الرئيسية بلوق الصفحة 72

تجمع الريان لايمثلنا ونرفض قطع الطرقات.. قبائل دهم تستنفر وتعلن جهوزيتها لكسر الحصار وتؤكد: مستعدون لمواجهة كل من فكر بغزو أو زعزعة الأمن والاستقرار

في مشهد قبلي يعكس تصاعد الجهوزية الشعبية والميدانية في محافظة الجوف، أعلنت قبائل دهم استنفارها العام وحشدها الواسع في لقاء عسكري مسلح استعداداً لخوض أي مواجهة تفرضها المرحلة، مؤكدة أن زمن الصبر على العدوان والحصار يقترب من نهايته، وأن القبيلة ستكون في طليعة الصفوف للدفاع عن الأرض والسيادة وكسر الحصار وإنهاء الاحتلال.

وأعلنت قبائل دهم في محافظة الجوف موقفاً حاسماً من التحشيدات الجارية في منطقة الريان، مؤكدة براءتها الكاملة من تلك التجمعات المرتبطة بحزب الإصلاح والمدعومة من اللجنة الخاصة السعودية، ومشددة على أن ما يجري هناك لا يمثل القبيلة ولا يمت بصلة إلى قيمها وأعرافها ومواقفها المعروفة.

وفي بيان واضح اللهجة، أكدت قبائل دهم أن تجمع الريان فاقد للشرعية والكرامة، وأنه لا يعدو كونه غطاءً لتحركات مشبوهة تمارس أعمال التقطع ونهب المسافرين تحت شعارات زائفة، إلى جانب التورط في جرائم استهدفت النساء والأطفال والأبرياء، في إشارة إلى أن هذه المجموعات تحولت من أدوات تحشيد إلى أدوات فوضى وإجرام منظم ترعاه الرياض وتموله لخدمة أجنداتها في المناطق المحتلة.

وشدد البيان على أن مشايخ دهم لم يشاركوا في تلك التجمعات، وأن من يوجدون فيها ليسوا ممثلين للقبيلة، بل هم ـ بحسب توصيف البيان ـ ضعفاء من المرتزقة المأجورين الذين جرى استئجارهم بالمال والدفع بهم إلى واجهة المشهد لإضفاء طابع قبلي زائف على تحركات لا علاقة لها بالقبيلة ولا بمصالحها ولا بمواقفها الوطنية.

وحملت قبائل دهم النظام السعودي المسؤولية الكاملة عن سفك الدماء وإثارة الفوضى، معتبرة أن الرياض هي التي تقف وراء هذه المطارح وتمويلها وتحريكها في المناطق المحتلة، في سياق سياسة تقوم على تفجير النزاعات، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وتحويل بعض الأدوات الرخيصة إلى وسائل لابتزاز المجتمع وزعزعة الأمن والاستقرار في المحافظات الشمالية.

وأكدت القبائل رفضها القاطع لأي قطع للطرق المسبّلة أو الاعتداء على المسافرين، مشددة على أن هذه الأفعال تتنافى بصورة كاملة مع أخلاق وأعراف القبيلة اليمنية، ولا يمكن أن تُنسب إلى دهم أو إلى غيرها من القبائل الحرة التي تعرف حرمة الطريق وحق العابر وأصول الموقف القبلي. وبهذا الموقف، سعت قبائل دهم إلى سحب الغطاء القبلي عن تحركات الريان، وفضحها باعتبارها أعمالاً مدفوعة ومستوردة سياسياً أكثر من كونها تحركاً اجتماعياً أو قبلياً حقيقياً.

وفي المقابل، أعلنت قبائل دهم جهوزيتها الكاملة للتحرك صفاً واحداً في مواجهة أي طارئ أو محاولة لزعزعة الأمن، وصولاً إلى تحرير ما تبقى من الأراضي المحتلة، في موقف يعكس أن القبيلة لا تكتفي بإعلان البراءة من أدوات الفوضى، بل تضع نفسها أيضاً في موقع الاستعداد المباشر للدفاع عن الاستقرار والكرامة والسيادة في مواجهة مشاريع العبث السعودية وأذرعها المحلية.

ويكشف بيان قبائل دهم أن الرهان السعودي على توظيف الغطاء القبلي لتسويق الفوضى أو تمرير التحشيدات المشبوهة بدأ يتآكل من الداخل، وأن القبائل باتت أكثر ميلاً إلى تمييز نفسها بوضوح عن الأدوات المأجورة التي تحاول الرياض تقديمها بوصفها تعبيراً عن المزاج القبلي، فيما هي في حقيقتها مجرد واجهات مأزومة لمشروع فقد صدقيته ومشروعيته معاً.

ويأتي هذا التحرك القبلي في سياق تصاعد النفير العام في المحافظات اليمنية، حيث تتجه القبائل إلى تثبيت موقف واضح عنوانه رفض الوصاية، ومواجهة التحالف، والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن والاستقرار أو فرض معادلات الغزو والهيمنة على اليمن.

من الحصار إلى الردع.. اليمن يُرسِّخ معادلة القوة في خدمة السيادة

الحمد لله على فضله وعونه وتوفيقه، الذي مكّن القوات المسلحة اليمنية من البناء والتطوير والتحديث حتى وصلت إلى مستوى متقدم من القدرات العسكرية والمنظومات الدفاعية، رغم سنوات طويلة من العدوان والحصار والاستهداف الممنهج لكل مقومات الحياة في اليمن.

وأنا أستمع إلى بيان القوات المسلحة اليمنية الذي يشكّل نقطة تحول ويؤسس لمرحلة جديدة في مسار كسر الحصار والدفاع عن حقوق الشعب اليمني، استحضرت مشاهد السنوات الأولى من العدوان، حين كان العدو السعودي يشن حرباً شاملة استهدفت كل مقومات الحياة، الإنسان والأرض اليمنية وكل ما يمت بصلة إلى مقومات الدولة؛ فدمر البنية التحتية، واستهدف المؤسسات الرسمية والطرقات والمطارات والموانئ والمستشفيات والجامعات والمعاهد الفنية والمزارع والأسواق.

في محاولةٍ واضحة لإخضاع اليمن واحتلاله وكسر إرادة شعبه، في تلك المرحلة كانت الفجوة العسكرية كبيرة، وكان العدو يراهن على تفوقه الجوي الهائل وعلى الدعم الأمريكي والغربي المفتوح، معتقداً أن اليمن وشعبه العظيم لن يستطيع الصمود ولن يمتلك القدرة على صناعة وتطوير أسلحة الردع.

 لكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفاً تماماً؛ فقد أثبت الشعب اليمني وقواته المسلحة أن الإرادة والإيمان والاعتماد على الله قادرة على تحويل كل التحديات إلى فرص، والحصار إلى دافع للإبداع والابتكار والاكتفاء الذاتي والتطوير، وخلال سنوات العدوان، انتقلت القوات المسلحة من مرحلة مواجهة العدوان بإمكانات محدودة إلى مرحلة بناء قدرات عسكرية متطورة، عبر مسار طويل من العمل والبحث والتطوير والتصنيع العسكري.

واستطاعت، بعون الله تعالى، وبأيادي وعقول يمنية أن تؤسس قاعدة صلبة للصناعة العسكرية المتطورة والمواكبة لمتطلبات المعركة وقدرات العدو، وأن تحقق قفزات نوعية في مختلف المجالات، وصولاً إلى امتلاك منظومات صاروخية متقدمة وطائرات مسيّرة ومنظومات دفاع جوي شكّلت عامل ردع حقيقياً وفرضت معادلات جديدة في المنطقة.

ما وصلت إليه القوات المسلحة اليمنية اليوم، هو تجسيد حي لجهود الشعب اليمني بأكمله، كما هو ثمرة مباشرة لتضحيات الشهداء والجرحى والأسرى، ولصبر وصمود الملايين من أبناء اليمن الذين تحملوا أعباء العدوان والحصار والمعاناة الاقتصادية والإنسانية وقطع مرتبات الموظفين طوال سنوات العدوان، وقد كان الشعب اليمني الشريك الفاعل في الوصول لهذا الإنجاز، لأنه رفض الخضوع والاستسلام وتوكل على الله وتمسك بحقه في الحرية والسيادة والاستقلال،

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حجم المأساة الإنسانية التي خلفها الحصار المفروض على اليمن؛ فقد عانى ملايين اليمنيين من نقص الغذاء والدواء والوقود وتعطلت مصالح الناس وتضررت مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، هذا الحصار المفروض من قبل السعودية وبدعم وإشراف أمريكي ألحق أضراراً جسيمة بالشعب اليمني، وتمثل آثاره معاناة واسعة ما زالت مستمرة حتى اليوم.

المرحلة الراهنة تؤكّد أن سياسة الحصار والتجويع فشلت في تحقيق أهدافها، كما فشلت الحرب العسكرية في كسر إرادة اليمنيين؛ فبعد سنوات من الرهان على القوة والضغط والحصار، يثبت اليمن مجدّداً أنه قادر على الصمود والتطور وبناء عناصر القوة التي تحمي سيادته وتدافع عن مصالح شعبه.

وإذا كان العدو قد راهن يوماً على تدمير اليمن وإعادته إلى حالة العجز والارتهان؛ فإن الوقائع اليوم تؤكد أن اليمن خرج من محنة العدوان أكثر إيماناً بالله وأكثر تصميماً على الاعتماد على الذات وأكثر تمسكاً بحقوقه الوطنية.. وما تشهده القوات المسلحة من تطور نوعي هو رسالة واضحة بأن زمن الاستفراد باليمن قد انتهى، وأن إرادة الشعوب الحرة قادرة على صناعة القوة القادرة على حماية السيادة والاستقلال وفرض المعادلات الوطنية مهما كانت النتائج والتداعيات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صبري الدرواني

وإِن عُدْتمْ عُدْنَا وَعَادَ اللَّهُ معنا

بيان المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع شرح صدورنا، فاليمن مشتاق لملاقاة العدو السعودي، والمجاهدون أيديهم على الزناد، وينتظرون فقد الإشارة من السيد القائد -يحفظه الله.

تدرك السعودية جيداً أن زمن اليوم غير زمن 2015م، ولهذا فإن انتهاك الأجواء اليمنية والعربدة فيها يعد من الخطوط الحمراء التي لا تسمح بها القوات المسلحة اليمنية، وما قام به أبطالنا في قوات الدفاع الجوي من تصد وإرغام للطيران الحربي السعودي على مغادرة سماء اليمن خير شاهد على ذلك، فاليمن لن يسكت على استباحة أجوائه، وانتهاك سيادته، ولن يسكت على استمرار الحصار مهما كلفه ذلك من ثمن.
ولهذا، لا خيار اليوم أمام السعودية سوى الاستجابة لصوت الشعب اليمني، وإنهاء العدوان والحصار، والرضوخ لمطالب الشعب اليمني المحقة، ما لم فإن النيران ستشعل من جديد، وأرمكوا وكل المنشآت الحيوية في المملكة ستكون وقوداً لصواريخ اليمن، وهذا ما لا يريده السعوديون، لكن بقاء المجرم بن سلمان تحت وصاية ترمب، سيجر بلاده نحو المهلكة، وسيتضرر كل شيء هناك.
المرحلة حساسة، وستكون بإذن الله مفصلية لمصير الشعب اليمني، فعلينا أن نكون على أتم الاستعداد والجهوزية لأي خيار يؤكد عليه السيد القائد، والتسليم له، وكذلك رفع مستوى الوعي وإدراك مؤامرات العدو والتصدي لها في كل الميادين، وأهمها جبهة الوعي والإعلام التي يركز عليها العدو بشكل كبير.
نحن على يقين كبير بالله سبحانه وتعالى أنه مهما اشتدت الأمور ستنجلي، وسيأتي النصر الذي يشفي الصدور، فقط المرحلة بحاجة إلى الوعي والصبر والثبات، وسينصرنا الله بنصره ويؤيدنا بجنده، وهو على كل شيء قدير، والعاقبة للمتقين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أم الحسنين الزايدي

اليمن يفرض معادلة جديدة ويكسر قيود الهيمنة والحصار

ما زالت سياسات النظام السعودي تنظر إلى اليمن نظرة دونية، وكأنه حديقة خلفية لها، غير أن تلك الرؤية القائمة على الهيمنة والغطرسة والاستعلاء بدأت تتهاوى اليوم أمام واقعٍ جديد تفرضه القوات المسلحة اليمنية على الأرض، من خلال معادلة الردع، وكسر الحصار المفروض على اليمن منذ ما يقارب أحد عشر عاما ظلما وعدوانا، والسعي إلى إنهاء العدوان بكل أشكاله، وطرد الاحتلال، وانتزاع حقوق الشعب اليمني المشروعة، واستحقاقات السلام كاملة غير منقوصة.

وما كان يظنه النظام السعودي العميل ثابتا لا يتغير، يتبدد اليوم أمام صمود يمني، وتضحيات جسيمة يقدمها أحرار وشرفاء اليمن من مختلف القبائل، وإرادة لا تنكسر. وهي معادلة تشكلت من جهود وتضحيات شعب قرر أن يصنع مصيره بيده.

إن المتغيرات المتسارعة في اليمن والمنطقة لم تعد تسمح ببقاء معادلات الهيمنة والاستعلاء القديمة التي تقودها أمريكا وينفذها حليفها السعودي ضد اليمن، بل تشير إلى أن زمن الوصاية والتقليل من شأن الشعوب قد ولى وإلى غير رجعة، وأن شعوب وقوى المقاومة الإسلامية الحرة المستقلة تسعى إلى ترسيخ حضورها الفاعل والقوي رغم ما تواجهه من تحديات وصعوبات وتضحيات.

وعلى النظام السعودي أن يدرك أن يمن اليوم يختلف كثيرًا عن يمن الأمس؛ فوعي الشعب، واستعداده لتحمل التضحيات، وتماسك المجتمع، وما شهدته سنوات العدوان والحصار الماضية من أحداث عظيمة وكبيرة، كلها عوامل أسهمت في بناء وعي وبصيرة الشعب، وتغيير موقع اليمن في المشهد الإقليمي.

فالأحداث التي جرت نقلت اليمن من دولة على هامش السعودية والخليج، إلى دولة تصنع المعادلات الإقليمية بصناعاتها العسكرية المتطورة والحديثة جدا، والتي وصلت إلى مديات بعيدة جدا لم يكن يتوقع لا صديق ولا عدو أن تصل إليها قوة وقدرات عسكرية عززت حضور اليمن في القضايا الإقليمية والدولية، ويُسمع صوتها في قضايا المظلومين والمستضعفين في العالم الإسلامي، وعلى رأسها قضية الأمة الإسلامية الأساسية والمركزية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وسيظل اليمن، بإرادة أبنائه وصبرهم وثباتهم، حاضرا في معادلات المنطقة في مواجهة الهيمنة الصهيوأمريكية وقوى النفاق ، ساعيا إلى ترسيخ معادلته لفك الحصار والمعاناة عن شعبه العزيز المظلوم والدفاع عن مصالحه وسيادته، رغم التحديات والتداعيات، ورغما عن أنف كل مستكبر وكل خائن وعميل، والعاقبة للمتقين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نبيل بن جبل

بعد عقد من الحصار صنعاء تفرض قواعد اشتباك جديدة

هناك أحداث تمر في المنطقة كخبر عابر لبضع ساعات ثم تختفي، وهناك أحداث تكشف ما يجري خلف الستار وتفضح حجم التغيرات التي تتشكل بصمت حتى تأتي لحظة ظهورها أمام الجميع.

ما جرى في أجواء اليمن فجر الجمعة يندرج ضمن النوع الثاني، فالقضية لم تعد مرتبطة بطائرة مدنية إيرانية تقل مرضى وجرحى وعالقين بقدر ما أصبحت مرتبطة بالسؤال الأكبر: من الذي يملك القرار في سماء اليمن؟ ومن الذي يحدد مصير مطار صنعاء؟ ومن الذي يرسم حدود السيادة اليمنية بعد أحد عشر عاماً من الحرب والحصار؟

البيان الصادر عن القوات المسلحة اليمنية حمل في ظاهره توصيفاً لواقعة عسكرية محددة، لكن في جوهره، هو إعلان سياسي من العيار الثقيل، إعلان يقول إن مرحلة الوصاية على اليمن تواجه اختباراً حقيقياً، وإن صنعاء لم تعد مستعدة للتعامل مع حصار المطار باعتباره أمراً واقعاً يمكن التعايش معه إلى أجل غير معلوم.

منذ بداية الحرب اعتمدت السعودية على فرضية ثابتة مفادها أن السيطرة على المنافذ الجوية والبحرية ستبقي اليمن تحت الضغط الدائم، وستمنح الرياض القدرة على التحكم بإيقاع الأحداث..هذه الفرضية تعرضت خلال السنوات الماضية لسلسلة طويلة من الضربات، فشل الحرب العسكرية، فشل الرهان على الانهيار الداخلي، فشل محاولات عزل صنعاء سياسياً، ثم جاءت التطورات الأخيرة لتضع ملف المطار نفسه في قلب المواجهة.

فعندما يضطر الطيران الحربي السعودي إلى التدخل لمنع هبوط طائرة مدنية، فإن ذلك يكشف حجم القلق الذي تعيشه الرياض من أي خطوة يمكن أن تؤدي إلى كسر الحصار المفروض على اليمن، وعندما تنجح الدفاعات الجوية اليمنية في إفشال هذه المحاولة وإجبار الطائرات المعادية على المغادرة، فإن الرسالة تصبح أكثر وضوحاً بأن زمن انتهاك سيادة اليمن بلا كلفة يتآكل بسرعة.

والمسألة هنا تتجاوز الجانب العسكري المباشر، لأن أي مراقب للصراعات الكبرى يعرف أن معارك السيادة تبدأ غالباً من تفاصيل تبدو صغيرة للوهلة الأولى، رحلة جوية هنا، سفينة هناك، معبر حدودي في مكان آخر، ثم تتراكم الوقائع حتى تتحول إلى حقائق سياسية جديدة، وهذا بالضبط ما يبدو أن صنعاء تسعى إليه اليوم، أن تثبيت حقها في تشغيل مطارها الوطني باعتباره حقاً سيادياً غير قابل للمساومة أو الابتزاز.

اللافت في البيان أن لغة الثقة كانت حاضرة في كل سطر تقريباً، حيث لا توجد لغة دفاعية، ولا توجد إشارات إلى القلق أو التردد، فهناك طرف يتحدث وكأنه يدرك جيداً حجم ما يمتلكه من أوراق قوة، ولهذا جاء التحذير الموجه إلى السعودية واضحاً وصريحاً وحاداً، بأن أي عدوان جديد، أو أي محاولة جديدة لفرض الحصار بالقوة ستقابل برد يستهدف المطارات والمصالح الحيوية.

فهذه ليست جملة إنشائية أضيفت لإكمال البيان، ومن يعرف مسار الحرب خلال الأعوام الماضية يدرك أن صنعاء تتحدث انطلاقاً من تجربة طويلة أثبتت فيها قدرتها على نقل المعركة إلى عمق الخصوم، ولهذا فإن أهمية التحذير تكمن في أنه يصدر بعد سنوات من تراكم القدرات العسكرية والتقنية والخبرات القتالية، وليس في ظروف ضعف أو ارتباك.

أما بالنسبة للشريك الأساسي في الحرب والحصار “الولايات المتحدة”، فتبدو اليوم أمام نتيجة معاكسة لكل الأهداف التي سعت إليها، فواشنطن أرادت يمنًا منهكاً ومنعزلاً ومحاصراً، والذي تشكل على الأرض كان شيئاً مختلفاً تماماً، فهناك قدرات عسكرية تتطور باستمرار، ومنظومات ردع تتوسع، وحضور سياسي أكثر رسوخاً، وعلاقات إقليمية ما زالت قائمة رغم كل العقوبات والضغوط.

ومن المفارقات أن الحصار الذي كان يفترض أن يؤدي إلى إخضاع اليمن تحول مع مرور الوقت إلى أحد أهم العوامل التي دفعت اليمنيين إلى بناء خياراتهم الذاتية وتطوير أدواتهم العسكرية والتقنية، وهناك كثيرون في المنطقة يتذكرون كيف كانت وسائل الإعلام الأمريكية والخليجية تتحدث بثقة عن حسم سريع وعن انهيار وشيك، واليوم أصبح الحديث يدور حول كيفية احتواء قوة صاعدة فرضت نفسها رقماً صعباً في معادلات الإقليم.

الشق المتعلق بإيران في البيان لا يقل أهمية عن الجانب العسكري، فالإشادة بالمبادرة الإيرانية واستمرار الرحلات بين صنعاء وطهران يحملان رسالة سياسية مباشرة إلى واشنطن والرياض وأبوظبي، حيث أن الرسالة تقول إن محاولات عزل اليمن عن محيطه الاستراتيجي لم تحقق أهدافها، وإن العلاقات بين أطراف محور المقاومة تتجه نحو مزيد من التنسيق والانفتاح رغم كل الضغوط.

وهنا يكمن أحد أسباب التوتر الحقيقي لدى الكيان الصهيوني، فهو يدرك أن أي نجاح يحققه اليمن في كسر الحصار وتعزيز ارتباطه بمحور المقاومة يضيف عنصراً جديداً إلى بيئة استراتيجية تزداد تعقيداً بالنسبة لها، ولذلك فإن ما يجري في صنعاء لا يُنظر إليه داخل المؤسسات الأمنية الصهيونية كملف محلي منفصل، وإنما كجزء من مشهد إقليمي واسع تتراجع فيه هيبة المشروع الأمريكي تدريجياً وتتعرض أدواته السياسية والعسكرية لاختبارات متلاحقة.

حتى الإمارات التي حاولت خلال السنوات الماضية تقديم نفسها باعتبارها لاعباً إقليمياً قادراً على تشكيل الوقائع في اليمن، تجد نفسها أمام مشهد مختلف تماماً عما خططت له، فالمعادلات التي رُسمت في غرف القرار الخارجية اصطدمت بإرادة شعبية وعسكرية أثبتت قدرة عالية على الصمود والتكيف وإفشال المشاريع التي استهدفت وحدة اليمن واستقلال قراره الوطني.

ومن زاوية إعلامية يمكن ملاحظة أن البيان تعمد استخدام مفردات السيادة والردع وكسر الحصار أكثر من استخدام مفردات الشكوى أو التظلم، وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن الخطاب الإعلامي هنا لا يسعى إلى استجداء التعاطف الدولي، وإنما إلى تثبيت صورة طرف يمتلك الإرادة والقدرة والاستعداد للذهاب بعيداً في معركة فرض الحقوق الوطنية.

وفي صنعاء حيث اعتاد الناس خلال سنوات طويلة على سماع أخبار الحصار والقيود والإجراءات والمنع، يشعر كثيرون اليوم أن النقاش لم يعد يدور حول إمكانية كسر الحصار، وإنما حول سرعة هذا المسار وحدود توسعه، وهذه ملاحظة يمكن التقاطها من المزاج العام ومن طريقة استقبال مثل هذه التطورات، خصوصاً بعد سنوات أثبتت أن الوقائع الميدانية كثيراً ما سبقت توقعات الخصوم وحساباتهم.

لهذا كله فإن البيان لا يمكن قراءته باعتباره رد فعل على حادثة طارئة، فنحن أمام وثيقة سياسية وعسكرية تعكس مزاج مرحلة كاملة، مرحلة تتقدم فيها صنعاء بثقة أكبر، وتتراجع فيها رهانات الحرب والحصار، وتتسع فيها دائرة القلق داخل العواصم التي اعتقدت يوماً أن اليمن سيبقى محكوماً بإرادتها، وما جرى فجر الجمعة قد يكون واحداً من المؤشرات التي ستعود إليها مراكز الدراسات والدوائر السياسية لاحقاً عندما تحاول فهم الكيفية التي بدأت بها معادلات جديدة بالتشكل في هذه المنطقة المضطربة من العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد إبراهيم المنصور

تقرير بريطاني: صنعاء تعيد نشر قدراتها الاستراتيجية وتتهيأ لكل سيناريوهات المواجهة

كشف تقرير بريطاني أن القوات المسلحة اليمنية دخلت مرحلة جديدة من إعادة الانتشار والتموضع العسكري، عبر نقل أعداد كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة من مناطق تمركزها في الساحل الغربي إلى المحافظات الداخلية، في خطوة تعكس تحضيراً ميدانياً واسعاً للتعامل مع مختلف الاحتمالات، وتعزز من مرونة الجاهزية القتالية في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.

وبحسب ما أورده موقع “شيبا إنتلجنس” البريطاني، فإن هذه التحركات لا تقتصر على مجرد نقلٍ للأصول العسكرية، بل تندرج ضمن خطة انتشار أوسع تستهدف إعادة تنظيم البنية التشغيلية للقدرات الاستراتيجية اليمنية، بما يحد من قابليتها للاستهداف ويرفع من قدرتها على البقاء والاستمرار في حال أي تصعيد مقبل.

ويأتي هذا التطور بالتزامن مع تحذيرات أطلقها الناطق باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع، أكد فيها أن استمرار الاعتداءات ومحاولات عرقلة الرحلات إلى مطار صنعاء قد يفتح الباب أمام استهداف المطارات السعودية، وذلك عقب اعتراض مقاتلات سعودية طائرة مدنية إيرانية كانت تعتزم الهبوط في العاصمة اليمنية.

وأشار التقرير إلى أن عملية إعادة التموضع ترافقت أيضاً مع تحركات عسكرية قرب مضيق باب المندب، بما يعكس أن إدارة القدرات الاستراتيجية اليمنية انتقلت إلى مرحلة أكثر ديناميكية ومرونة، تقوم على توسيع نطاق الانتشار وتغيير نمط العمل الميداني، استعداداً لأي مواجهة محتملة قد تفرضها التطورات الإقليمية أو خطوات التصعيد من جانب قوى العدوان.

ولفت التقرير إلى أن صنعاء باتت تعتمد نمطاً أكثر مرونة في إدارة المنظومات الصاروخية والجوية، من خلال توزيعها جغرافياً بدلاً من حصرها في مواقع ساحلية محدودة، وهو ما يهدف إلى تقليل قابلية الاستهداف ورفع مستوى الحماية العملياتية، مع الحفاظ على القدرة على الرد والمبادرة في مختلف الظروف.

ووفقاً للمصادر التي استند إليها التقرير، فإن الخطة تشمل كذلك إعادة توزيع مخازن الأسلحة ومنصات الإطلاق ووحدات الإسناد الفني واللوجستي، بما يؤدي إلى إنشاء شبكة تشغيل أكثر تشتتاً وعمقاً، ويوفر عمقاً ميدانياً يضمن استدامة الجاهزية القتالية واستمرار العمليات حتى في ظروف الضغط أو الاستهداف المكثف.

ويعكس هذا التقييم البريطاني أن صنعاء لا تتعامل مع المرحلة الراهنة بمنطق رد الفعل المحدود، بل بمنطق إعادة هندسة المشهد العسكري بما ينسجم مع متطلبات الصراع المفتوح، ويمنح القوات المسلحة قدرة أعلى على المناورة، والمرونة، والصمود، وفرض معادلات ردع جديدة في البر والبحر والجو.

اليمن على موعد مع أول الخريف.. الجوبي يعلن بدء موسم الأمطار الثلاثاء المقبل

أفاد الفلكي اليمني أحمد الجوبي بأن يوم الثلاثاء المقبل، 7 يوليو 2026م، سيكون أول أيام فصل الخريف وفق التقويم المناخي اليمني، معلناً بذلك بداية موسم الأمطار ودخول ما يُعرف شعبياً باسم “صَلْم الخريف”.

وأوضح الجوبي أن يوم الإثنين، 6 يوليو، يمثل اليوم الـ60 والأخير من موسم “الجَحر”، وهي الفترة التي تُعد من المراحل المناخية الجافة، ليبدأ بعدها التحول التدريجي في الأجواء مع دخول موسم الخريف وما يرافقه عادة من أمطار وتغيرات جوية.

وأشار إلى أن المثل الشعبي اليمني “من صَلْم ما ظلم” يعبر عن البداية الفعلية لموسم الأمطار، حيث يرتبط “الصلم” في الذاكرة الشعبية بتحول الطقس وبدء مؤشرات الهطول، خصوصاً في المناطق الجبلية والمرتفعات.

وبيّن الجوبي أن فترة “الصلم” تنقسم إلى مرحلتين؛ الأولى هي “صَلْم الجحر” ومدتها أسبوع واحد، والثانية “صَلْم الخريف” ومدتها أسبوع واحد أيضاً، ليبلغ مجموع أيام الصلم 14 يوماً تشهد عادة تقلبات في الأجواء وبداية نشاط موسم الأمطار.

وبحسب الجوبي، فإن دخول الخريف يمثل محطة مناخية مهمة في اليمن، إذ يبدأ معها موسم ينتظره المزارعون والمواطنون، لما يحمله من أمطار تسهم في إنعاش الأراضي الزراعية وتلطيف الأجواء بعد فترة الجفاف.

قبائل تهامة تعلن النفير العام.. نكف مسلح في حجة يكرّس الجهوزية لمعركة كسر الحصار

شهدت محافظة حجة، اليوم، نكفاً قبلياً مسلحاً واسعاً ضم قبائل مديريات عبس، وحيران، وحرض، وميدي، وأسلم، وخيران المحرق، وكعيدنة، في مشهد قبلي حاشد عكس تصاعد حالة الاستنفار والتعبئة العامة في أوساط أبناء تهامة، وإعلاناً صريحاً عن الجهوزية الكاملة لمواجهة العدوان وإنهاء الحصار.

وأكدت قبائل مديريات تهامة في بيان صادر عنها تفويضها المطلق لقائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في كل خياراته العسكرية الرامية إلى كسر الحصار، وانتزاع حقوق الشعب اليمني، واستعادة الثروات المنهوبة، معتبرة أن المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً حاسماً واستعداداً عملياً يواكب حجم التحديات والاعتداءات المستمرة على اليمن.

كما أعلنت القبائل تأييدها الكامل لبيان القوات المسلحة اليمنية، مؤكدة استعدادها لخوض أي جولات قتالية قادمة في مواجهة ما وصفته بـ العدو السعودي والأمريكي والصهيوني وقوى العدوان ومرتزقتهم، في تأكيد على أن القبيلة التهامية ترى نفسها جزءاً مباشراً من معركة الدفاع عن السيادة والكرامة ورفع الحصار.

ودعت قبائل تهامة إلى الالتحاق بالدورات العسكرية المفتوحة، والعمل على تفويج الآلاف من المقاتلين إلى الجبهات، دعماً لخيار المواجهة وتعزيزاً لمسار التعبئة العامة، مشددة على أن الاستعداد الميداني والتأهيل العسكري يمثلان جزءاً أساسياً من متطلبات المرحلة المقبلة.

ويعكس هذا النكف القبلي المسلح اتساع رقعة الحشد الشعبي والقبلي في المحافظات اليمنية، وتصاعد مستوى الجهوزية المجتمعية والعسكرية في مواجهة استمرار الحصار والعدوان، في وقت تؤكد فيه القبائل حضورها الفاعل في معادلة الصمود ورفد الجبهات والمشاركة في معركة استعادة الحقوق والسيادة الوطنية.

طهران تهتف بالوفاء والنهج.. تشييع القائد الشهيد الخامنئي يتحول إلى استفتاء شعبي كاسح ورسالة تحدٍّ تتجاوز الجغرافيا

في مشهد استثنائي طبعته الهيبة والوفاء والحضور المليوني، امتلأ مصلّى طهران وساحاته والطرق المؤدية إليه بحشود غفيرة جاءت من مختلف المدن الإيرانية ومن خارج البلاد، لتشارك في وداع قائد الثورة الإيرانية السابق الشهيد السيد علي خامنئي، في حدث تجاوز حدود التشييع التقليدي ليتحول إلى موقف سياسي تاريخي يعلن بوضوح أن الجمهورية الإسلامية لا تشيّع قائداً فحسب، بل تجدد العهد مع نهجه وخطه وخيار المواجهة في وجه الولايات المتحدة وكيان الاحتلال.

ومنذ الساعات الأولى قبيل الفجر، بدأت ملامح هذا المشهد تتشكل على نحو لافت، حيث فُتحت البوابتان الشمالية والشرقية لمصلّى الإمام الخميني في طهران قرابة الساعة الرابعة فجراً، وبدأت أمواج الجماهير تتدفق إلى المكان قبل ساعات من الانطلاق الرسمي للمراسم. ومع حلول الساعة السادسة صباحاً، انطلقت مراسم الوداع رسمياً وسط حضور بشري كثيف، فيما كانت الشوارع المحيطة بالمصلّى قد امتلأت منذ وقت مبكر بحشود جاءت من طهران ومختلف المحافظات الإيرانية، في صورة عكست حجم الارتباط الشعبي والعقائدي والوجداني بالقائد الشهيد.

ولم يكن المشهد مجرد حضور جماهيري كثيف، بل طوفاناً بشرياً هادراً اتشحت فيه الحشود بالسواد، ورفعت الأعلام والرايات الحمراء وصور الشهيد القائد، واختلطت فيه مشاعر الفقد بالغضب، والحزن بالعهد، والدموع بإرادة الثأر والمواصلة. وقد أدى المشاركون صلاة الفجر جماعة في المصلّى، قبل أن يتحول المكان إلى ساحة بيعة ووفاء وإعلان تمسك بخيار المقاومة والثبات. وتعالت الهتافات التي عبّرت عن جوهر اللحظة، من قبيل “كلمتنا واحدة.. الانتقام، الانتقام” و“الموت لأميركا”، في تأكيد على أن دم الشهيد لم يُقرأ في الشارع الإيراني باعتباره خسارة فحسب، بل باعتباره راية تعبئة جديدة.

وتشير التقديرات إلى أن مراسم التشييع، الممتدة على مدى ستة أيام وتشمل محطات عدة داخل إيران والعراق، مرشحة لاستقطاب ما بين 15 إلى 20 مليون مشارك، ما يجعلها أكبر جنازة رسمية في تاريخ البلاد، وواحدة من أكبر مشاهد التشييع السياسي والشعبي في المنطقة. كما تحدثت تقارير عن حضور ومتابعة ووفود من أكثر من 100 دولة، بما يضفي على الحدث بعداً دولياً يتجاوز الإطار الإيراني الداخلي، ويعزز طابعه بوصفه محطة إقليمية وأممية ذات رسائل متعددة الاتجاهات.

وفي الميدان، عبّر المشاركون عن هذا المعنى بوضوح. فالشابة حنانة موسوي قالت إنها جاءت لتوديع قائدها الذي لم تكن تتصور أن ترى يوماً كهذا، فيما أكد علي كاظمي، القادم من تبريز، أن الحضور في الجنازة هو إعلان التزام بالدفاع عن الوطن والدين. أما حميد تيموري، القادم من همدان، فاختصر عمق الصدمة والارتباط حين قال إنه لم يبكِ حتى عند وفاة والده كما بكى عند استشهاد السيد القائد. وهذه الشهادات الميدانية، بما تحمله من عفوية وعاطفة وصدق، تكشف أن التشييع لم يكن ترتيباً بروتوكولياً أو حضوراً مناسباتياً، بل انفجاراً شعبياً هائلاً عبّر عن مكانة الشهيد في الوجدان الإيراني.

ولهذا، فإن مشهد طهران لم يُقرأ بوصفه وداعاً لقائد فحسب، بل باعتباره رداً سياسياً ورمزياً مباشراً على كل الرهانات التي صاحبت العدوان الأمريكي الإسرائيلي، والتي قامت على فرضية إضعاف النظام، وكسر تماسك الدولة، وعزل الجمهورية الإسلامية داخلياً وخارجياً. فجاء التشييع ليقول العكس تماماً: الدولة ما تزال متماسكة، والحاضنة الشعبية أكثر حضوراً، وخيار المقاومة أكثر رسوخاً، وأن استهداف القيادة لم ينجح في شلّ الإرادة العامة، بل أعاد تعبئتها على نحو أوسع وأشد.

وفي هذا السياق، تذهب طهران إلى اعتبار التشييع محطة تتقاطع فيها السياسة والرمزية ورسائل القوة. فهي لا تضعه في إطار عاطفي بحت، بل في سياق استعادة مسار كامل ارتبط باسم الشهيد، وفي مقدمة ذلك مقاومة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، وصون استقلال القرار الإيراني، وتثبيت مكانة الجمهورية الإسلامية في معادلات المنطقة. ومن هنا، يصبح التشييع أيضاً لحظة انتقال تاريخية، تُطرح معها أسئلة المرحلة المقبلة: هل نحن أمام ختام فصل أم أمام افتتاح فصل جديد أكثر اشتباكاً واتساعاً؟

وبالتوازي مع هذا المشهد، جاءت المواقف الرسمية لتؤكد أن استشهاد القائد لا يعني نهاية المسار بل إعادة تجديده. فقد شدد قائد القوات البحرية في حرس الثورة الإسلامية الأدميرال علي عظمائي على أن القوات البحرية ستواصل السير على نهج القائد الشهيد، وأن الولايات المتحدة وكيان الاحتلال لن يفلتا من تبعات جرائمهما، مؤكداً أن الرد والانتقام من المعتدين آتٍ. وأوضح أن رحيل القائد الشهيد ليس نهاية لمسيرته، بل مناسبة لتجديد العهد بمبادئه والثبات على الطريق الذي أفنى حياته فيه دفاعاً عن كرامة الأمة ومواجهة جبهة الاستكبار. كما شدد على أن دماء الشهداء ستزيد مسيرة المقاومة رسوخاً، وأن راية الحق ستبقى مرفوعة بقيادة السيد مجتبى خامنئي.

هذا المعنى التقطه أيضاً الإعلام الخارجي، حيث رأت منصة “ميدل إيست مونيتور” البريطانية أن مراسم التشييع تجاوزت كونها مناسبة دينية لتتحول إلى رسالة سياسية تؤكد استمرار نهج المقاومة. وأشارت إلى أن الحشود المليونية، والقبضات الحمراء، والشعار المركزي للمراسم “يجب أن ننهض”، لم تكن تعبيراً عن الحزن فقط، بل جسدت معاني الصمود والتحدي والاستمرارية. واعتبر التقرير أن هذه المراسم تمثل “بياناً جيوسياسياً” لا مجرد طقس عزاء، وأنها تعكس اختلافاً عميقاً بين رؤية الغرب المرتبكة لهذا الحدث، ورؤية الجنوب العالمي الذي يقرأ فيه تعبيراً عن ذاكرة مقاومة مشتركة ضد الهيمنة والتدخلات الغربية.

كما لفت التقرير إلى رمزية تزامن التشييع مع شهر محرم، بما يحمله من معنى وجداني في الثقافة الشيعية المرتبط بثورة الإمام الحسين (ع)، وكذلك مع الذكرى 250 لاستقلال الولايات المتحدة، في مفارقة رمزية كثيفة الدلالات بين خطاب الهيمنة الإمبراطورية من جهة، وخطاب الشهادة والمقاومة من جهة أخرى. وأكد أن ما يميز هذه المراسم هو تحويل الحزن إلى رصيد جيوسياسي، بحيث تتحول الجماهير نفسها إلى مصدر قوة، ويصبح الحضور الشعبي رسالة عملية بأن إرادة المقاومة لم تُكسر، بل ازدادت حضوراً وتماسكاً.

ومن المهم أيضاً أن مراسم التشييع لا تقتصر على طهران، بل تمتد وفق الخريطة الزمنية الرسمية إلى قم، والنجف، وكربلاء، ثم مشهد حيث سيوارى الجثمان الثرى في مرقد الإمام الرضا في التاسع من يوليو الجاري. وهذا الامتداد الجغرافي والديني والسياسي يعطي للمراسم بعداً مركباً، يجمع بين الوفاء الشعبي، والرمزية العقائدية، والرسالة الإقليمية التي تؤكد أن محور المقاومة لا يقوم على مركز واحد أو شخص واحد، وأن استشهاد قائد كبير لا يعني أفوله، بل قد يتحول إلى لحظة إعادة إنتاج للقوة والالتحام.

رحلة جديدة في الطريق: صنعاء تكسر حصار التحالف مع تنسيق إيراني لرحلات متبادلة بعد هبوط أول طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء الدولي

دخل ملف الحصار المفروض على مطار صنعاء الدولي مرحلة جديدة، مع هبوط طائرة مدنية إيرانية قادمة من طهران في صنعاء فجر الجمعة، في خطوة وُصفت بأنها أول اختراق مباشر للحظر الجوي الذي فرضته السعودية على المطار واليمن طوال ما يقارب 11 عامًا. وأكدت وسائل إعلام وتقارير دولية أن الرحلة الإيرانية وصلت إلى صنعاء وعلى متنها أكثر من 200 راكب، بينهم مرضى وجرحى وعالقون يمنيون، بالتزامن مع نقل وفد يمني رسمي إلى طهران، بينما أعلنت صنعاء أن هذا المسار لن يكون حدثًا عابرًا بل بداية لمرحلة جديدة عنوانها كسر الحصار وفرض حق اليمنيين في الحركة والسيادة الجوية.

وفي روايتها الرسمية لما جرى، قالت القوات المسلحة في صنعاء على لسان متحدثها العسكري العميد يحيى سريع إن تشكيلًا من الطيران الحربي السعودي اخترق الأجواء اليمنية في محاولة لمنع الطائرة المدنية الإيرانية من الهبوط في مطار صنعاء، قبل أن تتدخل الدفاعات الجوية اليمنية وتُجبر الطائرات المعادية على الانسحاب. ووفق هذه الرواية، فإن المحاولة السعودية فشلت، وتم تأمين وصول الرحلة بسلام، في مؤشر أرادت صنعاء من خلاله تأكيد أن قرار الحصار الجوي لم يعد قابلاً للاستمرار بالصيغة القديمة، وأن فرض الوقائع في السماء اليمنية لن يبقى حكرًا على الرياض.

ولم تكتفِ صنعاء بالإعلان عن نجاح الرحلة، بل ذهبت أبعد من ذلك حين أكدت أن الرحلات المباشرة بين صنعاء وطهران ستستمر مهما كانت النتائج أو التداعيات. هذا الإعلان حوّل الرحلة من مجرد واقعة إنسانية أو تقنية إلى رسالة سياسية وسيادية واضحة، مفادها أن التعامل مع حصار المطار لم يعد محصورًا بالتفاهمات المقيدة أو المسارات المحدودة، بل بات مفتوحًا على خيارات كسر العزلة بالقوة السياسية والميدانية، خصوصًا في ظل إصرار صنعاء على ربط الملف بحقوق المرضى والعالقين، وبالحق اليمني في تشغيل مطاره بعيدًا عن الوصاية الخارجية.

كما حملت التصريحات العسكرية اليمنية لهجة تحذير مباشرة للرياض، إذ أكدت أن أي محاولة جديدة لخرق الأجواء أو عرقلة الرحلات ستُقابل برد يستهدف المطارات والمصالح الحيوية السعودية برًا وبحرًا. وبهذا، لم تعد الرحلة الإيرانية مجرد كسر رمزي للحصار، بل تحولت إلى معادلة ردع جديدة وضعتها صنعاء على الطاولة: لا استمرار لحصار مطار صنعاء من دون كلفة، ولا قبول بأن تبقى المطارات اليمنية مغلقة بينما تنعم مطارات دول العدوان بالأمن والحركة الطبيعية.

وفي تطور لافت يعزز هذا الاتجاه، تحدثت تقارير لاحقة عن التحضير لرحلة إيرانية جديدة إلى صنعاء خلال الساعات أو الأيام التالية، بعد أن دشنت شركة ماهان الإيرانية خطًا مباشرًا بين طهران وصنعاء للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب السعودية على اليمن في مارس 2015. كما أكدت صنعاء أن الأولوية في هذه الرحلات ستبقى مخصصة لـالمرضى والعالقين، ما يمنح الخطوة بُعدًا إنسانيًا واضحًا، لكنه لا يلغي حقيقتها الأعمق باعتبارها إعادة فتح ممر جوي جديد خارج الإرادة السعودية.

ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية إذا وُضع في سياق ما سبق أن تعرض له مطار صنعاء من استهدافات وتعطيل، إذ كانت الرحلات من وإلى المطار قد توقفت أو تقلصت بشدة في فترات سابقة، بما في ذلك بعد الضربات الإسرائيلية التي أصابت المطار في مايو 2025 وأدت إلى تعليق الرحلات مؤقتًا قبل استئناف بعض الرحلات المحدودة عبر عمان. أما الآن، فإن فتح خط مباشر مع طهران يعني أن صنعاء لا تكتفي باستعادة جزئية لحركة المطار، بل تسعى إلى فرض مسارات جوية جديدة تعيد تعريف حدود الحصار نفسه.