كشفت صحيفة “التايمز” البريطانية عن فشل أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية في تعقّب المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي، رغم توظيف واشنطن وتل أبيب أحدث وسائل المراقبة الإلكترونية والأقمار الاصطناعية وشبكات العملاء في محاولة الوصول إليه.
وبحسب التقرير، نجح مجتبى خامنئي في تضليل أجهزة الاستخبارات الغربية والإسرائيلية والإفلات من كاميراتها ووسائل تنصتها، في وقت أخفقت فيه عيون الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في تحديد مكانه أو اختراق الحلقة الأمنية المحيطة به.
وأشارت الصحيفة إلى أن المفاوضات الجارية ربما استُخدمت غطاءً استخباراتياً لمحاولة تحديد موقع المرشد الإيراني، انطلاقاً من تقدير غربي بأن القرارات المصيرية ستدفع كبار المسؤولين الإيرانيين إلى التواصل معه أو التوجه إليه، بما قد يمنح أجهزة التجسس فرصة لرصد تحركاتهم والوصول إلى موقعه.
غير أن هذه المحاولات، وفق التقرير، لم تحقق أهدافها، بعدما غيّر خامنئي أساليب التواصل والعمل بصورة شاملة، وقطع القنوات الإلكترونية التي تعتمد عليها الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية في عمليات التعقّب والاستهداف.
وقالت الصحيفة إن التحدي الأكبر الذي يواجه أكثر أجهزة الاستخبارات تطوراً في العالم يتمثل في أن مجتبى خامنئي لم يعد يستخدم الوسائل التقليدية للتواصل، إذ لم يستعمل هاتفاً أو جهاز كمبيوتر منذ نحو 150 يوماً.
ويعتقد مسؤولون استخباراتيون، وفق ما نقلته الصحيفة، أن المرشد الإيراني موجود في ملجأ عميق ومحصّن، ويتجنب الظهور في الأماكن المفتوحة خشية رصده بواسطة الأقمار الاصطناعية التجسسية الأمريكية.
ويكشف هذا الأسلوب عن إدراك إيراني دقيق لطبيعة الأدوات التي تعتمد عليها واشنطن وتل أبيب، وقدرة على تعطيلها عبر تقليل البصمة الإلكترونية، وتغيير أنماط الحركة، ومنع أي اتصال يمكن تتبعه أو تحليله.
وأوضحت “التايمز” أن الولايات المتحدة وإسرائيل سبق أن استخدمتا كل الوسائل الإلكترونية المتاحة في محاولات تعقّب والده، علي خامنئي، بما في ذلك اختراق كاميرات المرور في طهران ومراقبة المركبات التي يستخدمها الحراس والمساعدون وكبار المسؤولين.
وأضافت أن تلك العمليات نُفذت بتنسيق بين وكالة الأمن القومي الأمريكية والوحدة الإسرائيلية 8200، واستندت إلى تحليل شبكات الاتصالات والصور وحركة المركبات للوصول إلى مواقع شخصيات سياسية وعسكرية واستخباراتية إيرانية.
لكن الصحيفة أقرت بأن الوضع هذه المرة مختلف، إذ نجحت القيادة الإيرانية في إغلاق المسارات التقنية التي تعتمد عليها تلك الأجهزة، وتحويل عملية التعقّب إلى مهمة أكثر تعقيداً لا تكفي فيها الأقمار الاصطناعية أو أدوات الاختراق الإلكتروني.
وبحسب التقرير، فإن الدور المحوري الذي يؤديه مجتبى خامنئي في النظام الإيراني، وفي اتخاذ القرارات العسكرية والسياسية، يجعل العثور عليه هدفاً استخباراتياً مهماً بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب، إلا أن اختفاءه الكامل عن الأنظار أفشل المحاولات المستمرة للوصول إليه.
وتشير الصحيفة إلى أن أجهزة الاستخبارات الغربية باتت تواجه حقيقة أن التكنولوجيا وحدها لم تعد كافية، وأن المفتاح الوحيد المحتمل لتحديد مكان المرشد الإيراني هو الاعتماد على العنصر البشري والعملاء داخل إيران.
ونقلت “التايمز” عن رامي إيغرا، الرئيس السابق لأحد أقسام الموساد، قوله إن المشكلة التي تواجهها إسرائيل تشبه تلك التي واجهتها في غزة أثناء محاولات العثور على الأسرى.
وقال إيغرا: “سيطرت المخابرات الإسرائيلية على قطاع غزة بأكمله، وزُرعت أجهزة تنصت في كل دورة مياه لتتبع أماكن احتجازهم، لكننا لم نعثر عليهم”.
وأضاف أن السبب يعود إلى “الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الإلكترونية والإهمال الواضح للعنصر البشري، أي الجواسيس”، في اعتراف صريح بمحدودية القدرات التقنية الإسرائيلية عندما ينجح الخصم في تعطيل الاتصالات وإغلاق دوائر الاختراق البشري.
ويحمل هذا الاعتراف دلالة تتجاوز ملف مجتبى خامنئي، إذ يكشف أن الصورة التي تروج لها إسرائيل عن قدرتها المطلقة على الوصول إلى أي هدف لا تعكس الواقع دائماً، وأن شبكاتها الاستخباراتية يمكن شلّها عندما تُحرم من الإشارات الإلكترونية والمصادر البشرية.
كما يوضح التقرير أن إيران استفادت من التجارب السابقة وطورت إجراءاتها الأمنية بما يمنع تكرار أنماط الاختراق، الأمر الذي جعل الوصول إلى القيادة العليا أكثر صعوبة، وأجبر واشنطن وتل أبيب على البحث عن وسائل جديدة أقل ضماناً وأكثر كلفة.
وتبدو محاولة استغلال المفاوضات للوصول إلى المرشد الإيراني دليلاً على تسييس المسار الدبلوماسي وتحويله إلى أداة استخباراتية، ما يفسر تشدد طهران في إجراءاتها الأمنية وتحفظها تجاه التحركات والاتصالات المحيطة بالملف التفاوضي.









