الرئيسية بلوق الصفحة 82

كاتب بريطاني: الحرب على إيران أسقطت مشروع “إسرائيل الكبرى” وفتحت شرخاً استراتيجياً بين واشنطن وتل أبيب

اعتبر الكاتب البريطاني ديفيد هيرست، مدير تحرير موقع “ميدل إيست آي”، أن حرب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران تحولت إلى واحدة من أكبر الإخفاقات الاستراتيجية في تاريخ التدخلات الغربية بالشرق الأوسط، مؤكداً أنها لم تفشل فقط في كسر طهران، بل أسقطت معها مشروعاً أوسع كان يستهدف إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية “إسرائيل الكبرى”.

ويرى هيرست أن الولايات المتحدة، التي خاضت خلال ربع قرن حروباً مدمرة في أفغانستان والعراق واليمن وليبيا وسوريا، لم تتمكن هذه المرة من إسقاط الدولة المستهدفة أو فرض تغيير جذري في موازينها الداخلية. فإيران، بخلاف دول أخرى تعرضت للتفكيك أو إسقاط الأنظمة، خرجت من الحرب أكثر حضوراً، بينما وجد الاحتلال الإسرائيلي نفسه أمام نتيجة عكسية لما أراده.

وبحسب الكاتب، فإن فشل واشنطن وتل أبيب في إخضاع إيران حطم الطموح الأكبر الذي كان يقف خلف الحرب، وهو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بما يخدم المشروع الإسرائيلي. فالحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية مع طهران، بل محاولة منظمة لتغيير ميزان القوة في المنطقة، وفرض معادلة تجعل الاحتلال الإسرائيلي القوة المهيمنة بلا منافس.

لكن النتائج جاءت، وفق هيرست، معاكسة تماماً. فقد تحولت إيران بعد الحرب إلى “القوة الإقليمية الأبرز”، فيما تراجع موقع الاحتلال الإسرائيلي الذي كان يُنظر إليه قبل الحرب باعتباره القوة العسكرية الأولى في المنطقة بدعم أمريكي. ونقل الكاتب عن مراسلين ومحللين عسكريين إسرائيليين إقرارهم بأن الحرب “قلبت الموازين”، وأن الاتفاق الذي ذهب إليه ترامب مع إيران يمثل “فشلاً أمنياً كبيراً لنتنياهو”.

ويشير المقال إلى أن تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مواصلة التصعيد ضد إيران مثل كارثة سياسية واستراتيجية لنتنياهو، لأن الأخير كان يعوّل على استمرار الحرب لتثبيت مشروعه الإقليمي. غير أن حسابات ترامب الداخلية، من التضخم وارتفاع أسعار الطاقة وتراجع شعبيته وضغط انتخابات الكونغرس وشلل اقتصادات الخليج، دفعته إلى الخروج من المأزق الذي زجّه فيه نتنياهو.

ويؤكد هيرست أن إيران خرجت من الاتفاق وهي تحتفظ بأهم عناصر قوتها الاستراتيجية. فهي لا تزال تملك برنامج تخصيب نووي، رغم تنازلها عن اليورانيوم عالي التخصيب، كما احتفظت بترسانتها الصاروخية التي أثبتت فعاليتها كـ رادع حقيقي، وصمدت أمام الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأشد دقة وكثافة.

والأخطر بالنسبة للاحتلال، وفق المقال، أن الحرب عززت علاقة إيران بحلفائها في المنطقة بدلاً من إضعافها. فقد أثبتت طهران أنها لا تتعامل مع حلفائها كأدوات عسكرية “تُشغّل وتُطفأ” وفق الحاجة، بل كجزء من معادلة دفاع متبادلة، خصوصاً في لبنان حيث تبدو العلاقة بين إيران وحزب الله أكثر تماسكاً بعد الحرب.

كما يرى الكاتب أن الحرب كشفت هشاشة الصيغة الأمنية الخليجية القائمة على الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. فشبكة القواعد الأمريكية وأنظمة الإنذار والدفاع الصاروخي لم تقدم، بحسب هيرست، سوى “دفاع هش” أمام المسيّرات والصواريخ الإيرانية، فيما بدأت القواعد الأمريكية تُرى كمصدر للمخاطر لا كضمانة للأمن.

ويخلص المقال إلى أن الشرق الأوسط تغير فعلاً، ولكن ليس بالطريقة التي أرادها نتنياهو. فقد أنتج الهجوم على إيران أول شرخ استراتيجي كبير بين تل أبيب وواشنطن منذ أكثر من ربع قرن، وعزز القوة الناعمة الإيرانية، ورفع معنويات محور المقاومة في فلسطين ولبنان والمنطقة.

وبذلك، يقدم هيرست خلاصة شديدة الوضوح: الحرب التي أُريد لها أن تكسر إيران وتفتح الطريق أمام مشروع “إسرائيل الكبرى” انتهت إلى عكس ذلك تماماً؛ إيران خرجت أقوى، الاحتلال الإسرائيلي خسر رهان الهيمنة، وواشنطن اكتشفت أن زمن فرض الإرادة العسكرية على شعوب المنطقة لم يعد كما كان.

ممر مشبوه إلى بربرة.. صنعاء تحذر: أمن اليمن والقرن الأفريقي خط أحمر

كشفت معطيات ملاحية وصور أقمار صناعية نشرها موقع “ذا دارك بوكس” عن نشاط بحري غامض بين ميناء الفجيرة الإماراتي والميناء العسكري في بربرة بإقليم أرض الصومال، تمثل في تكرار رحلات سفن شحن عملاقة تنفذ عمليات تفريغ سريعة ومكثفة، بالتزامن مع توسعات عسكرية داخل القاعدة شملت إنشاء حظائر طائرات ومنشآت جديدة.

وتنظر صنعاء إلى هذه التحركات باعتبارها تموضعاً إسرائيلياً غير معلن في خاصرة البحر الأحمر وخليج عدن، ومحاولة لتحويل بربرة إلى منصة جيوعسكرية واستخباراتية لمراقبة باب المندب والضغط على اليمن، في ظل الدور الإماراتي المتصاعد كواجهة لوجستية للمشروع الإسرائيلي في المنطقة.

وحذرت حكومة صنعاء من أن ثمن التحركات الصهيونية في الصومال سيكون فادحاً، مؤكدة أن تحويل هرجيسا وبربرة إلى مسرح عمليات تديره تل أبيب يهدد وحدة الصومال وسيادته، ويدفع المنطقة نحو صراع واسع لا تُحمد عقباه.

كما شدد نائب وزير الخارجية في صنعاء عبدالواحد أبو راس على أن أمن اليمن والمنطقة خط أحمر، وأن تكلفة الصمت على التمدد الصهيوني ستكون باهظة، مؤكداً أن اليمن يمتلك الإرادة والقدرة على حماية أمنه الاستراتيجي.

وفي السياق ذاته، حذر نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن علي حمود الموشكي من أن أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال يمثل تهديداً مباشراً لليمن والمنطقة، ويحمل أبعاداً عسكرية وأمنية خطيرة تستهدف البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب.

وتأتي هذه التحذيرات مع تقارير تحدثت عن إرسال الاحتلال الإسرائيلي نحو 50 عسكرياً إلى أرض الصومال، عقب اعتراف تل أبيب بالإقليم الانفصالي ككيان مستقل، في خطوة تراها صنعاء محاولة لتثبيت منصة جيوعسكرية صهيونية متقدمة في القرن الأفريقي.

وبذلك، تضع صنعاء معادلة واضحة: لا قبول بتموضع إسرائيلي قرب باب المندب، ولا صمت أمام تحويل أرض الصومال إلى قاعدة تهديد، ولا تساهل مع أي تحرك وأي حضور صهيوني قبالة اليمن سيُعامل كتهديد مباشر للأمن القومي اليمني والمنطقة.

قبائل حجة وذمار تعلن النفير العام.. جهوزية شعبية لكسر الحصار وإنهاء العدوان

أعلنت قبائل محافظة حجة ومديرية ضوران بمحافظة ذمار حالة النفير العام والجهوزية الشاملة، استجابة لدعوة قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي للعمل على إنهاء العدوان والحصار، واستعادة الحقوق والثروات الوطنية، في مشهد يعكس اتساع حالة التعبئة الشعبية والقبلية في المحافظات الحرة استعداداً للمرحلة المقبلة.

ففي محافظة حجة، شهدت المحافظة نكفاً قبلياً واسعاً ومسلحاً، شاركت فيه قيادات محلية وتعبوية وتنفيذية وقضائية، إلى جانب علماء ومشايخ وشخصيات اجتماعية، حيث أكد المشاركون الاستجابة الكاملة لتوجيهات قائد الثورة، والاستعداد لتقديم التضحيات حتى تحقيق التحرر الكامل وإنهاء الحصار المفروض على اليمن.

وشددت الكلمات والبيان الصادر عن النكف على أهمية توحيد الصفوف وتعزيز الجهوزية لمواجهة قوى العدوان والاحتلال، التي تواصل منذ أحد عشر عاماً مضاعفة معاناة الشعب اليمني ونهب ثرواته وفرض الحرب الاقتصادية عليه. كما أكد مشايخ حجة ثبات الموقف في مواجهة التحديات، والاستعداد لرفد الجبهات بالمقاتلين والمال والالتفاف حول القيادة الثورية.

وأعلن بيان قبائل حجة “النفير العام بعزيمة لا تلين”، استجابة لأوامر القيادة في إسناد الجبهة الداخلية وكسر الحصار، مؤكداً الجهوزية لتنفيذ كل الخيارات المطروحة لإنهاء العدوان، ولمّ شمل اليمنيين، واستعادة الحقوق المسلوبة، ومواجهة أي تصعيد أمريكي أو إسرائيلي في المنطقة.

وفي محافظة ذمار، نظمت قبائل مديرية ضوران وقفة مسلحة حاشدة، أكدت فيها جاهزيتها العالية واستعدادها لكافة الخيارات التي يتخذها قائد الثورة لإنهاء العدوان والحصار. وأشاد مسؤول التعبئة بالمحافظة، أحمد الضوراني، بحشد قبائل ضوران ومواقفها المشرفة في مختلف الجبهات، داعياً قبائل ذمار كافة إلى النفير العام ورفع مستوى الجهوزية لمواكبة متطلبات المرحلة.

وأكدت كلمة مشايخ ضوران، التي ألقاها عضو مجلس النواب محمد النهمي، ثبات أبناء المديرية واستعدادهم لبذل النفس والمال دفاعاً عن الوطن والأمة، معلنة الجهوزية الشاملة لأي خيارات قادمة. كما شدد بيان الوقفة على التأييد الكامل لما ورد في بيان قائد الثورة بمناسبة العام الهجري الجديد 1448هـ، والدعوة إلى إنهاء العدوان والحصار واستعادة السيادة والثروات.

وربطت بيانات حجة وذمار بين معركة اليمن الداخلية ضد العدوان والحصار وبين معركة الأمة في مواجهة المشروع الأمريكي الإسرائيلي، مؤكدة الجهوزية لأي تطورات تستهدف غزة أو أي ساحة من ساحات محور الجهاد والمقاومة، ومباركة في الوقت نفسه للجمهورية الإسلامية في إيران ما وصفته بـ “النصر العظيم” في مواجهة أمريكا والعدو الإسرائيلي.

ودعت قبائل حجة وذمار أبناء الشعب اليمني في شمال الوطن وجنوبه إلى توحيد الصف والعمل الجاد لمواجهة المحتل حتى تحرير كل شبر من البلاد، واستعادة الثروات وتحقيق الحرية والاستقلال، كما دعت إلى الالتحاق بالدورات العسكرية المفتوحة، باعتبارها رافداً أساسياً لقوات التعبئة وسنداً للقوات العسكرية والأمنية في المعركة المقبلة.

وتؤكد هذه التحركات أن دعوة السيد القائد لم تبقَ في إطار الخطاب السياسي، بل تحولت إلى حالة استنفار شعبي وقبلي منظم، يضع تحالف العدوان أمام رسالة واضحة: أن مرحلة الصبر على الحصار والحرب الاقتصادية تقترب من نهايتها، وأن القبائل اليمنية مستعدة للانتقال إلى مرحلة انتزاع الحقوق وكسر القيود متى ما صدر القرار.

اغتيال مراسل “العربية والحدث” في المكلا.. عبوة ناسفة تكشف هشاشة الأمن في مناطق سيطرة مرتزقة تحالف العدوان

قُتل الصحفي محمد عيضة، مراسل قناتي “العربية” و”الحدث”، إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت في سيارته بمدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت، في عملية اغتيال جديدة تعكس مستوى الانفلات الأمني والتصفيات المنظمة التي تشهدها المحافظات الجنوبية الخاضعة لسيطرة الفصائل الموالية لتحالف العدوان.

وبحسب مصادر إعلامية، انفجرت العبوة أثناء مرور سيارة عيضة في أحد شوارع مدينة المكلا، ما أدى إلى إصابته بجروح بالغة، قبل أن يُنقل إلى أحد مستشفيات المدينة لتلقي الإسعافات، غير أن تقارير لاحقة أكدت مقتله متأثراً بإصابته.

وتأتي عملية الاغتيال في توقيت حساس تعيش فيه مدينة المكلا حالة من التوتر الأمني، وسط اتساع رقعة الحوادث الغامضة وعمليات التفجير والاستهداف التي تطال شخصيات إعلامية وأمنية وعسكرية، بما يكشف عجز السلطات الموالية للتحالف عن ضبط المشهد الأمني، رغم انتشار التشكيلات المسلحة وتعدد الأجهزة الأمنية في المحافظة.

وتحمل العملية دلالات خطيرة، كونها استهدفت شخصية إعلامية معروفة تعمل لصالح قناتين سعوديتين بارزتين، ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول الجهة المستفيدة من إسكات عيضة، وطبيعة الرسائل التي أرادت العملية إيصالها داخل حضرموت، وفي عموم المحافظات الجنوبية.

كما لا يمكن فصل الحادثة عن سياق الصراع المحتدم بين أدوات النفوذ السعودي والإماراتي في جنوب وشرق اليمن، حيث تحولت محافظات مثل حضرموت وعدن وشبوة إلى ساحات تنازع نفوذ بين فصائل متعددة الولاء، تتقاسم السلطة والسلاح والقرار، فيما يدفع المواطنون والإعلاميون والكوادر المحلية ثمن هذا الصراع المفتوح.

وبينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية حتى الآن، فإن طريقة التنفيذ عبر زرع عبوة ناسفة في السيارة تشير إلى عملية رصد وتخطيط مسبق، وليست حادثاً عابراً أو انفجاراً عشوائياً، الأمر الذي يعزز فرضية الاغتيال المنظم ضمن مسلسل التصفيات الذي تشهده مناطق سيطرة التحالف.

وتكشف الجريمة مجدداً حجم الفوضى التي أنتجها الاحتلال غير المباشر للمحافظات الجنوبية عبر الوكلاء المحليين، حيث بات الأمن موزعاً بين تشكيلات متنازعة، والقرار مرتهناً للخارج، والشارع مفتوحاً أمام العبوات الناسفة والاغتيالات والاختراقات الأمنية.

وفي الوقت الذي تسارع فيه سلطات المكلا عادة إلى إطلاق وعود التحقيق، تبقى الأسئلة الأهم قائمة: من زرع العبوة؟ ومن وفر المعلومات عن تحركات الصحفي؟ ولماذا تتكرر عمليات الاغتيال في مناطق يفترض أنها خاضعة لإجراءات أمنية مشددة؟ ومن المستفيد من إبقاء حضرموت في دائرة الفوضى والتصفية؟

إن اغتيال محمد عيضة لا يمثل حادثة أمنية منفصلة، بل يعكس عمق الأزمة التي تعيشها المناطق الواقعة تحت سيطرة تحالف العدوان ومرتزقته، حيث تتحول الخلافات السياسية وصراعات النفوذ إلى دماء في الشوارع، فيما تفشل الفصائل المتعددة في تقديم نموذج أمني قادر على حماية حتى العاملين في المجال الإعلامي.

وبذلك، يضع اغتيال مراسل “العربية والحدث” في المكلا الفصائل الموالية للسعودية والإمارات أمام مسؤولية مباشرة، لا باعتبارها متهمة قبل نتائج التحقيق، بل باعتبارها السلطة القائمة على الأرض، والمسؤولة عن حماية المدنيين والصحفيين ومنع تحول المدن الجنوبية إلى مسرح دائم للعبوات والاغتيالات.

زلزالان عنيفان يضربان فنزويلا.. 32 قتيلاً و700 مصاب وحالة طوارئ شاملة في البلاد

أعلنت ديلسي رودريغيز، رئيسة فنزويلا بالوكالة، حالة الطوارئ في البلاد عقب زلزالين قويين ضربا شمال ووسط فنزويلا، وأوقعا، وفق آخر حصيلة معلنة، 32 قتيلاً و700 مصاب، إلى جانب أضرار جسيمة في العاصمة كاراكاس وعدد من المناطق القريبة من الساحل الكاريبي.

وقالت رودريغيز، في كلمة متلفزة، إن زلزالين بلغت قوتهما 7.2 و7.5 درجات أعقبتهما نحو 20 هزة ارتدادية، تسببا بانهيار عدد من المباني في كاراكاس وإغلاق مطار “مايكيتيا” الدولي، المعروف أيضاً باسم مطار سيمون بوليفار، بسبب “أضرار جسيمة في البنية التحتية”.

وبحسب بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، وقع الزلزالان خلال أقل من دقيقة في موقعين تفصل بينهما مسافة تقارب 45 كيلومتراً، قرب منطقة مورون على الساحل الكاريبي، غرب العاصمة كاراكاس. ووقع أحدهما على عمق ضحل يقارب 13 كيلومتراً، ما ضاعف تأثيره على المباني والبنية التحتية، وجعل الهزة محسوسة بقوة في مناطق واسعة، بما فيها كولومبيا المجاورة.

وشهدت كاراكاس حالة واسعة من الهلع، حيث خرج السكان إلى الشوارع والساحات المفتوحة خشية انهيار المباني أو وقوع هزات ارتدادية جديدة. وأظهرت مشاهد من العاصمة انهيار جدران كاملة في بعض المباني، وظهور الأثاث من الشارع، إلى جانب سحب غبار في أحياء مزدحمة بالمطاعم والمحال التجارية.

وقال وزير الداخلية الفنزويلي ديوسدادو كابيو إن الزلزال شعر به السكان في ولايات عدة، مشيراً إلى أن حي ألتاميرا في كاراكاس شهد “أوضاعاً مقلقة” مع انهيار منازل ومبانٍ. وحث المواطنين على البقاء خارج المباني المتضررة أو الهشة، محذراً من أن الهزات الارتدادية قد تسبب مزيداً من الأضرار في المنشآت الضعيفة.

وأكد كابيو، عبر التلفزيون الرسمي، أن السلطات تتحرك وفق الإجراءات المعتمدة لتفعيل جهود الإغاثة والإنقاذ ومساعدة المتضررين، داعياً السكان إلى توخي الحذر، خصوصاً مع الأطفال وكبار السن، والتواصل فيما بينهم للتأكد من سلامة العائلات والجيران.

وتسببت الكارثة في حالة استنفار واسعة داخل العاصمة، مع انتشار سيارات الإسعاف والإطفاء والدفاع المدني في الشوارع، وتسجيل انقطاعات في الكهرباء والاتصالات والإنترنت في مناطق متفرقة، فيما تواصل فرق الإنقاذ البحث تحت الأنقاض وفحص المباني المتضررة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا خلال الساعات المقبلة.

وفي موازاة الاستنفار الداخلي، عرضت الولايات المتحدة والسلفادور والبرازيل وجمهورية الدومينيكان ودول أخرى تقديم المساعدة لفنزويلا. وقالت وزارة الخارجية الأميركية إنها شكلت فريقاً لإدارة الأزمة، وتنسق مع الحكومة الفنزويلية لإرسال فرق بحث وإنقاذ، إلى جانب مساعدات إنسانية وطبية.

كما أعلن رئيس السلفادور نجيب بوكيلي، عبر منصة “إكس”، أن 300 من عناصر الإنقاذ والكوادر الطبية، إضافة إلى 50 طناً من المساعدات، ستتوجه إلى العاصمة الفنزويلية كاراكاس. من جانبه، أعلن رئيس جمهورية الدومينيكان لويس أبي نادر أن فرقاً عسكرية متخصصة في البحث والإنقاذ ستغادر إلى فنزويلا صباح الخميس.

وتكمن خطورة الزلزالين في تزامن عاملين رئيسيين: القوة الكبيرة والعمق الضحل. فالزلازل الضحلة عادة ما تكون أكثر تدميراً للبنية العمرانية، خصوصاً إذا وقعت قرب مدن كبرى ومناطق مأهولة، كما حدث في محيط كاراكاس وفالنسيا ومورون.

وامتد تأثير الهزات إلى خارج فنزويلا، إذ شعر بها سكان في كولومبيا، فيما أصدر مركز التحذير من موجات تسونامي في المحيط الهادئ تحذيرات أولية لـ جزر فيرجن، وأصدرت سلطات جمهورية الدومينيكان تحذيراً مماثلاً، بينما رُفع سريعاً تحذير كان قد صدر لـ بورتوريكو بعد متابعة تطورات مستوى الخطر البحري.

ويعد هذان الزلزالان من بين الأقوى التي تضرب فنزويلا منذ أكثر من قرن، ما يعيد إلى الواجهة هشاشة بعض البنى العمرانية في البلاد أمام النشاط الزلزالي، خصوصاً أن شمال فنزويلا يقع ضمن نطاق تكتوني نشط قرب البحر الكاريبي.

وفي انتظار اكتمال عمليات الإنقاذ والتقييم، تبقى فنزويلا أمام ساعات حاسمة، مع استمرار مراقبة الهزات الارتدادية، وفحص المباني، وإعادة تقييم سلامة المطار والبنية التحتية، وسط مخاوف من أن تكشف الساعات المقبلة عن خسائر بشرية ومادية أكبر من الحصيلة المعلنة حتى الآن.

اللجنة السعودية تدير حرباً إعلامية ضد صنعاء.. حملات تسييس وتضخيم بالتزامن مع معركة كسر الحصار

اللجنة السعودية تدير حرباً إعلامية ضد صنعاء.. حملات تسييس وتضخيم بالتزامن مع معركة كسر الحصار

كشف الصحفي الجنوبي حسين حنشي عن كواليس ما وصفه بإدارة “اللجنة الخاصة السعودية” لحملة سياسية وإعلامية ممنهجة ضد صنعاء، بالتزامن مع إعلان التعبئة العامة وارتفاع وتيرة التحركات الشعبية والرسمية لكسر الحصار وانتزاع الحقوق.

وأوضح حنشي، في تسجيل مرئي بثه على منصة “إكس”، أن اللجنة السعودية تعمل على صناعة وتضخيم قضايا رأي عام، وتسييس ملفات مجتمعية وأخلاقية، بهدف رفع منسوب السخط الشعبي ضد صنعاء، ومحاولة خلخلة الجبهة الداخلية في توقيت حساس يشهد تصاعداً في خطاب صنعاء ضد استمرار الحصار والمماطلة السعودية.

وأشار الصحفي الجنوبي إلى أن الحملة تستغل قضايا مثل “الشيخ بن فدغم” و”سمية الزبيري”، وتدفع بوسوم موجهة من قبيل “الحوثي يجوع اليمنيين”، في محاولة لتوجيه الرأي العام بعيداً عن أصل الأزمة المتمثل في الحصار والحرب الاقتصادية التي يديرها تحالف العدوان، وتحويل الغضب الشعبي من المتسبب الحقيقي إلى ساحة صنعاء.

وتكشف هذه المعطيات، وفق مراقبين، أن الرياض لم تعد تكتفي بإدارة أدواتها السياسية والعسكرية في المحافظات المحتلة، بل انتقلت إلى تفعيل غرف إعلامية ونفسية تستهدف وعي الشارع اليمني، خصوصاً مع فشلها في كسر موقف صنعاء عسكرياً وسياسياً، ومع تصاعد الدعوات الشعبية والقبلية لإنهاء الحصار واستعادة الثروات وصرف المرتبات.

وفي السياق الميداني، قلل حنشي من خطورة المواجهات الأخيرة في جبهة الضالع، واصفاً إياها بأنها مناوشات اعتيادية، مؤكداً أن الإعلام السعودي يتعمد تضخيمها لمحاولة تجييش الجنوبيين نحو خطوط النار، وخدمة أجندة الرياض عبر تصوير المعركة زيفاً بأنها “جنوبية – حوثية”.

وشدد حنشي على أن حقيقة المواجهة ليست جنوبية ضد صنعاء، بل هي مواجهة مباشرة بين السعودية وصنعاء، ولا علاقة للجنوبيين بها، في إشارة إلى محاولة الرياض استخدام أبناء الجنوب وقوداً لمعاركها، بعد سنوات من الفشل في تحقيق أهدافها عبر أدواتها المحلية.

وتأتي تصريحات حنشي في لحظة سياسية شديدة الحساسية، حيث ترفع صنعاء سقف خطابها بشأن كسر الحصار، فتح المطار، رفع القيود عن الواردات، استعادة الثروات، وإنهاء الاحتلال، بينما تتحرك الرياض على أكثر من مسار لمحاولة احتواء التصعيد، تارة عبر الوسطاء، وتارة عبر الإعلام، وتارة عبر تحريك الجبهات الهامشية.

وتعكس هذه الحملات، بحسب قراءة سياسية، حجم القلق السعودي من تماسك الجبهة الداخلية في صنعاء والمحافظات الحرة، ومن تحول التعبئة العامة إلى قوة ضغط سياسية وميدانية قادرة على فرض معادلة جديدة. فبدلاً من الذهاب نحو تنفيذ استحقاقات السلام ورفع الحصار، تحاول الرياض الهروب إلى الحرب الإعلامية وتفخيخ الوعي الشعبي.

كما تكشف محاولة تصوير المعركة بأنها “جنوبية – حوثية” عن مسعى سعودي قديم لإعادة إنتاج الانقسام اليمني، واستخدام الجنوب كساحة استنزاف، بينما تبقى الرياض في الخلفية تدير المشهد وتتحكم بالمسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية. غير أن صدور هذه الشهادة من صحفي جنوبي يضع هذه الرواية أمام انكشاف جديد، ويؤكد أن كثيراً من أبناء الجنوب باتوا يدركون طبيعة الدور السعودي في إدارة الصراع.

وبذلك، لا تبدو الحملات الإعلامية الأخيرة منفصلة عن السياق العام، بل جزءاً من معركة أوسع تخوضها الرياض ضد صنعاء مع اقتراب مرحلة كسر الحصار. فكلما ارتفع الضغط الشعبي والعسكري والسياسي على تحالف العدوان، لجأت أدواته إلى تضخيم الملفات، وصناعة الترندات، وتحريك الجبهات، ومحاولة تفكيك الوعي اليمني.

وفي المحصلة، تكشف تصريحات حنشي أن السعودية تخوض اليوم معركة مزدوجة: معركة ميدانية تخشى توسعها، ومعركة إعلامية تحاول عبرها احتواء آثارها. أما صنعاء، فتبدو أكثر وضوحاً في تحديد جوهر الصراع: لا مشكلة مع الجنوب ولا مع أبنائه، بل مع الاحتلال والحصار والوصاية السعودية التي تسعى إلى إبقاء اليمن ممزقاً ومنهوباً وتابعاً.

صنعاء تحذر من التمدد الإسرائيلي في أرض الصومال: أمن اليمن والقرن الأفريقي خط أحمر

صنعاء تحذر من التمدد الإسرائيلي في أرض الصومال: أمن اليمن والقرن الأفريقي خط أحمر

حذرت صنعاء من خطورة التحركات الإسرائيلية المتصاعدة في منطقة القرن الأفريقي، مؤكدة أن ما يجري في أرض الصومال لا يمثل شأناً محلياً معزولاً، بل يأتي ضمن مشروع أوسع يستهدف أمن اليمن والمنطقة، ويمهد لتحويل البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب إلى ساحات نفوذ وصراع تخدم الاحتلال الإسرائيلي والقوى الراعية له.

وأكد نائب وزير خارجية صنعاء، عبد الواحد أبو رأس، أن “أمن اليمن والمنطقة خط أحمر”، محذراً من أن تجاهل التحركات الإسرائيلية في القرن الأفريقي ستكون له كلفة باهظة، خصوصاً في ظل محاولات الاحتلال تثبيت موطئ قدم له في مناطق حساسة ومطلة على أهم الممرات البحرية في المنطقة.

وأوضح أبو رأس أن صنعاء تراقب ما وصفه بـ “الأنشطة الصهيونية” في مناطق هرجيسا وبربرة، لافتاً إلى وجود أطراف محلية تسعى لتحويل تلك المناطق إلى منصات عمليات دولية تُدار من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وعلى حساب الشعب الصومالي ووحدة بلاده وسيادته.

وشدد نائب وزير الخارجية على أن هذه التحركات تهدف إلى تفكيك وحدة الصومال وتحويل أراضيه إلى بؤرة صراع إقليمي ودولي، بما يخدم مصالح قوى خارجية تسعى لإعادة تشكيل جغرافيا القرن الأفريقي وفق حسابات عسكرية وأمنية مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.

وحذر أبو رأس من أن تداعيات هذا المشروع لن تتوقف عند الداخل الصومالي، بل ستمتد إلى عموم المنطقة، لأن التموضع الإسرائيلي في أرض الصومال يضع اليمن والبحر الأحمر وخليج عدن أمام تهديد مباشر، ويفتح الباب أمام تصعيد خطير في واحدة من أكثر المناطق حساسية للملاحة الدولية والأمن الإقليمي.

وقال إن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى تثبيت موطئ قدم له في قلب القرن الأفريقي “على حساب دماء ومقدرات الشعب الصومالي”، مؤكداً أن هذا المشروع يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الإقليمي، وقد يقود إلى انفجار واسع إذا استمرت الأطراف المتورطة في تجاهل مخاطره.

وتأتي تحذيرات صنعاء بعد تقارير إعلامية أجنبية كشفت عن إرسال الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 50 جندياً إلى قاعدة أمنية في أرض الصومال، عقب اعتراف الاحتلال بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة نهاية ديسمبر الماضي، في خطوة قرأتها صنعاء باعتبارها مؤشراً خطيراً على محاولة تحويل المنطقة إلى قاعدة متقدمة لتهديد اليمن وممرات البحر الأحمر.

وأكد نائب وزير خارجية صنعاء أن اليمن يمتلك الإرادة والقدرة على حماية أمنه الاستراتيجي، وأنه مستعد للتعاون مع مختلف الأطراف من أجل استقرار المنطقة وسلامة شعوبها، لكنه لن يقف متفرجاً أمام أي تحركات تستهدف أمنه أو تهدد وحدة الصومال أو تجعل القرن الأفريقي منصة للعدوان الإسرائيلي.

وتكشف هذه التحذيرات أن صنعاء تنظر إلى التمدد الإسرائيلي في أرض الصومال باعتباره جزءاً من معركة أوسع على البحر الأحمر وباب المندب، لا مجرد تحرك سياسي أو أمني محدود. فتموضع الاحتلال في هذه المنطقة يعني محاولة تطويق اليمن من خاصرته البحرية، وخلق واقع استخباراتي وعسكري جديد يخدم المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة.

قاليباف: لا أمن بالقواعد الأمريكية ولا سلام على حساب فلسطين وتفاهمات إسلام آباد إعلان فشل لأمريكا

قاليباف

رسم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال اجتماع اتحاد البرلمانات الإسلامية، ملامح مرحلة إقليمية جديدة تقوم على قاعدة واضحة: أمن المنطقة لا يُستورد من الخارج، ولا يُبنى على القواعد الأجنبية، ولا يتحقق بإضعاف دولة لمصلحة أخرى. وجاءت تصريحاته في سياق سياسي شديد الحساسية، بعد الحرب العدوانية على إيران، ودخول التفاهمات الإقليمية مساراً جديداً شمل لبنان، هرمز، وفلسطين.

وأكد قاليباف أن طهران تمد يد الأخوة والتعاون إلى جميع دول المنطقة، وتبدي استعدادها لإبرام اتفاقيات أمنية مع مختلف الدول، على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة، مشدداً على أن أمن أي طرف لا يجوز أن يقوم على انعدام أمن الآخرين.

وفي موقف لافت، ربط قاليباف بين أمن إيران وأمن لبنان، مؤكداً أن وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في لبنان مهمان لإيران بنفس أهمية وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب على إيران. وهذه العبارة تعكس مركزية لبنان في الحسابات الإيرانية، وتؤكد أن معادلة المقاومة لم تعد تقبل عزل الساحات أو ترك لبنان تحت ضغط العدوان الإسرائيلي.

وشدد رئيس البرلمان الإيراني على أن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية أو دبلوماسية، بل قضية حق وعدالة وهوية، محذراً من أن أي سلام مبني على الظلم سيؤدي إلى انعدام أمن واسع النطاق. وبهذا الموقف، أعاد قاليباف التأكيد أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يقوم فوق جراح الشعب الفلسطيني، ولا عبر تجاوز حقوقه أو تكريس الاحتلال.

وتحدث قاليباف عن الحرب العدوانية التي استهدفت إيران على مدى 40 يوماً، واصفاً إياها بأنها “عمل إجرامي” لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل محاولة منظمة لتغيير موازين المنطقة الاستراتيجية وفرض الإرادة على شعب حر. وأكد أن العدو ظن أنه يستطيع إجبار الشعب الإيراني على التراجع عبر الضغط العسكري والحصار والإجراءات الإرهابية، لكن النتائج جاءت مناقضة تماماً لحساباته.

وقال قاليباف إن الشعب الإيراني أثبت أن زمن فرض الإرادة على الشعوب المستقلة قد انتهى، وأن الحرب المفروضة كشفت حقيقة أساسية مفادها أن مقاومة الشعوب وصمودها يمثلان القوة الحقيقية التي تربك حسابات المعتدين، وتسقط مشاريعهم مهما امتلكوا من أدوات عسكرية وإعلامية وسياسية.

وفي قراءته للنتائج السياسية للحرب، أكد قاليباف أن السلام المستدام لا ينتج عن الاستسلام والضغط والذل، بل يتحقق عبر الاقتدار والعزة والاحترام. واعتبر أن انتصار الشعب الإيراني يوجه رسالة مهمة إلى مسلمي العالم، مفادها أن حفظ الاستقلال والعزة الوطنية مرهون بالإيمان، وبالتمسك بتعاليم الإسلام الإنسانية والبنّاءة، وبالاستناد إلى إرادة الشعوب لا إلى وعود القوى الكبرى.

كما شدد على أن الدبلوماسية لا تكون مستدامة وفاعلة إلا عندما تقوم على الاحترام والمساواة والاعتراف بحقوق الدول، وتستند إلى دعم الشعوب. ومن هذا المنطلق، وصف تفاهم إسلام آباد بأنه لم يكن نتيجة ضغط أو إكراه، بل ثمرة مقاومة واقتدار الشعب الإيراني الشجاع.

واعتبر قاليباف أن تفاهم إسلام آباد أظهر أن الحوار لا يصل إلى نتيجة إلا عندما يتخلى الطرف المقابل عن محاولة فرض إرادته على شعب متمدّن، ويعترف بحقوقه. ولهذا رأى أن المذكرة تحولت إلى “إعلان فشل لأمريكا”، لأنها كشفت أن واشنطن لم تستطع تحقيق أهدافها عبر الحرب والضغط، واضطرت إلى العودة نحو التفاهم من موقع الاعتراف بقوة إيران وصمودها.

وفي البعد الاستراتيجي، أكد قاليباف أن إيران تعتبر خروج القوات العسكرية الأجنبية من المنطقة هدفاً استراتيجياً، مشدداً على أن التجربة أثبتت أن القواعد الأجنبية لم تصنع أمناً مستداماً، بل كانت مصدر اضطراب وتوتر وعدم استقرار. وهذه الرسالة موجهة بوضوح إلى دول المنطقة التي ربطت أمنها طويلاً بالمظلة الأمريكية، فإذا بها تكتشف أن الوجود الأجنبي لا يحمي السيادة، بل يحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة.

وبذلك، قدم قاليباف رؤية إيرانية متكاملة لمرحلة ما بعد الحرب: لا أمن مع الاحتلال، لا استقرار مع القواعد الأجنبية، لا سلام فوق الظلم الفلسطيني، ولا تفاهم حقيقياً دون الاعتراف بحقوق الشعوب المستقلة. وهي رؤية تضع المنطقة أمام خيارين واضحين: إما بناء أمن جماعي بين دولها على أساس السيادة وعدم التدخل، أو البقاء رهينة للمشاريع الأمريكية التي أثبتت الحروب أنها لا تنتج إلا الفوضى.

وتؤكد تصريحات قاليباف أن إيران خرجت من الحرب وهي تسعى إلى تحويل صمودها العسكري والسياسي إلى مشروع إقليمي أوسع، عنوانه أمن المنطقة لأهلها، ودعم لبنان وفلسطين، وإسقاط معادلة الابتزاز والهيمنة. أما الرسالة الأبرز فهي أن الحرب التي أُريد لها أن تكسر إيران، انتهت إلى تثبيت حضورها كقوة مركزية في رسم مستقبل المنطقة.

تمرّد داخل واشنطن على حرب ترامب: مجلس الشيوخ يصوّت ضد التصعيد مع إيران وترامب يهاجم القرار

مجلس الشيوخ الأمريكي

دخلت الحرب الأمريكية على إيران مرحلة سياسية أكثر تعقيداً داخل واشنطن، بعدما صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي على قرار يستهدف إنهاء أو تقييد العمليات العسكرية التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب ضد الجمهورية الإسلامية، في خطوة عكست اتساع الشرخ داخل المؤسسة الأمريكية بين البيت الأبيض من جهة، والكونغرس من جهة أخرى، بشأن كلفة الحرب وجدواها وحدود صلاحيات الرئيس في إشعال المواجهات الخارجية.

وجاء التصويت بعد تصاعد الانتقادات داخل الولايات المتحدة للحرب التي يصفها الديمقراطيون، وعدد من الجمهوريين، بأنها “مكلفة وغير ضرورية ومدمرة”، فيما يحاول ترامب التقليل من أهمية القرار، واعتباره تحركاً سياسياً عديم التأثير، في وقت تبدو فيه إدارته واقعة بين ضغط الميدان، وتراجع المزاج الداخلي الأمريكي، ومخاوف الحلفاء من تداعيات استمرار التصعيد مع إيران ومحور المقاومة.

وقال زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر إن الكونغرس “صوّت اليوم لإنهاء حرب ترامب المكلفة وغير الضرورية والمدمرة مع إيران”، في تصريح يعكس انتقال معارضة الحرب من مستوى الخطاب الحزبي إلى مستوى الفعل البرلماني، بعد أن وجد خصوم ترامب في قانون صلاحيات الحرب أداة دستورية لمحاصرته سياسياً، والتأكيد أن قرار الحرب لا يجب أن يبقى حكراً على البيت الأبيض.

تصريح شومر لم يكن مجرد موقف انتخابي، بل حمل إدانة مباشرة لسياسة ترامب الخارجية، إذ سعى إلى تصوير الحرب على إيران باعتبارها “مغامرة شخصية أُطلقت خارج الإجماع الوطني”، وبدون حساب دقيق للكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية. ومن خلال وصفها بـ “حرب ترامب”، يحاول الديمقراطيون تحميل الرئيس كامل المسؤولية عن نتائجها، وفصل المؤسسة التشريعية عن تبعاتها أمام الرأي العام الأمريكي.

في المقابل، رد ترامب بعنف سياسي واضح، واعتبر أن مجلس الشيوخ أجرى “تصويتاً عديم الجدوى وسيئ التوقيت بشأن قانون صلاحيات الحرب”، في محاولة لنزع القيمة العملية عن القرار، والتأكيد أن إدارته لا تزال تمسك بملف إيران، سواء في المسار العسكري أو في أي ترتيبات تفاوضية لاحقة. لكن هذا الرد يكشف، في الوقت نفسه، حساسية البيت الأبيض من تحوّل الحرب إلى عبء داخلي، ومن تشكل معارضة عابرة للحزبين داخل الكونغرس.

وتكمن أهمية التصويت في أنه جاء كرسالة سياسية مزدوجة: الأولى موجهة إلى ترامب، ومفادها أن تفويض الحرب لم يعد مفتوحاً بلا سقف؛ والثانية موجهة إلى إيران والمنطقة، ومضمونها أن واشنطن نفسها لم تعد موحدة خلف خيار التصعيد، وأن جزءاً من المؤسسة الأمريكية بات يرى أن الاستمرار في المواجهة يهدد المصالح الأمريكية أكثر مما يخدمها.

كما أن استخدام قانون صلاحيات الحرب في هذا التوقيت يعيد فتح النقاش الدستوري القديم في الولايات المتحدة حول من يملك قرار الحرب: الرئيس أم الكونغرس؟ فترامب يتصرف بمنطق القائد الأعلى الذي يرى أن له صلاحية التحرك العسكري السريع، بينما يحاول الكونغرس استعادة دوره الدستوري في إعلان الحرب أو وقفها، خصوصاً عندما تتحول العمليات إلى مواجهة طويلة ومكلفة مع دولة إقليمية كبرى مثل إيران.

ومن زاوية محور المقاومة، يحمل التصويت دلالة عميقة؛ فهو لا يعكس فقط خلافاً حزبياً أمريكياً، بل يكشف أثر الصمود الإيراني وتماسك الجبهات المساندة في تحويل الحرب من أداة ضغط على طهران إلى أزمة ضغط داخل واشنطن. فحين تصل المؤسسة الأمريكية إلى مرحلة التصويت على وقف الحرب، فهذا يعني أن كلفة المواجهة بدأت ترتد على صاحب القرار، وأن المعادلة التي أرادها ترامب لكسر إيران بدأت تتحول إلى مأزق سياسي داخلي.

ويأتي ذلك في ظل قلق أمريكي وإسرائيلي متزايد من أن يؤدي أي تراجع في الحرب إلى تكريس مكاسب إيران ومحور المقاومة، خصوصاً إذا ارتبط المسار السياسي بملفات مثل وقف الحرب في لبنان، وتحرير الأموال الإيرانية المجمدة، وتخفيف العقوبات النفطية، والاعتراف العملي بحقوق إيران النووية والدفاعية. ولذلك يبدو الكيان الإسرائيلي الأكثر انزعاجاً من أي قرار أمريكي يحدّ من استمرار التصعيد، لأنه يدرك أن توقف الحرب يعني سقوط رهان الاستنزاف.

أما على المستوى الأمريكي الداخلي، فإن التصويت يمنح خصوم ترامب مادة قوية لمهاجمته قبل أي استحقاقات سياسية مقبلة، لأنه يضع الحرب في خانة الفشل المكلف، ويجعلها عنواناً للنقاش حول أسعار الطاقة، والإنفاق العسكري، والخسائر، وتراجع الثقة في قرارات البيت الأبيض. كما أن انضمام بعض الجمهوريين إلى هذا المسار يعكس أن الاعتراض لم يعد محصوراً في المعارضة الديمقراطية، بل بدأ يتسلل إلى داخل المعسكر الجمهوري نفسه.

ومع أن القرار لا يعني بالضرورة وقفاً فورياً للحرب، إلا أنه يمثل ضربة سياسية ومعنوية لإدارة ترامب، لأنه يسحب منها غطاء الإجماع، ويضعها أمام سؤال بالغ الحساسية: هل تستطيع الاستمرار في حرب يرفضها جزء من الكونغرس والرأي العام، وتزداد كلفتها الميدانية والسياسية يوماً بعد آخر؟

في المحصلة، يكشف تصويت مجلس الشيوخ أن الحرب على إيران لم تعد مجرد مواجهة خارجية، بل تحولت إلى أزمة داخل النظام الأمريكي نفسه. فترامب الذي أراد فرض معادلة النار على طهران، يجد نفسه اليوم أمام معادلة ضغط في واشنطن؛ والكونغرس الذي تحرك تحت عنوان صلاحيات الحرب، وجّه رسالة واضحة بأن استمرار العدوان لم يعد قراراً سهلاً ولا مجانياً.

وبين هجوم ترامب على التصويت، واعتبار شومر أنه خطوة لإنهاء الحرب، تظهر الحقيقة الأهم: إيران لم تُحاصر وحدها، بل نجحت في جرّ الحرب إلى قلب المعركة السياسية الأمريكية.

لجنة التحقيق الأممية: “إسرائيل” تواصل ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية للأطفال الفلسطينيين

كشف تقرير جديد للجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة عن واحدة من أخطر صور الإبادة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، مؤكداً أن الجرائم المرتكبة بحق الأطفال منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لا تقتصر على القتل المباشر، بل تمتد إلى محاولة منظمة لتدمير المستقبل الفلسطيني عبر استهداف أجياله الناشئة.

التقرير الأممي، الذي عُرض في جنيف ضمن أعمال مجلس حقوق الإنسان، يضع جرائم الاحتلال في إطارها الأوسع: استهداف الطفل الفلسطيني بوصفه امتداداً للهوية والوجود والبقاء. فالمسألة، وفق ما خلصت إليه اللجنة، ليست مجرد سقوط أطفال تحت القصف، بل نمط متكرر من القتل والإصابة والتجويع والحرمان والتعذيب وتدمير التعليم والرعاية الصحية، بما يعكس سياسة ممنهجة تمس حق الشعب الفلسطيني في الحياة وتقرير المصير.

وقال رئيس اللجنة، سرينيفاسان موراليدار، إن التقرير، الواقع في 100 صفحة، يوثق الانتهاكات التي ارتكبتها سلطات الاحتلال وقواته ضد الأطفال الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومارس/آذار 2026، مستنداً إلى شهادات وأدلة وتحقيقات ميدانية ومراجعات طبية وتحليلات جنائية واستشارات مع خبراء مستقلين.

وأكد موراليدار أن اللجنة توصلت إلى “أدلة لا يمكن دحضها” بشأن قتل متعمد واستهداف مباشر للأطفال الفلسطينيين، إضافة إلى التعذيب والمعاملة اللاإنسانية والعنف الجنسي والاحتجاز القسري. وبحسب التقرير، فقد قتل الاحتلال أكثر من 20 ألف طفل فلسطيني، وأصاب أكثر من 44 ألفاً آخرين بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025، فيما تشير بيانات فلسطينية إلى أن عدد الأطفال الشهداء تجاوز 21 ألف طفل منذ بدء حرب الإبادة على غزة.

وتكمن خطورة التقرير في أنه لا يتحدث عن أرقام فقط، بل عن نية وسلوك ومنهج. فقد وثقت اللجنة نمطين رئيسيين لقتل الأطفال: الأول عبر القصف الجوي باستخدام ذخائر واسعة التأثير تدمر البيوت والملاجئ والمربعات السكنية فوق رؤوس ساكنيها، والثاني عبر إطلاق النار المباشر بواسطة القناصة والطائرات المسيّرة، ولا سيما استهداف الرأس والأجزاء العلوية من الجسم، وهو ما اعتبرته اللجنة دليلاً على الطابع المتعمد لهذه الجرائم.

كما اعتبرت اللجنة أن “الاستهداف المتعمد للأطفال” يمثل أحد العناصر الرئيسية التي تثبت نية الإبادة الجماعية، لأن الطفل هنا لا يُستهدف كضحية فردية فقط، بل كجزء من محاولة أوسع لتدمير الجماعة الفلسطينية كلياً أو جزئياً، عبر ضرب حاضرها ومستقبلها وقدرتها على الاستمرار.

ولم تتوقف جرائم الاحتلال عند القتل المباشر. فقد كشف التقرير أن أكثر من 58 ألف طفل فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، في مأساة اجتماعية مفتوحة ستترك آثارها على أجيال كاملة. كما تعرض النظام التعليمي الفلسطيني لتدمير واسع، إذ تضررت أو دُمرت نحو 97% من المدارس في غزة، وتأثرت 95% من الجامعات، بينما دُمرت 22 جامعة بشكل كامل، في ما وصفته اللجنة بأنه استهداف ممنهج لحق الأطفال والشباب في التعليم.

هذا التدمير الشامل للتعليم لا يمكن فصله عن مشروع الاحتلال الأوسع. فحين تُقصف المدارس والجامعات، لا يُستهدف الحجر وحده، بل يُستهدف وعي الجيل الفلسطيني وقدرته على التعلم والبناء والنهوض. إنها حرب على الذاكرة والمعرفة، وعلى كل ما يمكن أن يصنع مستقبلاً فلسطينياً مستقلاً.

وفي الجانب الإنساني، أشار التقرير إلى أن سياسات الحصار والتجويع تسببت بوفاة 151 طفلاً بسبب سوء التغذية حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025، فضلاً عن آلاف الإصابات الخطيرة وحالات البتر بين الأطفال خلال الأشهر الأولى للحرب. كما أكدت اللجنة أن استخدام التجويع كسلاح، ومنع الغذاء والرعاية الطبية، وتدمير مراكز رعاية الأمومة والأطفال حديثي الولادة، أدى إلى وفيات كان يمكن تجنبها، وإلى آثار نفسية وجسدية طويلة الأمد.

وتطرقت اللجنة إلى ما وصفته بـ “العنف الإنجابي”، مؤكدة أن الظروف المعيشية التي فرضها الاحتلال في غزة ألحقت أضراراً مباشرة بالأطفال حديثي الولادة وبالصحة الإنجابية للفلسطينيين، وأسهمت في ارتفاع معدلات الإجهاض والعيوب الخلقية، بما يهدد “المستقبل الإنجابي للفلسطينيين”. وهذا البعد يمنح التقرير ثقله الأخطر، لأنه يكشف أن جريمة الاحتلال لا تستهدف من يعيشون اليوم فقط، بل تمتد إلى من لم يولدوا بعد.

وفي ملف الاعتقال، وثقت اللجنة تعرض أطفال فلسطينيين داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية للتعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي والاحتجاز دون الكشف عن أماكن وجودهم، معتبرة أن هذه الممارسات ليست حوادث فردية، بل جزء من نمط طويل الأمد يهدف إلى الإذلال وقمع الوجود الفلسطيني، وتحويل الطفولة الفلسطينية إلى مساحة دائمة للخوف والانكسار.

ووصف عضو اللجنة كريس سيدوتي التقرير بأنه الأصعب بين 17 تقريراً أعدتها اللجنة منذ تأسيسها، مستعرضاً نماذج صادمة، منها طفلة فلسطينية كانت تعاني مرض السيلياك، منعها الحصار من الحصول على الغذاء المناسب والرعاية اللازمة، قبل أن تتوفى نتيجة سوء التغذية الحاد بعد رفض طلب إجلائها طبياً من غزة. كما عرض حالة فتى يبلغ 14 عاماً في الضفة الغربية، أُصيب برصاص قوة إسرائيلية قرب منزله في مخيم بطوباس، ثم مُنعت والدته وطواقم الإسعاف من الوصول إليه حتى نزف وفارق الحياة.

هذه الوقائع الفردية، على قسوتها، ليست سوى نماذج من جريمة أكبر. فالاحتلال لا يقتل الأطفال فقط؛ بل يمنع الإسعاف، يحتجز الجثامين، يدمر المدارس، يجوّع الرضع، يعذب المعتقلين، ويحوّل الحياة اليومية الفلسطينية إلى معركة بقاء مفتوحة.

وفي خطوة متقدمة نحو المساءلة، أعلنت اللجنة أنها تمتلك قائمة بأسماء ألوية ووحدات عسكرية إسرائيلية محددة يُعتقد أنها مسؤولة مباشرة عن مقتل أطفال في حوادث موثقة في غزة والضفة الغربية. وقال سيدوتي: “نحن نعرف هذه الوحدات.. أفعال السلطات الإسرائيلية انتهكت كل القواعد الدولية، وتجب محاسبتها”، في إشارة واضحة إلى أن مسار التوثيق لم يعد عاماً، بل بات يقترب من تحديد المسؤوليات المباشرة.

وتقاطعت نتائج التقرير مع تحذيرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف“، التي وصفت الهدنة الحالية بأنها “وهم قاتل”، مؤكدة مقتل 265 طفلاً منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، معظمهم في غارات جوية وقصف بطائرات مسيّرة إسرائيلية. وهذا يعني أن الاحتلال لم يوقف جرائمه حتى تحت عنوان التهدئة، بل واصل استهداف الأطفال بأدوات مختلفة.

ورحبت حركة المقاومة الإسلامية حماس بالتقرير، معتبرة أنه “جزء من تثبيت الحقائق” بشأن جرائم الاحتلال، ومؤكدة أن الوقائع المصورة والشهادات الميدانية تكشف زيف ادعاءات الاحتلال بشأن استخدام المدنيين دروعاً بشرية. وشددت الحركة على أن جيش الاحتلال هو من تعمد قصف المربعات السكنية ومراكز الإيواء فوق رؤوس ساكنيها، مطالبة بمحاكمة الاحتلال على جرائم الإبادة والتطهير العرقي.

في المقابل، حاول الاحتلال رفض التقرير وهاجم اللجنة الأممية، واصفاً خلاصاتها بأنها “تشهيرية”، في محاولة مألوفة للهروب من المسؤولية عبر اتهام المحققين الدوليين وتكرار مزاعم استخدام المدنيين كدروع بشرية. غير أن حجم الأدلة، وتعدد مصادرها، واتساع نمط الجرائم، يجعل النفي الإسرائيلي أقرب إلى دفاع سياسي عاجز أمام وثيقة أممية ثقيلة.

إن جوهر هذا التقرير أنه ينزع عن جرائم الاحتلال غطاء “الحرب” و“الأخطاء” و“الأضرار الجانبية”، ويضعها في خانة أبشع: إبادة ممنهجة تستهدف الأطفال بوصفهم مستقبل الشعب الفلسطيني. فحين يُقتل عشرات الآلاف من الأطفال، ويُصاب عشرات الآلاف، ويُحرم مئات الآلاف من التعليم والغذاء والرعاية، وتُدمر المدارس والجامعات والمستشفيات ومراكز الأمومة، فإننا لا نكون أمام عدوان عسكري فقط، بل أمام محاولة لتصفية الوجود الفلسطيني من جذوره.

ويؤكد التقرير أن المجتمع الدولي لم يعد أمام نقص في المعلومات، بل أمام اختبار أخلاقي وقانوني. فالحقائق موثقة، والضحايا معروفون، والوحدات المتورطة يجري تحديدها، والجرائم مستمرة رغم وقف إطلاق النار. لذلك دعت اللجنة الدول الأعضاء ومجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية إلى اتخاذ خطوات عملية لضمان المساءلة، ومنع استمرار الإفلات من العقاب، وإعطاء الأولوية للعدالة كجزء لا يتجزأ من أي مسار سياسي.

وبذلك، يتحول التقرير الأممي إلى إدانة ثقيلة للاحتلال الإسرائيلي وللصمت الدولي الذي وفر له الغطاء. فالأطفال الفلسطينيون لم يكونوا ضحايا جانبيين في هذه الحرب، بل كانوا في قلب الاستهداف. ومن غزة إلى الضفة، ومن القصف إلى الجوع، ومن المدارس المدمرة إلى مراكز الاحتجاز، تتكشف الحقيقة الأكثر قسوة: الاحتلال يشن حرباً على الجيل الفلسطيني القادم، وعلى حق الشعب الفلسطيني في البقاء والمستقبل والحرية.