الرئيسية بلوق الصفحة 172

حكومة صنعاء: العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على “إيران” انتهاك صارخ للسيادة ونحمّل المعتدي كامل المسؤولية

ارتباك سعودي أمام جهوزية صنعاء.. الرياض تستنفر الأمم المتحدة وبريطانيا لاحتواء معادلة كسر الحصار

أدانت حكومة التغيير والبناء في صنعاء العدوان الأمريكي–الإسرائيلي الإجرامي السافر الذي استهدف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، معتبرةً أنه انتهاك صارخ لسيادة دولة مستقلة وتجاوزٌ واضحٌ للقوانين والمواثيق الدولية والإنسانية.

وأكدت الحكومة تضامن اليمن، قيادةً وحكومةً وشعبًا، مع إيران، مشددةً على حقها المشروع في الدفاع عن وطنها وسيادته واستقلاله وكرامته، وعلى حقها في امتلاك أسباب القوة ومواجهة ما وصفته بـالعدوان غير المبرر بمختلف الوسائل.

وحذّرت من المآلات الكارثية للتصعيد الأمريكي–الإسرائيلي، معتبرةً أن تداعياته لا تقتصر على الإقليم فحسب، بل تمتد إلى دول وشعوب المنطقة والعالم أجمع. كما رأت أن العدوان يستهدف النيل من الموقف المبدئي والصلب للجمهورية الإسلامية في إيران ووقوفها إلى جانب قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وختمت الحكومة بيانها بالتأكيد على تحميل المعتدي الأميركي–الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن تداعيات العدوان وما قد ينجم عنه من تصعيد وانعكاسات أمنية وسياسية في المنطقة.

السيد الحوثي: عدوان “إسرائيل الكبرى” يُشعل المنطقة.. وإيران تقاتل عن الأمة واليمن على أهبة الاستعداد

في كلمة تناولت تطورات العدوان الأميركي–الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في إيران، قدّم قائد أنصار الله السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي قراءةً سياسية–عسكرية تعتبر أن الهجوم ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة في مشروع “الصهيونية العدواني” الهادف إلى فرض وقائع إقليمية جديدة تحت عنوان “إسرائيل الكبرى”، محذرًا من أن الهدف يتجاوز إيران إلى إذلال شعوب المنطقة وتمهيد السيطرة عليها.

ووصف الحوثي العدوان بأنه “ظالم، سافر، إجرامي وحشي” استهدف بلدًا مسلمًا “بدون أي حق”، ولم يقتصر على منشآت رسمية أو مواقع عسكرية، بل امتد إلى المدنيين، مشيرًا إلى استهداف “مدرسة ابتدائية للبنات” وما ترتب عليه من “استشهاد عشرات الطالبات”، معتبراً ذلك دليلًا إضافيًا على طبيعة الحرب وأهدافها.

وأكد أن العدوان يستهدف الشعب الإيراني المسلم ومؤسساته الرسمية ونظامه الإسلامي، وأن الرد الإيراني يأتي في إطار الدفاع المشروع، مشيدًا بدور حرس الثورة والجيش الإيراني بوصفهما يقومان بـ“الواجب الجهادي المقدس” في مواجهة المعتدين “بكل قوة”، لافتًا إلى أن الجمهورية الإسلامية استهدفت العدو الإسرائيلي والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وأنها تمتلك “القدرات العسكرية الضاربة” والإمكانات اللازمة للتنكيل بالأعداء، إلى جانب الإرادة الحرة والشجاعة لاتخاذ القرارات والإجراءات المطلوبة.

وعلى مستوى القيادة، شدد الحوثي على أن قيادة إيران تتحلى بـ“العزم الإيماني والروح الجهادية والبصيرة العالية والإرادة الصلبة”، معتبرًا أن ثباتها “عظيم” وأن ردّها “حازم وقوي”، ومؤكدًا أنه “لا قلق” على إيران في هذه المواجهة لأنها “قوية وموقفها قوي”.

وفي دعوة صريحة لاصطفاف إسلامي أوسع، قال الحوثي إن المطلوب هو موقف من العالم الإسلامي متضامن مع إيران والشعب الإيراني، وبصورة “صادقة وجادة” وبكل أشكال التعاون والضغط لإيقاف العدوان، واعتبر أن هذا التضامن “واجب إسلامي وأخلاقي” على المسلمين جميعًا، وأن موقف إيران في هذه المرحلة هو “لمصلحة العالم الإسلامي” لأنه تخوض “معركة الأمة الإسلامية كلها” ضد الطغيان الأميركي–الإسرائيلي–الصهيوني.

وفي النقطة الأكثر حساسية سياسيًا، ميّز الحوثي بين استهداف القواعد الأمريكية وبين الدول التي تقع فيها، مؤكدًا أن ضرب القواعد الأميركية “حق مشروع” لإيران “وليس استهدافًا للبلدان”، لأن هذه القواعد مشاركة في العدوان، وبالتالي فإن استهدافها يدخل في نطاق الرد المشروع.

أما على المستوى اليمني، فأعلن الحوثي أن موقف اليمن “رسميًا وشعبيًا” هو التضامن الكامل مع الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني، وأن صنعاء في “أهبة الاستعداد لأي تطورات”. وربط هذا الموقف بخطاب تعبوي داخلي، داعيًا الشعب اليمني إلى “الخروج المليوني” في مظاهرات واسعة في صنعاء والمحافظات “غدًا”، معتبرًا أن الحشد الشعبي جزء من واجب التضامن ومن الجهوزية الشاملة لأي تطورات في المعركة.

وقال السيد الحوثي إن “على المستوى الإعلامي يجب أن يكون النشاط الإعلامي قويًا” سواء عبر “مواقع التواصل الاجتماعي” أو “القنوات الفضائية” و“مختلف الوسائل الإعلامية، معتبرًا أن “التضامن الإعلامي مع الجمهورية الإسلامية مهم” خصوصًا في مواجهة ما وصفه بـ“الأداء الإعلامي لبعض الأبواق الموالية للصهيونية”. وأضاف أن “بعض الأبواق الإعلامية الموالية للصهيونية” تحاول أن تكون “جزءًا من العدوان الصهيوني الأمريكي الإسرائيلي بالحرب النفسية”.

وفي سياق تقييمه للمشهد، شدد الحوثي على أن “الموقف الإيراني… موقف قوي” يستند إلى “إرادة وعزم… راسخ” وإلى “وعي شعبي واسع”، مؤكدًا أن هذا الموقف يأتي “في مواجهة عدوان بلطجي متغطرس، مستكبر، ظالم” قال إنه “لا يمتلك أي حق” فيما يقوم به ضد الشعب الإيراني،

وختمت رسالته بتحذير استراتيجي مفاده أن الولايات المتحدة و“الصهيونية العالمية” ترى في موقف إيران “أكبر عائق” أمام مشروع السيطرة الإقليمي، وأن العدوان يراد منه إزالة هذا العائق تمهيدًا لإخضاع شعوب المنطقة، وبالتالي فإن التحرك التضامني مع إيران ليس موقفًا رمزيًا فقط، بل “لمصلحة هذه الشعوب” في مواجهة ما وصفه بمشروع الهيمنة.

الوعد الصادق 4 يشعل الإقليم: عدوانٌ أمريكي–صهيوني على إيران يقابله ردٌّ صاروخي واسع يطال القواعد الأمريكية والعمق المحتل.. وتعطّل الطيران وارتباك أسواق الطاقة

شهدت المنطقة، صباح السبت 28 فبراير/شباط 2026، أخطر موجة تصعيد عسكري منذ سنوات، بعد إعلان عدوان أميركي–صهيوني استهدف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أعقبه ردٌّ إيراني واسع النطاق تحت مسمى عملية “الوعد الصادق 4”، تزامن مع صفارات إنذار في أنحاء واسعة من فلسطين المحتلة، واستهداف قواعد أميركية في الخليج، وإجراءات طوارئ وإغلاق مجالات جوية في أكثر من دولة، وسط رصد بريطاني لنشاط عسكري كثيف في الخليج وخليج عُمان وبحر العرب ومضيق هرمز وتعليق شركات نفط كبرى لشحنات عبر المضيق.

وبحسب تسلسل البلاغات المتداولة، بدأ المشهد مع تقارير عن انفجارات متفرقة داخل إيران شملت طهران ومحيطها وعدة مدن، بالتوازي مع إعلان إغلاق الأجواء الإيرانية. وفي الساعة 10:36 صباحًا، نُسب إلى الرئيس الأميركي إعلان بدء “عمليات قتالية واسعة النطاق” داخل إيران، مع تبريرات تتحدث عن “الدفاع عن الشعب الأميركي” وادعاءات متكررة حول البرنامج النووي الإيراني، فيما وصف مراقبون التوقيت بأنه ضربة لمسار سياسي كان لا يزال قائمًا.

وفي المقابل، شددت طهران سريعًا على سرديتها بأن ما جرى عدوانٌ إجرامي وقع بينما كانت القنوات الدبلوماسية مفتوحة. وقالت الخارجية الإيرانية إن “بلدنا العزيز تعرض للمرة الثانية لعدوان عسكري إجرامي من قبل أمريكا و(إسرائيل)”، مؤكدة أن الهجوم جاء “في وقت كانت فيه إيران والولايات المتحدة في خضم مسار دبلوماسي”، وأن “الشعب الإيراني يعتز بأنه قام بكل ما يلزم لمنع اندلاع الحرب، وحان الآن وقت الدفاع عن الوطن”، مع التشديد على أن الرد سيكون “بكل اقتدار”.

ومع اقتراب الظهيرة، بدأ يتسع نطاق الصدى العسكري داخل فلسطين المحتلة؛ إذ أعلن متحدث باسم “جيش” الاحتلال أن “كل الصواريخ حتى الآن أُطلقت من إيران”، بينما دوّت صفارات الإنذار في الجولان وطبريا والجليل والنقب وعسقلان، ثم امتدت إلى محيط مفاعل ديمونا ومناطق واسعة جنوب فلسطين المحتلة، قبل أن تتجدد في “تل أبيب الكبرى” والقدس والنقب والبحر الميت وحيفا والجليل الأعلى، وسط دعوات متكررة للمغتصبين بالدخول إلى الملاجئ، وطلبٍ صريح من جيش الاحتلال بالامتناع عن تصوير أو نشر أماكن سقوط الصواريخ.

وفي الساعة 12:01 ظهرًا، أعلن التلفزيون الإيراني بدء عملية “الوعد الصادق 4”، لتتحول المواجهة من تبادل ضربات إلى توسّع إقليمي مباشر. وبعد دقائق، نقلت رويترز أن إيران استهدفت القواعد الأميركية في البحرين وقطر وأن صفارات الإنذار دوت في البلدين، فيما أعلنت الداخلية البحرينية تفعيل صفارات الإنذار ودعت السكان إلى التوجه لأقرب مكان آمن، كما أصدرت السفارة الأميركية في قطر تحذيرًا لرعاياها بضرورة الاحتماء “حتى إشعار آخر” مع التحذير من اقتراب صواريخ وضربات وشيكة، قبل أن تعلن الهيئة العامة للطيران المدني القطرية إيقافًا مؤقتًا للملاحة الجوية وإغلاق المجال الجوي “موقتًا”.

وميدانيًا، توالت البلاغات من البحرين عن دوي انفجارات في المنامة وتصاعد دخان من منطقة الجفير التي تضم قاعدة بحرية أميركية، وصولًا إلى تأكيدات بتعرض مركز خدمات الأسطول الخامس الأميركي لهجوم صاروخي، مع تداول مشاهد تُظهر أضرارًا جسيمة في منشآت قريبة من القاعدة. وتزامن ذلك مع توسيع دائرة الاشتباك باتجاه الإمارات؛ إذ أُعلن إغلاق مؤقت وجزئي للمجال الجوي كإجراء احترازي، ثم تتابعت تقارير عن انفجار هائل في أبوظبي ودوي انفجارات في دبي وتعليق الرحلات في مطار دبي الدولي، إلى جانب تقارير روسية عن استهداف قاعدة الظفرة الجوية. كما سُجلت صفارات إنذار ودوي انفجارات في الكويت، قبل أن يؤكد متحدث باسم وزارة الدفاع الكويتية وقوع هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية أميركية في البلاد، فيما سُمعت صفارات إنذار في الأردن وأعلنت السفارة الأميركية هناك بقاء موظفيها في أماكن الإقامة.

وفي العراق، اتسعت دائرة النيران بتقارير عن عدوان أميركي–صهيوني استهدف محافظتي بابل والبصرة، ثم غارات على مقر قيادة للحشد الشعبي جنوبًا، مع إعلان الحشد سقوط شهيدين وثلاثة جرحى إثر استهداف جرف النصر شمال بابل، إضافة إلى تقارير عن دوي انفجارات قرب القنصلية الأميركية في أربيل واستهداف مطار أربيل واعتراضات صاروخية.

وفي خضم هذا الاشتباك متعدد الساحات، ثبّتت طهران قواعد اشتباكها السياسية والعسكرية برسائل واضحة: فقد أكد مجلس الأمن القومي الإيراني أن العدو يراهن على الاستسلام، لكن “قواتنا المسلحة بدأت ردا ساحقا على العدوان”. وجاء بيان حرس الثورة ليعلن صراحة أن “بدء عملية الوعد الصادق 4” جاء ردًا على العدوان الأميركي–الصهيوني، وأن الضربات استهدفت مقر الأسطول الخامس في البحرين، وقواعد أميركية في قطر والإمارات، إضافة إلى “مراكز عسكرية وأمنية” في قلب الأراضي المحتلة، مع التشديد على أن الهجمات مستمرة وسيُعلن لاحقًا عن تفاصيلها. كما أكد متحدث الخارجية إسماعيل بقائي أن “أي نقطة في المنطقة تُستَغل من قبل الولايات المتحدة ضد إيران ستكون هدفًا مشروعًا”، مع التأكيد أن الإيرانيين “لم يكونوا بادئي هذه الحرب” لكنهم يدافعون عن أنفسهم.

وبالتوازي، صدرت رسائل ردع من القيادة العسكرية الإيرانية؛ إذ نُقل عن المتحدث باسم هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة قوله: “سنلقّن (إسرائيل) والولايات المتحدة درسًا لم يسبق لهما أن اختبرتاه”، مع تأكيد لاحق بأن قواعد الكيان تلقت “مشكلات”، وأن إيران ستوجه “صفعة أشد من السابق”. كما شدد قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي على أن “القواعد والموارد والمصالح الأميركية في المنطقة بأسرها أهداف مشروعة” وأن العمليات ستستمر “حتى الهزيمة القاطعة للعدو”، فيما كرر مسؤولون إيرانيون—وفق رويترز—أنهم قادرون على استهداف جميع القواعد والمصالح الأميركية.

إنسانيًا، برزت تقارير إيرانية صادمة عن استهداف مدرسة ابتدائية للبنات في محافظة هرمزكان/ميناب، مع إعلان أولي عن استشهاد 5 تلميذات، قبل أن ترتفع الحصيلة في تقارير لاحقة إلى 40 شهيدة و48 جريحة ثم إلى 51 شهيدة و60 جريحة، إضافة إلى تقارير عن استشهاد طالبين في مدرسة بمنطقة نارمك شرقي طهران، ما رفع منسوب الغضب الشعبي ورسّخ سردية طهران بأن العدوان لم يقتصر على أهداف عسكرية.

دوليًا، تتابعت المواقف على وقع الانفجار الإقليمي؛ إذ نقل عن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي أن المفاوضات كانت “عملية تغطية” وأن “صانع السلام أظهر وجهه الحقيقي”، كما حذّر ممثل روسيا في فيينا من أن العدوان قد يزعزع استقرار الشرق الأوسط، وطالبت الخارجية الروسية بالعودة فورًا للمسار السياسي والدبلوماسي. وسُجل أيضًا موقف نرويجي اعتبر توصيف الاحتلال للهجوم بأنه “ضربة استباقية” لا يتوافق مع القانون الدولي. ومن جانبه، قال وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إنه “مستاء جداً” لأن المفاوضات “قُوّضت مرة أخرى”، محذرًا واشنطن من الانغماس أكثر في النزاع بقوله: “هذه ليست حربكم”.

وعلى خط محور المقاومة، صدرت بيانات تضامن واسعة مع إيران. فقد أكد المجلس السياسي الأعلى في صنعاء أن العدوان يستهدف “كسر معادلة الردع تمهيدًا لاستهداف الجميع”، وأنه خطوة ضمن مشروع أميركي–إسرائيلي لإخضاع المنطقة، محذرًا من أن توسيع الاستهداف سيؤدي إلى توسيع المواجهة. كما أعلن المكتب السياسي لأنصار الله أن العدوان انتهاك صارخ للسيادة وأن من يظن أن الاستهداف لإيران وحدها “مخطئ”، فيما أدانت الخارجية اليمنية العدوان ووصفت إيران بأنها تخوض “معركة الأمة” في مواجهة “الصهيونية العالمية” بذراعيها الأميركي والإسرائيلي. وفي غزة، أعلنت كتائب القسام تضامنها مع إيران وباركت الرد في إطار “الوعد الصادق 4”، ودعت شعوب الأمة للوقوف مع الشعب الإيراني.

اقتصاديًا وأمنيًا، ظهرت الارتدادات سريعًا. فقد نقلت رويترز أن عددًا من شركات النفط الكبرى والتجارة علّقت شحنات النفط والوقود عبر مضيق هرمز بعد الهجوم على إيران، بينما أصدر “وزير الطاقة” في كيان الاحتلال قرارًا بإغلاق مؤقت لأجزاء من خزانات الغاز الطبيعي مع توقعات بإعلان حالة طوارئ في قطاع الغاز، في إشارة إلى أن الرد الإيراني لم يضغط عسكريًا فقط، بل دفع منظومات الطاقة إلى وضع دفاعي حساس. كما سجلت “معاريف” إخلاء أسطول طائرات “الشركات الإسرائيلية” من مطاري بن غوريون وحيفا بعد تصاعد القصف، بالتزامن مع إعلان إغلاق المجال الجوي للكيان وتحويل الرحلات إلى مطارات اليونان وقبرص.

وبينما دعت جهات إيرانية المواطنين للإبلاغ عن التحركات المشبوهة ولا سيما أنشطة التجسس وتحركات “المرتزقة”، مع التلويح بالحزم تجاه أي تعاون مع العدو في “ظروف الحرب”، أكدت الحكومة الإيرانية—على لسان نائب الرئيس محمد رضا عارف—أن الأمور “تحت السيطرة” وأنها كانت قد توقعت تكرار العدوان وشكّلت لجانًا خاصة لهذه الظروف.

في المحصلة، يُظهر تسلسل الساعات أن العدوان الأميركي–الصهيوني لم ينجح في فرض “صدمة حسم” سريعة، بل فتح جبهة إقليمية متدحرجة: إيران ردّت مباشرة على العمق المحتل وعلى القواعد الأميركية في الخليج، وتحوّل مسرح العمليات إلى شبكة ساحات متداخلة تشمل فلسطين المحتلة والعراق والخليج، مع ارتدادات فورية على الطيران والطاقة والتجارة البحرية. وبينما تراهن واشنطن وتل أبيب على كسر الإرادة ومعادلة الردع، تشير الوقائع الأولية—كما وردت في البلاغات—إلى أن المنطقة دخلت طورًا جديدًا عنوانه: لا “ضربة نظيفة” بلا كلفة… ولا استهداف بلا ارتداد.

هرمز “فخّ الكلفة” الإيراني.. كيف تُحوِّل طهران الممر الأهم في العالم إلى كابوس يُسقط أسطورة القوة الساحقة

كشف تقرير دولي نشرته صحيفة “ميدل إيست مونيتور” عن تحوّلٍ عميق في معادلات الاشتباك بمنطقة الخليج، مؤكدًا أن المخططين العسكريين الأمريكيين باتوا يصطدمون بواقع جديد يُفكك افتراضهم القديم بأن “القوة الساحقة” قادرة وحدها على حسم أي أزمة. فإيران، وفق التقرير، لم تسعَ لمنافسة الأسطول الأمريكي بأسطول مماثل، بل اختارت طريقًا أشد فاعلية: تحويل مضيق هرمز من مجرد ممر مائي إلى “أغلى تحدٍّ في العالم”، عبر هندسة تهديد تجعل ثمن المواجهة أعلى بكثير من ثمن أي تسوية سياسية أو تراجع عن المغامرة.

ويشير التقرير إلى أن طهران بنت في المضيق ما يشبه “الفخ الاقتصادي” بدل الدفاع التقليدي، بحيث يصبح قرار الحرب قرارًا ضد الاقتصاد العالمي قبل أن يكون ضد إيران. فالممر الذي يمر عبره نحو ربع النفط المنقول بحرًا عالميًا لم يعد، وفق القراءة الإيرانية، مجرد جغرافيا، بل رافعة ضغط استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل حسابات البيت الأبيض وحلفائه لحظة اتخاذ القرار. والنتيجة التي يخلص إليها التقرير واضحة: إيران لا تحتاج إلى “حسم بحري” كي تنتصر في معركة الردع، يكفيها أن تجعل تكلفة الحسم الأمريكي مستحيلة سياسيًا واقتصاديًا.

وعلى المستوى العملياتي، يلفت التقرير إلى أن بنية التهديد الإيراني تنطلق من نقاط ارتكاز حساسة، بما فيها جزيرتا أبو موسى وطنب، حيث عززت طهران قدراتها بأسراب مسيّرات، وأسطول يضم أكثر من 20 غواصة صغيرة، إلى جانب مخزون يُقدّر بنحو 6000 لغم بحري. ويؤكد التقرير أن خطورة هذه المنظومة لا تكمن فقط في السلاح ذاته، بل في منطقها: الإغلاق الجزئي، والتعطيل المؤقت، وزرع الشك في أمن الملاحة—وهو ما يكفي لإرباك الأسواق ورفع كلفة التأمين والشحن قبل أن تُطلق رصاصة واحدة.

الأخطر، وفق التقرير، هو البعد المعلوماتي الذي يُضيّق الفجوة الاستخباراتية التي كانت واشنطن تراهن عليها تاريخيًا، إذ يتحدث عن دور سفن مراقبة صينية تعمل في الجوار وتمتلك قدرة على تزويد إيران ببيانات استهداف آنية، بما يعزز من فعالية الاشتباك ويجعل “التفوق الاستخباراتي” الأمريكي أقل ضمانًا مما كان يُفترض. وهنا يتحول الردع من مجرد صواريخ وألغام إلى شبكة “استشعار–استهداف” ترفع دقة القرار الإيراني وتضاعف كلفة المناورة الأمريكية في مياه ضيقة مزدحمة.

وفي سياق أثر المضيق على الاقتصاد العالمي، ينقل التقرير عن الأدميرال الأمريكي السابق مايك مولين وصفه لهرمز بأنه “أهم ممر مائي في العالم”، مع الإشارة إلى تقديرات تتوقع أن أي إغلاق—even لو كان جزئيًا أو مؤقتًا—قد يدفع أسعار النفط إلى قفزة حادة لتصل إلى 120–130 دولارًا للبرميل، وهو سيناريو يعني عمليًا نقل المعركة فورًا إلى الداخل الغربي عبر التضخم وأسعار الوقود وسلاسل الإمداد، أي أن الضغط الاقتصادي يصبح جزءًا من ساحة المعركة لا نتيجة جانبية لها.

أما “الدور الصيني” فيقدمه التقرير بوصفه عاملًا مضاعفًا للكلفة على واشنطن، فالصين—بحسب الطرح—ليست مراقبًا محايدًا لأنها تعتمد على المضيق لتأمين ربع احتياجاتها من الطاقة، ولهذا فإن وجود مدمرات صينية تقوم بدوريات إلى جانب القوات الإيرانية لا يُفهم كـ“تضامن رمزي”، بل كقرار مصلحة وطنية لحماية شريان طاقة لا تستطيع بكين تحمل خسارته، وفي الوقت نفسه رفع التكاليف الدبلوماسية والعسكرية لأي مغامرة أمريكية محتملة في الخليج. وبهذا المعنى، تصبح أي مواجهة في هرمز مواجهة مع شبكة مصالح دولية متشابكة، لا مجرد صدام ثنائي تقليدي.

وخلاصة التقرير—كما تنعكس في الصورة العامة—أن إيران نجحت في تحويل هرمز إلى معادلة ردع عالمية: ليس لأنها تملك “قوة ساحقة” بالمعنى الأمريكي، بل لأنها طوّرت “قوة كلفة” تجعل خصمها يدفع الثمن قبل أن يبدأ. وفي لحظةٍ تُلوّح فيها واشنطن بالخيار العسكري ضد طهران، فإن الرسالة التي يفرضها هرمز على الطاولة هي أن الحرب ليست قرارًا عسكريًا فقط، بل قرار اقتصادي عالمي—وأن إيران صممت المسرح بحيث يصبح العدوان مغامرة مفتوحة على انهيارات الأسعار والأسواق والتحالفات، لا على نصر سريع كما تُسوّق الدعاية.

بوليتيكو: واشنطن تخشى ضرب “إيران” بسبب هذا الأمر الخطير

فورين أفيرز: إخفاق واشنطن أمام إيران يهدد معادلة القواعد الحليفة التي صنعت حروب أمريكا

كشفت صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية في تقرير موسّع عن تصاعد القلق داخل المؤسسة العسكرية والسياسية في واشنطن من تداعيات أي حرب جديدة مع إيران، مشيرة إلى أن المخاوف لا تتعلق فقط بكلفة المواجهة، بل باحتمال استنزاف منظومات الدفاع الجوي الأمريكية إلى مستويات حرجة في ظل ضغط العمليات المستمر في أوكرانيا ودعم إسرائيل.

وبحسب التقرير، فإن مسؤولين عسكريين ومشرعين أمريكيين حذروا من أن حرباً طويلة الأمد مع إيران قد تدفع مخزونات صواريخ الاعتراض إلى حافة الانهيار، ما قد يترك الولايات المتحدة وقواتها المنتشرة في الشرق الأوسط أكثر عرضة للخطر. ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أثار منذ يناير مخاوف جدية بشأن نقص قدرات الدفاع الجوي، وهي مخاوف تفاقمت مع الحشد العسكري الواسع الذي ينفذه البنتاغون في المنطقة.

التقرير أشار أيضاً إلى تقديرات استخباراتية إسرائيلية تفيد بأن الولايات المتحدة لا تمتلك ذخائر كافية لشن هجوم جوي واسع على إيران لأكثر من خمسة أيام فقط، وهو تقدير يعكس حجم القلق من معركة قد تتجاوز السيناريوهات القصيرة والمحدودة.

وخلال المواجهات السابقة، خصوصاً في حرب يونيو 2025 التي انضمت فيها واشنطن إلى العمليات الإسرائيلية ضد إيران، استُهلكت كميات كبيرة من صواريخ ستاندرد-3 وثاد وباتريوت، ليس فقط لحماية القواعد والقوات الأمريكية، بل أيضاً لتعزيز الدفاعات الإسرائيلية في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. ووفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، فقد استخدمت الولايات المتحدة ما يصل إلى 20% من مخزون صواريخ ستاندرد-3 وما بين 20 إلى 50% من صواريخ ثاد خلال تلك الفترة.

المعضلة الأكبر – بحسب التقرير – تكمن في أن إعادة تصنيع هذه الصواريخ بطيئة ومعقدة، ولم يتمكن البنتاغون من تعويض المخزون المستهلك بالسرعة المطلوبة. ومع استمرار الالتزامات الأمريكية في أوكرانيا ودعم إسرائيل، تبدو القدرة على إدارة حرب إقليمية واسعة ضد إيران أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

عدد من المسؤولين الحاليين والسابقين في الإدارة الأمريكية أعربوا عن مخاوف من أن أي مواجهة جديدة قد تترك عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في الخليج دون مظلة دفاعية كافية إذا ما قررت طهران الرد بقوة. ويرى محللون أن إيران، في حال اندلاع حرب ثانية، لن تكرر نمط الرد السابق، بل قد توسّع نطاق الاستهداف ليشمل القواعد والسفارات الأمريكية في المنطقة، ما يعني حرباً أطول وأكثر كلفة وتدميراً.

التقرير يعكس بوضوح أن التخوف الأمريكي لا يقتصر على القدرات الإيرانية الهجومية، بل يمتد إلى الجاهزية الذاتية الأمريكية وقدرتها على تحمل صراع استنزافي متعدد الجبهات. فبين أوكرانيا، والدعم العسكري المكثف لإسرائيل، والانتشار في الشرق الأوسط، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة معقدة: أي مواجهة واسعة مع إيران قد لا تكون مجرد ضربة سريعة، بل نزاعاً مفتوحاً يختبر حدود القدرة الصناعية والعسكرية الأمريكية نفسها.

وفي المحصلة، يكشف تقرير “بوليتيكو” أن قرار الحرب مع إيران، إن اتُخذ، لن يكون مجرد خيار سياسي، بل مغامرة استراتيجية محفوفة بمخاطر الاستنزاف والاختلال في ميزان الدفاعات الأمريكية، في وقت تتزايد فيه التحديات العالمية على أكثر من جبهة.

تلويح جديد بضرب “إيران” واستنفار مغادرة “إسرائيل”.. مفاوضات “جنيف” تتقدم تحت ضغط “التهديدات” وإجراءات الإجلاء والتحذيرات

تتجه أزمة الملف النووي الإيراني إلى لحظة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الدبلوماسية مع استعراض القوة، بعدما لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مجددًا بإمكانية استخدام القوة ضد إيران قائلاً إنه “لا يريد” ذلك “لكن في بعض الأحيان قد يكون ضروريًا”، مع إقراره بأنه لم يتخذ قرارًا نهائيًا بعد، وبأن “هناك دائمًا خطرًا حينما يتعلق الأمر بالحرب”. وفي المقابل، ترى طهران أن التهديدات المتكررة ليست سوى سقف ضغط هدفه انتزاع تنازلات تمس الحقوق السيادية والقدرات الدفاعية، بينما تؤكد أن برنامجها النووي سلمي وأن أي اتفاق لا بد أن يقوم على رفع فعلي للعقوبات وضمانات واضحة.

على خط المفاوضات، أنهت الوساطة العُمانية جولة جنيف الأخيرة بإشارة لافتة إلى “تقدم ملحوظ/كبير”، معلنة أن المحادثات ستُستأنف قريبًا بعد تشاور الوفود مع العواصم، وأن مباحثات فنية ستُعقد الأسبوع المقبل في فيينا. وفي السياق نفسه، نقلت تقارير أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وصف المسار بأنه حقق “تقدمًا جيدًا” وأنه دخل في عناصر الاتفاق، مع تأكيد توازي المسار الفني مع السياسي في فيينا. هذه الإشارة التقنية مهمة لأنها تعني—عمليًا—أن طهران قدّمت إطارًا قابلًا للتحقق والتفصيل، وأن المفاوضات لم تعد تدور حول شعارات عامة بل حول بنود قابلة للقياس والتنفيذ.

لكن الصورة على الجانب الأميركي بدت أكثر تذبذبًا. فقد نقلت رويترز عن تقارير أمريكية وجود خيبة أمل لدى مبعوثي البيت الأبيض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر من جلسة الصباح، قبل أن تعود مصادر أميركية لتصف محادثات جنيف بأنها إيجابية. هذا التناقض، في القراءة الإيرانية، يعكس تعدد مراكز القرار وضغط الحسابات الداخلية، فضلًا عن تأثير “السقف الإسرائيلي” الذي يدفع واشنطن باستمرار نحو شروط قصوى.

وفي المضمون، تتمسك طهران—وفق ما تسرّب من مواقفها—بخطوط حمراء واضحة: “لا تصفير للتخصيب إلى الأبد” و“لا تفكيك للمنشآت” و“لا نقل قسري لمخزون اليورانيوم”، مع استعداد لتدابير فنية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية وخفض المخزون إلى مستويات تخصيب متدنية ضمن ترتيبات تحقق شفافة، مقابل رفع العقوبات بصورة ملموسة. (هذا الاتجاه أكده توصيف مصادر متعددة لمسار “التقدم” والانتقال إلى ملفات تقنية في فيينا). وفي المقابل، تُظهر التغطيات الغربية استمرار الإصرار الأميركي على صيغة تجعل القيود “دائمة/إلى أجل غير مسمى” وتستهدف عمليًا جوهر حق التخصيب، ما يُبقي “عقدة الاتفاق” قائمة رغم تقدم الشكل.

وبالتوازي مع شدّ الحبال التفاوضي، ظهرت مؤشرات ميدانية تعكس انتقال التوتر إلى “مرحلة احتراز” في الساحات الحليفة لواشنطن. فقد أفادت تقارير بأن السفارة الأمريكية في إسرائيل سمحت بمغادرة الموظفين غير الأساسيين وأفراد العائلات، مع دعوة مباشرة للمغادرة “اليوم” بسبب مخاطر أمنية متصاعدة واحتمالات تطور الصراع. وترافق ذلك مع تحذيرات سفر وإجراءات احترازية أوروبية ذكرتها تقارير عدة، في إشارة إلى أن العواصم الغربية تتعامل مع سيناريو التصعيد بوصفه احتمالًا عمليًا لا مجرد “ضغط تفاوضي”.

في الوقت نفسه، تحركت مسقط على خط منع الانفجار. إذ أكدت تغطيات أن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي توجه إلى واشنطن للقاء نائب الرئيس جيه دي فانس لمناقشة مسار المفاوضات، ضمن مسعى واضح لتفادي انزلاق البيت الأبيض إلى قرار عسكري. وفي واشنطن، تواكب هذه التحرّكات تقارير عن عرض خيارات عسكرية على ترمب، ما يعني أن “الضغط العسكري” ما زال حاضرًا في حسابات الإدارة حتى مع استمرار الدبلوماسية.

اقتصاديًا ولوجستيًا، بدأت ترتدادات التوتر تظهر في حركة الطيران والرحلات، مع تداول تقارير عن إلغاءات وتغييرات في الرحلات المرتبطة بإيران والمنطقة في ظل مخاوف من إغلاق أجواء أو تصعيد مفاجئ—وهي عادةً إحدى أولى الإشارات على انتقال الأزمة من التصريحات إلى حسابات المخاطر اليومية. (تغطي وكالات عدة هذا النمط ضمن سياق “التصعيد الإقليمي” وإجراءات الاحتراز).

على الجانب الإيراني، تأتي الرسائل العسكرية كامتداد لمعادلة “الدبلوماسية تحت الردع”: طهران تقول إنها لا تسعى للحرب لكنها لا تقبل أن تُدفع إلى اتفاق تحت التهديد، وأن أي مغامرة ستقابل بحسابات مؤلمة. هذه المعادلة لا تُطرح كإعلان مواجهة بقدر ما تُطرح كـمنع: منع تحويل القوة إلى أداة ابتزاز على طاولة جنيف، ومنع فرض شروط تتجاوز النووي إلى المنظومات الدفاعية التي تعتبرها إيران جزءًا من أمنها السيادي.

الخلاصة أن المشهد الحالي يجمع ثلاثة مسارات في وقت واحد: تقدم تفاوضي تقني (فيينا) يفتح نافذة اتفاق واقعي، وتصعيد سياسي أمريكي يلوّح بالقوة لرفع سقف الشروط، وهواجس إسرائيلية تدفع باتجاه “قراءة الحرب بوصفها خيارًا قريبًا” وتضغط على واشنطن كي لا تخرج باتفاق لا يلبّي أقصى الطموحات. وبين هذه المسارات، تحاول طهران تثبيت معادلة: اتفاق سريع ممكن إذا كانت النيات جادة ورفع العقوبات قابلًا للقياس، أما “تصفير التخصيب” وجرّ الملف إلى الصواريخ والردع فهما—وفق منطق الدولة—وصفة لتفجير المفاوضات لا لإنقاذها.

“حرب مفتوحة” على أفغانستان.. باكستان تقصف “كابل” وتوسّع الاشتباك الحدودي وسط اتهامات وتصعيد متبادل

دخلت المواجهة الأفغانية–الباكستانية طورًا أكثر خطورة بعد إعلان وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف أن بلاده ستخوض “حربًا مفتوحة” ضد حكومة طالبان، بالتزامن مع غارات جوية باكستانية استهدفت كابل وولايتي قندهار وبكتيكا/بكتيا خلال ساعات الليل، في تصعيد يعكس انتقال الأزمة من مناوشات حدودية إلى ضربات في العمق تحمل رسائل ردع سياسية وعسكرية تتجاوز سياق “الرد على إطلاق نار” إلى محاولة فرض قواعد اشتباك جديدة على طول خط ديوراند.

وبحسب الرواية الباكستانية التي بثها الإعلام الرسمي وتقارير محلية، فإن الضربات استهدفت “منشآت عسكرية حيوية” تابعة لطالبان، وتحدثت عن تدمير مقار قيادة وتسهيلات لوجستية ومخازن ذخيرة، مع تداول مزاعم عن تدمير عشرات المواقع والاستيلاء على بعضها ومقتل وإصابة مئات من عناصر طالبان، وهي أرقام لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل حتى الآن بسبب طبيعة المعارك والقيود الميدانية، لكنها تعكس رغبة إسلام آباد في تقديم العملية باعتبارها حملة منظّمة وليست ضربة رمزية.

في المقابل، أكد متحدث حكومة طالبان ذبيح الله مجاهد أن ما جرى هو غارات باكستانية على مناطق محددة في كابل وقندهار وبكتيكا، واصفًا القوات الباكستانية بـ“الجبانة”، ومضيفًا أنه لم ترد تقارير عن ضحايا، قبل أن يعلن أن القوات الأفغانية ردّت بهجمات على نقاط عسكرية باكستانية، في وقت أفادت فيه مصادر ميدانية بإطلاق مضادات أرضية أفغانية نيرانها عقب الغارة الأولى واستمرارها بعد الثانية، ما يعكس أن كابل تعاملت مع الضربات بوصفها اختراقًا سياديًا مباشرًا يستوجب ردًا سريعًا ولو بقدرات محدودة.

الأخطر في التصعيد ليس الغارات وحدها، بل اللغة السياسية المصاحبة لها. فآصف لم يكتفِ بإعلان “نفاد الصبر”، بل ذهب إلى اتهام طالبان بأنها “وكيل للهند” وأنها حولت أفغانستان إلى منصة لتصدير “الإرهاب”، وهي صياغة تقطع مع هامش التهدئة وتضع الأزمة في إطار صراع نفوذ إقليمي يربط كابل بنيودلهي ويُسوّغ توسيع العمليات بوصفها دفاعًا استباقيًا.

هذا التصعيد جاء بعد أيام من ضربات باكستانية سابقة داخل أفغانستان قالت إسلام آباد إنها استهدفت مخابئ “مسلحين”، بينما قالت كابل والأمم المتحدة إن الضربات أوقعت ضحايا مدنيين ووصفتها بأنها انتهاك للسيادة، وهو ما أسّس لبيئة اشتعال تراكمية انتهت الآن إلى ضرب كابل نفسها.

ميدانيًا، تبدو الحدود اليوم في حالة اشتباك متدحرج: كابل تقول إنها بدأت عمليات هجومية على نقاط باكستانية “ردًا على الاستفزازات”، وباكستان تقول إنها ترد على “نيران غير مبررة” وتستعد لمرحلة أوسع، فيما تصبح المعابر الحساسة مثل طورخم مرشحة للتحول إلى نقاط ضغط مزدوجة، لأن أي اشتباك حولها لا يوقف النار فقط، بل يخنق التجارة وحركة العبور ويضاعف الكلفة الإنسانية على جانبي الحدود.

استراتيجيًا، يمكن قراءة ما يجري كتحول من “الردع بالضربات المحدودة” إلى “الردع بالتصعيد المتدرج”، حيث تحاول إسلام آباد فرض معادلة تقول إن أي تهديد ينطلق من العمق الأفغاني سيُقابل بضرب العمق الأفغاني نفسه، بينما تحاول طالبان تثبيت معادلة مقابلة مفادها أن اختراق المجال الجوي سيقابله توسيع الاشتباك الحدودي وربما التلويح باستهداف الداخل الباكستاني سياسيًا وإعلاميًا، ما يرفع احتمالات الخطأ الحسابي ويجعل السيطرة على السقف التصعيدي أصعب.

وفي المحصلة، فإن إعلان “حرب مفتوحة” وقصف كابل يضعان المنطقة أمام سيناريوهين متوازيين: إما اندفاع نحو حملة باكستانية أوسع تُقدَّم بعنوان “معسكرات الإرهاب” وما شابه، وإما ارتداد نحو تفاهمات تهدئة جديدة بوساطات إقليمية بعد أن أصبح استمرار التصعيد مكلفًا للطرفين سياسيًا ولوجستيًا. لكن المؤكد حتى الآن أن ما حدث ليس مجرد جولة نار عابرة، بل نقلة نوعية في قواعد الاشتباك بين كابل وإسلام آباد، عنوانها أن الحدود لم تعد خط تماس فقط، بل بوابة لضربات عميقة ورسائل سيادة بالنار.

من “مختبر غزة” إلى “مهرجان الدم”: كيف يحوّل “كيان العدو الإسرائيلي” الإبادة إلى صناعة ويُسوّق الجريمة كابتكار

بين قاعات معارض السلاح في تل أبيب وركام الأحياء السكنية في غزة، تتكشف صورة واحدة متكاملة: كيانٌ يحوّل الحرب إلى نموذج أعمال، ويُعيد تغليف الإبادة بلغة “الابتكار” و”الخبرة الميدانية”. ففي معرض تكنولوجيا الدفاع للاحتلال (إسرائيل 2026)، الذي وُصف بأنه الأكبر منذ اندلاع حرب غزة، رُفعت شعارات عن «تقنيات مُجرَّبة قتاليًا» و«ابتكار تحت النيران»، بينما كان المقصود عمليًا أن هذه الأنظمة جرى اختبارها على أرضٍ حقيقية سقط فيها آلاف المدنيين.

الحقوقية الصهيونية سابير سلوزكر عمران لخصت المشهد بعبارة «مهرجان الدم»، مؤكدة أن الإعلان التسويقي للمعرض ينزع السياق الأخلاقي عن القتال ويحوّل المأساة إلى “ميزة تنافسية”. فمصطلحات مثل «مجرَّب ميدانيًا» لا تعني إلا أن الأداء “ثبت” في واقعٍ قُتل فيه مدنيون بالعشرات والمئات في يوم واحد، وتراكمت الحصيلة إلى عشرات الآلاف خلال عامين. هنا، لا تُقاس الجودة بدقة الهندسة فقط، بل بمدى الفتك وسرعة التنفيذ.

لم يكن في الدعاية أي حديث عن إخفاقات أو عن أخلاقيات استخدام أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي تقلّص دور الإنسان في القرار وترفع مخاطر قتل غير المقاتلين. بل عُرضت مقاطع مصوّرة تُبرز نتائج “التقنيات” في بيئات مدنية، بما في ذلك مشاهد لأسر كاملة تحت القصف، في استعراضٍ يُحوّل الضحية إلى “دليل كفاءة”. وتقول عمران بوضوح: «العارضون يعلنون بلا خجل بأن غزة هي المختبر الذي يمكّنهم من جني المزيد من الأرباح»، وأن الأرقام التي تهمهم هي القيمة السوقية وحجم الطلبات.

الأرقام بدورها تكشف المنحى: ارتفاع مبيعات سلاح “كيان العدو الإسرائيلي” بأكثر من 18% خلال العامين الماضيين، وطلبات للصناعة الدفاعية بلغت 68.4 مليار دولار بنهاية 2024، مع صادرات قياسية تجاوزت 14.7 مليار دولار. إنها حلقة ربح تتغذّى على الدم: كل جولة قصف تُنتج “خبرة عملياتية” تُباع، وكل ركام يتحول إلى سطر في كتيّب تسويق.

ولا يمكن فصل هذه الصناعة عن العقيدة الأمنية للكيان: تحويل التفوق الناري إلى سردية ردع دائمة، وتثبيت إسرائيل كمركزٍ لمنظومة أمن إقليمي تُعاد هندستها عبر التطبيع والتعاون الاستخباراتي. في هذه القراءة، لا يكون التطبيع مجرد علاقة دبلوماسية، بل إعادة توزيع للسيادة داخل ملفات الأمن، يُنقل فيها الاحتلال الإسرائيلي من “طرف” إلى “مركز”، وتُحوَّل عواصم أخرى إلى امتدادات وظيفية لشبكة تقودها تل أبيب بدعمٍ أمريكي.

ويُعاد تعريف “الواقعية السياسية” بما يخدم هذا المسار: يُقدَّم القبول بالهيمنة كحكمة، بينما يُوصم الرافضون بالسذاجة. غير أن الوقائع الميدانية—من حرب استنزاف متعددة الجبهات إلى تآكل القدرة على الحسم السريع—تقوّض فكرة التفوق الدائم، وتكشف أن القوة التي تحتاج إلى إبادةٍ مستمرة لتثبيت صورتها ليست قوة مستقرة. فحين تُسوَّق المجازر كـ“إنجاز”، ويُستثمر الحصار كـ“أداة ضغط ناجحة”، فإن الشرعية تُستبدل بالردع، والقانون الدولي يُستبدل بمنطق الإفلات من العقاب.

النتيجة أن المعرض ليس حدثًا اقتصاديًا محايدًا، بل امتداد لجبهة القتال: الدعاية تُكمّل القصف، والمنتج يُغطي على المقبرة. وبينما يُرفع شعار “الأمن”، تُسحق القيم الإنسانية. لذا، كما تختم عمران، «لا شيء في هذا روتيني أو محايد»؛ فغزة ليست ساحة اختبار تقني، بل مرآة فاضحة لمنظومة تُحوّل الإبادة إلى علامة تجارية، وتطلب من العالم أن يعتاد المشهد.

إن الصورة الكاملة لكيان الاحتلال، كما تتجلى من الميدان إلى قاعات العرض، هي صورة صناعة عدوان تُراكم أرباحها من آلام المدنيين، وتُحاول تطبيع الجريمة كلغة ابتكار. وفي مواجهة هذا التطبيع، يبقى السؤال: هل يُسمح بأن يُعاد تعريف القتل كميزة تنافسية، أم يُعاد وضعه في مكانه الصحيح كجريمة تستوجب المساءلة؟

ثلاثون يومًا كسرت التفوق الأمريكي.. اليمن يحوّل سماءه وبحره إلى فخّ ويُسقط وهم “الاستباحة”

أكد مدير مركز المعلومات بدائرة التوجيه المعنوي، الخبير العسكري زكريا الشرعبي، أن المواجهة بين اليمن والولايات المتحدة شكّلت منعطفًا مفصليًا في مسار الصراع على أكثر من جبهة، لافتًا إلى أنها كشفت حدود القوة الأمريكية في البحر والجو والأمن، وبدّدت الرهان المركزي لواشنطن على تحييد الدفاعات الجوية اليمنية خلال 30 يومًا بما يمكّنها من استباحة الأجواء اليمنية ومواصلة عملياتها بالوتيرة التي خططت لها.

وأوضح الشرعبي أن الأمريكي دخل المعركة وهو يتكئ على “تفوق مفترض” في السلاح والتكنولوجيا، مستندًا إلى تقارير نقلت عن مسؤولين في إدارة ترامب أن الدفاعات الجوية اليمنية يمكن “التخلص منها” خلال شهر، غير أن واقع الميدان انقلب على هذه الحسابات، إذ واجهت واشنطن قدرات يمنية متراكمة أربكت التخطيط والاشتباك، وفرضت عليها إعادة تقييم قواعد اللعبة في الجو والبحر.

وأشار إلى أن الاعترافات المتداولة حول اضطرار طيار لطائرة إف-35 إلى تنفيذ مناورة حادة قبل ثوانٍ من استهدافه بصاروخ دفاع جوي يمني، إضافة إلى ما ورد عن طياري سرب إف-16 المشاركين في حملة 27 مارس إلى جانب طائرات شبحية، ليست تفاصيل هامشية؛ بل تعكس—بحسب تقييمه—أن اليمن انتقل من مرحلة الدفاع التقليدي إلى مرحلة ردع جوي فعّال. ولفت إلى إعلان القوات المسلحة اليمنية تنفيذ أكثر من 40 عملية تصدٍّ جوي، وإسقاط 22 طائرة MQ-9، واستخدام 57 صاروخ دفاع جوي أو أكثر، بما يعني أن السماء لم تعد ممرًا آمنًا لواشنطن كما افترضت.

وبيّن الشرعبي أن الطائرات الأمريكية لم تكن تقترب ضمن مدى الدفاعات التقليدية، بل نفذت عملياتها من مسافات بعيدة باستخدام صواريخ يصل مداها إلى نحو 70 كيلومترًا، ومع ذلك حققت الدفاعات الجوية اليمنية—عبر تطوير متراكم—تطورًا نوعيًا دفع الأمريكي إلى التساؤل عن طبيعة المنظومات المستخدمة، وكيفية كشف إف-35 وإطلاق صواريخ باتجاهها، فضلًا عن القدرة على تهديد إف-16 رغم محاولات العمل من مسافات آمنة.

وأكد أن حديث الأمريكيين عن “عدم فهم” طبيعة الدفاعات الجوية اليمنية يفسر الاعترافات المتدرجة ويكشف صدمة التقدير لديهم؛ فالمعادلة اليمنية—وفق ما طرحه—قائمة على مرونة حركة وتكتيكات اشتباك ذكية، وخصائص ميدانية تقلل من إمكانية الاستهداف المعاكس، إضافة إلى صواريخ ومنظومات قد يكون بعضها غير مُعلن. وأضاف أن إف-35 ليست مجرد طائرة، بل سلاح استراتيجي أمريكي من الجيل الخامس، صُممت ببصمة رادارية منخفضة وقدرات حرب إلكترونية، ومع ذلك جرى اكتشافها وإطلاق صاروخ عليها، ولم يفصل بين المناورة وخطر الإصابة سوى ثوانٍ، معتبرًا أن ما حدث يعني سقوطًا عمليًا لأحد أعمدة التفوق الأمريكي.

وتطرق إلى طائرات إف-16 التي خضعت لتحديثات تشمل تخفيض البصمة الرادارية وقدرات تشويش وحرب إلكترونية، موضحًا أن دهشة الأمريكيين جاءت من قدرة القوات المسلحة اليمنية على تتبعها رغم التشويش ومحاولات التخفي، وإطلاق ستة صواريخ خلال دقائق بما أحدث حالة إرباك شديدة لدى الطيارين، وصلت—وفق روايات—إلى سماع أحدهم دوي الانفجار قريبًا للغاية، وهو ما يعكس أن الاشتباك لم يكن “تحذيريًا” بل تهديدًا مباشرًا لسلامة الطائرات والأطقم.

وفي البحر، أشار الشرعبي إلى أن تساؤلات أمريكية برزت حول التكتيكات التي انتهت إلى سقوط ثلاث طائرات إف-18، مؤكدًا أن ذلك لم يكن مصادفة، بل نتيجة قدرات وتكتيكات يمنية أربكت عمل البحرية الأمريكية وعطّلت جزءًا من منظومة دفاعاتها، ووصلت بتأثيرها إلى حاملات الطائرات رغم طبقاتها الدفاعية المتعددة، بما يعني أن ميدان البحر الأحمر لم يعد ساحة مضمونة للهيمنة كما اعتادت واشنطن.

وشدد على أن تحييد طائرات MQ-9 كان ضربة مزدوجة؛ لأنها لا تقوم بالاستطلاع فقط، بل تُستخدم أيضًا للاستهداف في البيئات المعادية، وبالتالي فإن إسقاط 22 منها خلال فترة وجيزة أسقط ميزة “التحليق الدائم” على مدار 24 ساعة، وقلّص قدرة واشنطن على الرصد اللحظي واعتراض الاتصالات وتحديد الأهداف المتحركة بدقة.

ولفت إلى مسار أمني موازٍ للمواجهة العسكرية تمثل في إلقاء القبض على خلايا مرتبطة بالولايات المتحدة كانت تعمل على رصد وتحديد الأهداف—وفق اعترافات بثها الإعلام الأمني—ما أدى إلى إفشال أحد أهم المسارات التي اعتمد عليها الأمريكي لتغذية “بنك أهدافه”، وخلق حالة عمى استخباراتي أمام اليمن لعبت—بحسبه—دورًا كبيرًا في تقويض فعالية العدوان.

ورأى الشرعبي أن واشنطن خشيت أن تتحول المعركة التي كان ترامب يسعى لتقديمها كإنجاز إلى مسار كارثي على صورة الردع الأمريكي، خصوصًا إذا تصاعدت خسائر الطائرات أو حدثت إصابات في صفوف الطيارين، وهو ما كان سيُترجم داخليًا وخارجيًا على أنه انهيار في هيبة القوة الأمريكية، لذلك اتجهت إلى محاولة وقف النزيف قبل اتساعه.

وفي ختام حديثه، أكد الشرعبي أن هذه المواجهة رسخت اليمن كفاعل إقليمي حاضر في معادلات الردع، ووجّهت رسالة صارمة لكل من يفكر بتقديم نفسه كأداة للمشروع الأمريكي، مشددًا على أنه إذا كان الأمريكي قد تعثر حتى بأدواته “الشبحية”، فإن أدواته الإقليمية أقل قدرة بكثير، بينما تمتلك القوات المسلحة اليمنية القدرة والإرادة للرد على أي عدوان والدفاع عن السيادة الوطنية.

رعب ما قبل الضربة.. كيان الاحتلال يعيش “استنفارًا شاملاً” تحت وطأة التهديد الإيراني

تعيش الأراضي المحتلة حالة استنفار قصوى مع تصاعد التوترات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني، في مشهد يكشف حجم الهشاشة الأمنية والذعر الشعبي الذي يضرب الجبهة الداخلية للاحتلال كلما اقترب شبح المواجهة مع طهران. فمع ازدياد التكهنات بشأن احتمال اندلاع حرب شاملة، عاد المستوطنون إلى استحضار مشاهد الضربات الصاروخية التي هزّت الكيان خلال حرب يونيو 2025، لكن المخاوف هذه المرة تبدو أعمق، لأن التقديرات داخل الأوساط الصهيونية نفسها تشير إلى أن أي مواجهة قادمة ستكون أشد اتساعًا وأكثر تدميرًا.

في الأيام الأخيرة، تحولت حالة القلق إلى سلوك جماعي مرتبك داخل المجتمع الصهيوني؛ إذ اندفع المستوطنون إلى الأسواق لتخزين المياه والمواد الغذائية الجافة والمعلبة، وارتفعت وتيرة شراء البطاريات ومصابيح الطوارئ وصناديق الإسعافات الأولية، بينما أعادت المستشفيات رفع حالة التأهب، وأُعيد تجهيز الملاجئ تحسبًا لسيناريوهات توصف داخليًا بأنها غير مسبوقة. هذا المشهد لا يعكس مجرد حذر اعتيادي، بل يعبّر عن رعب متجذر من قدرة إيران على نقل المعركة إلى عمق الكيان وضرب مراكزه الحيوية.

وقد ساهمت التصريحات الإيرانية الأخيرة في تعميق هذا الذعر، بعدما أكدت طهران أن أي عدوان إسرائيلي أو أمريكي لن يمرّ دون رد واسع، وأن أي حرب مقبلة لن تُحصر في ساحة واحدة، بل ستفتح مسارات اشتباك متعددة تجعل المنطقة كلها أمام مواجهة مفتوحة. وتدرك النخب الأمنية الصهيونية أن الرسالة الإيرانية هذه المرة تختلف عن التهديدات التقليدية، لأنها تستند إلى تراكم نوعي في القدرات الردعية وإلى تجربة ميدانية أثبتت أن الضربات الإيرانية قادرة على اختراق العمق وإرباك منظومات الدفاع.

وتكشف استطلاعات الرأي داخل الكيان حجم هذا القلق الوجودي. فوفق نتائج صادرة عن معهد الدراسات الأمنية القومية الإسرائيلي خلال يناير 2026، فإن 62.5% من المستوطنين يعتقدون أن الأشهر المقبلة قد تشهد تجدد الحرب مع إيران، وهو رقم يعكس تحول الخوف من الحرب من احتمال نظري إلى قناعة جماعية داخل الشارع الصهيوني. وهذه النسبة لا تعبّر فقط عن قلق أمني، بل عن تصدع في ثقة المستوطنين بقدرة دولتهم على الحماية.

وفي مظهر آخر من مظاهر الذعر، صدرت تعليمات من مسؤولين في الجبهة الداخلية تدعو المستوطنين إلى التأكد من جاهزية الغرف الآمنة وإحكام إغلاق النوافذ الفولاذية وتخزين المياه والطعام والأدوية ومعدات الطوارئ. هذه التعليمات، التي يُراد لها أن تبدو تنظيمية، تحولت فعليًا إلى رسالة إنذار عمّقت القلق أكثر مما بددته، لأن المجتمع الصهيوني قرأها بوصفها اعترافًا ضمنيًا بأن الخطر بات قريبًا وحقيقيًا.

غير أن ما يزيد الرعب داخل الكيان هو اعتراف الخبراء الصهاينة أنفسهم بأن البنية التحتية الدفاعية تعاني من ثغرات خطيرة. فالمعطيات الرسمية تشير إلى أن أكثر من 2.6 مليون مستوطن يفتقرون إلى وسائل الحماية المعيارية، في حين أن نسبة المنازل المزوّدة بغرف آمنة لا تتجاوز 38%. أما البقية، فلا يجدون أمامهم سوى ملاجئ عامة قديمة، كثير منها مهمل أو مغلق أو محوّل إلى استخدامات أخرى، ما يعني أن الحديث عن “الجبهة الداخلية المحصّنة” ليس سوى وهم دعائي يتهاوى مع أول اختبار جدي.

وفي محاولة لاحتواء هذا الضعف، أجرى جيش الاحتلال مناورة واسعة للدفاع المدني حاكى خلالها سيناريو إطلاق ألفي صاروخ إيراني على مراكز سكانية، وشملت المناورة مشاهد لانهيار مبانٍ ودمار واسع في المدن. غير أن هذه التدريبات، بدل أن تبعث الطمأنينة، زادت منسوب الرعب، لأنها أكدت للمستوطنين أن المؤسسة العسكرية نفسها تتوقع ضربات كثيفة وشاملة قد تتجاوز قدرة المنظومات الدفاعية على الاستيعاب.

الإعلام الصهيوني بدوره لعب دورًا بارزًا في تأجيج هذه الحالة، إذ امتلأت الصحف والمواقع بالتحليلات التي تتحدث عن هجوم إيراني وشيك وعن ضعف الجبهة الداخلية، وعن احتمال تعرض محطات الطاقة والمنشآت الحيوية والمستوطنات لقصف مباشر. ومع تكرار هذه السيناريوهات في الخطاب الإعلامي، ترسّخ في الوعي الصهيوني أن الحرب القادمة، إن وقعت، لن تكون مجرد جولة محدودة، بل اختبار بقاء حقيقي.

وفي تطور بالغ الدلالة، ظهرت تقارير تتحدث عن نشر أنظمة دفاع جوي داخل الأحياء السكنية لأول مرة بهذا الشكل منذ حرب يونيو 2025. ورغم أن الاحتلال حاول تقديم هذه الخطوة بوصفها تعزيزًا للحماية، فإن خبراء عسكريين حذروا من أن نشر هذه الأنظمة وسط المناطق السكنية قد يحول تلك الأحياء نفسها إلى أهداف مباشرة في أي رد إيراني، ما يكشف عمق المأزق: فكل محاولة حماية إضافية قد تنتج مستوى جديدًا من الخطر.

المشهد العام داخل الأراضي المحتلة يمكن اختزاله في تعبير واحد: رعب منظم. فالمؤسسة العسكرية تدير حالة الطوارئ، والإعلام يضخ المخاوف يوميًا، والمستوطنون يكدسون المؤن ويتساءلون عن مصيرهم، بينما تنكشف حقيقة أن كيان الاحتلال يعيش اليوم تحت ضغط نفسي وأمني غير مسبوق. لقد أثبتت حرب يونيو 2025 أن كل شبر في الأراضي المحتلة يمكن أن يتحول إلى ساحة نار، ومع تعاظم التهديدات الإيرانية وإقرار الصهاينة أنفسهم بفشلهم في تأمين الحماية الكافية، يبدو أن “الردع” الذي طالما تباهى به الاحتلال قد دخل مرحلة الاهتزاز العميق.

وفي المحصلة، فإن ما يعيشه الكيان اليوم ليس مجرد قلق من حرب محتملة، بل أزمة ثقة شاملة في قدرته على الصمود أمام مواجهة واسعة مع إيران. فالملاجئ غير كافية، والجبهة الداخلية مرهقة، والمجتمع الصهيوني يزداد اقتناعًا بأن أي حرب مقبلة قد تطيح بما تبقى من صورة “الدولة الآمنة”. وهنا تحديدًا تكمن قوة الرسالة الإيرانية: ليس فقط في امتلاك الصواريخ، بل في تحويل كيان الاحتلال من موقع المهدِّد إلى موقع المترقّب الخائف.