، وكذلكَ منعِ المياهِ الصَّالحةِ للشُّربِ، ومنعِ الأدوية، والتجهيزاتِ الطِّبيَّةِ، بلْ والأغطيةِ، والخيامِ لإيواءِ النَّازحينَ المُهجَّرينَ قسرًا من مُدنِهِم، ومواقعِ سكنِهِم، ومواطنِ حمايتِهِم من بردِ الشَّتاءِ القارسِ الذي عذَّبَ آلافَ الأطفال وكِبارِ السِّنِّ مِنَ الرجالِ والنساءِ؛ كي يمنعَ حمايتَهُم من صقيعِ بردِ الشِّتاءِ الذي لا يرحمُ أحدًا.

​وللتذكيرِ هُنا عمَّا صنعَ الحُكَّامُ العربُ، وبالذاتِ الخلايجةُ منهُم للتخفيفِ من مُعاناةِ أهلِنا الفلسطينيينَ المُحاصَرينَ في قطاعِ غزَّةَ طيلةَ زمنِ الحِصارِ..

هؤلاءِ العربانُ البُعرانُ، بدلًا من الضَّغطِ على كيانِ العدوّ الإسرائيليّ الصُّهيونيّ؛ كي يفتحَ المعابرَ لدُخُولِ احتياجاتِ أهلِنا في قطاعِ غزَّةَ،

فقدْ فتحوا ميناءَ جبلِ علي في الإمارات المُتحدةِ، وميناءَ المنامةِ في مملكةِ البحرينِ؛ لإيصال جميعِ الموادِّ الغذائيَّةِ الطَّازجةِ والمُعلَّبةِ القادمةِ من أسواق الهندِ الواسعةِ، وبعضِ الأسواق الآسيويَّةِ، وتفريغِها في الميناءَينِ العربيينِ، لكي يتمَّ نقلُها برًّا عبرَ الحُدودِ الإماراتيَّةِ، والمملكةِ السعوديّة وأراضي مملكةِ الأردنِ (الهاشميَّةِ)؛ لتمرَّ النّاقلاتُ الحديثةُ المُزوَّدةُ بأحدث أجهزة التبريدِ، والتثليجِ للحفاظِ على الموادِّ الغذائيَّةِ والخضراواتِ، والفواكهِ لتصلَ إلى أرضِ فلسطينَ المحتلّةِ طازجةً؛ كي ينعمَ، ويتلذَّذَ بها جنودُ الاحتلال الإسرائيليّ، أليس هذا سُلوكًا مأفونًا غريبًا عجيبًا من هؤلاءِ الحُكَّامِ الأشقَّاءِ الأعراب؟!.

​ولتذكيرِ القارئِ اللبيبِ بأنَّ ستَّ دولٍ عربيَّةٍ (شقيقةٍ) مُطبِّعةٍ، وغيرِ مُطبِّعةٍ مع كيانِ العدوّ الإسرائيليّ، وهي: المملكةُ السعوديّةُ، ومِصرُ، والأردنُ، وقطر، ومشيخةُ الإمارات المُتحدة، والبحرين، يجتمعُ مُمثلو رئاسةِ الأركان في جيوشِ هذهِ البلدانِ العربيَّةِ مع مُمثلينَ من جيشِ العدوّ الإسرائيليِّ، يجتمعونَ بشكلٍ دوريٍّ؛ لمُناقشةِ موضُوعاتٍ مُشتركةٍ تهمُّ هؤلاءِ الحُكَّامِ الخَوَنَةِ للأُمَّـة كلِّها، يجتمعونَ بشكلٍ مُنتظمٍ وعلنيٍّ في ظلِّ العُدوانِ الوحشيّ للجيشِ الإسرائيليّ على قطاعِ غزَّةَ الذي ذهبَ ضحيَّتَه ما يزيدُ على 240.000 شهيدٍ وجريحٍ (مِئتينِ وأربعينَ الفَ) شهيدٍ وجريحٍ، ترى ماذا كانوا يناقشُ هؤلاءِ الأْعْرَاَبُ العساكرُ؟ وإخوانُهُم في غزَّةَ يُذبحونَ مِنَ الوريدِ إلى الوريدِ، أطفال ونساءٌ، وشيوخٌ؟، تُرى ماذا كانوا يأكلونَ في وجباتِهِمُ الدَّسمةِ؟ وماذا كانوا يقولونَ وهُم يحتسونَ القهوةَ العربيَّةَ من صنفِ (موكا كافيه)؟

إنَّهُ أمر مُحزنٌ، ومُحيِّرٌ، وخطيرٌ وكارثيٌّ على مُستقبلِ أمَّتِنا العربيَّةِ والإسلاميَّةِ!!!.

​وهُنا أودُّ تذكيرَ القارئ العربيّ اللبيبِ فحسب، مَن يتذكَّرُ مهرجانَ الرَّبيعِ العبريّ، ذلكَ الرَّبيعُ الذي تضافرتْ فيهِ جهودُ أربعةِ دولٍ: هي المملكةُ السعوديّةُ، ومشيخةُ قطر، ومملكةُ الأردنِ وتركيا أردوغان الإخونجيَّة، وشكَّلوا غرفتَي عمليَّاتٍ في الأردنِ وتركيا؛ مِن أجلِ تسهيلِ دخولِ (المُجاهدينَ) المرتزِقةِ إلى حدودِ الجُمهوريَّةِ العربيَّةِ السُّوريَّةِ، ووظَّفتْ إمارةُ قطر وحدَها مبلغًا يزيدُ على 137 مليارَ دولارٍ أمريكيٍّ لمُهمَّةِ إسقاط النظامِ العربيِّ السُّوريِّ المُقاومِ لكيانِ العدوّ الإسرائيليّ.

أمَّا المملكةُ السعوديّةُ فقد خصَّصتْ ترليونَي دولارٍ أمريكيٍّ لهذهِ المُهمَّةِ (الإسلاميَّةِ) العظيمةِ، جاءتْ هَذِهِ المعلوماتُ على لسانِ الشَّيخِ / حمد بن جاسم آل ثاني – رئيسِ وزراءِ قطر، ووزيرِ خارجيَّتِها السَّابق.

​وبعدَ أن تمَّ إسقاط النظامِ السُّوريّ بالوفاءِ والتَّمامِ تسنَّى لجيشِ العدوّ الإسرائيليّ الدُّخولُ إلى الأراضي السُّوريَّةِ إلى بُعدِ عشرينَ “كم” مِنَ العاصمةِ السُّوريَّةِ (منطقة قطنا)، وكذلكَ تمَّ رفعُ عَلَمِ العدوّ الإسرائيليّ الصُّهيونيّ على “جبلِ الشَّيخِ ” المُطلِّ على لبنانَ، وفلسطينَ، وسُوريا وأجزاء مُهمَّةٍ مِنَ الأردن.

​السُّؤالُ العريضُ المُوجَّهُ لهؤلاءِ الحُكَّامِ العربِ الأشاوسِ في {قطر، والأردن، والسعوديّة} الذين بذلُوا، وصرفُوا الملياراتِ والترليوناتِ؛ مِن أجلِ إسقاط النظامِ العُروبيّ السُّوريّ، لمصلحةِ مَن هذا العبثُ غيرُ الجميلِ، والعداءُ الممجُوجُ لأيِّ نظامٍ عُروبيٍّ يقفُ مع فلسطينَ، وقضيَّتِها العادلةِ؟

بطبيعةِ الحالِ كانَ الهدفُ السَّامي لإسقاط النظامِ السُّوريِّ هو مِن أجلِ أن يتوسَّعَ المشروعُ الإسرائيليُّ الصُّهيونيُّ، أليسَ كذلكَ؟.

​دفعَ النظامُ العربيُّ الرسميُّ – وتحديدًا دولَ الخليجِ الأعْرَاَبِيّ الخلايجيَّة – الحُكومةَ اللبنانيَّةَ الصُّوريَّةَ “الرَّئيسَ، ورئيسَ الوزراءِ” إلى التوجّـه إلى الصُّلحِ والتَّطبيعِ والانبطاح لكيانِ العدوّ الإسرائيليّ المحتلّ لأجزاء غاليةٍ من لبنانَ، وبوساطةِ الحُكومةِ الأمريكيَّةِ الصُّهيونيَّةِ المُنحازةِ كليًّا إلى العدوّ الإسرائيليّ، وتمَّ – خلالَ هذا الأسبوع- التوقيعُ في واشنطنَ من قبلِ مُمثلي الحُكومتينِ إلى جانبِ توقيعِ الأمريكانِ على تلكَ الوثيقةِ الانبطاحيَّةِ، وتمَّ إعطاء مُميِّزاتٍ كبيرةٍ للكيانِ الإسرائيليّ لم يكنْ يحلمُ بها، الهدفُ هو قطعُ الطريقِ وإفساد نتائجِ التضحياتِ الكبرى للمُقاومةِ الإسلاميَّةِ في لبنانَ، وأن هناكَ وثيقةً مُهمَّهً جِـدًّا جدًّا جِـدًّا تمَّ التوقيعُ عليها بينَ الجمهوريَّةِ الإسلاميَّةِ في إيران وأمريكاUSA وبواسطةٍ من جمهوريَّةِ باكستانَ الإسلاميَّةِ.

​نعم لقد كانَ هدفُ النظامِ السياسيِّ لدولِ الخلايجة هو قطعُ الطريقِ على نجاحِ أي اتّفاق يحدُثُ بينَ الجُمهوريَّةِ الإسلاميَّةِ في إيران وأمريكا سيِّدتِهِم، وحاميةِ حِمى بلدانِهِم، وأسرِهِم، وعائلاتِهِمُ الحاكمةِ، لكن نقولُ بأنَّ عجلةَ الزَّمنِ التاريخيَّةِ قد دارتْ دورتُها، وشوكتُها بعكسِ جميعِ المصالحِ والمشاريعِ الصُّهيونيَّةِ الأمريكيَّةِ الإسرائيليَّةِ الأعرابيَّةِ.

​هُناكَ ملحوظةٌ تاريخيَّةٌ مُهمَّةٌ جِـدًّا يجبُ تدريسُها، وتعليمُها الأجيال العربيَّةَ المُتعاقبةَ بأنَّ ما سُمِّيتْ حربَ نكسةِ حُزيران 1967م، وهزيمةِ الجيوشِ العربيَّةِ فيها، فإنَّ

ملفَّاتِ الاستخباراتِ الأمريكيَّةِ – التي تمَّ الإفراج عنْها – أكّـدتْ أنَّ هذهِ الهزيمةَ كانتْ بسَببِ تآمُرِ أسرة آل سُعود، وملكِها يومَذاكَ / فيصل بن عبدالعزيز مع الحُكومةِ الأمريكيَّةِ؛

مِن أجلِ إسقاط الزَّعيمِ العربيّ / جمال عبدالناصر – رحمةُ اللهِ عليهِ-، ومضمُونُ ذلكَ التآمُرِ هو في كيفيَّةِ إضعافِ توجّـه الزَّعيمِ جمال عبدالناصر الذي قادَ حركةَ التحرّر الوطنيّ في إفريقيا، وآسيا، وكذلكَ

قدَّمتِ السعوديّةُ دعمًا ماليًّا مُباشرًا؛ لشراءِ أسلحةٍ أمريكيَّةٍ؛ لدعمِ جيشِ كيان الاحتلال الصُّهيونيّ، وهذا ما أُميطَ اللِّثامُ عنهُ من خبايا وأسرارِ حربِ نكسةِ حُزيران.

​الخُلاصة:

ـــــــــــــــ

هذهِ معلوماتٌ وبياناتٌ أصبحتْ منشورةً ومعروفةً للقاصي، والدَّاني عبرَ وسائلِ الإعلامِ العامَّة التي تظهرُ سلوكَ ومُمارساتِ عددٍ مِنَ النُّظمِ العربيَّةِ تُجاهَ عدوِّنا الإسرائيليّ الصُّهيونيّ اللَّدودِ، هذا العدوّ المحتلّ لأرضِ فلسطينَ كلِّها، وأراضٍ من بلدانٍ عربيَّة أخرى، وكيفيَّة ارتباط تلكَ النُّظمِ العربيةِ الرسميةِ العميلةِ بالمشروعِ الأمريكيّ الصُّهيونيّ الخادمِ المُطيعِ وحامي مشروعِ كيان الاحتلال الإسرائيليّ الصُّهيونيّ.

​{وَفَوْقَ كُـلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيْمٌ}.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أ.د.عبدالعزيز بن حبتور

كربلاء نموذج كاشف لعواقب التفريط

تمثل كربلاء نموذجًا حيًّا كاشفًا لعواقب التفريط في الوعي القرآني والمفهوم العام للرسالة الإلهية؛ فالدين الإسلامي الحنيف ارتكز على أَسَاس التحرك بالعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ونحن نرى اليوم تمزُّقَ الأُمَّــة وغيابَ مسؤوليتها في الحفاظ على هذا الدين، ولنا في ذكرى التاريخ غُصة الظلم الجائر الذي حاق بعترة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكيف تحولت أسرة آل البيت إلى مستهدَفين من بعد وفاة سيد الخلق، على الرغم من الوصية والعهد الصريح في يوم الغدير حين رفع النبي يد الإمام علي عليه السلام قائلًا “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”.

ومما يدعو للعجب والأسى أن نرى الأُمَّــة اليوم تقسم ولاءَها وتفرّط في تولي أعلام الهدى، وتنزلقُ بوعيها تحت تأثير مخطّطات وثقافات دُست في كتب مهجَّنة بطابع يهودي خبيث، جعلت البعض يصلي ويصوم وفي قلبه عداءٌ لآل البيت، وكأن مشروع الرسالة انتهى بوفاة الرسول ولا حقَّ لعترته سوى التهميش ومواجهة الأحاديث المفبركة التي تخدم حكام الجور.

حقيقة النهضة الحسينية وأبعاد الفاجعة الكبرى

لقد كان الإمام علي (عليه السلام) نتاج تربية رسول الرحمة وصهره الملازم له.

وتحَرّك الإمام الحسين (عليه السلام) كان ذروة الحرص على جوهر الدين ومبادئه؛ فالحقيقة الساطعة هي أن آل بيت المصطفى هم أحرص الناس على عزة الأُمَّــة، ومع ذلك كان جزاؤهم السيف والقتل العنيف والتشريد.

ونحن نرى في يوم عاشوراء حادثتين تاريخيتين تحملان دلالات عميقة وعبرة بليغة للأجيال؛ الأولى تتجلى فيها قوة الله سبحانه وتعالى بنصرة المؤمنين وإسقاط الطغيان من خلال إغراق فرعون وجنوده عند خروج نبي الله موسى (عليه السلام)، والثانية هي الفاجعة الكبرى المؤلمة التي تجسد فيها الطغيان والوحشية الأموية بما أقدم عليه يزيد بن معاوية الذي خرج بجيش جرار لقتل الإمام الحسين ومعه اثنان وسبعون شخصًا فقط من خيرة المناصرين، ليستبيح الدماء الطاهرة ويسبى نساء بيت النبوة عندما غفلت الأُمَّــة عن دينها وسقط وعيها الجمعي.

انتصار الطغيان المادي وتبعات غياب الوعي الإيماني

لقد انتصر الطغيانُ المادي على الحق في كربلاء والسبب الرئيسي هو التفريطُ في الوعي وعدم تحمل المسؤولية الإيمانية والجهادية في الإسلام، مما تسبب في زعزعة استقرار الأُمَّــة بعد تلك الجريمة الشنعاء.

ومن العجيب والمؤسف أن نجد في عصرنا الحالي، وتحديدًا في هذا العام 2026م، من يتقدمون صفوف المصلين ولا يزالون يترضون على يزيد ومعاوية، متناسين مواقف الإمام علي الإيمانية والعدلية العظيمة التي ثبتت أركان الدين.

إن هذا التناقض والولاء الأعمى يمثل خسارة حقيقية في الدنيا والآخرة، وينطبق على هؤلاء المفرطين قول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز:

(قل هل ننبِّئُكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسِنون صُنعًا، أُولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالُهم فلا نقيمُ لهم يومَ القيامة وزنًا).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحيى صالح الحَمامي

كربلاء: ملحمة الدم الذي هزم السيفَ وصنع التاريخ

default

كان العاشر من محرم زلزالًا أعاد ترتيب وعي البشرية.. لقد حوّلت دماء الحسين عليه السلام ذلك اليوم الراكد في تقويم الزمن إلى ثورة متجددة، لا تَخبو جذوتها ولا يقلّ أثرها.

وبلمسةٍ من جلال التضحية، تحولت كربلاء من مُجَـرّد امتداد رمليّ صامت في جوف الصحراء، إلى قطب رحى الأحرار، ومدرج صعود الشرفاء، وقبلةٍ يتجه إليها كُـلّ من رفض الضيم وتنفّس الحرية.

الحسين: وهج الزمان وعنفوان المكان

لقد منح الحسين عليه السلام للزمان عُمرًا لا ينتهي، وللمكان جغرافيةً لا تحدّها حدود.

كانت شهادتُه إعادة صياغة لكرامة الإنسان.

وكما يمسك الوتد الأرض أن تميد، كانت دماء الحسين الوتد الذي حفظ سفينة الإسلام من الأمواج العاتية للانحراف والزيف، فصان جوهر الرسالة المحمدية، وكسر أصفاد الخنوع، ليثبت للعالمين أن الموت في سبيل الحق هو الخلود بعينه، وأن الحسين سيبقى دائمًا ركنًا وثيقًا لشريعة جده المصطفى.

 أهل القضية: أقمار في فلك الحسين

كان الحسين محاطًا بصفوةٍ تشرّفت بهم الأرض، أهل بيته الأطهار وأصحابه الميامين، الذين صاغوا بأرواحهم أروع ملاحم الوفاء.

 زينب الحوراء:

التي حملت كربلاء في قلبها ولسانها، فكانت صوت الحسين الهادر في عروش الطغاة، مكملةً بدموعها وصبرها وصمودها خطّ الثورة، ومحولةً الأسر إلى نصر مؤزر.

 العباس قمر بني هاشم:

 الذي جسّد الأُخوَّة في أسمى معانيها، فصار رمزًا للإيثار والشجاعة، ونهرًا يرتوي منه كُـلّ ظامئ إلى قيم الوفاء والتضحية.

 الأصحاب والأهل:

 أُولئك الذين تسابقوا إلى الموتِ مستبشرين، فرأوا في سيوف الأعداء بواباتٍ نحو الخلود، ولم يبالوا أوقَعوا على الموت أم وقع الموت عليهم، فصاروا منارًا لكل من بذل نفسه دون عقيدته ومبدئه.

 ثورةٌ عابرة للقرون

حين حاصرت سيوف الظلم والجور الحسين وأهله في بقعةٍ ضيقة ولأيامٍ معدودة، ظنّ القتلة أنهم يطوون صفحة الحسين إلى الأبد.

لكن المفارقة التاريخية الكبرى تجلّت في أن تلك الدماء الزكية حاصرت السيوف وصنّاعها في كُـلّ عصر ومصر.

وها نحن اليوم، بعد أكثرَ من أربعة عشر قرنًا، نقفُ أمامَ ذكرى عاشوراء وكأن صداها يتردّدُ في مسامعنا الآن، غُضةً طرية، عصيةً على المحو والتهميش.

لقد مات الطغاةُ وصاروا رُكَامًا تذروه الرياح، وبقي الحسينُ وأهلُه وقضيتُه شمسًا تشرق في قلوب الملايين، تنبض بالعزة، وتلهم الثوار،

وتؤكّـد أن الحق -مهما قلّ ناصروه- منتصِر لا محالة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد الظفيري

نساء صنعن التاريخ.. حين أيقظن الضمير النائم

أيها الناس..

لطالما قيل إن التاريخ يكتبه الرجال، وإن المواقف العظيمة تصنعها السيوف، وإن البطولات تقاس بالدم الذي يُراق في ساحات الوغى.

لكنني أقف اليوم لأقول لكم: التاريخ أَيْـضًا تكتبه النساء، والمواقف العظيمة تصنعها الكلمات النابعة من قلوب مؤمنة، والبطولات تقاس أَيْـضًا بالصبر والثبات والإخلاص الذي تتحلى به أُولئك النسوة اللواتي خضن غمار المعركة، ليس بسيوفهن، بل بإيمانهن، وبصبرهن، وبكلماتهن التي أيقظت ضمائر الرجال، وغيرت مسار الأحداث، وأثرت في التاريخ.

في أزقة الكوفة.. وقفت امرأة ولم يخذلها الوفاء

حين تخلى أهل الكوفة عن مسلم بن عقيل، وتفرقوا عنه كالفراش، وتركوه وحيدًا في شوارعهم، بعد أن كانوا قد بايعوه بالآلاف، لم يبق له ملجأ إلا دار امرأة مؤمنة عرفت بالوفاء.

كانت طوعة، مولاة بني هاشم، امرأة آوت مسلم بن عقيل في بيتها عندما كان مطاردًا، وقدمت له الماء والسند، وهي تعلم خطورة الموقف.

لم تتردّد طوعة لحظة، ولم تخف من تهديدات عبيد الله بن زياد، ولم تخن الأمانة.

فأجارته، وسترته، وحمتْه، مع أنها كانت تعلم أن ابنها بلال قد خرج مع الناس، وأنها تقف وحدها في وجه جبروت السلطة.

طوعة كانت نموذجًا للوفاء حين يتخلى الرجال، ونموذجًا للشجاعة حين يسود الخوف، ونموذجًا للثبات حين ينهار الضعفاء.

هي المرأة التي علمتنا أن الوفاء لا يقاس بالعدد، وأن المواقف العظيمة لا تُصنع بالأجساد وحدها، بل بالقلوب التي لا تعرف الخيانة.

حين أيقظت دلهم ضمير زوجها.. كيف تغير مسار التاريخ؟

في طريق العودة من الحج، كانت القافلة تسير، وفيها زهير بن القين وزوجته دلهم.

كان زهير يكره أن يلتقي بالحسين عليه السلام، وكان يتحاشاه، ويبتعد عنه، ويغيّر طريقه كلما رأى قافلة الحسين تتجهُ نحوَه.

كان عُثمانيًّا، وكان يظن أن الابتعاد عن الحسين هو الخيارَ الأسلم.

لكن القدر شاء أن تنزل القافلتان في مكانٍ واحد.

فأرسل الحسين إلى زهير يدعوه للقائه.

فرفض زهير، وقال: “والله ما خرجت من مكة إلا خشية لقائه”.

كان رفضُه قاطعًا، وكان عازمًا على ألا يلتقيَ بالحسين، حتى لا يضطرَّ إلى اتِّخاذ موقف.

لكن زوجته دلهم، تلك المرأة المؤمنة الواعية، لم تقبل أن يبقى زوجُها على هذه الحال.

خرجت من خبائها، ووقفت أمامه، وقالت له كلمتَها التي غيَّرت مجرى التاريخ: “يا سبحانَ الله، أيبعثُ إليك ابنُ رسول الله ثم لا تأتيه؟ ما ضرُّك لو أتيته فسمعت كلامَه ورجعت؟”.

تلك الكلمات كانت كالصاعقة التي أيقظت ضميرَ زهير.

خرج من خيمته، وذهب إلى الحسين، وتحدث معه، وعاد وقد أشرق وجهَه، واستبشر قلبُه.

أمر بفسطاطه أن يحمل إلى الحسين، ثم ودَّعَ زوجته وقال لها: “أنت طالق، الحقي بأهلك، فإني لا أحب أن يصيبك؛ بسَببِي إلا خيرًا”.

وكان آخر عهده بها في الدنيا.

لقد غيَّرت دلهم مسارَ حياة زوجها في لحظة.

جعلته من العثماني المتحاشي، إلى المحب المجاهد، إلى الشهيد البطل الذي قاتل حتى نال شرفَ الشهادة في كربلاء.

هي التي أيقظت ضميرَه، وهي التي هدته إلى الطريق، وهي التي علَّمتنا أن الكلمة الطيبة الصادقة قد تكون أقوى من السيف، وأن تأثير المرأة قد يغير مصير رجل، بل قد يغير مسار التاريخ.

زوجة مسلم بن عوسجة.. حين جهزت ابنها بعد زوجها

لم تكن دلهم وحدَها.

فهناك نساءٌ أُخريات خضن غِمارَ المعركة بأرواحهن وأبنائهن.

زوجة مسلم بن عوسجة الأسدي، حين استشهد زوجُها في كربلاء، لم تكتفِ بالبكاء والحزن، فقد أخذت تشجِّعُ ابنَها خَلَف، ودفعته إلى الخروج للقتال إلى جانب الحسين.

وقالت له: “يا بني، اختر نصرةَ ابن بنت النبي على سلامة نفسك، وإن اخترت سلامتَك فلن أرضى عنك”.

وبرز خلف إلى المعركة، وقاتل حتى استشهد، وأُمُّه تناديه من خلفه: “أبشر يا ولدي، إنك ستسقى من ماء الكوثر”.

ثم جاء أهلُ الكوفة برأس خلف إلى أمه، فاحتضنت الرأس، وقبَّلته، وبكت، وبكى معها الحاضرون.

إنها أُمٌّ تعلم أن الجهادَ في سبيل الله لا يعرف التوقف، وأن الشهادةَ بداية حياة أُخرى، وأن الولاء للحسين هو الطريق إلى الخلود.

رقية الكبرى.. زوجة مسلم بن عقيل التي قدَّمت أبناءَها فداءً

ومن النساء المؤمنات اللواتي خرجن مع أزواجهن، وقدمْن أبناءَهن فداءً للحسين عليه السلام، السيدة رقية الكبرى بنت علي بن أبي طالب عليه السلام، زوجة مسلم بن عقيل.

بعد استشهاد زوجها مسلم بن عقيل، وقف الإمام الحسين عليه السلام يعزّيها، ويمسح على رؤوس أبنائها، ويعظِّم لهم الأجر.

فما كان من هذه السيدة الجليلة إلا أن قدمت أبناءَها فداءً للحسين، فخرج عبدُ الله بن مسلم بن عقيل إلى الميدان، وهو يقول: “اليوم ألقى مسلمًا وهو أبي، وعصبةً بادوا على دين النبي”.

قاتل عبد الله حتى استشهد، وأُمُّه تشاهدُ المشاهدَ الرهيبة ومصارعَ الأحبة على رمضاء كربلاء، وهي تصبر وتصابر وتحتسب ذلك في سبيل الله.

ثم خرج ابنها محمد واستشهد أَيْـضًا في كربلاء.

لقد كانت رقية نموذجًا للمرأة المؤمنة التي تقدم كُـلّ ما تملك في سبيل الله، والتي لا تتردّد في التضحية بأغلى ما لديها؛ مِن أجلِ الحق، والتي تعلم أن الشهادة في سبيل الله هي أعلى مراتب العز.

من الماضي إلى الحاضر.. دور المرأة في ساحات النضال والبناء

أيها الناس.. هذه النماذج هي دروس حية نتعلم منها في واقعنا المعاصر.

إن دور المرأة في نهضة الأُمَّــة لا يقل أهميّة عن دور الرجل، فقد يفوقه في بعض الأحيان، حين تتحلى المرأة بالوعي والإيمان والقدرة على التأثير.

في زماننا هذا، ونحن نواجه تحديات كبرى، ونحن في ساحات النضال والبناء، نحتاجُ إلى نساءٍ مثل طوعة، تعرفن معنى الوفاء والثبات، ومثل دلهم، تعرفن كيف يوقظن الضمائر، ومثل زوجة مسلم بن عوسجة، تعرفن كيف يربين أبناءهن على الجهاد والتضحية، ومثل رقية الكبرى، تعرفن كيف يقدمن الغالي والنفيس في سبيل الله.

إن نساءنا هن المجتمع كله، وهن صانعات الأجيال، وهن المعلمات الأوليات، وهن اللواتي يغرسن في نفوس أبنائهن حب الدين، ويغرسن في قلوب أزواجهن روح التضحية والجهاد.

فإذا صلحت النساء صلح المجتمع كله، وَإذَا فسدت النساء فسد المجتمع كله.

رسالة إلى نساء الأُمَّــة

إنني أوجه رسالتي هذه إلى كُـلّ امرأة مؤمنة في هذه الأُمَّــة، أقول لها: أنت قادرة على صُنْع التاريخ، وقادرةٌ على تغيير المجتمعات، وقادرةٌ على إيقاظ الضمائر، وقادرةٌ على تربية الأجيال.

لا تقللي من شأن نفسك، ولا تظني أن دورَك محدودٌ في البيت فحسب.

أنتِ مدرسة إذَا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعـراق.

في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها أمتنا، نحتاج إلى نساء يربين أبناءهن على حب آل البيت، وعلى الولاء لهم، وعلى الجهاد في سبيل الله، وعلى عدم الخوف في الله لومة لائم.

نحتاج إلى نساء يربين أبناءَهن على الكرامة والعزة، ويرفضن الذل والهوان.

نحتاج إلى نساء مثل دلهم، يوقظن ضمائرَ أزواجهن، ويذكرونهن بمسؤولياتهم تجاه دينهم وأمتهم.

نحتاج إلى نساءٍ مثل طوعة، يوفين بالعهود، ويستجرن المحتاجين، وينصُرْنَ الضعفاء.

نحتاج إلى نساءٍ مثل رقية الكبرى وزوجة مسلم بن عوسجة، يربين أبناءَهن على البطولة والشهادة، ويقدمن الغاليَ والنفيسَ في سبيل الله.

أيها الناس..

إن قصةَ نساء كربلاء هي منهجُ حياة، ودروسٌ نتعلَّمُها، وقِيَمٌ نتمسَّكُ بها.

إن هؤلاءِ النسوةَ صنعن التاريخَ، وغيّرن مسارَ الأحداث، وكن قُدوةً حسنةً للأجيال القادِمة.

فليكُنْ لنا فيهن أُسوةً، ولنستلهمَ من صبرهن وثباتهن وإيمانهن القوةَ والعزيمةَ، ولنعمل جميعًا، رجالًا ونساءً، على بناء أُمَّـة قوية، متمسكة بدينها، وفية لأهل بيت نبيها، قادرة على مواجهة التحديات، وصناعة المستقبل.

وإن العاقبة للمتقين، وإن النصر للمؤمنين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بشير ربيع الصانع

جنوب اليمن: بين فِخاخ التشطير وقُدسية التحرير

قبل أن نبدأ الحديث عن حجم المعاناة وكمية المأساة وقسوة الحياة التي آل إليها جنوبنا اليمني المحتلّ في ظل تراكم الصراعات السياسية والأطماع الخارجية، دعوني أضع بين أيديكم هذه الأسئلة الجوهرية:

🔹بين نزيف التشطير ونور التحرير: هل يغفر التاريخ؟

🔹لماذا نبيعُ السيادة بأوهام “الانفصال”؟

🔹بين فخاخ التمزق وقدسية الحلم..

أين يسكنُ قلب اليمن؟

في ممرات التاريخ اليمني المعقّدة، يقف “الجنوب” اليوم كأيقونة مثقلة بالندوب، ومساحة جيوسياسية تتجاذبه أمواج المصالح الدولية وتيارات الانقسام الداخلي.

إن الحديث عن الجنوب ليس مُجَـرّد نقاش حول حدود جغرافية أَو تركة سياسية، هو تساؤل وجودي حول هُوية وطنية تتعرض للنهش بين مطرقة “خديعة التشطير” وسندان “قُدسية التحرير”.

خديعة التشطير: سرابُ التجزئة:

لقد أثبتت التجربة التاريخية أن المشاريع التي تُبنى على دعوات التشطير غالبًا ما تكون “فِخاخًا استراتيجية”.

إن الترويج لفكرة العودة إلى ما قبل عام 1990 كحائط صد ضد الفشل السياسي أَو التهميش، يغفل حقيقة أن التشطير ليس علاجًا بقدر ما هو إدامةٌ للأزمة.

القوى الإقليميةَ والدوليةَ التي تداعب أحلامَ الانفصال، تهدف إلى “تجزئة المُجزأ” لضمان السيطرة على الممرات المائية والموانئ الحيوية، وتحويل الجنوب إلى رقعة شطرنج دائمة النزاع، حَيثُ تضيع التنمية وتُنهب الثروات تحت غطاء “الضرورة الأمنية”.

قُدسية التحرير: جوهر القضية:

على النقيض من ذلك، تبرز “قُدسية التحرير” كمفهوم يتجاوز الصراعات الحزبية والمناطقية.

إن تحرير اليمن –بشماله وجنوبه– من قبضة القوى الانقلابية، ومن هيمنة الأطماع الخارجية، هو الهدف الأسمى الذي تلتف حوله إرادَة الشعب.

القُدسية هنا تكمن في استعادة الكرامة الوطنية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء مؤسّسات الدولة التي تحمي المواطن وتصون حقوقه.

إن التحرير الحقيقي هو ذاك الذي يحرّر الإنسان من الفقر، والجهل، والخوف، وهو الذي يعيد لليمن قراره المستقل، لا الذي يجعله رهينة لأجندات لا ترى في الأرض سوى “منصة انطلاق” أَو “مخزن موارد”.

مفترق الطرق: أين المخرج؟

إن التحديَ الأكبر اليوم هو كيفية صياغة مشروع وطني جامع يتجاوز “خديعة التشطير” دون تجاهل المظالم التاريخية.

إن تجاهل تطلعات الناس في الجنوب هو خطأ استراتيجي، لكن معالجته لا تكون عبر التمزيق، بل عبر:

بناء دولة المواطنة: التي تضمن توزيعًا عادلًا للسلطة والثروة، وتنهي مركزية الاستبداد.

الحوار الوطني الصادق: بعيدًا عن ضغوط الوصاية، لحل عقدة الهُوية والمشاركة السياسية.

التنمية المستدامة: فالجوع والفقر هما الوقود الحقيقي لكل دعوات الانفصال.

إن القول بأن الجنوب هو قلب اليمن النابض هو اعتراف بواقع جيوسياسي لا تستقيم بدونه بُوصلة الوطن.

إننا ندرك أن خلفَ دعوات التشطير جِراحًا حقيقية ومظالمَ تراكمت عبر عقود، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بصدق: هل نختارُ معالجةَ هذه الجراح عبر طريق “التمزق” الذي سيعيدنا إلى دوامة الضعف والتبعية، أم عبر بناء “دولة المواطنة” التي تصون حقوق الإنسان اليمني في صعدة كما في المهرة؟

إن التحرير الحقيقي، الذي نسمِّيه “قُدسية التحرير”، لا يعني القفزَ فوق تضحيات الناس، يعني تحويلها إلى صمام أمان لبناء وطن يستوعب الجميع بلا إقصاء.

إن التاريخ لا يمنح فرصًا دائمة؛ ولذا فإن الفرصة اليوم سانحة لنرتقي فوق جراحنا، ونحول تطلعاتنا المشروعة إلى لبناتٍ في جدار دولة يمنية حديثة، دولةٍ لا تُدار بالولاءات الضيقة، بل بالعدالة التي تجعل من كُـلّ مواطن حارسًا لسيادة وطنه، لا ضحيةً لأطماع الطامعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

زهراء اليمن