لم يكن توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران مجرد اتفاق لوقف الحرب، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي كبير عن فشل المشروع الأمريكي الإسرائيلي في كسر إيران، وتحوّل نتائج المواجهة من ميدان النار إلى طاولة الشروط والمكاسب، حيث دخل الاتفاق حيّز التنفيذ حاملاً بنوداً غير مسبوقة تتعلق بوقف العمليات العسكرية، ورفع الحصار البحري، وفتح مسار اقتصادي لإعادة إعمار وتنمية إيران بقيمة 300 مليار دولار.
وكشف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نص مذكرة التفاهم الموقعة رقمياً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي نصت على إنهاء العمليات العسكرية في جميع الجبهات بما فيها لبنان، واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفع الحصار البحري عن إيران، وسحب القوات الأمريكية المحيطة بها ضمن فترة زمنية محددة.
وتضمنت المذكرة ترتيبات خاصة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، حيث تعمل إيران على تأمين مرور السفن التجارية لمدة 60 يوماً، بالتوازي مع مشاورات مع سلطنة عُمان ودول الخليج لتحديد آليات الإدارة المستقبلية للمضيق، في تحول يعكس انتقال هرمز من مجرد ممر بحري إلى ورقة سيادية واستراتيجية بيد طهران.
أما البند الاقتصادي الأبرز، فتمثل في تخصيص 300 مليار دولار لإعادة إعمار وتنمية إيران بمشاركة شركاء إقليميين ودوليين، وهو بند اعتُبر اعترافاً عملياً بفشل سياسة الحرب والعقوبات والحصار، وبداية مرحلة جديدة تفتح الباب أمام إعادة إدماج الاقتصاد الإيراني ضمن معادلات الاستثمار والتنمية في المنطقة.
وسياسياً، يضع الاتفاق واشنطن وطهران أمام مسار تفاوضي جديد، لكن وفق حدود واضحة؛ إذ حُصرت المفاوضات المقبلة في الملف النووي والعقوبات فقط، بينما أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن القدرات الدفاعية الإيرانية ليست مطروحة للنقاش، بما يعني أن طهران لم تدخل الاتفاق من موقع التنازل، بل من موقع تثبيت خطوطها الحمراء.
ويحمل تكرار الإشارة إلى لبنان داخل الوثيقة دلالة استراتيجية بالغة الأهمية، إذ نجحت إيران في إدماج الساحة اللبنانية ضمن بند إنهاء الحرب، بما يمنع كيان العدو من الاستفراد بلبنان أو تحويل وقف الحرب مع إيران إلى غطاء لاستمرار العدوان على الضاحية والجنوب.
وفي قراءة سياسية للمشهد، رأى رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية ناصر قنديل أن الاتفاق فجّر موجة سخط داخل الولايات المتحدة، وخلّف حالة ذهول وإحباط في أوساط كيان العدو، مشيراً إلى أن تل أبيب حاولت تعطيل مسار الاتفاق عبر التصعيد في جنوب لبنان، لكنها اصطدمت بحقيقة أن واشنطن لم تعد قادرة على مواصلة الحرب المفتوحة.
واعتبر قنديل أن ترامب لم يوقّع الاتفاق من موقع القوة، بل من موقع الخوف من انفجار اقتصادي عالمي، بعد أن أصبح استمرار خنق الملاحة في هرمز يهدد أسواق النفط والبورصات وسلاسل الإمداد. وبحسب هذه القراءة، خرجت إيران من معركة “النفس الطويل” بعقلية حائك السجاد، بينما خسرها البيت الأبيض بعقلية تاجر العقارات.
وأكد قنديل أن المعارضة الشعبية للحرب داخل الولايات المتحدة، والتي بلغت مستويات مرتفعة، إضافة إلى ضغط شركات النفط الكبرى، دفعت ترامب إلى البحث عن مخرج سريع، بعدما صار السؤال داخل واشنطن: هل كانت هذه النتائج تستحق حرباً؟ ألم يكن الاتفاق ممكناً من قبل في مسقط أو جنيف دون هذه الكلفة؟
وبحسب قنديل، قدم ترامب في الاتفاق تنازلات لم تكن مطروحة سابقاً، في مقدمتها صندوق استثمار بقيمة 300 مليار دولار لإيران، والإفراج الكامل عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتحول خطابه من التهديد إلى تبرير حق إيران في امتلاك قدراتها الدفاعية وأموالها.
ولفت إلى أن ترامب صار يدافع عن الأصول الإيرانية بالقول إنها أموال إيران ويجب أن تعود لها، وأن استمرار تجميدها يسيء إلى النظام المالي الأمريكي، كما دافع عن امتلاك إيران للصواريخ الباليستية بالقول إن دولاً كثيرة تمتلك مثل هذه الصواريخ، فلماذا تُمنع إيران وحدها؟
وفي خلفية هذا التحول، أوضح قنديل أن ترامب أدرك أن استمرار الأزمة لأسابيع إضافية كان سيقود إلى انهيار اقتصادي عالمي ونفاد المخزونات النفطية الاستراتيجية، خاصة بعد أن ضغطت شركات كبرى مثل شيفرون وإكسون موبيل لإعادة فتح مضيق هرمز قبل نهاية يونيو.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن حاولت فتح المضيق بالقوة عبر عمليات عسكرية متعددة، لكنها اصطدمت بكلفة باهظة، بينها سقوط مروحية أباتشي وفشل محاولات السيطرة على الجزر القريبة من المضيق، ما دفعها إلى القبول بالمسار التفاوضي ودفع ضريبة الخروج من الحرب.
واستراتيجياً، يبرز في الاتفاق عنصران كبيران: الأول هو نجاح إيران في فرض إدراج لبنان ضمن خطة إنهاء الحرب، انطلاقاً من معادلة واضحة مفادها أن طهران لا تقبل الخروج من الحرب بينما تستمر النار على لبنان. والثاني هو تثبيت إدارة جديدة لمضيق هرمز بالشراكة مع عُمان، في صيغة تعيد التذكير باتفاقية مونترو الخاصة بالمضائق التركية.
وتوضح هذه الصيغة أن هرمز لن يعود إلى ما قبل الحرب، وأن المرور المجاني لمدة 60 يوماً ليس تنازلاً دائماً، بل مرحلة انتقالية ضمن مفاوضات لإنتاج بروتوكول جديد يراعي القوانين الدولية والأمن القومي الإيراني وحقوق الدول المشاطئة.
وبحسب قنديل، فإن الاقتصاد العالمي بات اليوم أمام حقيقة جديدة: الممرات البحرية والطاقة والاتصالات لم تعد خارج معادلة الردع، ففوق المياه تمر ناقلات النفط والغاز والأسمدة، وتحت المياه تمر كابلات الإنترنت والتحويلات المالية وارتباطات النظام المصرفي الدولي، وبين باب المندب وهرمز تتموضع أوراق استراتيجية كبرى بيد جبهات المقاومة.
ومن هنا، فإن العالم لم يعد يتعامل مع محور المقاومة بوصفه قوة محلية أو إقليمية فقط، بل كقوة مؤثرة في الأمن الدولي، قادرة على فرض معادلات في البحر الأحمر والخليج، وعلى جعل أي عدوان جديد مكلفاً ليس عسكرياً فقط، بل اقتصادياً ومالياً وتجارياً على مستوى العالم.
وفي المقابل، تكشف ردود الفعل الأمريكية حجم الصدمة داخل واشنطن. فقد انتقد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أنتوني بلينكن الاتفاق، معتبراً أن الإنجاز الوحيد هو إعادة فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب، وأن واشنطن ستدفع لإيران مكافأة عبر إعفاءات واسعة لتصدير النفط الخام.
كما أقر بلينكن بأن إيران أظهرت للعالم قدرتها على وقف أو إبطاء مرور النفط والغاز والأسمدة وغيرها من المنتجات الحيوية، وأنها ستجد مستقبلاً طرقاً مبتكرة لجمع رسوم مقابل المرور الآمن للسفن، بما يعزز موقع النظام الإيراني وقوته.
أما في الصحافة الأمريكية، فقد برز عنوان نيويورك تايمز الذي أكد أن إيران خرجت من مواجهة مع أقوى قوة عسكرية في العالم محتفظة بمكاسب استراتيجية، فيما رأى السيناتور الجمهوري بيل كاسيدي أن الحرب لم تكبح الطموحات الإيرانية، بل علمت الإيرانيين أنهم يمتلكون نفوذاً أكبر على هرمز والاقتصاد العالمي مما كانوا يظنون.
وكتب الصحفي الأمريكي ريكس هوبكه في USA Today أن واشنطن عادت إلى نقطة الصفر، لكن بفارق جوهري: إيران أصبحت في وضع جيوسياسي أقوى، بعدما عرف العالم أنها قادرة على مواجهة الولايات المتحدة عبر خنق جزء حساس من إمدادات النفط العالمية.
وتكشف هذه المواقف أن الانتقاد الداخلي الأمريكي لا ينطلق بالضرورة من رفض الاتفاق، بل من الإقرار بأن ترامب خاض حرباً فاشلة دفع ثمنها سياسياً واقتصادياً، ثم عاد إلى اتفاق كان يمكن الوصول إليه قبل الحرب دون خسائر وفضائح وانكشاف عسكري.
أما داخل كيان العدو الإسرائيلي، فالغضب أعمق، لأنه يعكس شعوراً بالإهانة والذل بعد أن اكتشف الرأي العام الصهيوني أن قراره ليس مستقلاً، وأنه مجرد تابع للحسابات الأمريكية. فالاتفاق نسف أحلام “إسرائيل الكبرى”، ومناطق العزل، ومشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وأظهر أن الكيان عاجز عن خوض الحرب وحده.
وفي المقارنة بين واشنطن وطهران في التعامل مع الحلفاء، تبدو الصورة أكثر وضوحاً؛ فالولايات المتحدة، كما فعلت في أوكرانيا، تتخلى عن أدواتها عندما تنهزم وتدفعهم ثمن الفاتورة، بينما أصرت إيران على عدم خروج الاتفاق إلى النور إلا وبنده الأول ينص على وقف الحرب في كل الجبهات، وخصوصاً لبنان، وحفظ وحدة وسلامة وسيادة أراضيه.
وبهذا المعنى، يقدّم الاتفاق نموذجين متقابلين: نموذج أمريكي يبيع حلفاءه عند الهزيمة ويرمي عليهم الخسائر، ونموذج إيراني يتشارك مع حلفائه الأكلاف في الحرب ويقاسمهم نتائج الانتصار عند الحصاد.
وبذلك، لا يمكن قراءة اتفاق واشنطن وطهران بوصفه مجرد تفاهم دبلوماسي لإنهاء الحرب، بل بوصفه نتيجة مباشرة لمعادلة ردع فرضتها إيران ومحور المقاومة. فقد خرجت طهران من الحرب بمكاسب سياسية واقتصادية واستراتيجية، وخرجت واشنطن بجدل داخلي حول جدوى الحرب، وخرج كيان العدو أكثر عزلة وارتباكاً. أما الرسالة الأوضح فهي أن زمن الإملاء الأمريكي يتراجع، وأن من يملك أوراق الميدان والبحر والطاقة يستطيع أن يفرض شروطه على طاولة السياسة.