كشفت العملية الجوية اليمنية الأخيرة عن فشل دفاعي واستخباراتي مزدوج للنظام السعودي، بعدما تمكنت طائرات مسيّرة يمنية من اختراق أجواء المملكة والوصول إلى أهداف ونقاط حساسة مرتبطة بإمدادات ونقل النفط الخام من شرقي السعودية إلى ميناء ينبع، في حين سارعت الرياض إلى نسب الهجمات لفصائل عراقية، قبل أن تعلن القوات المسلحة اليمنية مسؤوليتها الكاملة عن العملية.
وأكد مصدر عسكري في وزارة الدفاع اليمنية أن التصريحات الصادرة عن وزارتي الدفاع والخارجية السعودية لم تكن سوى محاولة للتغطية على فشل منظومات الرصد والدفاع الجوي السعودية في اكتشاف المسيّرات اليمنية واعتراضها قبل وصولها إلى أهدافها.
ويتضح سبب وصف صنعاء للبيانات السعودية بمحاولة تغطية الفشل من التناقض الصريح بين الرواية التي قدمتها الرياض وبين الوقائع التي أعلنتها القوات المسلحة اليمنية؛ إذ زعمت السلطات السعودية أن المسيّرات جاءت من العراق ونفذتها فصائل عراقية، في حين أكد متحدث القوات المسلحة العميد يحيى سريع أن الطائرات المسيّرة يمنية، وأنها نُفذت ضمن عملية استهدفت منشآت استراتيجية داخل المملكة.
وبذلك، لم تعجز المنظومات السعودية فقط عن إسقاط المسيّرات أو منعها من الوصول إلى أهدافها، بل أخفقت أيضاً في تحديد جهة انطلاقها ومساراتها ومصدر الهجوم بصورة صحيحة، رغم امتلاك المملكة شبكة واسعة من الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي الأمريكية والغربية التي أنفقت عليها عشرات المليارات من الدولارات.
وفي وقت سابق اليوم، أعلن العميد يحيى سريع استهداف عدد من الأهداف والنقاط الحساسة لإمدادات ونقل النفط الخام من شرق السعودية إلى ينبع بعدد من الطائرات المسيّرة، مؤكداً أن العملية حققت أهدافها وجاءت رداً على اختراق الطائرات السعودية المسيّرة للأجواء اليمنية.
ويمنح استهداف منظومة نقل النفط بين شرق السعودية وينبع العملية أهمية استراتيجية كبيرة، باعتبار هذه الشبكة أحد أهم الشرايين التي تعتمد عليها الرياض لنقل الخام من حقول المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، وتوفير مسار بديل للصادرات النفطية بعيداً عن الممرات البحرية المهددة.
ويكشف وصول المسيّرات إلى هذه الأهداف أن القوات اليمنية لم تنفذ هجوماً عشوائياً، بل عملية جرى توجيهها نحو بنية اقتصادية ونفطية حساسة، فيما بقيت الدفاعات السعودية عاجزة عن اكتشاف الطائرات في الوقت المناسب أو تحديد مسارها الحقيقي.
كما أن نسبة الهجوم إلى فصائل عراقية كشفت حالة الإرباك التي أصابت المؤسسات السعودية عقب العملية، إذ حاولت الرياض تقديم رواية عاجلة تبعد الأنظار عن القدرات اليمنية وتخفف من وقع نجاح المسيّرات في اختراق العمق السعودي.
غير أن إعلان القوات المسلحة اليمنية مسؤوليتها عن العملية أسقط الرواية السعودية، وأظهر أن بيانات الرياض لم تستند إلى معلومات استخباراتية دقيقة، بل جاءت في إطار إدارة إعلامية للفشل ومحاولة تضليل الرأي العام بشأن مصدر المسيّرات ونتائج الهجوم.
وأوضح مصدر وزارة الدفاع أن اليمن صبر لسنوات طويلة على الخروقات السعودية خلال مرحلة خفض التصعيد، رغم استمرار أنشطة الاستطلاع الجوي واختراق الأجواء اليمنية، مشدداً على أن صنعاء لن تسمح بتحويل التهدئة إلى غطاء تستغله الرياض لمواصلة عملياتها العدائية.
وقال المصدر إن على النظام السعودي احترام سيادة اليمن واستقلاله وتحمل تبعات أي خروقات يرتكبها، مؤكداً أن كل اختراق للأجواء اليمنية سيقابله رد عسكري يتناسب مع طبيعة الاعتداء.
وجاءت العملية اليمنية بعد إسقاط الدفاعات الجوية طائرة استطلاع مسلحة من طراز “بيرقدار أكنجي” التركية الصنع، تابعة للنظام السعودي، أثناء قيامها بأعمال عدائية في أجواء محافظة الجوف.
وأكد العميد سريع، أمس الأحد، أن القوات المسلحة تمكنت من إسقاط الطائرة باستخدام “سلاح مناسب”، مشدداً على أن الدفاعات اليمنية ستتصدى لكل محاولة لاختراق السيادة الوطنية، وأنها تمتلك من القدرات والإمكانات ما يمكنها من حماية الأجواء اليمنية.
ونشر الإعلام الحربي صوراً ومشاهد موثقة لعملية الإسقاط وحطام الطائرة، بما قدم دليلاً ميدانياً على النشاط العدائي السعودي داخل الأجواء اليمنية، وعلى قدرة الدفاعات الجوية على اعتراض واحدة من أحدث الطائرات المسيّرة الهجومية والاستطلاعية.
وبينما أسقطت الدفاعات اليمنية الطائرة السعودية وحددت نوعها ومهمتها ومكان إسقاطها، فشلت الدفاعات السعودية في تحديد مصدر المسيّرات اليمنية التي اخترقت أجواء المملكة، وهو ما يعكس فارقاً واضحاً في الكفاءة الاستخباراتية والميدانية بين الطرفين.
وتظهر الوقائع معادلة عسكرية شديدة الدلالة: الدفاعات اليمنية اكتشفت المسيّرة السعودية وأسقطتها ووثقت حطامها، بينما عجزت المنظومات السعودية عن اكتشاف المسيّرات اليمنية ومنعها من بلوغ أهدافها، ثم أخطأت في تحديد الجهة التي أطلقتها.
وأكد مصدر وزارة الدفاع أن معالجة أسباب التصعيد لا تكون عبر البيانات والتبريرات، بل بإنهاء الحصار المفروض على الشعب اليمني، وفتح المطارات والموانئ، وتسهيل حركة التجارة، والإفراج عن الأسرى، واحترام سيادة اليمن واستقلاله.
كما شدد على حق الشعب اليمني في الاستفادة من ثرواته النفطية والغازية وتوجيه عائداتها إلى صرف المرتبات وتوفير الخدمات الأساسية، مؤكداً أن هذه المطالب حقوق سيادية وإنسانية لا يمكن للسعودية مصادرتها أو استخدامها أداة للضغط السياسي.
ويؤكد الموقف اليمني أن صنعاء لا تفصل بين الخروقات العسكرية والحصار الاقتصادي؛ فاختراق الأجواء، وإغلاق المطارات والموانئ، وتعطيل عائدات الثروات، تمثل جميعها أوجهاً لسياسة عدائية واحدة ستواجهها القوات المسلحة ضمن معادلة “التصعيد بالتصعيد”.
وفي المحصلة، أثبتت العملية أن الفشل السعودي لم يكن مقتصراً على عدم اعتراض المسيّرات، بل شمل ثلاث دوائر مترابطة: فشل الدفاعات في اكتشاف الهجوم ومنعه، وفشل الاستخبارات في تحديد مصدره، وفشل الخطاب الإعلامي في تقديم رواية تصمد أمام الإعلان اليمني.
وهكذا تحولت بيانات وزارتي الدفاع والخارجية السعودية من محاولة لتبرير ما جرى إلى دليل إضافي على حجم الارتباك؛ فالمسيّرات اليمنية وصلت إلى شرايين النفط، والدفاعات السعودية لم تمنعها، وأجهزة الاستخبارات نسبت العملية إلى العراق، قبل أن تعلن صنعاء أنها عملية يمنية خالصة حققت أهدافها بنجاح.











