دخل الصراع بين إيران والولايات المتحدة في مضيق هرمز مرحلة أكثر حساسية، بعدما نجحت طهران في إفشال محاولات أمريكية لفرض مسارات ملاحية بديلة داخل المضيق، وأكدت عملياً أن أمن العبور البحري لا يمكن فصله عن سيادتها وأمنها القومي، في وقت تواصل فيه القوات الأمريكية اعتراض السفن وفرض حصار بحري يستهدف تجارة الطاقة الإيرانية.
ووفقاً لما نقله التلفزيون الإيراني عن مصادر مطلعة، حاولت ست سفن تجارية فجر الاثنين عبور مضيق هرمز عبر ما وصفته طهران بـ “المسار الجنوبي غير القانوني”، بدفع وتوجيه من الجيش الأمريكي، رغم التحذيرات الإيرانية السابقة من خطورة هذا الطريق وعدم صلاحيته للملاحة.
وأكدت المصادر أن إحدى السفن تعرضت لانفجار عقب خروجها عن المسار الملاحي الذي حددته إيران، بينما اضطرت السفن الخمس الأخرى إلى التراجع والعودة إلى مياه الخليج، في ضربة جديدة للمحاولات الأمريكية الرامية إلى إنشاء ممرات ملاحية تتجاوز الرقابة الإيرانية وتضعف سيطرة طهران على المضيق.
وشددت إيران على أن “المسار الملاحي في مضيق هرمز هو المسار المحدد فقط”، وأن الطرق الأخرى “غير سالكة ولا تؤدي إلى أي وجهة”، في رسالة حاسمة إلى شركات الشحن بأن الالتزام بالتعليمات الإيرانية أصبح شرطاً أساسياً للعبور الآمن.
وكان الحرس الثوري الإيراني قد حذر مسبقاً شركات الملاحة من استخدام المسار الجنوبي، مؤكداً أنه “ملغوم” ويشكل خطراً مباشراً على السفن، إلا أن واشنطن واصلت دفع ناقلات وسفن تجارية نحو هذا الطريق، في محاولة لفرض أمر واقع جديد داخل المضيق.
كما أفادت وكالة “فارس” الإيرانية بأن ثلاث ناقلات نفط حاولت خلال الأيام السابقة استخدام المسار ذاته، فانفجرت إحداها، فيما عادت الناقلتان الأخريان أدراجهما، بما يؤكد أن ما جرى لم يكن حادثاً منفرداً، بل جزءاً من مواجهة متصاعدة حول من يمتلك حق تنظيم الملاحة في أحد أهم ممرات الطاقة العالمية.
وفي مقابل الإجراءات الإيرانية الهادفة إلى ضبط حركة العبور وحماية أمنها القومي، واصلت القوات الأمريكية عمليات اعتراض السفن في بحر العرب وخليج عُمان، حيث نفذت القيادة المركزية الأمريكية عملية صعود للتحقق على متن ناقلة المنتجات النفطية “تشارمينار”، بعد يوم من إطلاق النار على ناقلة الغاز “لافين” وتعطيلها.
وادعت القيادة المركزية الأمريكية أن “لافين“، التي ترفع علم موزمبيق، تجاهلت تحذيراتها، قبل أن تطلق القوات الأمريكية النار على غرفة محركاتها وتمنعها من مواصلة الإبحار نحو إيران، في سلوك يعكس استخدام واشنطن القوة العسكرية لفرض حصار بحري خارج أي غطاء قانوني دولي واضح.
أما ناقلة “تشارمينار“، فقد صعدت القوات الأمريكية إلى متنها ونفذت ما وصفته بـ “عملية تحقق” قبل السماح لها بمواصلة رحلتها، في إطار سلسلة عمليات أمريكية استهدفت السفن التي تشتبه واشنطن بارتباطها بتجارة النفط والغاز الإيرانيين.
وكشفت البيانات الملاحية أن الناقلتين خضعتا لتغييرات متكررة في الأسماء والأعلام والشركات المرتبطة بهما، وهي ممارسات تلجأ إليها سفن عديدة لحماية نشاطها التجاري من منظومة العقوبات الأمريكية الأحادية وتجنب الملاحقة العسكرية والمالية التي تفرضها واشنطن على تجارة الطاقة الإيرانية.
وتحمل الناقلة الأولى رقم المنظمة البحرية الدولية 8818219، وظهرت خلال فترات مختلفة بأسماء “لافين” و”ديشا” و”ميدا” و”راها غاز”، بينما تنقلت بين أعلام موزمبيق وبوتسوانا وكوراساو وبالاو والكاميرون وسيراليون ودول أخرى.
ورغم محاولة الولايات المتحدة تقديم هذه التغييرات دليلاً على أنشطة غير قانونية، فإنها تعكس في حقيقتها حجم الضغوط التي تفرضها العقوبات الأمريكية على السفن والشركات الراغبة في التعامل مع إيران، وتجبرها على تغيير هوياتها الإدارية والتجارية لتجنب الاستهداف.
وبحسب السفارة الهندية في طهران، كان على متن السفينة التي تعرضت للهجوم الأمريكي 28 بحاراً هندياً، مؤكدة سلامتهم، في وقت أظهرت فيه المقاطع التي نشرتها القيادة المركزية اسم “ديشا” مكتوباً على جسم السفينة، رغم تعريفها أمريكياً باسم “لافين”.
وتبلغ الطاقة التصميمية للناقلة نحو 78.5 ألف متر مكعب من الغاز البترولي المسال، موزعة على أربعة خزانات، فيما تشير بيانات التتبع إلى توقفها قبالة الساحل الشرقي للإمارات، من دون حمولة تجارية معلنة.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عقوبات على السفينة عام 2024، متهمة إياها بنقل شحنات غاز إيرانية إلى اليمن، وبالارتباط بشركة “عرفات شيبنغ”، في إطار العقوبات التي تستخدمها واشنطن لملاحقة كل جهة تتعامل مع إيران أو تدعم حلفاءها في المنطقة.
أما “تشارمينار”، التي تحمل رقم المنظمة البحرية الدولية 9318022، فهي ناقلة منتجات نفطية وكيميائية بطول 183 متراً، وتبلغ حمولتها الساكنة نحو 50.9 ألف طن.
وأظهرت بيانات ملاحية أنها كانت تحمل نحو 351 ألفاً و531 برميلاً من المنتجات النفطية النظيفة، بعد تحميلها من منطقة الخليج في أبريل الماضي، فيما سجلت حالتها الملاحية بأنها “فاقدة للقدرة على المناورة” عقب اعتراض القوات الأمريكية لها.
وأدرجت واشنطن السفينة على قائمة العقوبات في يوليو 2025، بزعم ارتباطها بشبكة إيرانية تدير أسطولاً لنقل النفط والمنتجات البترولية الإيرانية والروسية، مستخدمة شركات متعددة لعزل كل سفينة قانونياً ومالياً عن الأخرى.
وتكشف هذه الوقائع أن الولايات المتحدة لا تكتفي بفرض عقوبات اقتصادية على إيران، بل انتقلت إلى استخدام القوة البحرية المباشرة لاعتراض السفن وإطلاق النار عليها وتعطيلها، في محاولة لخنق الاقتصاد الإيراني ومنع صادراته من الوصول إلى الأسواق.
وبحسب بيانات القيادة المركزية الأمريكية، أعادت القوات الأمريكية توجيه 12 سفينة تجارية، وعطلت سفينتين، وصعدت إلى سفينتين للتحقق منهما منذ تجديد الحصار البحري، فيما شهدت مرحلة سابقة من الحصار إعادة توجيه أكثر من 140 سفينة وتعطيل تسع سفن.
وأمام هذا التصعيد، شدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على أنه لا يمكن السماح بتحول مضيق هرمز إلى أداة بأيدي “المعتدين” للإضرار بالأمن القومي الإيراني، مؤكداً أن المسار الجنوبي الذي استحدثته الولايات المتحدة غير آمن بسبب خصائصه الجغرافية، ويمثل انتهاكاً للتفاهمات السابقة بشأن إدارة الملاحة.
وأوضح بقائي أن واشنطن هي التي نقضت مذكرة التفاهم، وأنه “لا يمكن تنفيذ تفاهم من طرف واحد”، ولذلك أوقفت إيران تنفيذ التزاماتها بعد إخلال الولايات المتحدة بتعهداتها ورفضها إتاحة وصول طهران إلى أصولها المالية المجمدة.
كما نفى المتحدث الإيراني وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، ووصف الحديث عن وقف لإطلاق النار لمدة عشرة أيام بأنه “مجرد تخمينات إعلامية”، مؤكداً أن باكستان وقطر ودولاً أخرى تقوم بنقل الرسائل بين الجانبين ضمن مسار دبلوماسي غير مباشر.
وشدد بقائي على أن إيران لن تسمح للولايات المتحدة بتحديد زمان الحرب والسلام ومدتهما، وأن طهران متمسكة بحقها في حماية أراضيها ومصالحها الوطنية، مع إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحاً من موقع القوة والندية، لا من موقع الخضوع للضغوط.
ووجه رسالة إلى دول المنطقة أكد فيها أن إيران لا تحمل عداءً لأي دولة مجاورة، لكنها “لن تتغاضى عن مشاركة بعض الدول في الاعتداء عليها”، في تحذير واضح من السماح باستخدام الأراضي أو المياه الإقليمية لخدمة العمليات الأمريكية.
وتواصل إيران في الوقت نفسه محادثاتها مع سلطنة عُمان لإنشاء آلية تضمن إدارة الملاحة الآمنة في مضيق هرمز، مؤكدة أن هذه المفاوضات إيرانية–عُمانية ولا ترتبط بالولايات المتحدة.
ويكتسب الدور العُماني أهمية خاصة، باعتبار السلطنة دولة مشاطئة للمضيق وتتقاسم مع إيران المسؤولية الجغرافية والقانونية عن أمنه، وفق التفاهمات البحرية الموقعة بين البلدين، ما يمنح أي تنسيق بين طهران ومسقط ثقلاً إقليمياً وقانونياً يتجاوز المحاولات الأمريكية المنفردة.
وتتمسك الولايات المتحدة بما تسميه “حرية الملاحة غير المشروطة”، وتسعى إلى تأمين مسارات بحرية بعيدة عن الرقابة الإيرانية، في حين ترى طهران أن هذه المطالب ليست سوى غطاء لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي قرب حدودها واستخدام المضيق أداةً للضغط على أمنها واقتصادها.
ولا تنظر إيران إلى تنظيم الملاحة باعتباره إجراءً تقنياً فقط، بل بوصفه جزءاً من معركة السيادة ومنع القوات المعادية من استخدام أهم ممرات الطاقة العالمية ضدها، ولذلك تعمل على ترسيخ قاعدة مفادها أن العبور الآمن يجب أن يتم بالتنسيق معها واحترام شروطها الأمنية.
وتكشف التطورات الأخيرة أن إيران نجحت في تحويل مضيق هرمز من ورقة ضغط أمريكية إلى أداة ردع استراتيجية بيدها، فكلما صعّدت واشنطن عمليات الحصار واعتراض السفن، ردت طهران بتشديد سيطرتها على المسارات ورفع كلفة تجاوز تعليماتها.
كما أظهرت حادثة السفن الست أن الولايات المتحدة عاجزة عن فرض ممر ملاحي بديل بالقوة، وأن الشركات التجارية لا تستطيع تجاهل التحذيرات الإيرانية من دون تعريض سفنها وحمولاتها وطواقمها للخطر.
وفي الوقت الذي تروّج فيه واشنطن لعملياتها باعتبارها تطبيقاً للعقوبات، تنظر إيران إليها باعتبارها قرصنة بحرية وحصاراً اقتصادياً وعدواناً مباشراً على سيادتها وحقوقها التجارية، خصوصاً أن القوات الأمريكية تستخدم السلاح لاعتراض سفن مدنية وإجبارها على تغيير وجهاتها.