الرئيسية بلوق الصفحة 77

مشروع التعبئة الشعبيّة وطريقُ تحرير اليمن

في لحظة تأمل تاريخية، نقف اليوم أمام مشهد غير مسبوق في تاريخنا الحديث.

مشهد يتجاوز فيه الشعب حدود كونه رعية أَو متفرجًا، ليصبح جزءًا من المعادلة العسكرية بكل تفاصيلها.

هذا التحول الكبير، الذي تجلى بوضوح في قوات التعبئة العامة، جاء نتاج رؤية استراتيجية أدركت أن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب تعبئة شاملة للمجتمع بأسره، وليس الاكتفاء بالجيش النظامي فقط.

في ذكرى الهجرة.. دعوة للجهوزية والتحرير

في بيانه بمناسبة العام الهجري الجديد، طرح سيدنا وقائدنا السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي رؤية واضحة: أن على الشعب اليمني أن يكون في حالة جهوزية دائمة، حالة المشاركة الفاعلة في الدفاع عن وطنه ومقدساته.

دعوةٌ وجدت صدى واسعًا في الشارع اليمني، وتجسدت في استجابة سريعة من قوات التعبئة العامة التي أعلنت عن جهوزيتها الكاملة لتنفيذ توجيهات القيادة.

وبعد أَيَّـام، جاءت كلمة السيد القائد في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام لتؤكّـد أن مسارنا في نصرة المستضعفين هو مسار “مُستمرّ وثابت وتصاعدي”، مستلهمًا روح عاشوراء في الثبات على الحق ومواجهة الباطل.

بيان قوات التعبئة العامة: الاستجابة الكاملة

وفي 22 يونيو 2026، أصدرت قوات التعبئة العامة بيانها التاريخي، معلنة الاستجابة الكاملة لدعوة قائد الثورة، والجهوزية الكاملة والفورية “لإسناد ورفد الجيش بالمقاتلين في أي زمان ومكان توجّـه به القيادة لمواجهة قوى العدوان وانتزاع حقوق الشعب اليمني العظيم وطرد المحتلّين وإنهاء الحصار على بلدنا العزيز”.

هذا البيان حمل أرقامًا دقيقة تعكس حجم الإنجاز: “إن القوة المدربة والمسلحة والمشكلة في قوات التعبئة بقيادتها بلغت مئات الآلاف ومئات الألوية العسكرية التعبوية الشعبيّة من أبناء شعبنا العظيم”.

وهذا الرقم يعكس تحولًا نوعيًّا في مفهوم القوة العسكرية.

فالجيش أصبح الشعب بأكمله جزءًا من المعادلة الدفاعية، وقادرًا على رفد الجبهات متى دعت الحاجة.

ما قوات التعبئة العامة؟

ليست قوات التعبئة العامة هي شبكة تعبئة شعبيّة شبه عسكرية، أنشئت عبر الأحياء والقرى والمدارس والجامعات والقبائل؛ بهَدفِ تحويل المجتمع إلى احتياطي بشري قابل للاستدعاء في أية لحظة.

وقد أخذت شكلًا أكثر تنظيمًا بعد أحداث السابع من أُكتوبر 2023، تحت شعارات “طوفان الأقصى” و”معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس”.

ما يميز هذه القوات تشمل فئات مختلفة من المجتمع، حَيثُ تم تنظيم دورات “طوفان الأقصى” عبر عقال الحارات والمشايخ والملتقيات الطلابية في الجامعات الحكومية والخَاصَّة.

هذا النهج جعل من التعبئة العامة ظاهرة اجتماعية شاملة، وليس مُجَـرّد إجراء عسكري.

أهداف التعبئة: تحرير الأرض واستعادة الحقوق

بيان قوات التعبئة العامة حمل رؤية استراتيجية شاملة، حدّدت أهدافًا واضحة: “طرد المحتلّين، وانتزاع الحقوق، وإنهاء الحصار”.

وهذه الأهداف الثلاثة تمثل جوهر قضيتنا منذ اندلاع العدوان عام 2015:

طرد المحتلّين: تحرير كامل الأراضي اليمنية من قبضة قوى العدوان.

انتزاع الحقوق: استعادةُ حقوق شعبنا المسلوبة، وعلى رأسها عائدات النفط والغاز.

إنهاء الحصار: فك الحصار الجائر الذي طال أمده على شعبنا.

وفي هذا السياق، حمل بيان التعبئة رسائلَ مزدوجةً، موجَّهةً للخارج والداخل على حَــدٍّ سواء.

فعلى المستوى الإقليمي، نواصل تحميل السعوديّة مسؤولية توقف صرف الرواتب في مناطق سيطرتنا، ونطالبها بدفع المرتبات من عائدات النفط والغاز اليمني ورفع القيود عن الموانئ ومطار صنعاء.

أما داخليًّا، فتضمن الخطاب دعوة للحفاظ على وحدة الصف وتحصين الجبهة الداخلية، والنفير العام.

التعبئة العامة.. دورات مفتوحة

ما يميز هذه التعبئة أنها شملت مختلف فئات المجتمع، من خلال دورات “طوفان الأقصى” المفتوحة، التي أصبحت واجبًا دينيًّا ووطنيًّا.

وجاء في بيان قوات التعبئة العامة دعوة صريحة لأبناء شعبنا إلى “الحفاظ على وحدة الصف، وتحصين الجبهة الداخلية، والنفير العام، والجهوزية الكاملة، والالتحاق الواسع بدورات التعبئة العسكرية المفتوحة ‘طوفان الأقصى'”.

فلسطين بُوصلة المعركة

أكّـد السيد القائد موقفنا الثابت والمبدئي في نصرة الشعب الفلسطيني، وأن القضية الفلسطينية “تظل البوصلة لجميع القوى الحرة وفي مقدمتها محور الجهاد والمقاومة”.

كما أشادت بالانتصارات التي حقّقتها الجمهورية الإسلامية في إيران، مؤكّـدة على معادلة “وحدة الساحات” وأن “شعبنا العزيز وقوات التعبئة جزءٌ من هذه المعادلة وجاهزون للإسناد بتوجيهاته المباركة”.

هذا الربط بين ساحتنا والساحات الإقليمية الأُخرى يعكس تحولًا مهمًا في خطابنا السياسي والعسكري، يتمثل في الانتقال من التضامن إلى الاندماج الاستراتيجي في إطار محور الجهاد والمقاومة.

ما يجعل هذا الجيش الشعبي مختلفًا عن أي جيش تقليدي، هو أنه جيش عقائدي، يتحَرّك بدافع إيماني، ويقاتل مِن أجلِ قضية عادلة.

وقد أكّـد بيانُ قوات التعبئة العامة أن أبناء شعبنا ومنتسبي التعبئة العامة “كانوا وسيظلون في طليعة المجاهدين والمقاتلين والمدافعين عن الوطن وسيادته واستقلاله”.

كما أكّـد البيانُ أن قواتِ التعبئة العامة “رهن إشارة قائد الثورة للتحَرّك في أية لحظة، أوفياء لدماء الشهداء، ثابتون على نهج الحرية والكرامة، حتى يتحقّق لشعبنا اليمني العظيم النصر الكامل، وتتحرّر الأرض، وتستعاد الثروات، ويعيش الوطن آمنًا حرًا عزيزًا مستقلًا”.

آثار التدريب الشعبي: بناء جيل لا يُقهَر

إن تعميمَ الثقافة العسكرية والتوعوية على جميع أبناء الشعب سيترك آثارًا إيجابيةً كبيرة تمتدُّ لأجيال قادمة:

تعزيز الهُوية الإيمانية والوطنية والانتماء، حَيثُ سينشأ جيل واعٍ بأهميّة الدفاع عن دينه ومقدساته، ومدرِك لحجم المؤامرات التي تحاك ضده.

ترسيخ ثقافة الاعتماد على الذات، وعدم الانتظار لنجدةٍ من أحد، وهذا ما يجعلنا أقوياءَ وقادرين على مواجهة أية تحديات مستقبلية.

بناء مجتمع متماسك وقوي، قادر على تحويل أي عدوان إلى هزيمة، وأي حصار إلى فرصة.

نقل هذه التجربة إلى الأجيال القادمة، لتصبح جزءًا من ثقافتنا، وقيمة لا تتجزأ من هُويتنا اليمنية.

ما يجري في يمننا اليوم يحمل دلالات عميقة تتجاوز حدود التعبئة العسكرية.

إنه تحول في مفهوم دولتنا ومجتمعنا، حَيثُ يصبح الشعب جزءًا من المنظومة الدفاعية بأكملها.

قوات التعبئة العامة، بكل ما تحمله من أبعاد تنظيمية وعقائدية، تمثل تجسيدًا لفكرة أن صمودنا في وجه العدوان يتطلب تعبئة شاملة لمجتمعنا بأسره.

هذه التجربة، هي التي جعلتنا صامدين أقوياء، وقادرين على مواجهة أعتى قوى الطغيان.

فنحن شعب يتدرب ويستعد، ويؤمن بقضيته، ولا يمكن هزيمته.

وهذا هو السرُّ الذي لن يفهمَه أعداؤنا: أن ثورتَنا مشروعٌ نهضوي يهدفُ إلى بناء إنسان قوي، واعٍ، ومؤمن، لا يقبل الذل، ولا يخشى الشهادة في سبيل الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بشير ربيع الصانع

أنصار الله والقبائل اليمنية صخرةٌ لا تُكسر

اليمن فوق الجميع

يا قبائل اليمن، يا أوتاد الأرض وحماة الديار:

أنتم العنوان، وأنتم الميزان، وأنتم السياج الذي لا يُخترق.

اليوم ليس وقت صمت، ولا وقت تفرق.

اليوم وقت أن نقول بصوت واحد: اليمن خط أحمر.

لا للفتنة ولا للتفريق

من يزرع بينكم الكراهية، فهو يريد جثة وطن.

ومن يحفر بين القبائل خندقًا، فهو يريد قبرًا لليمن.

مشاريع التمزيق قادمة من وراء الحدود بأقنعة زائفة.

ونحن نكشفها بالوعي، ونكسرها بالوحدة.

أنصار الله منكم، ولكم، ومعكم.

عهدنا أن لا نكون إلا مع السيادة، ومع القرار اليمني الحر.

لا وصاية علينا، ولا على قبائلكم.

ثروة اليمن لليمنيين، وقرار اليمن بيد يمنيين، ومصير اليمن يصنعه يمنيون.

نداء النخوة

يا حُر، يا ابن اليمن الأصيل، تمسك بأرضك كما يتمسك الجبل بجذوره.

تمسك ببحرك، وبنفطك، وبكرامتك.

لا تفرِّطْ بشبر، ولا تبيعْ كلمة، ولا تراهنْ على وَهَمٍ خارجي.

ستبقى القبائل اليمنية سورَ اليمن المنيع.

وستبقى كلمتُنا واحدة: وحدة، وسيادة، وكرامة.

يدًا بيد حتى ينهضَ اليمنُ مرفوعَ الرأس، عزيزًا مستقلًّا آمنًا، لا يخضع ولا يُباع.

((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)).

((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إدريس القيم

قبائل اليمن توسّع النفير العام.. موجة جهوزية شعبية وعسكرية تمتد من المحافظات إلى العاصمة

اتسعت رقعة الحراك القبلي والشعبي في اليمن، مع خروج قبائل اليمن في عدد من المحافظات والمديريات في لقاءات مسلحة ونكفات قبلية ومسيرات لقوات التعبئة والوحدات الأمنية، أعلنت خلالها النفير العام والجهوزية القتالية والاستنفار الشامل لإنهاء العدوان والحصار، استجابة لدعوة قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، وتجديداً للتفويض الشعبي والقبلي في مواجهة التحديات والتصعيد الخارجي.

وجاءت هذه التحركات المتزامنة في حجة وإب وذمار وصنعاء وتعز والحديدة والمحويت وصعدة وريمة والضالع، لتؤكد أن المشهد لم يعد محصوراً في فعالية قبلية محدودة، بل يتحول إلى حالة تعبئة وطنية واسعة تتداخل فيها القبيلة مع المجتمع، والتعبئة العامة مع الوحدات الأمنية، والموقف المحلي مع معركة الأمة في فلسطين ولبنان وسوريا.

في محافظة حجة، خرجت قبائل مديرية بني قيس في لقاء قبلي مسلح أعلنت خلاله النفير العام والجهوزية القتالية لمواجهة العدوان وإنهاء الحصار، مؤكدة استعداد قبائل اليمن للتحرك في سبيل الله استجابة وتفويضاً للسيد القائد في كل الخيارات العسكرية. كما أعلنت قبائل مديرية الجميمة النفير العام والجهوزية القتالية في لقاء قبلي واسع، مؤكدة “التفويض المطلق للسيد القائد في كل خياراته العسكرية”، وداعية إلى الإعداد القتالي والالتحاق بالدورات العسكرية المفتوحة.

وفي محافظة إب، خرجت قبائل مديرية حبيش في لقاء قبلي مسلح أعلنت فيه النفير العام والجهوزية العالية لمواجهة التحديات، مؤكدة ضرورة التحرك الجاد لانتزاع حقوق الشعب اليمني. وجددت قبائل حبيش العهد على الثبات في نصرة غزة ولبنان، والتصدي للعدو الأمريكي والإسرائيلي في حال استهداف أبناء الأمة وأحرارها. كما شهدت مديرية الظهار مسيراً تطبيقياً ووقفة شعبية لقوات التعبئة العامة المتخرجة من الدورات العسكرية المفتوحة، بما يعكس انتقال التعبئة من الموقف السياسي إلى مستوى التدريب والتنظيم الميداني.

وفي محافظة ذمار، أعلنت قبائل عنس النفير والاستنفار في نكف قبلي مسلح استجابة لدعوة السيد القائد لإنهاء العدوان والحصار. كما نظمت قبائل مديرية ميفعة عنس لقاءً قبلياً مسلحاً أكدت فيه الجهوزية والاستنفار، مشددة على الثبات في مواجهة “أعداء الله الصهاينة وعملائهم” والسعي لإفشال مخططاتهم، في امتداد للحراك القبلي الذي شهدته المحافظة خلال الأيام الماضية في جبل الشرق ومناطق أخرى.

وفي العاصمة صنعاء ومحيطها، برزت موجة حراك واسعة، حيث عقدت قبائل همدان لقاءً مسلحاً أعلنت فيه الجهوزية والاستنفار لإنهاء العدوان والحصار، كما خرج أبناء مديريتي الصافية وصنعاء القديمة في لقاءات مسلحة مماثلة استجابة لدعوة السيد القائد. وشهدت مديريات شعوب ومعين لقاءات شعبية ومسلحة أعلنت النفير العام والجهوزية لإنهاء الاحتلال والحصار، في مؤشر على انتقال الحراك من الإطار القبلي التقليدي إلى داخل العاصمة ومراكزها السكانية.

وفي محافظة صنعاء، عقدت قبيلة بني حشيش لقاءً قبلياً واسعاً أعلنت فيه النفير وتأييد بيان السيد القائد والجهوزية لحسم المعركة، فيما عقدت قبائل أرحب لقاءً قبلياً مسلحاً دعت فيه إلى توحيد الصفوف في مواجهة المؤامرات الأمريكية السعودية، مؤكدة “المباركة والتفويض للسيد القائد” والجهوزية الشعبية والرسمية لإنهاء الحصار والاحتلال وانتزاع حقوق الشعب اليمني.

وفي محافظة تعز، نظم أبناء مديرية خدير لقاءً قبلياً مسلحاً أعلنوا خلاله الجهوزية والاستنفار، مؤكدين حضور تعز في مسار التعبئة العامة، وموقعها في المعركة الوطنية الرامية إلى إنهاء العدوان والحصار واستعادة القرار السيادي.

أما في محافظة الحديدة، فقد شهدت المحافظة مسيراً ووقفة لمختلف التشكيلات والوحدات الأمنية استجابة لدعوة السيد القائد، أعلنت فيها الجهوزية والاستنفار لإنهاء العدوان والحصار. وتحمل مشاركة الوحدات الأمنية في الحراك دلالة إضافية، إذ تؤكد أن حالة التعبئة لم تعد مقتصرة على القبائل والفعاليات الشعبية، بل تشمل المؤسسات الأمنية في إطار الاستعداد العام لأي خيارات قادمة.

وفي محافظة المحويت، نفذت قوات التعبئة بمديرية الطويلة مسيراً أعلنت خلاله الجهوزية والاستنفار، امتداداً لما شهدته المحافظة من نكفات ولقاءات قبلية في مديريات أخرى، في مقدمتها الرجم، والتي أكدت استمرار التعبئة والالتحاق بمسارات التدريب والإعداد.

وفي محافظة صعدة، عقدت قوات شرطة المحافظة لقاءً أعلنت فيه الجهوزية والاستنفار لإنهاء العدوان والحصار، كما نظمت قبائل عزلة فلّة وما جاورها بمديرية مجز وقفة بحضور علمائي ورسمي استجابة لدعوة السيد القائد. كما شهدت جامعة صعدة ومكتب التربية والتعليم وقفة تلبية لدعوة قائد الثورة في النفير والجهوزية، بما يعكس توسع الحراك ليشمل المؤسسات التعليمية والرسمية والشعبية إلى جانب القبائل والأجهزة الأمنية.

وفي محافظة ريمة، خرجت قبائل مديرية مزهر في لقاء مسلح أعلنت فيه النفير العام والاستعداد للمعركة المرتقبة وكسر الحصار، مؤكدة استمرار حضور ريمة في مسار التعبئة الشعبية والقبلية، ودورها في إسناد خيارات القيادة والقوات المسلحة.

وفي محافظة الضالع، أعلنت قبائل مديرية دمت في لقاء قبلي مسلح مباركتها لبيان قائد الثورة، مؤكدة أهمية توحيد الصفوف لانتزاع الحقوق وإنهاء العدوان والحصار، في موقف يعكس اتساع دائرة التفاعل الشعبي والقبلي مع دعوة النفير العام.

وفي موازاة هذه الفعاليات، أصدرت رابطة علماء اليمن موقفاً سياسياً ودينياً شاملاً، أدانت فيه بشدة الصمت العربي والإسلامي تجاه ما يجري في غزة والضفة، واعتبرت هذا السكوت “جريمة كبيرة لا تقل عن جريمة الإبادة الجماعية”. ودعت الرابطة أبناء الأمة إلى اتخاذ الموقف ورفع الصوت والقيام بالاحتجاجات ودعم محور الجهاد والمقاومة، معتبرة أن هذا المحور يمثل “الوجه المشرق للأمة”.

كما أدانت الرابطة ما وصفته بـ“الخيانة الكبرى والعمالة العظمى” التي قامت بها الحكومة اللبنانية بتوقيعها اتفاقاً إطارياً مع الكيان الصهيوني، محملة الحكومة اللبنانية ومن يدعمها من العرب مسؤولية تبعات الاتفاق وارتداداته على الداخل اللبناني من إثارة للفتنة لصالح العدو. وفي المقابل، أشادت بموقف حزب الله الثابت في مقاومة العدو الصهيوني، وأدانت التوغلات الإسرائيلية في سوريا وصمت الجماعات المسلحة المسيطرة عليها.

وأكدت رابطة علماء اليمن أن مبدأ وحدة الساحات ليس مجرد قضية سياسية، بل “مبدأ إسلامي أمرنا الله تعالى به”، مباركة ثبات وانتصارات الجمهورية الإسلامية في إيران، وما ورد في بيان السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، وداعية أبناء الشعب اليمني إلى التعبئة العامة والاستعداد لمرحلة انتزاع الحقوق المشروعة.

وتكشف هذه الفعاليات المتتابعة أن قبائل اليمن والقوى الشعبية والأمنية تتحرك ضمن مسار واحد عنوانه إنهاء العدوان والحصار واستعادة الحقوق والثروات، وأن الاستجابة لدعوة السيد القائد لم تعد مجرد إعلان مواقف، بل تحولت إلى حراك ميداني واسع يشمل اللقاءات المسلحة، والنكفات القبلية، والمسيرات التطبيقية، والوقفات الشعبية، والاصطفاف الرسمي والعلمي والأمني.

كما تؤكد هذه التحركات أن القضية الفلسطينية، ولا سيما غزة ولبنان وسوريا، حاضرة في وجدان الحراك اليمني بوصفها جزءاً من معركة واحدة ضد المشروع الأمريكي الإسرائيلي. فالتعبئة الداخلية في اليمن تتقاطع مع موقف خارجي ثابت يعتبر أن معركة السيادة اليمنية لا تنفصل عن معركة الأمة في مواجهة الاحتلال والوصاية.

واستراتيجياً، ترسل هذه الموجة القبلية والشعبية رسالة واضحة إلى قوى العدوان والاحتلال بأن الرهان على إنهاك اليمن أو تفكيك جبهته الداخلية لم يحقق أهدافه، وأن سنوات الحرب والحصار أنتجت جبهة أكثر تماسكاً واستعداداً، تمتد من القبيلة إلى المؤسسة الأمنية، ومن الريف إلى العاصمة، ومن الموقف الشعبي إلى التفويض السياسي والعسكري.

في الخلاصة، فإن خروج قبائل ومديريات ومؤسسات في هذا التوقيت يعكس انتقال اليمن إلى مرحلة جديدة من الجهوزية الشاملة، عنوانها أن الشعب اليمني ماضٍ في طريق إنهاء العدوان والحصار، واستعادة حقوقه وثرواته، والانتصار لقضايا الأمة وفي مقدمتها فلسطين. ومن حجة إلى إب، ومن ذمار وصنعاء إلى تعز والحديدة وصعدة وريمة والضالع، تتشكل رسالة واحدة: قبائل اليمن وحواضنها الشعبية والأمنية في حالة نفير عام، والقرار الوطني يتجه نحو الحسم وانتزاع الحقوق لا انتظار الحلول المفروضة من الخارج.

الرياض تدفع بأتباعها إلى مطارح الريان.. تحشيد قبلي بواجهة محلية وتحذيرات من تكرار كارثة ردم

تكشف التطورات الجارية في مطارح الريان بمحافظة الجوف عن محاولة سعودية جديدة لإعادة إنتاج أدوات المواجهة مع صنعاء تحت غطاء “النكف القبلي”، عبر الدفع بأتباعها وتمويل تحركاتهم وفرض قيادة موالية لها على المطارح، في مسار يعكس إصرار الرياض على استخدام الساحة القبلية وقودا لمعاركها المؤجلة مع الدولة اليمنية، مع السعي إلى تغليف هذا التدخل المباشر بواجهة اجتماعية ومحلية توحي بأن ما يجري تحرك قبلي مستقل، بينما تشير الوقائع إلى أنه تحشيد موجه ومدار سعوديا.

وبحسب مصادر قبلية، فقد خصصت اللجنة الخاصة السعودية مجمع بن حترش الدولي في الخشعة لصرف بترول مجاني للعناصر والموالين القادمين من حضرموت، إلى جانب صرف خمسة آلاف ريال سعودي لكل فرد عبر ياسر المعبري الذي يشغل منصب قائد الفرقة الأولى طوارئ، في مؤشر واضح على أن التحركات في الريان لا تقوم على اندفاعة قبلية عفوية، بل على تمويل مباشر وإدارة لوجستية منظمة هدفها حشد أكبر عدد ممكن من العناصر تحت المظلة السعودية.

وفي السياق ذاته، دفعت الرياض أيضا بعناصر حزب الإصلاح القبلية إلى المطارح، رغم أن الحزب كان قد أبدى سابقا تحفظا واضحا على دعوة النكف التي أطلقها حمد بن فدغم، انطلاقا من خشية أوساطه من أن تكون الدعوة مدفوعة من صنعاء أو قابلة للاحتواء في اتجاهات لا تخدم حساباته. غير أن هذا الموقف تبدل بصورة لافتة بعد الضوء الأخضر السعودي وبدء التحضيرات الأوسع، ما أدى عمليا إلى تهميش بن فدغم نفسه، الذي توارى عن الظهور واكتفى بتسجيل صوتي كشف فيه وجود أجندات سياسية وحزبية خلف المنضوين في المطارح، متهما أشخاصا “منظومين” ينتمون إلى تنظيم حزبي بغيض باتخاذ قرارات منفردة وتعيين قائد عام للمطارح، في محاولة لتخريب المسار الذي أعلن عنه.

وفي هذا الإطار، برز اسم راضي بن حجره المرزوقي بوصفه القائد العام المفروض على المطارح، في خطوة تؤكد أن السعودية لم تكتف بتمويل التحشيد، بل مضت إلى إعادة تشكيل القيادة الميدانية والسياسية بما يضمن انتقال القرار من الإطار القبلي المعلن إلى قبضة الشخصيات الموالية لها. وهنا تتضح ملامح المشهد كاملة: السعودية تموّل، وأدواتها الحزبية تنخرط، والقيادة تُفرض من فوق، فيما يُترك للقبائل أن تقدم الغطاء البشري والاجتماعي لمشروع تتجاوز أهدافه بكثير عنوان “النكف” المعلن.

وفي مقابل هذا المسار التصعيدي، جاءت رسالة الشيخ عبدالكريم العواضي من ردمان بوصفها تحذيرا قبليا وسياسيا شديد الدلالة إلى أهل مطارح الريان، محمّلة بتجربة سابقة لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة. فالعواضي لم يتحدث من موقع التنظير أو المزايدة، بل من واقع تجربة شخصية وقبلية مع الوعود السعودية ووعود الشرعية التي قادت، بحسب روايته، إلى كارثة ردمان ثم انتهت إلى خذلان دموي وميداني فادح.

وأوضح العواضي أن ردمان كانت في الأصل “مديرية سلام”، وأن قوات صنعاء لم تدخلها سابقا احتراما لياسر العواضي، غير أن المشهد انقلب بعد حادثة جهاد الأصبحي، حين بدأ الحديث عن تحرك قوات ما تسمى “الشرعية” لتحرير البيضاء، وتدفقت الوعود والاتصالات من شخصيات سعودية وعسكرية على رأسها محمد آل جابر ومحمد المقدشي وصغير بن عزيز، وكلها كانت تَعِد بحشود كبيرة وتدخلات حاسمة ومسار سريع نحو الحسم العسكري.

وبحسب رواية العواضي، وصل إلى المنطقة نحو 30 ألف قبلي، وتكفلت آل عواض بضيافتهم بما يزيد على ثلاثة ملايين دولار خلال شهرين، على أمل أن يكون ذلك مقدمة لمعركة محسوبة ومدعومة. لكن ما جرى لاحقا كشف، بحسب وصفه، حجم الخديعة والانهيار، إذ ما إن بدأت المواجهة وتحركت قوات صنعاء بعد قصف معسكر السوادية، حتى انسحبت أطقم “الشرعية” خلال ساعتين فقط، وسقط أكثر من 30 قتيلا معظمهم من آل عواض، إضافة إلى أسر عدد مماثل، بينما لم يصل من كل وعود الدعم سوى دينتين ذخيرة نصفها فاسد.

وتكتسب شهادة العواضي أهميتها من أنها لا تكتفي بسرد الخذلان العسكري، بل تكشف أيضا منهجية الاستغلال السياسي للقبائل: وعود كبيرة قبل المعركة، تراجع وانسحاب لحظة الحسم، ثم انقطاع للاتصالات، وتحويل الضحايا بعد ذلك إلى مادة للاتهام والتخوين. وفي المقابل، أشار العواضي إلى أن صنعاء قامت لاحقا، بحسب تعبيره، بـ “فك البيوت” وإطلاق أغلب الأسرى بشكل فردي، رغم أن من كانوا يزعمون تمثيل أولئك المقاتلين لم يدرجوهم حتى في صفقات التبادل.

ومن هنا جاءت رسالته إلى مطارح الريان واضحة ومباشرة: لا تكرروا خطأ ردمان، ولا تدخلوا معركة يتحمس لها الآخرون في غرف السياسة والإعلام ثم يتركون أبناء القبائل وحدهم أمام الدم والخسارة والخذلان. فالعواضي أراد أن يقول إن المعركة التي تُبنى على إغراء المال الخارجي والتحشيد الحزبي والوعود السعودية ليست معركة القبائل، بل معركة من يدفعون إليها ثم يختفون عندما تبدأ الكلفة الحقيقية.

وفي ما يتعلق بقضية بن فدغم، قدّم العواضي مقاربة تنزع عنها التوظيف السياسي، معتبرا أن قبائل سحار جاءت بـ “جمل وحكم”، وأن القضية كان يمكن أن تُحل في إطارها القبلي الطبيعي لو لم يتم تضخيمها وتوسيعها وإخراجها من سياقها. ووجّه في هذا السياق ملاحظات حادة إلى طريقة إدارة الملف، معتبرا أن تحويله إلى منصة تحشيد ومناورة سياسية لم يخدم القضية، بل فتح الباب أمام قوى خارجية وحزبية لركوبها وتوظيفها في اتجاهات أبعد من مضمونها الأصلي.

كما شدد العواضي على أن من يريد فعلا “تحرير صنعاء” أو خوض مواجهة كبرى، فليتقدم بنفسه وليختبر قدرته دون أن يجعل دماء القبائل وقودا لمشاريع الآخرين. وفي تقدير عسكري بالغ الدلالة، حذر من أن انفجار المواجهة هذه المرة قد لا يتوقف عند حدود الجوف، بل قد يفتح مسارا ميدانيا أوسع يصل إلى عتق، بما يعني أن اللعب بالنار القبلية في هذه اللحظة لا يهدد فقط أصحاب المطارح، بل قد يدفع المنطقة كلها إلى تداعيات تتجاوز قدرة المحرضين أنفسهم على التحكم بها.

إن ما يجري في الريان لا يمكن قراءته خارج سياق أوسع من إعادة تدوير المشروع السعودي في اليمن بعد انكشاف فشله العسكري والسياسي على مدى السنوات الماضية. فبعدما عجزت الرياض عن فرض إرادتها بالحرب المباشرة، تعود اليوم إلى تفخيخ الجبهة القبلية، وتغذية الانقسامات، ودفع أدواتها الحزبية والمالية لتجميع ما أمكن من العناوين المحلية، في محاولة لخلق بؤرة استنزاف جديدة ضد صنعاء.

لكن الرسالة التي حملها العواضي، ومعها الوقائع الميدانية والسياسية، تقول بوضوح إن القبيلة التي جربت الوعود السعودية مرة دفعت الثمن وحدها، وإن إعادة إنتاج المشهد ذاته في الريان لن تعني سوى إعادة تدوير الخسارة نفسها بأسماء جديدة. ولذلك فإن الخلاصة الأهم في هذا المشهد هي أن التحشيد الجاري ليس نكفا قبليا خالصا، بل مشروع سعودي بأدوات محلية، وأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إشعال مواجهة جديدة، بل في تحويل أبناء القبائل إلى أداة رخيصة في معركة يتولى الآخرون التخطيط لها، ثم ينسحبون منها عند أول اختبار جدي.

خبير أمريكي: حرب إيران تحولت إلى هزيمة استراتيجية لترامب وكشفت تآكل الهيمنة الأمريكية

اعتبر المحلل الجيوسياسي الأمريكي إيان بريمر أن الحرب الأمريكية على إيران تمثل “أعظم إخفاق في السياسة الخارجية” للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكداً أن واشنطن فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة رغم ما تكبدته من كلفة عسكرية وسياسية واقتصادية باهظة، في تطور يعكس تراجع القدرة الأمريكية على فرض إرادتها بالقوة، ويكشف في الوقت نفسه عن تحولات عميقة في بنية النظام العالمي.

وفي حوار مطول مع مجلة “فورين أفيرز”، أوضح بريمر أن إدارة ترامب وقعت في خطأ استراتيجي جسيم حين اعتقدت أن الضربات المكثفة قادرة على كسر إيران عسكرياً وسياسياً ودفعها إلى الاستسلام، إلا أن النتائج جاءت على نحو معاكس تماماً، إذ أظهرت طهران قدرة واضحة على امتصاص الضربة والرد وفرض كلفة مقابلة على خصومها، بما أسقط رهانات الحسم السريع وأدخل البيت الأبيض في مأزق مركب.

وأكد بريمر أن الحرب لم تحقق أياً من الأهداف الأمريكية الأساسية، سواء في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو القدرات الصاروخية أو النفوذ الإقليمي أو حتى أوهام تغيير النظام، مشيراً إلى أن إيران، رغم شراسة العدوان، لم تنكسر ولم تُدفع إلى التراجع السياسي الذي راهنت عليه واشنطن. وقال في توصيف لافت: “من الصعب القول إن الإيرانيين انتصروا، لكنهم بالتأكيد نجحوا في فرض التعادل على خصوم أكبر بكثير منهم”، وهو توصيف يختصر حجم الإرباك الذي أصاب المشروع الأمريكي في المنطقة.

ورأى بريمر أن واحدة من أبرز أوراق القوة التي أحسنت إيران استخدامها خلال الحرب كانت ورقة مضيق هرمز، حيث أجبرت واشنطن على التعامل مع احتمال انفجار اقتصادي عالمي إذا استمرت المغامرة العسكرية أو اتسع نطاقها. ولفت إلى أن تراجع ترامب عن الذهاب بعيداً في التصعيد، خشية التداعيات على الملاحة والطاقة والأسواق، يمثل اعترافاً ضمنياً بقدرة إيران على فرض كلفة استراتيجية ثقيلة على الولايات المتحدة وحلفائها. وأوضح أن هذا التطور يعني عملياً أن طهران لم تكن في موقع المتلقي للضربات فقط، بل في موقع الطرف القادر على إعادة تعريف حدود الصراع ورفع كلفته إلى مستوى عالمي.

ومع أن بريمر أشار إلى أن استخدام إيران لهذه الورقة قد يدفع بعض الدول مستقبلاً إلى البحث عن بدائل في النقل والطاقة وتقليل الاعتماد على المضيق، فإنه شدد على أن هذا المسار يبقى افتراضاً بعيد المدى يحتاج إلى سنوات، ولا يغير من حقيقة أن مضيق هرمز خلال هذه الحرب كان إحدى أهم أدوات الردع الإيرانية وأكثرها تأثيراً في حسابات القرار الأمريكي.

وفي تقييمه للمسار المقبل، رجّح بريمر أن وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران قد يصمد في المدى القريب، ليس لأن أسباب الصراع انتهت، بل لأن ترامب نفسه لا يريد الانزلاق إلى حرب مفتوحة جديدة أثبتت الأيام أنها أعلى كلفة وأكثر تعقيداً مما تخيلته إدارته. لكنه في المقابل حذر من أن بؤر التوتر الأخرى، ولا سيما لبنان، قد تبقى مرشحة للاشتعال، بما يعني أن الإقليم لا يزال يعيش فوق صفيح ساخن وأن احتمالات الانفجار لم تُسحب من المشهد بالكامل.

كما استبعد بريمر التوصل إلى اتفاق نووي جديد في المستقبل القريب، معتبراً أن مستوى انعدام الثقة بين طهران وواشنطن بلغ ذروته، خصوصاً بعد أن ترافقت المفاوضات مع الضربات العسكرية، في مشهد أكد للإيرانيين أن الولايات المتحدة تتعامل مع التفاوض بوصفه أداة ضغط وخداع لا مساراً جدياً لتسوية عادلة. وفي المقابل، أشار إلى أن إيران باتت تملك بدائل دبلوماسية واقتصادية عبر قوى إقليمية ودولية مثل عُمان وقطر والسعودية والصين، وهو ما يمنحها هامش مناورة أوسع في مواجهة الضغوط الأمريكية.

وفي قراءته للصورة الأوسع، اعتبر بريمر أن الصين تبدو المستفيد الجيوسياسي الأكبر من هذه الحرب، ليس فقط بسبب تراجع الهيبة الأمريكية، بل لأن الصراع دفع العالم إلى إعادة التفكير في سلاسل الطاقة والتجارة والتوازنات الاستراتيجية. ومن هذا المنظور، فإن الحرب على إيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية فاشلة، بل محطة مفصلية كشفت أن الولايات المتحدة لم تعد اللاعب المنفرد القادر على رسم قواعد اللعبة الدولية كما في السابق.

وختم بريمر قراءته بالتأكيد على أن ما جرى مع إيران يعكس تحولاً أعمق من مجرد تعثر عسكري أمريكي، إذ أظهر أن عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة يواجه تصدعاً متسارعاً، وأن القوى الصاعدة باتت قادرة على إرباك واشنطن وفرض معادلات ردع جديدة. وبذلك، فإن الحرب لم تُسقط إيران كما أراد ترامب، بل أسقطت كثيراً من أوهام القوة الأمريكية، وكشفت أن موازين العالم دخلت طوراً جديداً لم تعد فيه واشنطن قادرة على فرض إرادتها من دون أثمان موجعة ونتائج عكسية.

الاحتلال ينقلب على وقف إطلاق النار.. عدوان متجدد على لبنان وحزب الله يؤكد أن حق الرد قائم

في مشهد يعكس الطبيعة العدوانية للاحتلال الإسرائيلي وعدم التزامه بأي تعهدات أو تفاهمات، عادت قوات العدو إلى تصعيد هجماتها على جنوب لبنان، عبر غارات جوية وتفجيرات واستهداف مباشر للمناطق السكنية والمدنيين، في خرق جديد وفاضح لاتفاق وقف إطلاق النار، بما يؤكد أن الاحتلال يتعامل مع أي اتفاقات بوصفها أدوات مرحلية للمناورة والخداع لا التزامات واجبة الاحترام.

وفي هذا السياق، أكد حزب الله أنه يحتفظ بحقه الكامل في الدفاع عن الوطن والشعب اللبناني، بعد سلسلة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، مشيراً إلى أن العدو نفذ تفجيراً في بلدة مجدل زون وشن غارات على مدينة النبطية وبلدتي ميفدون وفرون، إلى جانب تفجير مبانٍ سكنية في بلدتي الطيبة وحداثا، وإلقاء قنابل صوتية قرب المدنيين في برج قلاوية وبرعشيت.

وأوضح الحزب أن ما أقدم عليه الاحتلال يمثل انتهاكاً صارخاً لوقف إطلاق النار الذي التزم به حتى الآن، مؤكداً أنه يراقب هذه الاعتداءات ويرصدها بدقة، ولن يتخلى عن حقه المشروع في الرد والدفاع في مواجهة العدوان المستمر.

ويأتي هذا التصعيد بعد بيان مشترك لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس ادعيا فيه أن جيش العدو دمر نفقاً لحزب الله بطول 200 متر في جنوب لبنان، زاعمين أن النفق يضم مئات القطع من السلاح وفتحات إطلاق مخصصة لاستهداف شمال فلسطين المحتلة. وتُظهر هذه الرواية الإسرائيلية محاولة جديدة لتبرير العدوان المتواصل على لبنان، وتقديم الخرق الإسرائيلي المستمر وكأنه “إجراء دفاعي”، في وقت يواصل فيه الاحتلال فرض وقائع ميدانية بالقوة تحت عنوان إزالة التهديدات.

وفي الميدان، أفادت وكالة الأنباء اللبنانية بأن قوات الاحتلال فجّرت نفق وادي حسن في بلدة مجدل زون بقضاء صور، في حين شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارة على منزل في مدينة النبطية، وأخرى استهدفت أطراف بلدة ميفدون. كما أعلن جيش الاحتلال أنه هاجم 3 مقرات تابعة لحزب الله في منطقتي النبطية وميفدون، بزعم الرد على استهداف قواته العاملة في ما يسميها “المنطقة الأمنية”، وهي تسمية تعكس محاولة إسرائيلية لتكريس احتلال فعلي جديد داخل الأراضي اللبنانية.

وفي ما يكشف زيف الحديث الإسرائيلي عن الانسحاب، نقلت صحيفة هآرتس عن مصادر عسكرية أن الجيش الإسرائيلي لم يتلق حتى الآن أي أوامر بالانسحاب من أي منطقة في جنوب لبنان، مشيرة إلى أن القوات تتموضع في فرون والغندورية، وأن الحديث يدور فقط عن 3 قرى قد يجري الانسحاب منها لاحقاً، هي: فرون، والغندورية، وزوطر الغربية. ويؤكد ذلك أن الاحتلال لا يزال يناور بالانسحاب، ويستخدمه كورقة ابتزاز سياسي وأمني، لا كاستحقاق واجب التنفيذ.

وفي الإطار السياسي، أفادت معطيات بأن الإدارة الأمريكية تدرس إنشاء آلية لمراقبة وقف إطلاق النار في لبنان، على غرار الآلية التي طُبقت في غزة، في وقت قال فيه وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي إن أولوية بيروت تكمن في ضمان الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني واستكمال خطة حصر السلاح.

من جهته، انتقد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الاتفاق الذي تم برعاية أمريكية بين لبنان والاحتلال، محذراً من أنه قد يتحول إلى مدخل لإثارة الانقسامات الداخلية واستدراج اللبنانيين إلى مواجهات داخلية. واعتبر بري أن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة تشكل الفرصة الواقعية الوحيدة لإلزام إسرائيل بالانسحاب من لبنان، مؤكداً أن أي محاولة لفصل المسار اللبناني عن المسار الأمريكي الإيراني لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الاحتلال.

وكانت بيروت وتل أبيب قد وقعتا مساء الجمعة الماضية، برعاية أمريكية، اتفاق إطار ينص على انسحاب إسرائيلي متسلسل من كامل الأراضي اللبنانية، يبدأ بمنطقتين تجريبيتين. غير أن الاتفاق لم يتضمن جدولاً زمنياً واضحاً للانسحاب، وربط التنفيذ بتولي الجيش اللبناني وحده المسؤولية الأمنية الكاملة في المناطق المنسحب منها الاحتلال، مع نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها حزب الله، وهو ما أثار اعتراضاً واسعاً في لبنان.

وفي هذا السياق، رفض الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الاتفاق، واعتبره “استسلاماً لإسرائيل”، مؤكداً أن الحزب سيواصل المقاومة المسلحة، في ظل استمرار الاحتلال واعتداءاته اليومية.

ويأتي هذا التطور فيما لا تزال إسرائيل تحتل مناطق في جنوب لبنان منذ سنوات، بعضها يعود إلى عقود، وأخرى منذ الحرب الأخيرة بين عامي 2023 و2024، بينما توغلت قوات الاحتلال خلال العدوان الحالي لمسافة تتجاوز 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

ومنذ 2 مارس/آذار 2026، يواصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على لبنان، ما أسفر -بحسب وزارة الصحة اللبنانية– عن مقتل 4247 شخصاً وإصابة 12 ألفاً و195 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص، في حصيلة تؤكد أن ما يجري ليس مجرد عمليات عسكرية متفرقة، بل حرب مفتوحة تستهدف لبنان أرضاً وشعباً وبنى تحتية.

وخلاصة المشهد أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل نكثه بالاتفاقات والتنصل من موجبات وقف إطلاق النار، مستفيداً من الغطاء الأمريكي لمحاولة فرض معادلة جديدة في الجنوب اللبناني، عنوانها الاستباحة المستمرة مقابل تجريد لبنان من عناصر قوته. غير أن موقف المقاومة الواضح يؤكد أن العدوان لن يمر بلا رد، وأن لبنان ليس ساحة مفتوحة لإرادة الاحتلال ولا ميداناً لتثبيت هيمنته بالقوة.

الضفة على حافة الضم الشامل.. الاحتلال ينقلب على الاتفاقات ويُحكم خنق الفلسطيني من جنين إلى الخليل

تدخل الضفة الغربية المحتلة مرحلة شديدة الخطورة، بعدما تجاوز الاحتلال الإسرائيلي سياسة التوسع الاستيطاني التقليدي والاقتحامات العسكرية المتقطعة، لينتقل إلى مسار منظم لإعادة هندسة السيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية، في انقلاب صريح على كل ما تبقى من الاتفاقات السياسية والإدارية التي طالما استخدمها غطاءً مؤقتاً إلى حين استكمال مشروعه الاستعماري.

فما يجري اليوم لم يعد مجرد إجراءات أمنية أو وقائع ميدانية متفرقة، بل مشروع ضم فعلي تتكامل فيه أدوار الجيش والمستوطنين والحكومة والإدارة المدنية لابتلاع الضفة الغربية، وتفكيك المجال الفلسطيني، وتحويل المدن والبلدات إلى جزر معزولة ومحاصرة داخل شبكة من السيطرة العسكرية والاستيطانية. وبهذا المعنى، فإن الاحتلال لا يدير الصراع، بل يحسمه على الأرض بالقوة، ويعمل بصورة متسارعة على إسقاط أي معنى لوجود فلسطيني ذي سيادة أو حتى إدارة محلية مستقلة.

وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “إسرائيل هيوم” عن خطة أعدتها حركات استيطانية للتمركز في نحو 100 نقطة استراتيجية داخل أراضي السلطة الفلسطينية، تحت عنوان “يوم الأمر” أو “يوم التنفيذ”. وتكمن الخطورة هنا في أن الخطة لا تكتفي باستهداف المنطقة “ج” التي كانت طوال السنوات الماضية ساحة التهام استيطاني متدرج، بل تتقدم إلى عمق المنطقة “أ” التي يفترض، وفق اتفاق أوسلو، أنها خاضعة للسيطرة الفلسطينية الكاملة. وهذا يكشف بوضوح أن الاحتلال لم يعد يعترف حتى شكلياً بالترتيبات التي وقع عليها، وأنه يتعامل مع الاتفاقات بوصفها أداة خداع مرحلية لا أكثر.

هذا التحول يعكس انتقال الاحتلال من “الضم الصامت” إلى “الضم التنفيذي”، أي فرض السيادة الإسرائيلية الفعلية من دون إعلان رسمي، عبر الجرافات والسلاح والقرارات الإدارية والتموضع الاستيطاني. فالخطة لا تستهدف فقط توسيع مستوطنات أو شرعنة بؤر، بل تهدف إلى اختراق البنية الجغرافية والسياسية للسلطة الفلسطينية نفسها، وتجريدها من مضمونها العملي، وتحويل ما تبقى من المدن الفلسطينية إلى كانتونات مطوقة فاقدة للاتصال والسيادة.

ووفق المعطيات العبرية، فإن المواقع المستهدفة جرى اختيارها بعد عمليات مسح وخرائط استمرت أشهراً، ما يؤكد أن المشروع ليس اندفاعاً عقائدياً عشوائياً، بل خطة ذات طابع عسكري وجغرافي مدروس، تستهدف المرتفعات والمداخل والطرق والمواقع المشرفة التي تمنح الاحتلال أفضلية ميدانية دائمة، وتضع حياة الفلسطينيين وتنقلهم ووجودهم اليومي تحت السيطرة المباشرة.

وتزداد دلالة هذا المسار مع عرض الخطة على وزراء في حكومة الاحتلال وشخصيات مقربة من بنيامين نتنياهو، ما يؤكد أنها لم تعد مجرد أفكار لدى جماعات استيطانية هامشية، بل أصبحت جزءاً من سياسة دولة. ويبرز في هذا السياق دور وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي يلخص طبيعة المرحلة بقوله: “نطبق سيادة فعلية عبر الاستيطان”، في اعتراف واضح بأن الاستيطان لم يعد مشروع إسكان فقط، بل أداة ضم وإخضاع وإلغاء للوجود الفلسطيني.

وفي جنين، يواصل جيش الاحتلال تجريف أرض زراعية في حي الجابريات بمساحة 7 دونمات لإقامة نقطة عسكرية تطل على مخيم جنين وأحياء واسعة من المدينة. ولا تكمن خطورة هذه الخطوة في بعدها العسكري فقط، بل في كونها تقع داخل منطقة “أ”، بما يعني أن الاحتلال ينتقل من الاقتحام المؤقت إلى تثبيت وجود عسكري دائم داخل المجال الفلسطيني، في نسف عملي ومباشر لكل الادعاءات السابقة بشأن مناطق السيطرة الفلسطينية.

أما في الخليل، فقد مضى الاحتلال خطوة أبعد عبر سلب صلاحيات بلدية الخليل في التخطيط والبناء، في ضربة مباشرة لبروتوكول الخليل الموقع عام 1997. وبعد ذلك، جرى الدفع بمشروع بناء مدرسة دينية يهودية قرب مستوطنة “بيت رومانو” من دون الرجوع إلى البلدية الفلسطينية، في إجراء يكشف أن الاحتلال لا يكتفي بفرض الأمر الواقع بالقوة، بل يعمل على نقل القرار الإداري والعمراني داخل المدينة إلى سلطاته هو. واستهداف الخليل هنا ليس عارضاً، بل يأتي لكونها واحدة من أكثر المدن حساسية على المستويين الديني والوطني، ولأن السيطرة عليها تعني تكريس مشروع التهويد في قلب النسيج الفلسطيني.

وفي السياق نفسه، أقرت اللجنة العليا للتخطيط في الإدارة المدنية بناء 576 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، بينها 456 وحدة في “متسبيه يريحو” قرب أريحا و120 وحدة في “كارني شومرون” شمالي الضفة، إلى جانب المشروع الديني في الخليل. ويؤكد ذلك أن الاستيطان بات الأداة الرسمية الأوضح لفرض السيادة الإسرائيلية، وللقضاء على أي إمكانية جغرافية أو سياسية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وبالتوازي مع هذا التصعيد الرسمي، تتصاعد اعتداءات المستوطنين بوصفها الوجه الميداني المباشر للمشروع الاستعماري. ففي قرية جلجليا شمال رام الله، أحرق مستوطنون مصلى النساء في المسجد الكبير وكتبوا شعارات عنصرية، في جريمة لا يمكن فصلها عن مناخ التحريض الرسمي والحماية السياسية التي توفرها حكومة الاحتلال. كما هدمت قوات الاحتلال منزلاً مأهولاً في شرق يطا جنوب الخليل بذريعة البناء دون ترخيص، في سياسة متكررة تستخدم فيها سلطات الاحتلال ما تسميه “القانون” كأداة للتهجير، فتمنع الفلسطيني من البناء على أرضه، ثم تهدم منزله، بينما تمنح المستوطن كل وسائل التوسع والشرعنة والحماية.

ومنذ 21 يناير 2025، يواصل الاحتلال عدوانه الواسع على شمال الضفة الغربية، بدءاً من مخيم جنين وامتداداً إلى طولكرم ونور شمس، متسبباً في استشهاد عشرات الفلسطينيين، وتدمير مئات المنازل، وتهجير عشرات الآلاف. وهذا العدوان يؤكد أن الاحتلال يتعامل مع المخيمات بوصفها أهدافاً يجب إنهاكها وكسرها وتفكيك دورها المقاوم والاجتماعي، ضمن رؤية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل الضفة بالقوة المجردة.

سياسياً، تكشف هذه التطورات أن اتفاق أوسلو لم يعد قائماً إلا كجثة سياسية بلا مضمون. فالمنطقة “أ” تُخترق عسكرياً، والمنطقة “ج” تُبتلع استيطانياً، والخليل تُسحب من مؤسساتها البلدية، والمخيمات تُستنزف بحملات عسكرية متواصلة. وبذلك، يتضح أن الاحتلال لم يكن شريكاً في أي مسار سياسي، بل كان يوظف الاتفاقات لتأجيل المواجهة إلى حين اكتمال شروط الانقضاض على الأرض والهوية والقرار الفلسطيني.

إن ما يجري من جنين إلى الخليل لا يعكس سعياً إلى الأمن كما يدّعي الاحتلال، بل يكشف جوهر مشروعه الحقيقي: توسيع المستوطن، وخنق الفلسطيني، ونكث الاتفاقات، وتحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى سيادة استعمارية دائمة. ومن هنا، فإن المعركة لم تعد معركة حدود أو ترتيبات أمنية، بل معركة على الوجود الفلسطيني ذاته، وعلى ما إذا كانت الضفة ستبقى أرضاً لشعبها أم تتحول إلى مساحة محكومة بالكامل بالإرادة الاستيطانية الصهيونية.

لكن، وبرغم هذا التصعيد، تبقى الحقيقة الثابتة أن الشعب الفلسطيني ما يزال متجذراً في أرضه، وأن كل جريمة هدم أو حرق أو تجريف أو اقتحام تقدم دليلاً إضافياً على أن المشكلة ليست في “الأمن” كما يزعم الاحتلال، بل في مشروع استعماري إحلالي لا يعترف بحق، ولا يلتزم بعهد، ولا يرى في الاتفاقات إلا سلماً مؤقتاً للصعود نحو الضم الكامل.

عابدين تكسر صمت الجنوب السوري.. مواجهة شعبية للتوغل الإسرائيلي وإدانات عربية لمشروع التمدد

تحولت قرية عابدين في حوض اليرموك بريف درعا الغربي إلى عنوان ميداني جديد في مواجهة التمدد الإسرائيلي داخل الجنوب السوري، بعدما تصدى الأهالي لتوغل قوات الاحتلال بـالحجارة وإغلاق الطرق، في موقف شعبي أعاد التأكيد أن الأرض السورية ليست ساحة مستباحة أمام دبابات العدو وآلياته، وأن محاولات فرض وقائع ميدانية قرب الجولان المحتل لن تمر دون رفض ومواجهة.

بدأ التصعيد عندما تقدمت قوة إسرائيلية من جهة تلة المغر باتجاه محيط قرية عابدين، وفرضت إجراءات استفزازية على الطريق المؤدي إلى قرية جملة ووادي اليرموك، قبل أن يصطدم التوغل بموقف الأهالي الذين أغلقوا الطريق بالحجارة ورفضوا مرور الدورية داخل قريتهم، في رسالة واضحة بأن الجنوب السوري، رغم كل جراحه وتعقيداته، لا يقبل أن يتحول إلى ممر آمن لقوات الاحتلال.

وردت قوات الاحتلال على الرفض الشعبي بـإطلاق النار والقصف المدفعي، بالتزامن مع تحليق للطيران المروحي والمسيّر في أجواء ريفي درعا والقنيطرة، ما تسبب بحالة هلع ونزوح مؤقت لعدد من العائلات نحو القرى المجاورة، قبل أن تبدأ عودة الأهالي تدريجياً عقب انسحاب قوات الاحتلال من محيط القرية وتلة المغر.

ولم تكن مواجهة عابدين حدثاً أمنياً عابراً، بل شكلت رسالة سياسية وميدانية بأن الاحتلال الإسرائيلي، الذي يحاول اختبار حدود التمدد داخل الجنوب السوري، يواجه بيئة شعبية لا ترى في وجوده أمراً طبيعياً، ولا تقبل تحويل القرى السورية إلى ساحات استطلاع وتفتيش وحواجز عسكرية تحت ذرائع أمنية مصطنعة.

وتكتسب المواجهة أهميتها من كونها جاءت بعد سلسلة توغلات إسرائيلية متكررة في ريفي درعا والقنيطرة، شملت مداهمات لمنازل مدنيين، وإقامة حواجز، واستجواب مارة، واعتقالات طالت مدنيين بينهم مزارعون وأطفال، في مسار يكشف أن الاحتلال يسعى إلى تثبيت واقع جديد جنوب سوريا، مستغلاً حالة الاضطراب السياسي والأمني لفرض تمدده بالقوة.

وفي هذا السياق، بدا القصف الإسرائيلي على عابدين محاولة لكسر رمزية الرفض الشعبي، وتحويل اعتراض المدنيين إلى ذريعة لاستخدام القوة النارية. غير أن النتيجة السياسية جاءت معاكسة لما أراده الاحتلال: توغل محدود، رفض شعبي مباشر، قصف لترهيب المدنيين، ثم انسحاب من الموقع. وهي معادلة أظهرت أن الهيبة العسكرية الإسرائيلية يمكن أن تتآكل أمام موقف شعبي رافض، ولو بأدوات بسيطة.

وعلى مستوى المواقف العربية، أدانت رابطة علماء اليمن التوغلات الإسرائيلية في سوريا، ونددت بـصمت الجماعات المسلحة المسيطرة عليها، معتبرة أن استمرار الاعتداءات يعكس طبيعة المشروع الصهيوني القائم على التوسع والتمزيق واستغلال لحظات الضعف السياسي والأمني داخل الدول العربية.

وفي موقف لافت، حيّا ناطق كتائب القسام أبو عبيدة أبناء الشعب السوري الذين هبّوا للتصدي لقوات الاحتلال في قرية عابدين بريف درعا، “رافضين الخنوع والقبول بالعدوان”، مؤكداً أن العدوان الصهيوني على سوريا لا ينفصل عن العدوان على فلسطين ولبنان، بل يأتي ضمن مسار واحد يستهدف الأمة والمنطقة.

وقال أبو عبيدة إن العدوان الصهيوني على سوريا هو “امتدادٌ للعدوان على فلسطين ولبنان لفرض مشروع إسرائيل الكبرى الخبيث على حساب بلداننا”، داعياً الأمة بكل شعوبها وطوائفها إلى أن “تئد خرافة مشروع إسرائيل الكبرى في مهدها وتفشلها قبل فوات الأوان”.

وفي موازاة ذلك، أصدرت قطر والسعودية والأردن إدانات للاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، حيث دعت الدول الثلاث إلى وقف التوغلات في محافظتي القنيطرة ودرعا، وطالبت المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته في ردع الاحتلال وإلزامه باحترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

فقد أدانت وزارة الخارجية القطرية التوغل الإسرائيلي في القنيطرة ودرعا وما رافقه من قصف مدفعي، معتبرة أن الاعتداء يمثل “انتهاكاً صارخاً لسيادة سوريا” و“خرقاً فاضحاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني”. وحذرت الدوحة من أن استمرار هذه الاعتداءات من شأنه أن “يفاقم التوتر في المنطقة ويقوّض جهود الأمن والاستقرار”، داعية المجتمع الدولي إلى “ردع إسرائيل وإلزامها بالامتثال للقانون الدولي ومحاسبتها على جرائمها واعتداءاتها المتكررة”.

أما السعودية، فأدانت عبر وزارة خارجيتها مواصلة سلطات الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاتها في المنطقة، وآخرها التوغلات داخل الأراضي السورية واستهداف محافظتي القنيطرة ودرعا بقذائف مدفعية، مؤكدة “رفضها التام لترويع المدنيين الآمنين وانتهاك القوانين والأعراف الدولية”.

بدورها، نددت وزارة الخارجية الأردنية باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، وخاصة التوغلات الأخيرة في القنيطرة ودرعا واستهداف المنطقة بقذائف مدفعية، في موقف يعكس حساسية تمدد العدوان الإسرائيلي إلى جوار الأردن المباشر، وما يحمله ذلك من تهديد للأمن والاستقرار الإقليمي.

وتكشف هذه المواقف أن معركة عابدين تجاوزت حدود القرية الصغيرة، لتتحول إلى رمز أوسع في الصراع مع الاحتلال. فالرسالة التي خرجت من حوض اليرموك لا تتعلق فقط برفض دورية إسرائيلية عابرة، بل برفض مشروع كامل يحاول تحويل الجولان ومحيطه إلى منصة ضغط دائمة، وفرض الأمن الإسرائيلي على حساب السيادة السورية وحق السكان في أرضهم.

وثيقة الإعاشة تفضح أموال الخارج: 12 مليون دولار لقاطني الفنادق بينما عدن والمناطق المحتلة تغرق في الجوع والحر

كشفت وثيقة متداولة صادرة عن مكتب رئاسة الجمهورية التابع لحكومة المرتزقة، وموجهة إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني ووزارة المالية، عن توجيه بصرف مبلغ قدره 12 مليون دولار أمريكي تحت بند “كشف الإعاشة” للمستفيدين في الخارج عن شهر مايو 2026م، في فضيحة جديدة تعيد فتح ملف الأموال التي تُهدر على قاطني الفنادق والواجهات السياسية والإعلامية، بينما يعيش المواطنون في عدن وبقية المناطق المحتلة أوضاعاً مأساوية تحت وطأة الحر والجوع والمرض وانهيار الخدمات.

وبحسب الوثيقة المتداولة، فإن مكتب رئاسة الجمهورية وجّه بسرعة صرف مبلغ 12,000,000 دولار أمريكي، أي اثني عشر مليون دولار، تحت مبرر “استمرار صرف الإعاشة للمستفيدين في الخارج”، مع طلب استكمال إجراءات الصرف وفقاً لـ “الكشف المعتمد”، وهو ما يطرح تساؤلات واسعة حول هوية المستفيدين الحقيقيين من هذه المبالغ الضخمة، وطبيعة الأدوار التي تُموّل من المال العام في الخارج.

وتأتي هذه الوثيقة، إن صحت، في توقيت لافت يتزامن مع تصاعد الحملات التحريضية ضد صنعاء، واشتعال موجة الفتن والاصطفافات المصطنعة، ومحاولة استثمار بعض الملفات القبلية والاجتماعية، ومنها ما عُرف إعلامياً بـ “الفدغمة”، لتحريك الشارع وتشتيت الأنظار عن الأزمات الحقيقية التي تعصف بالمناطق الخاضعة للاحتلال والوصاية.

فالحديث عن صرف 12 مليون دولار كإعاشة شهرية للمقيمين في الخارج لا يمكن فصله عن نشاط الأبواق والمنصات والأدوات التي تنتعش كلما احتاجت قوى العدوان إلى إشعال ملف داخلي أو اختلاق معركة جانبية ضد صنعاء. فهذه الأموال، وفق قراءة مراقبين، لا تذهب لإطعام الجائعين ولا لتخفيف معاناة الناس، بل لإبقاء شبكة من الأدوات السياسية والإعلامية في حالة تشغيل دائم.

وتزداد خطورة الوثيقة حين تُقرأ إلى جانب الواقع الكارثي في عدن والمناطق المحتلة؛ حيث يعاني المواطنون من انقطاع الكهرباء، وانهيار الخدمات، وارتفاع الأسعار، وتدهور الوضع الصحي والمعيشي، بينما تُصرف ملايين الدولارات على من يعيشون خارج البلاد باسم الإعاشة والتمثيل واللجان والكشوفات المغلقة.

إن المفارقة الصادمة أن شعباً في الداخل يواجه الموت من الحر والجوع والمرض، بينما تُفتح خزائن المال العام لصالح قاطني الفنادق في الخارج، الذين تحولت بعضهم إلى أدوات للتحريض وإثارة الفتن، بدل أن تُوجَّه هذه الأموال إلى الكهرباء والمستشفيات والمرتبات والخدمات الأساسية في عدن وحضرموت وتعز وبقية المناطق المحتلة.

وتكشف الوثيقة جانباً من بنية الفساد السياسي والمالي التي تتحكم بما تسمى حكومة الشرعية؛ فالمواطن في الداخل لا يحصل على أبسط حقوقه، بينما تُدار المخصصات بالدولار لمن لا يعيشون معاناته ولا يتحملون تبعات الانهيار. وهذا ما يفسر حالة الانفصال الكامل بين سلطة الفنادق وواقع الناس على الأرض.

كما تعيد هذه الوثيقة طرح سؤال جوهري: من هم المستفيدون من كشف الإعاشة؟ وما طبيعة المهام التي يتقاضون مقابلها هذه المبالغ؟ ولماذا تُصرف ملايين الدولارات في الخارج، بينما تتذرع الحكومة ذاتها بالعجز عن دفع المرتبات أو تحسين الكهرباء أو توفير الدواء والخدمات؟

وبذلك، لا تبدو وثيقة 12 مليون دولار مجرد ورقة مالية عابرة، بل دليلاً إضافياً على أن جزءاً كبيراً من أموال الشعب اليمني يُستخدم لإدارة الحملات والتحريض وشراء الولاءات، في حين يُترك المواطنون في المناطق المحتلة يواجهون الجوع والحر وانهيار الخدمات بلا حماية ولا إنقاذ.

وفي الخلاصة، فإن هذه الوثيقة تضع حكومة الفنادق أمام فضيحة سياسية وأخلاقية واضحة: ملايين الدولارات تُصرف للإعاشة في الخارج، والناس في عدن والمناطق المحتلة يموتون من الحر والجوع والمرض. إنها صورة مكثفة لمعنى الفساد والوصاية: أموال الشعب تُهدر على الأدوات، بينما يُترك الشعب نفسه وحيداً في مواجهة الانهيار.

العواضي يفتح صندوق ردمان ويوجه رسالة قاسية لمطارح الريان: لا تجعلوا الدماء وقوداً لمن يتخلون عنكم

وجّه الشيخ القبلي من مديرية ردمان بمحافظة البيضاء، عبدالكريم العواضي، رسالة لافتة إلى من وصفهم بـ “أهل النكف الكرام في مطارح الريان”، استعاد فيها كواليس سقوط ردمان وما رافقها من وعود عسكرية وسياسية لم تتحقق، مقدماً من خلالها تحذيراً مباشراً من تكرار التجربة ذاتها في قضية بن فدغم.

وقال العواضي إن ردمان كانت “مديرية سلام”، وإن قوات حكومة صنعاء لم تدخلها في السابق “احتراماً لياسر العواضي”، غير أن الأوضاع تغيّرت عقب حادثة جهاد الأصبحي، حين حضر وفد من صنعاء محكّماً بـ 100 بندق، مبرراً الحادثة بأنها جاءت رداً على مصدر إطلاق نار، وأنهم لم يكونوا يعلمون بمن كان موجوداً في المكان.

وأوضح العواضي أنه بعد تلك الحادثة بدأ الحديث عن تحرك قوات ما تسمى “الشرعية” لتحرير محافظة البيضاء، مشيراً إلى أن السفير السعودي محمد آل جابر كان يتواصل معه بشكل متكرر مطالباً بفتح الطريق، مع وعود بوصول قبائل وحشود عسكرية بلباس قبلي، فيما كان وزير الدفاع الأسبق محمد المقدشي يتحدث عن أن الوصول إلى ذمار لن يستغرق سوى يومين، بينما جاءت تطمينات مماثلة من صغير بن عزيز.

وبحسب رواية العواضي، فقد وصل إلى المنطقة نحو 30 ألف قبلي، وتكفل آل عواض بضيافتهم بمبلغ تجاوز ثلاثة ملايين دولار خلال شهرين، قبل أن تنقلب الوقائع سريعاً بعد قصف معسكر السوادية وتحرك قوات صنعاء، حيث يقول إن جميع أطقم “الشرعية” انسحبت خلال ساعتين، وسقط أكثر من 30 قتيلاً غالبيتهم من آل عواض، إضافة إلى أسر عدد مماثل.

وأكد العواضي أنهم لم يروا بعد ذلك “دبابات ولا طائرات ولا دعماً من الشرعية إلا دينتين ذخيرة نصفها فاسدة”، في إشارة إلى حجم الخذلان الذي تعرضوا له بعد الوعود الكبيرة التي سبقت المواجهة. وأضاف أن الاتصالات انقطعت لاحقاً، وتحولت الوعود إلى اتهامات بالخيانة، بينما قامت حكومة صنعاء، بحسب قوله، بـ “فك بيوتنا وإطلاق أغلب الأسرى بشكل فردي” رغم عدم إدراجهم من قبل “الشرعية” في صفقات التبادل.

واستحضر العواضي ما جرى بعد ردمان في مأرب، قائلاً إن جميع مديريات مأرب سقطت خلال شهر واحد حتى وصلت قوات صنعاء إلى سد مأرب، محذراً مطارح الريان من الرهان على وعود مشابهة أو الدخول في مواجهة يدفع ثمنها أبناء القبائل وحدهم، بينما يتوارى من دفعهم إليها عند لحظة الحسم.

وفي رسالته لقبائل الريان، قال العواضي إن قبائل سحار “جاؤوا محكّمين”، داعياً إلى الحكم عليهم بالحق وعدم الزيادة على ذلك، ومحذراً من التحول إلى “أداة رخيصة” أو جعل الدماء رخيصة في معركة لا يتحمل نتائجها أصحاب الوعود. وأضاف أن من يتهرب من اتفاقيات السلام وسيادة اليمن ودفع مرتبات الشعب، أو من يريد “تحرير صنعاء”، فالطريق أمامه مفتوح وعليه أن يثبت قدرته بنفسه.

وفي تقدير عسكري لافت، قال العواضي إنه إذا كانت ثماني مديريات في مأرب قد سقطت بعد ردمان، فإن قوات صنعاء، في حال انفجرت المواجهة هذه المرة، قد تصل إلى عتق، في إشارة إلى أن أي تصعيد قبلي غير محسوب قد يفتح مساراً ميدانياً أوسع من قدرة الأطراف المحلية على التحكم بنتائجه.

وفيما يتعلق بقضية بن فدغم، قال العواضي إن قبائل سحار جاءت بـ “جمل وحكم”، وإن من أسماها “ميرا صدام حسين” هي ربيعة دهم عامة وربيعة الشايف شخصياً، معتبراً أن “الملامة في وجه الشايف”، وأن الشايف تلقى الحكم، وعلاقته بصنعاء قوية، وبإمكانه حل القضية “بتلفون”.

واعتبر العواضي أن بن فدغم أخطأ في إدارة الملف، قائلاً إنه كان من المفترض أن يترك ربيعته في منزله مع أسرته، ويتوجه هو إلى صنعاء مع أصحابه، ويقيم لدى الشايف حتى تُحل القضية، لكنه، بحسب تعبيره، “طلعها وصورها وروح وخلاها لوحدها”، وهو ما جعل القضية تأخذ أبعاداً أوسع من إطارها القبلي المعتاد.

واختتم العواضي رسالته بالتأكيد أن قبائل سحار أصدرت حكمها، وأن الرأي عنده أن يعود الحكم إلى الشايف، باعتباره الطرف القادر على حمل القضية وإنهائها، قائلاً إن على الشايف أن “يشلها ولا يحطها هي في وجهه”.

وتحمل رسالة العواضي دلالات أبعد من قضية بن فدغم وحدها؛ فهي قراءة من داخل تجربة ردمان لما يمكن أن يحدث حين تتحول القبيلة إلى وقود لمشاريع خارجية ووعود عسكرية لا تصمد عند أول مواجهة. فالرسالة الأساسية التي أراد إيصالها إلى مطارح الريان واضحة: لا تكرروا خطأ ردمان، ولا تدخلوا معركة يتحمس لها الآخرون ثم يتركونكم وحدكم أمام الدم والخسارة والاتهامات.