دخلت الساحة اللبنانية مرحلة شديدة الحساسية، مع اقتراب الحديث عن ترتيبات أمريكية للقاء محتمل بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، في وقت سارع فيه حزب الله إلى فرض سقفه السياسي والميداني بوضوح، مؤكداً أن أي محاولة لتمرير تفاهمات على حساب المقاومة ستصطدم بحقائق النار في الجنوب، حيث تواصل المقاومة إيلام قوات الاحتلال وتفكيك رهاناته العسكرية.
وفي هذا السياق، جاء موقف نائب كتلة حزب الله النيابية حسن فضل الله حاسماً، إذ أكد أن المقاومة لن تقبل بنتائج أي مفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي، مشدداً على أن الدفاع عن الأرض لا يحتاج إلى إذن، ولا يتطلب إجماعاً وطنياً عندما يكون هناك عدوان واحتلال. ويعكس هذا الموقف إصرار الحزب على أن ملف المواجهة مع العدو لا يمكن إخضاعه لمسارات سياسية تُدار تحت الضغط الأمريكي أو تُستخدم كأداة لتصفية سلاح المقاومة أو دفع البلاد نحو انقسام داخلي.
ولم يقتصر خطاب فضل الله على رفض المخرجات السياسية المحتملة، بل حمل أيضاً تحذيراً داخلياً واضحاً من اللعب على وتر الفتنة، إذ أكد أن من يريد الحفاظ على السلم الأهلي عليه أن يضبط لسانه وأبواقه الإعلامية التي تتعرض للرموز والكرامات والمقامات، محملاً بعض القنوات المحسوبة على بعض السلطة مسؤولية خطيرة في إثارة التوتر والتحريض على الفتنة من خلال الإساءة إلى بيئة المقاومة وشهدائها ورموزها.
وتستمد هذه المواقف السياسية صلابتها من وقائع ميدانية متراكمة فرضتها المقاومة على الأرض في جنوب لبنان، حيث تشير المعطيات إلى أن حزب الله نجح في تغيير تكتيكاته القتالية بصورة أربكت الاحتلال، ودفعت حتى الإعلام العبري إلى الاعتراف بأن القوات الإسرائيلية باتت تواجه كابوساً حقيقياً على الجبهة الشمالية. وبحسب ما نُقل عن مصادر إسرائيلية، فإن قوات الاحتلال أصبحت عالقة بين العجز عن التقدم والعجز عن الانسحاب، بعدما بدّل مقاتلو حزب الله نمط الاشتباك ورفعوا من مستوى الاستنزاف والدقة.
وفي هذا التحول الميداني اللافت، برز استخدام طائرات تعمل بالألياف الضوئية كواحد من أكثر الأسلحة إيلاماً وفعالية في المواجهات الأخيرة، حيث نجحت هذه المسيّرات في تجاوز منظومات العدو الدفاعية، وتنفيذ ضربات دقيقة أحدثت ما يشبه المجازر في صفوف القوات الإسرائيلية التي كانت تحاول التوغل وتدمير المنازل في القرى الجنوبية. وهذا التطور لم يعد مجرد تفصيل تقني، بل بات عنواناً لمعادلة ردع جديدة تفرضها المقاومة، وتؤكد أن الاحتلال لم يعد يملك حرية الحركة التي كان يتوهمها.
وخلال الساعات الأخيرة، واصل حزب الله تثبيت هذه المعادلة عبر سلسلة عمليات مركزة استهدفت تجمعات وآليات ومقار قيادية لجيش الاحتلال في أكثر من محور. فقد أعلن استهداف تجمع لآليات وجنود العدو في محيط مدرسة بلدة حولا بصلية صاروخية، قبل أن يوسع دائرة عملياته باستهداف كاميرا مراقبة حديثة في مقر قيادي في بلدة البياضة بمسيّرة انقضاضية، محققاً إصابة مؤكدة، كما استهدف آلية “نميرا” تقل طاقماً قيادياً لجيش العدو في البياضة بمسيّرة انقضاضية أخرى.
ولم تتوقف عمليات المقاومة عند هذا الحد، إذ أعلن الحزب لاحقاً قصف تجمع لآليات وجنود العدو في ساحة بلدة القنطرة بصلية صاروخية، إلى جانب استهداف موقع بلاط المستحدث بقذائف المدفعية، وقصف مقر قيادي لجيش الاحتلال في بلدة البياضة، فضلاً عن استهداف تجمع لقوات العدو في البلدة نفسها بقذائف المدفعية، مع تأكيد تحقيق إصابات مباشرة. وتعكس هذه العمليات نمطاً واضحاً من الضغط المتعدد المحاور الذي يرهق الاحتلال ويمنعه من تثبيت أي إنجاز أو بناء أي تموضع آمن.
وبذلك، يبدو أن حزب الله أراد أن يبعث برسالة مزدوجة قبيل أي حراك سياسي محتمل: الأولى إلى الداخل اللبناني بأن المقاومة لا تزال تمسك بزمام الردع والدفاع، وأن أي محاولة لتجاوزها أو استهدافها تحت عناوين التسوية أو الدولة أو السلاح ستفجر مزيداً من التعقيد، والثانية إلى العدو الإسرائيلي وواشنطن بأن الميدان ما يزال يتكلم بصوت المقاومة، وأن أي لقاء أو تفاوض لا يستند إلى واقع الهزيمة الإسرائيلية في الجنوب سيكون منفصلاً عن الحقيقة.
في المحصلة، فإن ما يجري اليوم في لبنان يثبت أن حزب الله لا يكتفي برفض الضغوط السياسية، بل يسند هذا الرفض بقوة النار والدقة الميدانية. فبين تصريحات حسن فضل الله، وضربات الصواريخ، ومسيّرات الألياف الضوئية، يتشكل مشهد واضح عنوانه أن المقاومة هي التي ترسم السقف، والميدان هو الذي يحدد حدود السياسة، لا العكس.









