تشهد ليبيا خلال الأيام الأخيرة تصعيداً أمنياً متزامناً في الشرق والغرب، أعاد إلى الواجهة هشاشة المشهد الداخلي والانقسام بين المؤسسات، وسط مخاوف من انتقال البلاد إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها الاغتيالات، وهجمات الطائرات المسيّرة، والاشتباكات المحلية، واستهداف منشآت النفط والكهرباء.
في شرق البلاد، برز اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في بنغازي اللواء فوزي المنصوري، الذي قتل إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت في سيارته بمنطقة الهواري. وجاءت العملية في توقيت حساس يتزايد فيه الحديث عن محاولات لتقريب المواقف بين سلطتي الشرق والغرب وتوحيد المؤسسة العسكرية وبعض المؤسسات السيادية.
وأثار اغتيال المنصوري مخاوف من عودة موجة الاغتيالات إلى بنغازي بعد سنوات من الهدوء النسبي، خصوصاً أن المستهدف يشغل موقعاً أمنياً رفيعاً داخل المنظومة العسكرية في الشرق، ما يرفع مستوى الحادثة من جريمة أمنية منفردة إلى ضربة تطال بنية القيادة والاستخبارات.
أما في غرب البلاد، فقد تحولت مدينة الزاوية إلى بؤرة التصعيد الأبرز، بعد سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت النفط والطاقة خلال أيام متتالية، في تطور اعتبرته مصادر ليبية مؤشراً خطيراً على دخول وسائل قتالية أكثر تطوراً إلى الصراع الداخلي.
واستهدفت طائرات مسيّرة خزانات الوقود في مجمع الزاوية النفطي، ما أدى إلى اندلاع حرائق كبيرة وانهيار خزان تابع لشركة البريقة يتسع لنحو 4.5 ملايين لتر من البنزين، قبل أن تتمكن فرق الطوارئ التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط من السيطرة على الحرائق.
كما استُهدف خزان ديزل تابع لشركة الزاوية لتكرير النفط، في هجوم قالت المؤسسة الوطنية للنفط إنه يمثل الاعتداء الخامس من نوعه، بعد سلسلة ضربات سابقة طالت خزانات ومنشآت داخل المجمع. وأدت الهجمات إلى توقف المصفاة مؤقتاً من دون تسجيل خسائر بشرية.
وتكتسب هذه الهجمات خطورة اقتصادية كبيرة لأن مجمع الزاوية يضم واحدة من أهم المنشآت النفطية في البلاد، فيما تبلغ طاقة مصفاة الزاوية نحو 120 ألف برميل يومياً، ويعتمد عليها جزء من السوق المحلية في إمدادات الوقود.
وأدى استهداف مستودعات الوقود إلى توقف جزئي للعمليات وتعطل الإمدادات إلى عدد من المحطات في المنطقة الغربية، قبل أن تستأنف العمليات لاحقاً بفضل مخزونات طرابلس وتحميل ناقلات بكميات إضافية.
ولوّحت المؤسسة الوطنية للنفط بإمكانية إعلان “حالة القوة القاهرة” إذا استمرت الهجمات على المنشآت النفطية، ما يكشف حجم القلق من انتقال الاستهداف من حوادث محدودة إلى تهديد مباشر لإنتاج وتصدير النفط، الذي يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة الليبية.
ولم يتوقف التصعيد عند قطاع النفط، إذ تعرضت محطة تحويل كهرباء جنوب الزاوية للاستهداف والاحتراق الكامل، ما أدى إلى خروجها من الخدمة وانقطاع التيار عن مناطق واسعة من جنوب المدينة.
وقالت الشركة العامة للكهرباء إن الاعتداءات والاختلالات الأمنية الأخيرة ألحقت أضراراً كبيرة بمكونات الشبكة، في وقت تعاني فيه محطة كهرباء الزاوية أصلاً من فقدان أكثر من 700 ميغاوات من إجمالي قدرتها الإنتاجية البالغة نحو 1300 ميغاوات.
وتفاقمت الأزمة مع إعلان شركة GE الأمريكية وقف أعمالها داخل محطة كهرباء الزاوية وسحب فرقها الفنية، مشترطة توفير بيئة عمل آمنة للعودة، ما يهدد بتأخير عمليات الصيانة وإعادة تشغيل الوحدات المتوقفة.
سياسياً، وصف رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة استهداف المنشآت النفطية والصناعية بالطائرات المسيّرة بأنه “عمل منظم وجريمة خطيرة”، مهدداً برد حازم لحماية مؤسسات الدولة والبنية التحتية الحيوية.
وتتزامن هذه الهجمات مع اشتباكات شهدتها مدينتا الزاوية وصرمان بين مجموعات مسلحة تتبع رسمياً حكومة الوحدة الوطنية نفسها، وأسفرت عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة أكثر من عشرة آخرين، إضافة إلى إغلاق الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس والزاوية وفرار عدد من السجناء من سجن صرمان.
وتكشف هذه الاشتباكات مفارقة أساسية في المشهد الغربي، إذ إن الأطراف المتقاتلة تنتمي شكلياً إلى سلطة سياسية واحدة، ما يعكس استمرار تعدد مراكز القوة والسلاح وعدم قدرة الحكومة على فرض قيادة أمنية موحدة على جميع التشكيلات المسلحة.
وتأتي كل هذه التطورات فيما لا تزال ليبيا منقسمة بين حكومتين: حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أخرى برئاسة أسامة حماد مقرها بنغازي وتدير مناطق الشرق ومعظم الجنوب.
ويهدد التصعيد الجديد بإضعاف جهود الأمم المتحدة والوسطاء الرامية إلى توحيد المؤسسات والوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، لأن عودة الاغتيالات في الشرق والهجمات على الطاقة في الغرب تعيد بناء مناخ من انعدام الثقة بين الأطراف.
اقتصادياً، تمثل الهجمات على منشآت الزاوية تهديداً مباشراً لطموحات ليبيا في رفع إنتاجها النفطي إلى مليوني برميل يومياً، بعدما وصل الإنتاج في يونيو الماضي إلى نحو 1.44 مليون برميل يومياً. استمرار استهداف البنية النفطية قد يضر بجاذبية البلاد أمام المستثمرين الأجانب ويرفع المخاطر التشغيلية في قطاع الطاقة.
ويكشف استخدام الطائرات المسيّرة ضد خزانات الوقود ومحطات الطاقة عن تحول نوعي في طبيعة التهديد الأمني؛ إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على الاشتباكات التقليدية بين المجموعات المسلحة، بل أصبحت المنشآت الحيوية نفسها ضمن نطاق الاستهداف الدقيق عن بعد.









